|
|
تأريخ المنصة الألكترونية وتطور أشكال عملها
حازم كويي
الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 15:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
نور ياسمين أورال(*) آنا بيرغ(*) ترجمة:حازم كويي
تُعد منصة Twitch من المنصات التي تتيح البث المباشر عبر قنوات فردية. ورغم أن منصات مثل YouTube وFacebook توفر أيضاً خدمة البث المباشر، فإن الجزء الأكبر من البث المباشر عالمياً يتم عبر منصات متخصصة، وتُعتبر Twitch الأكثر نجاحاً بينها. استخدام المنصة سهل ومتاح للجميع؛ إذ يكفي إنشاء حساب لمشاهدة البثوث المباشرة. ومن حيث المبدأ، يمكن لأي شخص يمتلك ميكروفوناً، وكاميرا، واتصالاً مستقراً بالإنترنت، ومعرفة تقنية أساسية، أن يبدأ بالبث المباشر. لفترة طويلة، بقيت منصة Twitch في ألمانيا «بعيدة عن الأضواء»، أو ارتبط اسمها غالباً بصورة سلبية. وخارج مجتمع الألعاب الإلكترونية، ولم يتعرف كثيرون على المنصة إلا بعد أن قام اليميني المتطرف Stephan B. في تشرين الأول 2019 ببث هجومه في مدينة (هاله) مباشرة على Twitch. وخلال محاولته الفاشلة لاقتحام كنيس يهودي، قتل شخصين وأصاب شخصاً آخر. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المنصة تُناقش بشكل أساسي في سياق الدراسات المتعلقة بالألعاب الإلكترونية، والبث المباشر، والتطرف اليميني. لكن من المهم التأكيد على أن الألعاب والمحتويات اليمينية المتطرفة لا تمثل سوى جزء صغير من منظومة Twitch. فالمنصة تضم اليوم أشكالاً متنوعة جداً من المحتوى، من بينها أيضاً برامج وأعمال تهتم بالتثقيف السياسي. ولفهم هذا التنوع، والأنواع المختلفة من المحتوى والمجتمعات الموجودة على المنصة، إضافة إلى جذورها وتقاليدها، من المفيد إلقاء نظرة على تاريخ المنصة وتطورها. ظهرت منصة Twitch عام 2007 تحت اسم Justin.tv، وهي شركة ناشئة من مدينة سان فرانسيسكو هدفت إلى جعل البث المباشر متاحاً على مدار الساعة وللجميع. وفي عام 2011، جرى تقسيم Justin.tv إلى قسمين، ومن الجزء المتخصص بالألعاب نشأت منصة Twitch.tv، التي ركزت في بدايتها حصرياً على بث ألعاب الكمبيوتر. في تلك المرحلة المبكرة، أصبحت المنصة مركزاً أساسياً لعالم الألعاب الإلكترونية والرياضات الإلكترونية (E-Sports). وكان الشكل المعتاد للبث آنذاك يقوم على مشاهدة أحد الباثّين(الباثّين: صنّاع البث المباشر أو مقدّمو البث) أثناء لعبه لعبة فيديو، حيث يتابع المشاهدون الشخصية داخل اللعبة بشكل مباشر على الشاشة. وغالباً ما كان الجمهور يرى واجهة اللعبة ويسمع تعليق الباثّ، الذي يشرح ما يفعله أو ما يخطط له استراتيجياً أثناء اللعب. أما المحتوى غير المرتبط بالألعاب فلم يكن مسموحاً به. تغير ذلك عام 2014 عندما استحوذت شركة Amazon على المنصة مقابل 970 مليون دولار أمريكي. ومنذ ذلك الحين، بدأت Twitch بالتوسع البنيوي وفتحت المجال أمام أنواع جديدة ومتعددة من المحتوى، كما جرى تدريجياً تخفيف القيود المتعلقة بطبيعة المحتوى المسموح. ظهرت فئات بث جديدة مثل “في الحياة الواقعية ” و“مجرد دردشة ”، وهي فئات لم تعد تركز على الألعاب. ففي بثوث الحياة الواقعية ، يصطحب الباثّون جمهورهم إلى مواقف حياتية يومية «غير مصفّاة»، مثل تناول الطعام، والسفر، والتسوق، والطهي، أو حتى إلى بيئة عملهم وعملياتهم المهنية. ومن الأنواع التي أصبحت شائعة أيضاً البثوث التي يشاهد فيها الجمهور الفنانين والمبدعين أثناء عملهم الإبداعي بشكل مباشر. تشكل فئة “مجرد دردشة ” بدلاً من اللعب ـ الأساس لتلك الثقافات الفرعية والشبكات السياسية التي سيدور حولها الحديث لاحقاً. ففي هذه الفئة، يتحدث الباثّون عن مختلف المواضيع الممكنة، بما في ذلك المحتوى السياسي بشكل متزايد. وقد شهدت هذه الفئة نمواً سريعاً، وبحلول ديسمبر/كانون الأول 2019 أصبحت من أكثر الفئات مشاهدة على منصة Twitch. وبذلك أصبحت هذه الفئة الأكثر بثاً ومشاهدة على المنصة. ففي تشرين الثاني 2025، شاهد المستخدمون أكثر من 45 مليون ساعة من محتوى “ خلال أسبوع واحد فقط. وفي الوقت نفسه، وصل التنوع الداخلي للمحتوى داخل هذه الفئة إلى درجة كبيرة جداً، بحيث لم تعد الفئة تُعتبر بالنسبة للكثيرين أداة دقيقة أو كافية للتصنيف أو التحليل. ومن المهم معرفة تاريخ منصة Twitch وجذورها المرتبطة بعالم الألعاب لفهم كيفية تطور المحتوى السياسي عليها. فالنقاشات السياسية على Twitch لم تظهر بشكل منفصل أو معزول، بل نشأت من داخل ثقافة خاصة بالمنصة تأثرت بشدة بأصولها القادمة من بيئة الألعاب الإلكترونية. فالكثير من المستخدمين دخلوا المنصة في البداية بسبب الألعاب. كما أن عدداً كبيراً من الباثّين الذين أُجريت معهم مقابلات بدأوا أصلاً كمشاهدين لمحتوى الألعاب أو كلاعبين كانوا يقومون بالبث بأنفسهم. بعضهم ابتعد لاحقاً عن محتوى الألعاب واتجه إلى أنواع أخرى من البرامج، بينما ما زال آخرون حتى اليوم يربطون نقاشاتهم السياسية بالألعاب، فيلعبون مثلاً جولة من الألعاب بعد انتهاء نقاش سياسي. إذاً، ما يزال عالم الألعاب حاضراً ليس فقط في طبيعة المحتوى، بل أيضاً في الرموز وأساليب التواصل على منصة Twitch. وتُظهر أبحاث المنصات الرقمية ودراسات الألعاب أن بيئات البث المباشر طورت عبر السنوات أنماطاً خاصة من التواصل وقواعد مميزة للتفاعل. ويعني ذلك في Twitch أن عناصر نموذجية من ثقافة الألعاب ـ مثل اللغة التنافسية، والفكاهة الساخرة والمبالغ فيها، والإشارات القائمة على “الميمز” ـ تبقى مؤثرة حتى عندما يبتعد المحتوى عن الألعاب نفسها. فهذه الخلفية الثقافية تؤثر على طريقة ظهور الباثّين، وعلى نوع المزاح الذي «ينجح»، وكذلك على أشكال التفاعل التي تُعتبر طبيعية وأصيلة داخل المنصة.
ويعيد كل من الباثّين والمشاهدين إنتاج هذه الثقافة، سواء من خلال أسلوبهم أثناء البث والدردشة، أو عبر ممارسات الاشتراك والدعم المالي للقنوات. فكثير من المستخدمين تأثروا بسنوات طويلة من المشاهدة، ولديهم شعور بأنهم «عاشوا» تطور المنصة خطوة بخطوة. وقد روى أحد الأشخاص الذين تمت مقابلتهم أنه ما يزال يتذكر ظهور ما عُرف بـ “Hot-Tub-Streams”، وهي بثوث كانت تظهر فيها نساء بملابس قليلة داخل أحواض جاكوزي وهنّ يتحدثن مع الجمهور. وقد ساهمت هذه الأنواع من المحتوى في تكوين مواقف وسلوكيات ذات طابع كاره للنساء داخل المنصة، وما تزال الباثّات النساء يواجهن آثارها حتى اليوم. ورغم أن كثيراً من المشاهدين يحاولون اليوم الابتعاد عن تلك الثقافة، فإن حقيقة أن مثل هذه البثوث كانت يوماً ما منتشرة بقوة على Twitch ما تزال تؤثر في توقعات الجمهور تجاه المحتوى على المنصة. وفي الوقت نفسه، أدى ظهور محتويات تُعتبر أكثر «تطرفاً» ـ سواء كانت ذات طابع جنسي أو سياسي حاد ـ إلى تشديد واضح في قوانين تنظيم المنصة. فقد ردّت إدارة Twitch بوضع قواعد أكثر صرامة للإشراف والمراقبة، ما دفع أنواعاً من المحتوى مثل “Hot-Tub-Streams” أو المحتويات السياسية الراديكالية إلى الانتقال تدريجياً نحو منصات أخرى. ولهذا السبب، أصبح المحتوى اليميني المتطرف «الصريح» أقل حضوراً على Twitch اليوم.
.1 التأثير الأسلوبي: اليسار الأميركي على Twitch خلال السنوات العشر الماضية، تشكلت داخل فئة “ مجرد دردشة ” ومن خلالها شبكات وثقافة خاصة بالتعليق السياسي، ويصف كثير من المشاركين فيها أنفسهم بأنهم «مدوّنو رأي». وفي الوقت نفسه، فهم يمارسون نوعاً من العمل الصحفي اليومي.
«مدونو الرأي» هؤلاء يدمجون بين وسائل التواصل الاجتماعي وأساليب التواصل الخاصة بـ Twitch، وخصوصاً التعليق المباشر و«محتوى التفاعل» (Reaction)، مع شرح الأخبار، والتفاعل مع النقاشات السياسية الجارية، والتعليق على المعلومات الجديدة. وبهذه الطريقة، ساهمت المنصة في تشكيل ثقافة إخبارية جديدة أصبحت مؤثرة إلى درجة أن وسائل الإعلام التقليدية بدأت بدورها تتفاعل معها. فعلى سبيل المثال، أنشأت كل من محطتي تلفزيونZDF وARD الألمانيتين قنوات خاصة بهما على Twitch، تقدمان من خلالها بثوثاً تفاعلية وتعليقية للأخبار تحت اسم “سماع الأخبار معاً”. هذا الشكل الجديد من تقديم الأخبار ليس يمينياً أو يسارياً بحد ذاته ـ وسيتضح ذلك لاحقاً. لكن توجد بالفعل ساحة من الباثّين ذات توجه يساري واضح لعبت دوراً أساسياً في تطوير هذا النوع من المحتوى. ويتمثل النموذج الأهم بالنسبة لهم في شبكات مشابهة، لكنها أكبر بكثير، من الباثّين والمعلقين السياسيين ـ ومعظمهم من اليسار ـ في الولايات المتحدة. فمنذ نهاية تسعينيات القرن الماضي ظهرت هناك أشكال إعلامية جديدة كانت ترى نفسها تقدمية ومستقلة وذات توجه يساري، وكانت تبث عبر الإذاعة والتلفزيون. ومن أشهر هذه المشاريع الإعلامية: الديمقراطية الآن!، والأتراك الشباب ، وتقرير الأغلبية الذي كان يُعرف سابقاً باسم “قناة السدر ”، إضافة إلى برنامج مايكل بروكس. كما توجد علاقات وترابط وثيق بين هذه المنصات. وتجمع هذه المنصات التقدمية البديلة بين الصحافة الاستقصائية، والبرامج الإخبارية، والسخرية السياسية. وقد رسخت حضورها في البداية خصوصاً على منصة YouTube. وخلال السنوات الأخيرة، وبسبب النجاح المتزايد الذي حققته منصة Twitch خارج مجتمع الألعاب، بدأت العديد من هذه البرامج ـ مثل “تقرير الأغلبية” و“الأتراك الشباب” ـببث برامجها أيضاً عبر Twitch. يُعدّ أحد أبرز ممثلي اليسار الأميركي على منصة Twitch شخصية تنتمي مباشرة إلى هذه الأوساط، وهو التركي-الأميركي البالغ من العمر 34 عاماً حسن دوغان بيك، المعروف باسم “حسن آبي ” أي «الأخ الأكبر حسن» باللغة التركية. بدأ حسن نشاطه في التعليق السياسي ضمن برنامج الأتراك الشباب ، ثم سرعان ما أسس قناته الخاصة على Twitch، حيث جمع بين شغفه الكبير بالألعاب الإلكترونية وبين محتوى “تقرير الأغلبية ” السياسي. واليوم يعرّف نفسه بأنه اشتراكي، ويتابعه نحو ثلاثة ملايين شخص. وقد ظهر في العديد من البرامج والوسائل الإعلامية المختلفة، كما أن وسائل إعلام رئيسية عديدة ـ من بينها The New York Times وTime ـ تتناول محتواه أو تكتب عنه بشكل متكرر. كما يجري اليوم مقابلات وينتج محتوى مع شخصيات سياسية بارزة، من بينها إلهان عمر ، وبيرني ساندرز، وألكسندريا أوكاسيوس كورتز، وزهران ممداني في الولايات المتحدة، إضافة إلى جان لو ميلنشون، زعيم حزب فرنسا الأبية اليساري في فرنسا. وليس بيك مجهولاً في ألمانيا أيضاً؛ إذ يأتي نحو 4% من جمهوره من هناك، ما يجعل ألمانيا رابع أكبر قاعدة لمشاهديه بعد الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة. وفي الوقت نفسه، يُعتبر شخصية مثيرة للجدل. فبسبب تعليقاته المناهضة للإمبريالية، يُتهم أحياناً بالتطرف اليساري، كما تُوجَّه إليه أحياناً اتهامات بمعاداة السامية بسبب مواقفه المتعلقة بإسرائيل. إلى جانب ذلك، كثيراً ما تصفه وسائل الإعلام بأنه «شديد الذكورية»، كما يُنظر إلى إظهاره لجسده الرياضي والعضلي بوصفه جزءاً من صورته وتأثيره العلني. إن أسلوب حسن دوغان المميز هو ما منحه هذا الانتشار الواسع، وجعله شخصية مركزية ومؤثرة داخل مشهد اليسار على منصة Twitch. فعلى خلاف الشبكات التي ذُكرت سابقاً، والتي تظهر بصورة أكثر «احترافية»، جمع حسن منذ البداية بين التحليل السياسي واللغة الفظة، والسخرية المرحة، والمبالغة المتعمدة. ومن السمات المميزة لأسلوبه تقليده للشخصيات ـ وخاصة دونالد ترامب ـ وردود أفعاله الانفعالية، وعاطفيته، واستخدامه للإهانات والتصريحات الاستفزازية، إلى جانب حضوره الذي يشبه أسلوب الشارع غير المتكلف. كما اشتهر أيضاً بلحظات فقدانه لأعصابه، عندما يلتقط أحياناً تعليقاً ناقداً من الدردشة المباشرة ليبدأ بعدها بمهاجمة صاحبه بشكل حاد. وهذا الشكل من النقاش السياسي الحواري، الذي يتعمد فيه المعلّقون استخدام لغة تُظهرهم كأنهم «صوت الرجل العادي»، يمتلك تقليداً أقدم في الولايات المتحدة يتجاوز منصة Twitch نفسها، ويرتبط ببرامج الإذاعة الحوارية السياسية التي انتشرت منذ ثمانينيات القرن الماضي. وفي الوقت نفسه، يظهر في أسلوب بيك أثر واضح لثقافات فرعية رقمية مختلفة، مثل الفكاهة الساخرة ذات الطابع العدمي، المرتبطة بثقافات القرصنة الإلكترونية (Hacking) والتصيّد والاستفزاز التي تطورت على منصات الإنترنت المختلفة.
قد يكون بيك أشهر ممثلي هذا المشهد، لكنه ليس الوحيد. فإلى جانبه يوجد عدد كبير من الباثّين المؤثرين الذين أسسوا لأنفسهم علامات شخصية مستقلة، وأسهموا بشكل أساسي في تشكيل شبكة اليسار على منصة Twitch. ومن بينهم ستيفن كينيث بونيل، المعروف باسم “Destiny”، الذي بدأ مسيرته كلاعب ألعاب إلكترونية ـ حتى قبل ظهور Twitch، عبر منصة ustream.tv ـ ويصف نفسه بأنه ليبرالي اقتصادياً. ويُعتبر نموذجاً لما يُعرف بـ “debate bro”، أي الشخص الذي يعتمد أسلوب المناظرات الحادة والمستمرة. وقد لعب دوراً مهماً في نشر صيغة النقاشات غير الخاضعة للرقابة بين المواقف السياسية المختلفة، وخصوصاً بين اليسار واليمين. وكان لهذا النوع من المناظرات أهمية كبيرة أيضاً بالنسبة إلى اليسار الناطق بالألمانية على Twitch، خاصة في مراحله الأولى. ومن الباثّين الأساسيين الآخرين الذين ذكرهم عدد من الأشخاص الذين أُجريت معهم مقابلات بوصفه مصدر إلهام مهم، والمعروف باسم “VaushVidya” على Twitch. وقد بدأ في الأصل كمشارك نشط في دردشات Destiny قبل أن يؤسس قناته الخاصة. وتجذب بثوثه ـ التي يناقش فيها بانتظام شخصيات من اليمين، على غرار Destiny ـ آلاف المشاهدين. كما أن VaushVidya نفسه لاعب ألعاب إلكترونية، ويجسد من خلال طريقة حديثه وحركاته وحتى لحيته نمطاً معيناً من الجمالية الذكورية. ويُعرف بأسلوبه الخشن والعدواني، خصوصاً أثناء المناظرات. وقد تركت هذه الأشكال الثقافية أثراً واضحاً على اليسار الألماني في Twitch. ويظهر ذلك في تبني الأساليب والصيغ الأميركية، وكذلك في صناعة وإشعال «الخلافات» أو ما يُعرف بـ “Beefs” بشكل متعمد، وهو موضوع سيجري التطرق إليه لاحقاً. كما أوضح عدد من الباثّين الذين تمت مقابلتهم أنهم تشكلوا سياسياً وإعلامياً من خلال هذه النماذج الأميركية من التعليق السياسي. فعلى سبيل المثال، يذكر نديم من منصة "99 الى واحد" أن اليوتيوبر الأميركي ميشائيل بروكس كان شخصية محورية بالنسبة له، وأنه بعد وفاة بروكس أراد أن يبني مشروعاً مشابهاً. ورغم هذا التأثير الواضح، فمن اللافت أن الروابط المباشرة بين الباثّين الناطقين بالألمانية ونظرائهم الناطقين بالإنجليزية ما تزال محدودة نسبياً. فاللغة تشكل هنا عاملاً مقيداً بقوة، خاصة بالنسبة إلى هذه الصيغ الحوارية والعفوية غير المكتوبة مسبقاً. ويظهر ذلك بشكل أوضح لدى المشاهدين الذين أُجريت معهم مقابلات، إذ نادراً إن معظمهم ما يتابع محتوى Twitch الأميركي، أو يشاهده بشكل متقطع فقط. لذلك يمكن الحديث هنا عن نوع من «الزرع الثقافي» الذي أتاحه العصر الرقمي: أي تبنّي أنماط وأساليب معينة، لكنها سُرعان ما أُعيد تشكيلها وتكييفها محلياً بصورة مستقلة نسبياً.
.2 نشأة اليسار الألماني على Twitch وموقعه داخل البيئة الرقمية للمنصة يمكن تتبع بدايات اليسار على منصة Twitch في ألمانيا إلى أوائل العقد الثاني من الألفية ومن المهم التأكيد منذ البداية على أن تصنيف بعض المحتويات أو الباثّين باعتبارهم «يساريين» ليس أمراً متفقاً عليه بالكامل ـ ليس فقط في الأبحاث الأكاديمية، بل حتى داخل هذا المشهد نفسه. ففي مقاطع “ردود فعل الفيديو ” مثلاً، يُعتبر من الأمور المعتادة أن يشكك الباثّون في «يسارية» بعضهم البعض، أو أن يصفوا آخرين بأنهم «يسار زائف» ومع ذلك، عندما يجري الحديث هنا عن «اليسار على Twitch»، فإن المقصود بكلمة «يسار» هو أساساً بوصفها تعريفاً ذاتياً؛ أي كفئة يستخدمها الفاعلون أنفسهم للتعبير عن توجههم السياسي. ويصف الباثّون الذين أُجريت معهم مقابلات تلك المرحلة المبكرة بأنها فترة كان فيها «الجميع تقريباً جدداً»، حيث كانت البرامج والأفكار تظهر بسرعة، ويجري تجريب الكثير من الأشياء، كما طبع نوع من السذاجة طريقة التعامل مع البث ـ خصوصاً فيما يتعلق بالتعاونات السياسية ورسم الحدود بين المواقف المختلفة. ويتحدث كل من الباثّ كيرتشو وكلاوس، إضافة إلى اثنين من المشاهدين الذين كانوا موجودين تقريباً منذ البداية، عن تلك المرحلة المبكرة. وما كان يجمع هذا المشهد في ذلك الوقت لم يكن موقفاً سياسياً واضحاً ومحدداً، بل شعوراً عاماً مشتركاً بما وصفه أحد المشاركين بـ «انتقاد الإعلام الرسمي»، إلى جانب تبنّي قوي لفكرة حرية التعبير، والاعتقاد بأنه «يجب التحدث مع الجميع». وكان الباثّون المشاركون في هذه «فقاعة المشككين» ـ كما يسميها الباثّ كيرتشوـ مختلفين جداً عن بعضهم البعض، لكنهم اشتركوا في تقدير نوع من «الخشونة» و«الهامشية» في الأسلوب، وهي صفات لم يكن من السهل دائماً تصنيفها ضمن الطيف التقليدي لليمين واليسار. وفي هذا السياق، لم يكن من الغريب أن يشارك باثّون يعرّفون أنفسهم بأنهم يساريون في برامج مشتركة مع شخصيات من اليمين المتطرف. ومن الأمثلة البارزة التي ما يزال كثيرون في هذا المشهد يتذكرونها حتى اليوم، برنامج “Salzmine-Podcast”. فقد جمع هذا البرنامج شخصيات ذات توجهات سياسية مختلفة جداً، لكنها التقت على أساس نقد حاد للإعلام والتغطية الصحفية السائدة. وإلى جانب الباثّين ذوي التوجهات اليسارية ، شاركت أيضاً شخصيات يمينية، من بينها اليوتيوبر اليميني المتطرف شلومو فنكلشتاين، الذي سُجن لاحقاً بسبب التحريض على الكراهية. كما ضمّت هذه الدائرة شخصيات كانت تصف نفسها بأنها «متشككة»، إلى جانب الناشط النازي الجديد وعضو حركة الهوية اليمينية مارتين سيلنر، وكذلك علي اوتلو وهولكر كراي ماير،اللذين جرى ربطهما لاحقاً بحزب البديل الألماني اليميني المتطرف، إضافة إلى يوتيوبر الأسلحة Let sShoot. وكانت النقاشات بين هؤلاء الباثّين تُنظَّم بشكل صريح بهدف مواجهة «الطرف الآخر» مباشرة على الهواء ومحاولة «سحقه» ضمن منطق البرنامج نفسه. وكان الاعتقاد السائد آنذاك أن بالإمكان كشف الطرف المقابل وفضحه عبر «الحجج الأفضل». أما اليوم، فيُنظر إلى هذا التركيز القوي على حرية الرأي ورفض الرقابة بوصفه جزءاً من استراتيجيات التعبئة اليمينية. وقد ابتعد كثير من الباثّين عن هذه الصيغ الحوارية، وأصبحوا يعلنون بوضوح تبرؤهم من تلك العلاقات السابقة، ويؤكدون ـ غالباً بعد تجارب صراعية ـ أن فكرة «دحض» اليمين المتطرف عبر النقاش العقلاني لم تنجح فعلياً. ومع ذلك، ما يزال بعض الباثّين الذين يعتبرون أنفسهم يساريين يواصلون هذا النهج. فعلى سبيل المثال، استضاف البث (محرك أقتصاد السوق الأجتماعي) في تشرين الأول 2025 مرة أخرى مارتين سيلنر على قناته لمناقشة كتابه والتشكيك في بعض مواقفه. وفي تشرين الثاني 2025، ظهر ديكارلنت بدوره ضيفًا لدى نفس البث لمناقشة قضايا تتعلق بمعنى «أن تكون يسارياً» وبالهوية الوطنية، ومحاولة تفنيد حجج مباشرة على الهواء. لقد توسعت دائرة «مدوّني الرأي» الذين يراقب بعضهم بعضاً، ويعلّقون على محتوى بعضهم، ويحافظون على علاقات وتواصل غير رسمي فيما بينهم، إلى ما هو أبعد بكثير من هذا المشهد الأصلي. وتضم هذه الدائرة أيضاً باثّين كباراً في مجال الترفيه مثل Hand of BloodوBonjwa وVeni، الذين يتحدثون بحذر نسبي عن السياسة، لكن يمكن تصنيفهم ضمن الطيف الليبرالي اليساري. كما تشمل أيضاً باثّين ذوي توجهات ليبرالية أو محافظة يمينية نسبياً، مثل Alicia Joe وTraymont وAljosha وJayRiddle وKuchenTV وScurrows وTobias Huch وAnwalt Boos وغيرهم كثير. ومعظم هؤلاء الفاعلين لا ينشطون فقط على منصة Twitch، بل أيضاً ـ أو بشكل أساسي ـ على YouTube. ومع ذلك، تبقى هذه «الساحة اليسارية» المحددة صغيرة نسبياً مقارنة بالتدفقات الأوسع للمحتوى على Twitch. فالباثّون اليساريون مثل Rezo وStaiy وDekarldent وFreiraumreh وDracon يمتلك كل منهم ما بين نحو 90 ألفاً إلى 750 ألف متابع، ما يضعهم ضمن مساحة ضيقة نسبياً داخل المنصة. وللمقارنة، فإن أكبر الباثّين الألمان ـ الذين يقدمون غالباً مزيجاً من محتوى الحياة اليومية (IRL)، والألعاب، و“Just Chatting” ـ مثل MontanaBlack وTrymacs وPapaplatte وGronkh يصل عدد متابعيهم إلى ما بين 1.5 و6 ملايين شخص. ومن المهم التأكيد أيضاً على وجود عدد كبير من الباثّين الذين لا يقدمون محتوى سياسياً بشكل دائم، بل يعلّقون أحياناً فقط على قضايا سياسية أو يناقشون السياسة مع جمهورهم. ويُعرف هذا النمط في العالم الناطق بالإنجليزية باسم “variety with good politics”. فعلى سبيل المثال، يتناول Rezo في قنواته غالباً مواضيع الحياة اليومية والموسيقى أو محتوى IRL، لكنه يعبّر بانتظام عن مواقف ضد رهاب المثلية، والتمييز الجنسي، والعنصرية، ويدافع عن قضايا المناخ وحقوق الحيوان. ويظهر نمط مشابه لدى Pokimane، وهي أنجح باثّة على Twitch في الولايات المتحدة. فمحتواها يركز أساساً على أسلوب الحياة والألعاب، لكنها تتخذ مواقف واضحة بشأن قضايا مثل الرعاية الصحية الشاملة، وتمكين النساء، ومناهضة العنصرية. وقد أجرت مثلاً حواراً مع بيرني ساندرز، ومع النائبة الديمقراطية ألكسندريا أوكاسيو كورتيز. وتوجد أشكال هجينة مشابهة من دمج المحتوى السياسي والترفيهي أيضاً داخل «فقاعةحسن آبي »، لدى باثّين مثل AustinShow وWill Neff وValkyrae . ويُعتبر هذا الدمج بين محتوى أسلوب الحياة والسياسة سمة مميزة للثقافة الرقمية وللإمكانات التي توفرها البنية التحتية للمنصات الرقمية. كما يدفع الباثّون أنفسهم هذا الاتجاه عبر التعاونات المتعمدة التي تهدف إلى توسيع نطاق الوصول وجمع جماهير مختلفة معاً. وفي الوقت نفسه، ينشأ هذا الدمج أيضاً من جهة المشاهدين أنفسهم؛ فبما أن كل هذه الأنواع من المحتوى تتداول داخل المنصة نفسها، يستطيع المشاهدون ـ نظرياً على الأقل ـ التنقل بسهولة بين البثوث المختلفة، ومتابعة السياسة والألعاب والترفيه بالتوازي، واكتشاف قنوات وصيغ جديدة من مجالات متنوعة داخل المنصة ذاتها.
نور ياسمين أورال(*):عالمة اجتماع تعمل في مجال يجمع بين الأنثروبولوجيا والدراسات الدينية والدراسات الثقافية. وهي حالياً باحثة مشاركة في مركز مارك بلوخ للأبحاث الفرنسية الألمانية التابع لجامعة هومبولت في برلين. تركز أبحاثها على المشاعر والعواطف والسياسة في المجتمعات التعددية.
آنا بيرغ(*):عالمة اجتماع وأستاذة مساعدة في جامعة أوروبا الوسطى في فيينا. وهي تبحث في ممارسات الإعلام والاتصال في الحركات السياسية، ولا سيما دور بيئات الإعلام البديلة في صنع المعنى السياسي، وذلك استناداً إلى عمل ميداني إثنوغرافي في ألمانيا.
#حازم_كويي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تاريخ موجز للجبهة الشعبية – دروس من الحكومة اليسارية الفرنسي
...
-
اليسار يفتقد إلى منظور عالمي بديل
-
الاحتجاجات تتصاعد ضد التوسع في مراكز البيانات والذكاء الاصطن
...
-
كيف نكبح سلطة الشركات الرقمية العملاقة؟
-
عندما مالَ برج بيزا الإيطالي إلى اليسار
-
ستون عاماً على الثورة الثقافية الصينية: تاريخ تجربة فاشلة
-
بين الأستقلالية والتسلسل الهرمي.جزء 2
-
صعود الفاشية: تاريخٌ مُقلق
-
بين الأستقلالية والتسلسل الهرمي
-
طرق نحو الاشتراكية البلدية في مدينة نيويورك
-
الإمبريالية بلا أقنعة
-
مئة يوم من رئاسة ممداني: حصيلة مرحلية إيجابية
-
الأمل واليأس في زمن رأسمالية الكوارث
-
ترامب يضع كوبا في حالة تأهّب
-
تاريخ الثورة العالمية للرأسمالية
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة الحزب الاشتراكي القديم و-الاش
...
-
-المناضلة الشيوعية التي أُقصيت من الحزب الشيوعي الإيطالي-
-
الوفاء بالوعود الانتخابية يتطلّب سلطة شعبية: لماذا يحتاج زهر
...
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة(4)
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة (3)
المزيد.....
-
إيلون ماسك يصبح رسميا أول تريليونير في العالم
-
شاهد.. مقاتلات تحلق فوق البيت الأبيض قبيل نزالات UFC المرتقب
...
-
تعزيزات عسكرية ومدرعات في هرات الأفغانية على خلفية موجة الاح
...
-
وزير الخارجية الباكستاني يتوجه إلى جنيف لإتمام جهود الوساطة
...
-
في هجوم نادر.. وكالة إيرانية تنتقد -الغموض الدبلوماسي- لعراق
...
-
حرب إيران: قواعد اشتباك جديدة
-
خبيرة ألمانية تدعو إلى معاقبة المتورطين في إنشاء مختبرات بيو
...
-
العراق.. إحباط مخطط لاغتيال رئيس جهاز الأمن الوطني ومدير أمن
...
-
4 سنوات قبل اكتشافه.. العثور على جهاز تجسس صيني داخل سيارة ر
...
-
اتصالات مصرية باكستانية إيرانية بعد إعلان ترامب نهاية الحرب
...
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|