محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 04:51
المحور:
القضية الفلسطينية
تتجه السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة نحو إعادة صياغة العلاقة بين التراث والسيادة على نحو غير مسبوق. ففي أيار 2026 صادق الكنيست بالقراءة الأولى على مشروع قانون يقضي بإنشاء "سلطة تراث يهودا والسامرة"، وهي هيئة جديدة يفترض أن تتولى إدارة المواقع الأثرية في الضفة الغربية، مع صلاحيات واسعة تشمل التنقيب والتطوير والمصادرة وإعادة تنظيم استخدام الأراضي ذات الطابع الأثري. وجرى تقديم المشروع كخطوة إدارية تهدف إلى حماية التراث، غير أن دلالاته تتجاوز كثيراً حدود الإدارة الثقافية. فهو يمثل حلقة جديدة في مسار طويل يسعى إلى نقل إدارة الماضي من إطار الحكم العسكري إلى بنية مؤسسية إسرائيلية مدنية، بما يعيد تعريف العلاقة بين الأرض والتاريخ والسلطة.
لا يمكن فهم هذا التحول من خلال السياسات الإسرائيلية وحدها، لأن القضية تمس طبيعة علم الآثار ذاته ودوره في المجتمعات الحديثة. فمنذ نشأة هذا التخصص لم يكن التنقيب في الماضي نشاطاً معرفياً محايداً يقتصر على جمع اللقى وتصنيفها، بل ارتبط في كثير من الأحيان بمشاريع الدولة الحديثة وبناء الهُويات القومية وإعادة رسم الحدود السياسية والثقافية. وقد أظهرت دراسات عديدة في الأنثروبولوجيا التاريخية ودراسات التراث أن المعرفة بالماضي لا تنفصل عن علاقات القوة السائدة في الحاضر، وأن إنتاج التاريخ كثيراً ما ارتبط بإنتاج الشرعية السياسية وإعادة تشكيل المجال الاجتماعي [1].
ولعل التزامن التاريخي بين صعود علم الآثار الحديث واتساع الإمبراطوريات الأوروبية خلال القرن التاسع عشر ليس أمراً عرضياً. فقد ارتبطت البعثات الأثرية في مصر والعراق وسوريا وفلسطين وشمال أفريقيا بالمؤسسات الاستعمارية العسكرية والإدارية والمعرفية، وأسهمت المعرفة المنتجة عن الماضي في إعادة تعريف المجتمعات الخاضعة للاستعمار ضمن تصنيفات جديدة تخدم إعادة تنظيم المجال الاستعماري [2].
من هنا ظهر مفهوم "الاستعمار الأثري"، الذي لا يشير إلى تزوير الوقائع أو اختلاق الأدلة بقدر ما يشير إلى سلطة تحديد ما الذي يستحق التنقيب، وأي الحقب التاريخية تأخذ حيز الأولوية، وأي الروايات يجب عرضها في المتاحف والمناهج التعليمية والمواقع التراثية، وأيها يدفع إلى الهامش أو يستبعد من المشهد العام[3]. فالمشكلة لا تكمن في الأثر، وإنما في السلطة التي تمنحه المعنى وتحدد موقعه داخل السردية العامة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في حالات الاستعمار الاستيطاني. فالاستعمار التقليدي يسعى إلى استغلال السكان المحليين ومواردهم، بينما يعمل الاستعمار الاستيطاني على إعادة تشكيل المجتمع والجغرافيا بهدف إحلال جماعة جديدة محل السكان الأصليين. وقد صاغ باتريك وولف هذه الفكرة من خلال مفهوم "منطق الإزالة"، مؤكداً أن الاستعمار الاستيطاني ليس حدثاً تاريخياً ينتهي بانتهاء لحظة الغزو، بل بنية مستمرة تسعى إلى إزاحة السكان الأصليين مادياً ورمزياً وسياسياً من أجل تثبيت المجتمع الاستيطاني الجديد[4]
من هذا المنطلق تصبح السيطرة على الماضي جزءً من عملية الإحلال نفسها. فإعادة تعريف الذاكرة الجماعية وإعادة كتابة التاريخ وإعادة تسمية الأماكن ليست أنشطة ثقافية منفصلة عن الاستيطان، وإنما تشكل أحد شروط استمراره. فالجماعة التي تملك سلطة تعريف التراث تملك في الوقت نفسه قدرة استثنائية على إعادة تعريف المكان والهُوية والانتماء. ولهذا ارتبطت المشاريع الاستيطانية، من أمريكا الشمالية وأستراليا إلى جنوب أفريقيا وفلسطين، بمحاولات متواصلة لإعادة كتابة التاريخ المحلي ضمن سرديات تمنح الشرعية للمستوطنين وتُضعف الصلة التاريخية للسكان الأصليين بأرضهم[5]
لا يقتصر الأمر على كتابة التاريخ بعد وقوع الأحداث، فالسلطة تتدخل منذ البداية في إنتاج السجل التاريخي، فتحدد ما ينبغي توثيقه وما يجب إهماله، وما الذي يتحول إلى ذاكرة عامة وما الذي ينتهي في غياهب الصمت والنسيان[6] ، ومن هذه الزاوية لا يعود علم الآثار مجرد وسيلة لاكتشاف الماضي، بل يصبح أحد المواقع التي يجري فيها إنتاج الذاكرة وإعادة تنظيمها.
تظهر الحالة الفلسطينية بوصفها أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على هذا التداخل بين الأثر والسيادة. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر احتل التاريخ الكتابي موقعاً مركزياً في الخطاب الصهيوني، وجرى توظيف علم الآثار بصورة متزايدة لإنتاج جغرافيا تاريخية تربط بين المواقع المعاصرة والشخصيات والأحداث الواردة في النصوص الكتابية. فالحفريات الإسرائيلية لم تكن مجرد بحث عن ماضٍ مجهول، وإنما جزءً من مشروع أوسع لإنتاج حقائق مادية تساعد في بناء هوية قومية حديثة وإضفاء الطابع الطبيعي على المطالبة بالأرض [7]. ولا يكتسب الأثر معناه من وجوده المادي فقط، وإنما من خلال المؤسسات التي تنتجه وتفسره وتعرضه للجمهور. فالحفر والتوثيق والتصنيف والعرض ليست إجراءات تقنية محايدة، بل ممارسات اجتماعية تشارك بصورة مباشرة في بناء السرديات الوطنية وإعادة إنتاجها[8]
بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967 دخل علم الآثار مرحلة جديدة. فلم يعد دوره مقتصراً على إنتاج المعرفة التاريخية، وإنما أصبح جزءً من منظومة الحكم العسكري ذاتها. وهنا لم يعد السؤال متعلقاً بما تكشفه الحفريات من آثار، بل بمن يملك حق التنقيب، ومن يحتكر تفسير الماضي، ومن يحدد القيمة السياسية والثقافية للمكتشفات. وفي هذا الإطار برزت وحدة الآثار التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية بوصفها أحد أهم الأجهزة التي تربط بين المعرفة والسلطة. فقد تأسست الإدارة المدنية في العام 1981 بموجب الأمر العسكري رقم 947، وظهرت ضمنها وحدة الآثار برئاسة "ضابط الآثار" الذي يمتلك صلاحيات واسعة في إدارة المواقع الأثرية داخل الضفة الغربية[9]
وتشرف الوحدة اليوم على أكثر من 2300 موقع أثري في المنطقة المصنفة "ج"، وتحتكر إصدار تراخيص الحفر والتنقيب وأعمال الترميم والإشراف على المواقع الأثرية. وبموجب الأوامر العسكرية السارية لا يستطيع الفلسطيني إجراء حفريات أو ترميم مواقع تاريخية أو تنفيذ أعمال تطوير في مناطق مصنفة أثرية دون موافقة مسبقة من ضابط الآثار الإسرائيلي[10] . غير أن أهمية الوحدة لا تكمن في هذه الصلاحيات الإدارية وحدها، بل في الدور الذي تؤديه في دمج المواقع الأثرية ضمن البنية المادية والرمزية للمشروع الاستيطاني. فقد أظهرت بعض الدراسات أن النشاط الأثري الإسرائيلي في الضفة الغربية تركز بصورة لافتة في المناطق التي شهدت لاحقاً توسعاً استيطانياً واسعاً، بما يجعل العلاقة بين الحفريات والاستيطان أبعد من مجرد تزامن جغرافي عابر[11]
ويتجلى ذلك بوضوح في ما يعرف بحفريات الإنقاذ. فمن أصل 165 تصريحاً للتنقيب أصدرتها الإدارة المدنية بين عامي 2007 و2014، خُصص 118 تصريحاً لحفريات إنقاذ، وذهب نحو تسعين في المئة منها لخدمة مشاريع مرتبطة بالمستوطنات أو بالبنية التحتية الخاصة بها[12]. وهنا يتحول التنقيب من أداة لحماية المواقع المهددة إلى جزء من دورة التوسع الاستيطاني، إذ يوفر الغطاء القانوني والمعرفي لمشروعات الطرق والأحياء الجديدة والمناطق الصناعية والسياحية المرتبطة بالمستوطنات.
أما سبسطية فتقدم مثالاً مكثفاً لهذه العلاقة بين الأثر والسيادة. فالمدينة التي تضم أحد أهم المواقع الأثرية في فلسطين التاريخية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة صراع على الذاكرة والشرعية السياسية. وقد وثقت تقارير حديثة كيف استُخدمت مشاريع الترميم والتطوير الأثري لتعزيز الحضور الإسرائيلي في الموقع وربطه بالسردية القومية الإسرائيلية، رغم وجوده داخل فضاء اجتماعي فلسطيني حي ومأهول بالسكان[13]
في ضوء ذلك يصعب النظر إلى سياسات الآثار في الضفة الغربية باعتبارها مسألة تقنية تتعلق بحماية التراث أو مكافحة تهريب اللقى القديمة. فالموقع الأثري قد يتحول إلى حديقة وطنية إسرائيلية، أو مركز جذب سياحي للمستوطنين، أو مبرر قانوني لتقييد البناء الفلسطيني، أو محطة ضمن شبكة جغرافية تربط المستوطنات بعضها ببعض. وهكذا يصبح الماضي مورداً سياسياً يُستخدم في إعادة تشكيل الحاضر وإنتاج وقائع جديدة على الأرض[14]
ومن هذا المنظور لا تمثل "سلطة تراث يهودا والسامرة" مجرد هيئة إدارية جديدة، بل تعبر عن انتقال تدريجي من إدارة عسكرية للماضي إلى محاولة مأسسة السيادة عليه. فالصراع لم يعد يدور حول ملكية الأرض وحدها، وإنما حول حق تعريف تاريخها أيضاً. ومن يملك سلطة تحديد معنى الأثر وتفسيره وتصنيفه يملك، في جانب مهم من جوانب الصراع، سلطة إعادة تعريف المكان نفسه. ولذلك تبدو الآثار في الضفة الغربية أقل ارتباطاً بالماضي مما تبدو مرتبطة بالمستقبل؛ مستقبل الأرض، والذاكرة، والسيادة.
المراجع
[1]. Meskell, Lynn. 1998. Archaeology under Fire: Nationalism, Politics and Heritage in the Eastern Mediterranean and Middle East. London: Routledge.P,2-8
[2]. المصدر السابق
[3]. Meskell, Lynn. 2002. “Negative Heritage and Past Mastering in Archaeology.” Anthropological Quarterly 75 (3): 557–574.
[4]. Wolfe, Patrick. 2006. “Settler Colonialism and the Elimination of the Native.” Journal of Genocide Research 8 (4): 387–409.
[5]. Veracini, Lorenzo. 2010. Settler Colonialism: A Theoretical Overview. Basingstoke: Palgrave Macmillan.P,96-107
[6]. Trouillot, Michel-Rolph. 1995. Silencing the Past: Power and the Production of History. Boston: Beacon Press.P,26-30
[7]. Abu El-Haj, Nadia. 2001. Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self-Fashioning in Israeli Society. Chicago: University of Chicago Press. P, 10-14
[8]. المصدر السابق 235-247
[9].Civil Administration. 2024. “Archaeology Unit.” Israeli Civil Administration.
[10]. المصدر السابق
[11]. Greenberg, Rafi, and Adi Keinan. 2020. Israeli Archaeological Activity in the West Bank, 1967–2007: A Sourcebook. Jerusalem: Emek Shaveh. P ,25-39
[12].Emek Shaveh. 2017. Salvage Excavations in the West Bank (Almost Entirely) for Settlers Only. Jerusalem: Emek Shaveh.
[13] Middle East Eye. 2024. “Israel s Seizure of Sebastia Symbolises its Theft of Palestine s Cultural Sites.”
[14]. Emek Shaveh, and Yesh Din. 2017. Appropriating the Past: Israel’s Archaeological Practices in the West Bank. Jerusalem: Emek Shaveh and Yesh Din.
#محمود_الصباغ (هاشتاغ)
Mahmoud_Al_Sabbagh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟