أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - في مقام : -علي الحجار-














المزيد.....

في مقام : -علي الحجار-


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 11:46
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial

ما سرُّ الحالِ الصوفية العجيبة التي ندخلها حالَ سماعنا صوت "علي الحجار"؟ مهما كانت الأغنيةُ التي تسمعها الآن، لابد أن تمرَّ في خلفية عقلك الباطن، أغنيتُه الفريدة: "صلّينا الفجر فين؟ صلينا في الحسين، ثم القلب استخار الرحمن الرحيم…" والتي يختتمها بتكبيرة الأذان "الله أكبر". تلك الأغنية التي رسم فيها "فؤاد حداد" بانوراما مصرَ الروحيةَ ومساجدَها ومقاماتِ أوليائها، على أحبال صوت "علي الحجار" الفريدة.
ثمّة أصوات تُطربنا، وبعضُها يُدهشنا، لكن أصواتًا نادرة تغمرُ أرواحَنا وتُدخلُنا في رحلة وجدٍ وحلول؛ لأنها لا تدخل آذاننا، بل تطفرُ من شرايين قلوبنا. هكذا صوتُ "علي الحجار"، الذي: قرارُه جوابٌ.
الحفل الثامن من مشروعه الثري "100 سنة غُنا"، استضافته دار الأوبرا، لنتستمع بصوت "الحجار" على شرف الموسيقار "عمار الشريعي". أمسية من العيار الثقيل، استعرضت بعض تترات المسلسلات التي كتب كلماتها العظيمان "سيد حجاب"، "عبد الرحمن الأبنودي". والحقُّ أن تترات المسلسلات هي أحد أوجه عبقرية تجربة "علي الحجار" الفنية. فلم نكن نستمع إلى أغنيات، بل ننصتُ إلى شريط العمر يُعاد تشغيله في نوستالجيا شجيّة سجّلت صبانا وشبابنا. كل أغنية كانت تفتح بابًا مغلقًا في الذاكرة، وكل جملة موسيقية كانت تعيد تشييد بيت قديم آيلٍ للنسيان، أو شارعٍ كاد يندثر، أو وجهٍ غاب ثم عاد، أو مساءٍ عائليّ جمعنا حول شاشة التلفزيون. هذا سرُّ تترات المسلسلات.
التترُ ليس مقدمةَ عمل درامي أو خاتمةً له، بل هو “العتبةُ الفلسفية” التي تمهّدنا للنصّ الدرامي. هو قصيدةٌ موسيقية مكتملة، تسبق الحكاية، وتحتويها، وتشتبك مع ضفيرة أحداثها وشخوصها. حين يكتب شاعرٌ تترًا ناجحًا، فهو لا يروي الأحداث، بل يلتقطُ "السؤال الوجودي" الكامنَ خلف الدراما. قد ننسى تفاصيل المسلسل، لكن الأغنية تبقى عالقة في الذاكرة عصيةً على النسيان. التترات الخالدة بوسعها أن تعيش خارج المسلسل، بسبب قدرتها على التعبير عن خبرة إنسانية عامة. هكذا فعل الثلاثي الخالد: "حجاب، الأبنودي، الشريعي"، مع صوت "علي الحجار" الاستثنائي. تترات دراماهم، وأغنياتها، تحدثت عن: الزمن حين يأكل الأحلام، ويبدل الوجوه، ويسخر من يقين البشر، وكذلك الزمن حين يوحّد الأصل الإنساني، وغيرها من المعاني الخالدة التي تظلل الجنس البشري بأكمله، أزلًا وأبدًا. وهذا ليس مصادفةً؛ لأن الدراما في جوهرها صراعٌ بين الإنسان والزمن.
وهنا لابد أن أشيدَ بعبقرية مخرج الحفل: "أحمد فؤاد"؛ الذي جسّم سينوغرافيا الدراما عبر تليفزيون خشبي قديم الطراز لكي يُكرّس حال النوستالجيا، مع مزامنة مدهشة على صوت "علي الحجار" الحيّ على المسرح؛ فجعلنا نستعيد الحالة الدرامية كاملةً غير منقوصة. وأعترف بسعادتي، وفخري بصديق طفولتي وجار العمر الموسيقار "يحيى الموجي"، نجل الخالد "محمد الموجي"، الذي أهدى الأوركسترا عزفَه المدهش على الكمان، بقيادة المايسترو "أحمد عاطف".
أربعةٌ من كبار المبدعين المثقفين: شاعران، وموسيقار، ومطرب، صنعوا لنا مشروعًا ثقافيًّا اجتماعيًّا عصيًّا على الذبول مهما مرّت السنوات والعقود. "الخال الأبنودي" الذي كتب من طمي الأرض المصرية، "سيد حجاب" الذي حوّل العامية إلى فلسفة يومية باهرة الجمال، "عمار الشريعي" الذي منح الكلمات أجنحةً موسيقية لا تتوقف عن الطيران، ثم فريد النسج "علي الحجار" الذي منح مصرَ صوتَها الشجيّ.
الصوتُ الذي سمعنا من خلاله وجيب "طه حسين" في مسلسل "الأيام"، وصدّقنا فيه "أبو العلا البشري"، وتعرّفنا به على ملامح القاهرة الثرية في "هنا القاهرة"، وحلمنا به لأنفسنا وللآخر مع "الشهد والدموع" في "لو مش هتحلم معايا"، وانشرحت به صدورنا مع "مبسوطين"، وصادقنا معه الطيبين في "متمنعوش الصادقين عن صدقهم"… فالحجار لا يغني الكلمات، بل يكشف طبقاتها الخفية، ويُخرج المعنى من بين الحروف ومتنها، لا من فوقها. صوتٌ جعل الغناءَ فلسفةً وعمقًا، لا مجرد طربٍ جميل. لهذا أُطلقُ عليه: "الصوت المثقف”، فهو الصوت الذي يحمل وعيًا باللغة، ووعيًا بالموسيقى، ووعيًا بفلسفة الفكرة التي يؤديها. وقال عنه الفنان "أحمد مظهر”: "صوت عنده كرامة”. نعم. لصوت "علي الحجار" كرامةٌ فنية جعلته يرفض الابتذال، وكرامةٌ جمالية جعلته ينحاز للجمال، فيبخلُ بصوته إلا على النصّ الممتاز واللحن الممتاز، وكرامةٌ إنسانية جعلته يحافظ على احترام الجمهور عبر عقود طويلة، وكرامةٌ وطنية جعلته يرفع اسمَ مصرَ إلى المكانة التي تليقُ بها.
"100 سنة غُنا" ليس وحسب حفلاتٍ رفيعةَ المستوى تحقق إقبالًا جماهيريًا واسعًا، بل هو مشروع ثقافي-فنيّ-وطني بالغ الأهمية. إذ ينفضُ الغبارَ عن كنوزنا الفنية، ويعيد تقديمها للأجيال الجديدة، ليذكّرنا بأن مصر ليست فحسب دولةً تنتج الأغنيات العظيمة، بل آلةً فنيّة خالدة شكّلت الوجدان العربي. وقف "علي الحجار" يغني التترات الخالدة، لا ليستدعي الماضي، بل ليدافع عن زمن كانت فيه الكلمة شعرًا، والموسيقى عِلمًا وإبداعًا، والغناء رسالةً وفرادة.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماما… لم أعد بِحاجةٍ إليكِ!
- علمانيون… حين تموتُ الثقافةُ كمدًا!
- الأضحى… أكبرُ من الخوف
- قشور … سيدة البحار
- -طبلة الستّ-… حلويات مصر… صانعاتُ الفرح
- -توفيق الدقن-… الشريرُ الظريف
- عبدُ الرحمن أبو زهرة
- السَدَنَة!
- كرامةُ الفنّ… وداعًا -هاني شاكر-
- شهاداتٌ عُليا… على رفِّ الانتظار
- “رادار- CIC يرصدُ جرائمَ بلا وجوه
- ابني الصموتُ… ثلاثُ طُرقٍ للعشق
- نخلةٌ … وجَرّةُ ماء
- هل للذكاء الصناعي مشاعرُ؟!
- -اللون الأزرق-… في بيتي زُرقةٌ أخرى!
- تصنيفُ البشر: صُنّاعُ فرح - صُنَّاعُ ويل
- في مكتبة الأسكندرية… -طيف التوحد- يتكلم
- سعفةٌ ذهبية… لقلبِ مصرَ الأخضر
- إعدامُ أسير … ثقبٌ في ضمير العالم
- “دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى


المزيد.....




- بابا الفاتيكان يترأس قداسا في كاتدرائية -ساغرادا فاميليا- بب ...
- عون: لبنان لا يعيش إلا بجناحيه المسيحي والمسلم
- الإنسان الحديث في فخ الإنجاز: قراءة في اغتراب الذات وانكباب ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا أمس بصاروخ نوعي تجمعا ...
- المقاومة الاسلامية تستهدف تجمعات لجنود العدو في البياضة
- الأدميرال الذي أشرف على عملية بن لادن يحذر: الديمقراطية الأم ...
- البابا ليون الرابع عشر يبارك برج يسوع المسيح بكنيسة -العائلة ...
- المقاومة الإسلامية: استهدفنا تجمّعاً لآليات وجنود جيش العدو ...
- البابا ليون الرابع عشر يبارك برج يسوع المسيح الذي جعل -ساغرا ...
- الفكرة الإسلامية والحركة الوطنية في جنوب اليمن


المزيد.....

- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - في مقام : -علي الحجار-