أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - الهگوشية… رحلة نحو الناصرية تبدأ من السوق الأعوج














المزيد.....

الهگوشية… رحلة نحو الناصرية تبدأ من السوق الأعوج


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 02:50
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


كان صوت السكن (مساعد السائق) يعلو منذ الصباح الباكر قرب السوق الأعوج في الخضر:
(خضر… دراجي… بطحاء… ناصرية…)
صوت ما زال عالقا في الذاكرة رغم مرور عشرات السنين. يومها لم تكن الهگوشية مجرد سيارة نقل، بل كانت موعدا يوميا يعرفه الناس كما يعرفون موعد الفجر أو موعد بدأ عمال البناء.
قبل أن تدخل السيارات الحديثة إلى الخضر كانت وسائل النقل تعتمد على العربات التي تجرها الخيول أو على ظهور الخيل والحمير، أما السفر إلى المدن القريبة فكان يحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير. ومع بداية السبعينيات ظهر خط نقل جديد غير حياة الناس في المنطقة، حين أطلق أبناء آل هگوش سيارتهم الشهيرة التي عرفت بين الناس باسم
(الهگوشية).
كان الگراج يقع في الصوب الصغير قرب الجسر الخشبي المؤدي إلى السوق الأعوج. هناك كانت الرحلة تبدأ كل يوم. يقف أحد أبناء آل هگوش بانتظار اكتمال الركاب، فيما يواصل السكن نداءه المعروف. لم تكن هناك لوحات إلكترونية أو مواعيد مكتوبة، بل كانت الثقة والعلاقة المباشرة بين الناس هي التي تنظم كل شيء.
أتذكر أنني استقليت تلك السيارة أكثر من مرة مع والدي عندما كان عمله يتطلب الذهاب إلى القرى الواقعة على طريق الناصرية. كنت طفلا مأخوذا بالطريق أكثر من انشغالي بالوصول. كانت الرحلة بالنسبة لي نافذة مفتوحة على عالم أوسع من حدود الخضر. كنت أراقب البيوت المتناثرة، والسواقي، والنخيل، والوجوه التي تصعد وتنزل في محطات الطريق.
ويقول محمد عبد الله آل هگوش إن العائلة بعد توسع أعمالها استعانت بعدد من السواق المعروفين آنذاك، منهم محمود وحسن وموسى الأعور من البطحاء. وكانت الهگوشية تمر بأربع محطات رئيسية هي: الخضر، والدراجي، والبطحاء، والناصرية، إضافة إلى محطات فرعية مثل مزار الشريف والبيگات والهويشلي والمنتفگ. كما امتلكت العائلة ثلاث سيارات موديلات 1969 و1970 و1971.
لم تكن الهگوشية مجرد وسيلة نقل ركاب. فقد ارتبطت أيضا بخدمة المواكب الحسينية ونقل الزائرين إلى كربلاء. ويذكر محمد عبد الله آل هگوش أن المرحوم عباس آل هگوش ووالده المرحوم عبد الله، إضافة إلى العم كامل الهداد المعروف بين الناس باسم كامل آل هگوش، كانوا يشرفون على نقل مواكب الخضر إلى كربلاء. وكانت السيارات تحمل الخيم وقدور الطبخ الكبيرة ومستلزمات الخدمة فوق السلة الممتدة على طول سقف السيارة.
كما استخدمت إحدى السيارات لنقل الحجاج إلى مكة المكرمة بإشراف المرحوم عباس آل هگوش، في زمن كان السفر فيه مغامرة طويلة تحتاج إلى خبرة وصبر واستعداد.
وكان لأبناء الخضر آنذاك موكب واحد معروف إسمه موكب الجمهور يشارك في الزيارات الدينية، يضم المرحوم الحاج فجر والمرحوم محمد المجيبل وعددا من أبناء المدينة. وكانت الخيم تنصب بين الحرمين في المواقع التي اعتادت المواكب أن تتخذها مكانا ثابتا لها عاما بعد آخر.
ورغم بساطة الإمكانات، كانت الهگوشية تؤدي مهاما تتجاوز النقل. فقد كان سائقها يعرف أغلب الركاب وأسماء عوائلهم والقرى التي يقصدونها. وإذا أراد أحدهم النزول عند بيت شخص معروف على الطريق يكفي أن يذكر اسمه. أما اليوم فقد تبدو هذه الحكاية غريبة أو طريفة في زمن الخرائط الرقمية والهواتف الذكية.
وأحيانا كان الراكب لا يملك أجرة السفر، فلا يتركه خلفه. كانت العلاقات الاجتماعية أقوى من الحسابات التجارية. وقد ينتظر السائق أجرته إلى رحلة أخرى، أو يساعد محتاجا يعرف ظروفه. كما كان الركاب يتبادلون الأخبار والتحذيرات عن الطرق والأمطار والسواقي والذئاب التي كانت تظهر أحيانا قرب بعض المناطق الريفية.
كانت أيام المطر والفيضانات تشكل تحديا حقيقيا. فالطريق لم يكن معبدا كما هو اليوم، بل يمتد بمحاذاة النهر على الحاجز الترابي الذي اقامته الدولة نهاية الستينات من القرن الماضي المعروف ب(الروف) أقيم فوق طريق ترابي قد تتوقف الحركة فيها أياما كاملة اثناء المطر او ايام الفيضانات. ومع ذلك استمرت الرحلات، وظلت الهگوشية تربط الخضر بالناصرية وتختصر على الناس مشقة السفر.
ويقول جاسم هنوب الأعاجيبي إنه أحب مهنة السياقة منذ صغره لتأثره بأخواله من آل هگوش، ويتذكر نصيحة ظل يرددها طويلا قالها له المرحوم علي ال هگوش:
(إذا أردت أن تنجح في أن تكون سائقا بارعا، فلا تعاند قديم المهنة، وقديم المعرفة، وقديم الخبرة، وابتعد عن صغير العقل، وصغير السن، وصغير التجربة).
ويرى جاسم أن هذه الكلمات لم تكن تخص السياقة وحدها، بل كانت خلاصة تجربة طويلة اكتسبها رجال الطريق من السفر اليومي والتعامل مع الناس ومفاجآت الرحلات.
وسميت السيارة بالهگوشية نسبة إلى أصحابها وسائقيها، كما جرت العادة في العراق على إطلاق أسماء خاصة على بعض أنواع السيارات وخطوط النقل حتى أصبحت جزءا من الذاكرة الشعبية المحلية.
رحلت الهگوشية ورحل رجالها، لكن ذكراها ما زالت حاضرة في ذاكرة أبناء الخضر. وما زال كثيرون يتذكرون صوت السكن قرب السوق الأعوج، وصوت المحرك وهو يستعد للانطلاق مع أول ضوء للفجر. يوم كانت السيارة أكثر من وسيلة نقل، وكانت الرحلة تعرف ركابها بأسمائهم، ويعرف الركاب صاحبها، فتربط الخضر بالناصرية، وتربط الناس بعضهم ببعض.
وربما لم يبقى اليوم من الهگوشية سوى الصور والذكريات وأحاديث من عاشوا زمنها، لكن ذلك النداء القديم: (خضر… دراجي… بطحاء… ناصرية…) ما زال يتردد في ذاكرة أبناء الخضر كلما استعادوا زمنا كانت فيه الرحلة تبدأ من السوق الأعوج، وتنتهي بمعرفة أعمق بالطريق والناس والحياة.



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشيخ عزيز ال سْفًر… رجل تكلمت عنه المواقف أكثر من الكلمات
- عبد شمخي العسكري… حين كانت الدولة تأتي على صهوة جواد
- من خمسين اسما لمردوخ إلى خمسين مليونًا للصوت!
- لعنة البقاء… ونعمة الرحيل
- صبحي المصور… خيمته الكبيرة علامة فارقة في العيد
- حميد أبو كلل… حين كان المختار أكبر من ختم على ورقة
- طالب الفزع… غاب الجسد وبقيت المقاسات شاهدة
- رحلة جديدة للقمر
- المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه… الرجل الذي كتب للناس فغيّر مس ...
- عيّارية بغداد بين الماضي والحاضر
- حين يصنع الرمز… ولا يولد
- الشمال… صُنّاع ذاكرة المدينة يرحلون ويبقى إشعاعهم
- اللحية… حين تتحول الرموز إلى لغة سلطة
- حين تفقد الدولة احتكارها للصراع… من يقرر الحرب اليوم؟
- أيام الحب والحرب
- ماذا تفعل أوروبا إذا توافد اللاجئون من دول الخليج؟
- الجهراء… حين أنقذت القبائل العراقية ما عجز عنه جيش الإخوان
- فخ المنصات.. حين يبتلع -الضجيج- صوت الحوار
- النخب الثقافية: من صناعة الوعي إلى اختبار المنصّة
- نوري المالكي: هل تمكنه المراوغة من تمرير ولايته الثالثة ؟


المزيد.....




- مصر.. حادث مأساوي مميت لدراجتين ناريتين في الإسكندرية
- واشنطن وطهران.. انتظار بدء الأيام الستين
- سجال علني بين ميلوني وترامب
- لندن.. بورنهام يقترب من مكتب ستارمر
- صيادون ليبيون يعثرون على 15 مهاجرا بعد انقلاب قاربهم قبالة س ...
- زيلينسكي: مفاوضات روسيا وأوكرانيا قد تستأنف لكن بصيغة مختلفة ...
- ترامب: الإيرانيون عباقرة بدائيون ولولاي لما كانت إسرائيل موج ...
- سفن وناقلات نفط راسية في بحر عمان مع استئناف الملاحة بالكامل ...
- مستشار المرشد الإيراني: الحرب والدفاع لم ينتهيا بعد.. على أب ...
- ترامب يكشف عن أمنيته -الوحيدة- كرئيس تجاه الشعب


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - الهگوشية… رحلة نحو الناصرية تبدأ من السوق الأعوج