أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية














المزيد.....

قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 23:50
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


النص كقانون كوني عابر للتاريخ
حين نتأمل النص القرآني متحررين من ركود التفسير التقليدي الذي يختزل الكلمات في قوالب فقهية جافة، تنجلي أمامنا آياته كقوانين كونية حية، لا تحدها جغرافيا ولا يحبسها تاريخ. إنها بنية لغوية متحركة، يتغير معناها بتغير سياقها ونظمها، لتخاطب فطرة الإنسان في كل عصر.
وفي سياق المحافظة على الكيان الإنساني، تبرز آية فريدة في سورة النساء تفيض بعمق بنيوي ونفسي هائل: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}. هذه الكلمات ليست مجرد تنظيم مالي عابر لتبعات الطلاق في بيئة تاريخية محددة، بل هي إعلان حقوقي عالمي لحماية الروابط البشرية، تشتد الحاجة لاستحضاره اليوم كطوق نجاة في عصر العواصف الرقمية، ومنصات التواصل، والذكاء الاصطناعي.
أولاً: في العمق اللساني.. من جمود العقد إلى كثافة الوجود
في القراءة اللسانية الدقيقة،
الميثاق ليس عهداً: العهد قد يكون التزاماً من طرف واحد، أو وصية عامة حمالة أوجُه. أما الميثاق (من الجذر: وثق)، فهو العهد بعد إحكامه وربطه وشدّه كعقدة متينة لا تنحل. إنه تحويل الوعود الشفهية إلى شبكة متداخلة من الالتزامات المتبادلة التي تصهر كينونتين في كيان واحد.
دلالة "الغلَظ": الغلظ في اللسان ليس قسوة أو جفاء، بل هو عكس الرقة والهشاشة. إنه يعني الامتلاء، والكثافة، والسماكة الوجودية. ووصف الميثاق هنا بالغلظ يرفعه من مجرد ورقة قانونية إلى رابطة ثقيلة الوزن في ميزان الأخلاق الإنسانية.
بنية "الإفضاء": وهي ذروة البلاغة النفسية، فالكلمة مشتقة من "الفضاء". الإفضاء ليس التماساً جسدياً عابراً، بل هو ولوج كل طرف في فضاء الآخر؛ هدم الجدران العازلة، وزوال الحجب النفسية والعاطفية والفكرية، بحيث يصبح كل طرف مكشوفاً تماماً، ومستوعَباً في الفضاء الروحي للشريك.
الحقيقة البنيوية هنا: الميثاق لا يكتسب صفة "الغلظ" والكثافة بمجرد توقيع الحبر على الورق، بل إن هذا الإفضاء التام والتكاشف المطلق هو الذي يمنح العلاقة ثقلها الوجودي ويجعلها ميثاقاً غليظاً عصياً على التهاون.
ثانياً: البُعد الإنساني العالمي وحرمة الاندماج
حين نرفع هذه الرؤية إلى مستواها الإنساني الشامل، نجد أن النص يقرر قاعدة كبرى لحماية العلاقات البشرية: أن القوة لا تمنح الطرف الأقوى الحق في استغلال الانكشاف الإنساني للطرف الآخر.
الرجل في سياق الآية (أو الطرف الأكثر تمكناً في أي علاقة بلغت مرحلة الإفضاء) حين يقرر الانسحاب محاولاً "الأخذ" وسلب الحقوق (سواء كانت مادية كالمهر، أو معنوية كالأمان والكرامة)، إنما يمارس انتهاكاً صارخاً للفطرة. فالطرف الآخر قد بذل مساحته الآمنة وسلم مفاتيح كينونته بناءً على هذا الأمان، ومحاولة تجريده من مكتسباته بعد الانكشاف هي ظلم وجودي سماه القرآن {بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}؛ لأنه قلب للحقائق، وإثقال لروح الشريك المظلوم.
ثالثاً: الإنسان في مهب الريح الرقمية وعصر السيولة
حين نسقط هذا القانون الإلهي الكثيف على واقعنا المعاصر، نجد أن البشرية تعيش أزمة حادة تتمثل في "سيولة" العلاقات وهشاشتها تحت سطوة التكنولوجيا:
وهم الإفضاء الرقمي: لقد شجعت منصات التواصل الاجتماعي (مثل إنستغرام، وفيسبوك، وإكس) على نوع من الإفضاء الزائف والمبتذل. يفتح الإنسان الحديث فضاءه الخاص، وينشر أسراره ومشاعره العميقة أمام شاشات صماء وأفراد افتراضيين، فيحدث هذا الانكشاف العاري بلا ميثاق غليظ يحميه، مما يترك النفوس مستباحة ومحرومة من أي شبكة أمان أخلاقية.
الذكاء الاصطناعي وتجريد المشاعر: مع صعود خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات الدردشة العاطفية، بات الإنسان المعزول يُفضي بمكنونات صدره وعقده النفسية إلى آلة. والآلة بطبيعتها لا تملك دلالة "الميثاق"، بل تحول هذا الإفضاء المقدس إلى "بيانات رقمية" جافة قابلة للبيع والشراء والتوجيه الإعلاني، مساهمةً في سحق الكثافة الروحية للإنسان.
الأخذ المعنوي والابتزاز: لم يعد فعل "الأخذ" الاستنكاري في الآية قاصراً على المال، بل تجسد في عصرنا بأبشع صوره المعنوية؛ كابتزاز الشريك بنشر محادثاته أو صوره التي تمت في فضاء الثقة (الإفضاء)، أو ظاهرة "الانسحاب الشبحائي" (Ghosting) بحظر الطرف الآخر بنقرة زر واحدة (Block) والتنصل من الثقل الأخلاقي للميثاق، وكأن فضاء الإنسان الآخر لم يكن شيئاً مذكوراً.
رابعاً: دعوة لتطعيم عقود النكاح بالوعي بالميثاق
أمام هذه المخاطر الرقمية وحالة السيولة التي تهدد استقرار الأسرة، لم يعد كافياً أن يُكتب عقد النكاح كوثيقة مالية وقانونية جافة تقتصر على تحديد المهر والشروط المادية المعتادة.
إن الضرورة الحضارية اليوم تحتم أن يتضمن متن العقد، أو ملحقاً فكرياً ملزماً له، تعهداً صريحاً وإقراراً واعياً من الطرفين بمفهوم "الميثاق الغليظ" وحرمة "الإفضاء". إننا بحاجة إلى صياغة بند قيمي يتعهد فيه الزوجان مسبقاً بأن هذه الرابطة هي امتزاج كينونة، وأن أي تفكيك مستقبلي لها – لا قدر الله – يجب أن يصون كرامة هذا الانكشاف النفسي، ويمنع استخدام التقنيات الرقمية أو المحادثات السرية أو تفاصيل العشرة كأدوات للضغط أو الابتزاز أو التشهير.
إن هذا التعهد المكتوب ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو تطعيم فكري ووقائي يضع الطرفين، في لحظة البداية الممتلئة بالشغف، أمام المرآة الحقيقية لعِظَم ما هما مقبلان عليه، مما يرفع منسوب الوعي بقداسة العلاقة، ويحد من نسب الطلاق المتسارعة، ويحمي الكيان الإنساني من التبخر خلف زجاج الشاشات الملساء.



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...
- في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
- القرآن الكريم مرجعيةً عليا: نحو منهجية نقدية في قراءة المورو ...


المزيد.....




- بابا الفاتيكان يترأس قداسا في كاتدرائية -ساغرادا فاميليا- بب ...
- عون: لبنان لا يعيش إلا بجناحيه المسيحي والمسلم
- الإنسان الحديث في فخ الإنجاز: قراءة في اغتراب الذات وانكباب ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا أمس بصاروخ نوعي تجمعا ...
- المقاومة الاسلامية تستهدف تجمعات لجنود العدو في البياضة
- الأدميرال الذي أشرف على عملية بن لادن يحذر: الديمقراطية الأم ...
- البابا ليون الرابع عشر يبارك برج يسوع المسيح بكنيسة -العائلة ...
- المقاومة الإسلامية: استهدفنا تجمّعاً لآليات وجنود جيش العدو ...
- البابا ليون الرابع عشر يبارك برج يسوع المسيح الذي جعل -ساغرا ...
- الفكرة الإسلامية والحركة الوطنية في جنوب اليمن


المزيد.....

- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية