نايف عبوش
الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 23:47
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
اللغة العربية والقرآن الكريم.. شرف الوعاء وعالمية الرسالة
نزل القرآن الكريم، كما هو معروف، بلغة العرب، ليكون قريبًا من أفهامهم، واضحًا في معانيه لهم، وقادرًا على التأثير في نفوسهم وعقولهم.
على أن عربية القرآن الكريم، مع ذلك، لم تجعل رسالته محصورة بالعرب، بقوم أو أمة، وإنما جاءت عالمية المقصد، إنسانية الغاية، تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان.
وظلت اللغة العربية مفتاحًا أصيلًا لفهم النص القرآني واستيعاب مقاصده على الوجه الأكمل المراد من النص، على قاعدة قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2). وتمثل هذه الآية الكريمة واحدة من أبرز الآيات التي تؤكد مكانة اللغة العربية، وتكشف عن الحكمة الإلهية من اختيارها وعاءً لآخر الرسالات السماوية، وحاملةً للخطاب القرآني الكريم إلى البشرية جمعاء.
ولا ريب أن اللغة العربية تتميز بثراء مفرداتها، واتساع دلالاتها، وقدرتها الفائقة على التعبير عن أدق المعاني، وإيضاح أعمق الأفكار، الأمر الذي جعلها مؤهلة تمامًا لحمل الرسالة الخاتمة بما تتطلبه من دقة في التشريع، وشمول في التوجيه، وإعجاز في البيان. فلم تكن العربية مجرد أداة لغوية لنقل المعاني فحسب، وإنما كانت جزءًا من الإعجاز القرآني الذي تجلت فيه روعة البيان، وبلاغة التعبير، وعمق الدلالة.
وهكذا نجد أن قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يلفت الانتباه إلى العلاقة الوثيقة بين اللغة والفهم والعقل؛ إذ إن القرآن لم ينزل لمجرد التلاوة، وإنما للتدبر والتفكر وإعمال العقل في آياته ومعانيه. ومن هنا يتبين أن تعلم العربية وإتقانها يظلان وسيلة مهمة للتعمق في فهم القرآن الكريم، واستكشاف ما ينطوي عليه من هداية وتشريعات وقيم إنسانية سامية.
وفي عصر تتسارع فيه تداعيات العولمة، وصخب العصرنة، والتداخل الثقافي، تزداد الحاجة إلى صيانة اللغة العربية من المسخ، والمحافظة على أصالة هويتها، وحضورها الفاعل في ميادين التعليم والثقافة والإعلام، بوصفها لغة القرآن، وأحد أهم مقومات الهوية الحضارية للأمة.
وتظل آية ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ دعوة متجددة إلى الاعتزاز باللغة العربية، والتمسك بها، وتوظيفها في بناء المعرفة ونشر الثقافة؛ لأنها لغة حملت نور الوحي، واحتضنت رسالة السماء، وأسهمت في صناعة واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية عبر التاريخ.
وقد حفظ الله تعالى هذه اللغة بحفظ كتابه الكريم، فبقيت حية نابضة على مدى القرون، في حين اندثرت أو تبدلت كثير من اللغات القديمة، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
#نايف_عبوش (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟