|
|
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
نور الدين البوثوري
الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 11:28
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
قد يعترض علينا البعض بدعوى أنّ الكلام اليوم على علاقة السيرة النبويّة بالتشريع الإسلاميّ مجرّد خلع للأبواب المفتوحة. فاعتبار السيرة النبويّة أصلا من أصول التشريع الإسلاميّ أمر أصبح ثابتا، خاصّة في الأذهان، ثبوت مختلف الأصول الفقهيّة فيها. ولمّا كان من المعلوم أنّ مختلف المجتمعات في حاجة ماسّة إلى تشريعات وأصول تبني عليها تلك التشريعات، فما وجه الغرابة في أن تكون لمجتمعاتنا نحن تشريعات وأصول خاصّة بها؟ وماذا يمكن أن يضيف إلينا الكلام على علاقة السيرة النبويّة بالتشريع؟ قد يبدو هذا الاعتراض، للوهلة الأولى، وجيها ولكن حين نعلم أنّ ما فرغنا للتوّ من تقريره ليس مجمَعا عليه بين المسلمين إلى اليوم، كما قد نتوهّم،إذ منهم من لا يزال يعتقد أنّ السيرة النبويّة غير السنّة النبويّة (1) ومنهم من لا يزال يردّد كون السنّة النبويّة وحيا إلهيّا(2) ومنهم، من أمثال عبد الهادي الفضلي (وهو شيعيّ إماميّ اثنا عشريّ) من يدّعي أنّ عليّا بن أبي طالب قد دوّن كلّ شاردة وواردة من سنّة النبيّ التي كان يمليها عليه أوّلا بأوّل (3) بل ومنهم من ينكر جملة وتفصيلا أن تكون السيرة النبويّة وحيا (4)، خلافا لكلّ من سبقت الإشارة إليهم، ندرك أنّ المسألة لا تزال في حاجة إلى الدرس والتوضيح إذ أنّ الرجال الذين اقترنت أسماؤهم بنشأة هذه المسألة هم من قادة من صنعوا تاريخنا بما فيه من طقوس وقيم وممارسات، وأنّهم، خلافا لما يريد البعض إيهامنا به، لم يكونوا من جنس الملائكة ولا الشياطين، بل كانوا أناسا مثلنا تماما، تتصارع فيهم عوامل الضعف والقوّة وتتجاذبهم نوازع التسليم وإرادة الفعل وتتقاذفهم المصالح المتعارضة والنوايا الطيّبة والخبيثة...ونحن نعتقد أنّ هؤلاء الرجال في حاجة ماسّة إلى أن يُغسلوا بماء التاريخ الحيّ عسى أن يزول بعض ما علق بهم من أدران الوثوقيّة والتمجيديّة والتنزيه. وفي هذا السياق نرى أنّ إعادة الكلام على هذه المسألة قد تُعَدّ محاولة لمنع البعض من تغليق أبواب مفتوحة فعلا وحرمان مسلمي اليوم من استنشاق الهواء النقيّ والمتجدّد. فأن يتّفق أهل السنّة المالكيّون والشيعة الإماميّة الاثنا عشريّة ممثَّلين في من أشرنا إليهم قبل قليل على كون السنّة النبويّة وحيا فأمر قد يجد منطقا مّا يبرّره، أمّا أن يختلفوا اختلافا كبيرا في عدد مرويّاتهم وفي احتكار كلّ من الفريقين صفة الصحّة لما يعتبره سنّة لا غبار عليها رغم تعارضه أحيانا كثيرة مع مرويّات الآخر(5) فأمر يثير فضول الباحث ويحضّه على تمحيص القضيّة طلبا للوضوح ورغبة في التوضيح وتبديد بعض الأوهام. ونحن نرى أنّ مطلب الوضوح هذا لا يتأتّى بشيء من اليسر دون إحاطة كافية بموضوع البحث. وتقتضي هذه الإحاطة، على الأقلّ في نظرنا، خطوتين أساسيّتين. الأولى ذات طابع نظريّ عامّ والثانية ذات منزع تطبيقيّ. ولمّا كنّا نعتقد أنّه لا شيء، في التاريخ، ينشأ من فراغ ويتأسّس عليه، وأنّه لا شيء فيه يحصل مجّانا أي دون أسباب حقيقيّة يلتحم فيها الذاتيّ بالموضوعيّ لولادة الحدث التاريخيّ، مهما تكن طبيعة المولود، مادّيّا كان أو فكريّا، فإنّنا سنكرّس القسم النظريّ لرسم حدود الممكن، تاريخيّا، بالنسبة إلى أهل الجزيرة العربيّة عبر مراحل ثلاث نرسم في أولاها السمات الخاصّة بالبيئة العربيّة قبل الإسلام وبعده حتّى ندرك، موضوعيّا، الإمكانيّات الثقافيّة والبشريّة المتاحة لنشأة السيرة النبويّة. ونعرض في المرحلة الثانية عرضا عامّا وموجزا لنشأة المذاهب الفقهيّة في ضوء خصوصيّات البيئة العربيّة وحاجة المسلمين الأوائل إلى التشريع. ثمّ نخصّص المرحلة الثالثة لتركيز الكلام في نشأة السنّة النبويّة، تحديدا، وبيان دور الشافعيّ في ذلك. وأمّا القسم التطبيقيّ فسنخصّصه للنظر الدقيق والمستفيض، نسبيّا، في كتاب"حجّيّة السنّة" باعتباره عيّنة جيّدة لتمثيل النظرة التقليديّة المهيمنة على الفكر الإسلاميّ عامّة والأصوليّ خاصّة. وسيشتمل هذا القسم على فرعين اثنين نتولّى في أوّلهما تقديم الكتاب، موضوع التحليل، تقديما مادّيّا مختصرا ثم نناقش في الفرع الثاني محتواه مركّزين كلامنا، خاصّة، في الباب الثالث منه. ونختم الدراسة بعرض بعض النتائج العامّة لطريقة علماء الإسلام في تعاملهم مع بعض مفاهيم التراث التشريعيّ الإسلاميّ. ومن طبيعة مثل هذا العرض أن يكون محتويا للكتاب المدروس ومتجاوزا له في آن واحد. وذلك لأنّ همّنا في هذه المرحلة من الدراسة هو الوقوف على بعض خصائص الفكر الإسلاميّ، قديمه وحديثه، وتبيّن حدوده وشقّ بعض الطرق المؤدّية إلى تخطّي عوائقه حتى تنفتح أمام طلاّب المعرفة آفاق رحبة وآمال أرحب.
القسم الأوّل- خصوصيّات الواقع العربيّ زمن الدعوة الإسلاميّة.
لقد ظهرت الدعوة الإسلاميّة في بيئة ذات خصائص معلومة كان لا بدّ من أن تطبع تلك الدعوة وتحكم سبل انتشارها. فالعرب، وفيهم ظهرت هذه الدعوة، كانت الأمّيّة تشملهم جميعا أو تكاد، والخطّ الخاصّ بهم والذي لم يكن يحذقه إلاّ أقلّ القليل كان إلى الاتّصاف بالبدائيّة أقرب منه إلى الاتّصاف بالضبط والدقّة(6). يدلّك على هذا بعض بقايا تلك المرحلة، مثلا، في رسم المصحف(7). فهذه المعطيات وغيرها يجعل المشافهة هي الطريق الأوحد بل الأسلم لنقل المعارف مهما كانت قيمتها من شخص إلى آخر أو من جماعة إلى أخرى أو من جيل إلى آخر، ويُسند إلى الرواية وظيفة قلّما يؤدّيها غيرها دون أدنى إخلال بصدق المرويّ ولا سيّما أنّ النقل مقيَّد بجملة أمور منها مستوى الفهم والقدرة على التبليغ. ولمّا كانت الرواية كلاما فهي تعتمد أساسا على اللسان(كناية عن جهاز التصويت) والأذن (كناية عن جهاز السمع) للإبلاغ وعلى الذاكرة أو الحافظة لتخزين المرويّات. ولكنّ الذاكرة ملَكة طبيعيّة غير مأمونة ولا جديرة بمطلق الثقة، مهما بلغت من القوّة، إذ قد يصيبها ما يصيب سائر الملَكات الطبيعيّة بصرف النظر عن مدى تسليمنا بنزاهة الراوي وصدقه في ما يقول. ولهذا السبب كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة للمسلمين الأوائل، موضوعيّا، لنقل المعلومات، ومنها دينهم، هي الرواية أي استحضار مخزون الذاكرة(8). ونظرا إلى أنّهم كانوا واعين بمحدوديّة الذاكرة وبحدود الثقة بها فإنّهم لم يروا بدّا، أوّلا، من إهمال تلك الذاكرة لعدم قدرتهم على طمس حقيقة قصورها الموضوعيّ، وثانيا، من إحاطة ذاتيّة شخص الراوي بالضمانات الضروريّة لحجب خصائصه الطبيعيّة التي يمكن أن تشوب رواياته. وهكذا منحوه المصداقيّة الضروريّة للثّقة به والجزم بصدق ما يروي، إذ دون هذه المصداقيّة الخاصّة ينطبق على كلامه ما ينطبق على كلام غيره من احتمال الصدق والكذب والغلط والنسيان...وازدادت حاجة المسلمين إلى توثيق الرواة وتعديلهم (أي اعتبارهم ثقة عدولا) تأكّدا بازدياد أهمّيّة المنقول رواية، عندهم. ولعلّ الدين كان من أهمّ مروياتهم إن لم يكن أهمّها على الإطلاق. وهذا ما قد يفسّر المكانة الرفيعة التي احتلّها بينهم النبيّ بوصفه راويا عن الله كلامه، في اعتقادهم، وكذلك ما احتلّته الفئة المحيطة به، وخاصّة في الطور الأوّل من الدعوة، بوصفها راوية الدعوة عن النبيّ، في اعتقادهم أيضا. بيد أنّ الهالة التي أُحيط بها كلّ هؤلاء لم تتأسّس وترسخ إلاّ تدريجيّا وحسب ما دعت إليه حاجة الجماعة آنذاك، وما ستدعو إليه أثناء توسّع دائرة المسلمين وتنوّع مكوّناتها من ضبط وتقنين وفق مرجعيّة منضبطة يحتكم إليها المسلمون وينقادون إلى ما ينبثق عنها من أحكام نابعة من أسس تشريعيّة محدّدة تحظى لديهم بالتقديس أو على الأقلّ التبجيل لتحقيق الممكن من الانسجام الضروريّ لكيانهم السياسيّ الاجتماعيّ الدينيّ الوليد(9). لقد كان مركز هذا الكيان الوليد شخصيّة النبيّ المحاط بالصحابة من أتباع دعوته. وكان انتشار دعوته متوقّفا على مدى التصديق بنبوّته(10). فكلّما ازداد عدد المصدّقين بنبوّته اتّسعت دائرة أتباعه. وكانت أمارة تلك النبوّة لدى المصدّقين بها هي تلقّيه للوحي الإلهيّ(11). وأدّت هذه الإكراهات الموضوعيّة إلى تعديل المسلمين للرواة(أي اعتبارهم عدولا) وخاصّة منهم الصحابة ومنح مرويّاتهم الشرعـيّة اللازمة لتأسيـس الاعـتـقـاد وتـقـنـيـن العـمل. أمّا النبيّ فقد أحاطوه بما يفوق منزلة العدالة وهو (العصمة) التي تنزّهه، من حيث هو نبيّ، عن كلّ نقص بشريّ قولا وفعلا. وظلّ تبجيلهم للرواية مسيطرا على ثقافتهم حتّى عندما ضُبِط الخطّ وانتشر وكثر الكاتبون. وهكذا انتقلت المرويّات عندهم خلال القرون الهجريّة الأولى من المشافهة إلى التدوين دون أن تزول منها مراسم الشفاهيّة جذريّا، بل رسّخت عبر هذا الانتقال أفضليّة الرواية على الكتابة لتفضيلهم السلف (أي رواة زمن الأمّيّة) على الخلف (أي أهل التدوين). يرشدك إلى ذلك اختراق آليّة الرواية، بدرجات متفاوتة، لمختلف العلوم التي أنتجتها الثقافة العربيّة الإسلاميّة كالتفسير والفقه وعلوم الحديث والتاريخ...إلى عهد قريب نسبيّا من خلال تأسّـسها جميعا على بنية الخبر. فكيف ستتجلّى هيمنة الرواية على الثقافة الإسلاميّة في مستوى المنظومات التشريعيّة؟ وبتعبير آخر، هل كان للرواية أثر في نشأة المذاهب الفقهيّة؟ وما هو إن وُجد؟
في نشأة المنظومات التشريعيّة
من مقتضيات الاجتماع البشريّ عموما أن تعمد كلّ جماعة بشريّة، قلّ عددها أو كثر، إلى وضع جملة من الضوابط المنظّمة لعلاقات أفرادها ببعضهم بعضا تيسيرا للتعايش والانسجام الضروريّين بينهم. ولكنّ تلك الضوابط لا يقتصر دورها على تنظيم العلاقات داخل الجماعة فحسب بل إنّ وظائفها قد تتجاوز ذلك إلى تقنين السلوك البشريّ الذي تجب مراعاته بين تلك الجماعة والجماعات الأخرى في مختلف الأحوال، إن حربا وإن سلما. وقد تكون هذه الضوابط أو القواعـد السلوكيّة نصوصا مدوّنة أو مواضعات ضمنيّة مستقرّة في وجدان الجماعة، كما يمكن تصنيفها إلى قواعد أخلاقيّة أو عرفيّة أو دينيّة أو غير ذلك. ومن هذه الزاوية يكون من المنتظر والمقبول عقلا أن يضع العرب أو العرب المسلمون أو المسلمون لأنفسهم قواعد عامّة يقيمون عليها تشريعاتهم أي الضوابط المنظّمة لحياتهم فيما بينهم وفيما بينهم وبين غيرهم. غير أنّ ما تؤيّده الوقائع ويقرّه الحسّ السليم أنّ تلك القواعد تكون دائما محكومة بحاجات الجماعة ساعية إلى الاستجابة لها والإجابة عمّا يطرحه الواقع المعيش من أسئلة، وأنّ هذه الحاجات والأسئلة لا تبرز فجأة ودفعة واحدة ومكتملة بل تنشأ وتنمو بالتدريج وفق تطوّر أوضاع الجماعة وتشعّبها(12). فلا غرو، والحال هذه، أن يؤسّس المسلمون قواعدهم الخاصّة للتشريع أو ما اصطلحوا عليه بمصادر التشريع كي يقنّنوا حياتهم ويُدخلوا عليها ما كانت تحتاج إليه من تعديلات وتكيـيـفات ولاسيّما عندما شمل نفوذهم السياسيّ أمما متنافرة متنوّعة الأعراق والثقافات والتقاليد.
في نشأة المذاهب الفقهيّة
ولعلّ من أهمّ الأحداث التي سيكون لها أثر عميق في حياة هؤلاء المسلمين وفاة نبيّهم. وذلك أنّ وفاته خلّفت فراغا كبيرا في حياتهم إذ كانوا قبل ذلك يُهرَعون إليه كلّما حزبهم أمر، على عادة الناس، ومنهم العرب، مع سادتهم وزعمائهم. وكان النبيّ، حسب ما ترويه سيرته، يشير عليهم بالحلّ المناسب لمشكلتهم إمّا بالرجوع إلى القرآن وإمّا بانتظار ما سيشير به عليهم القرآن وإمّا بإصدار ما يراه مناسبا لتلك المشكلة من الحلول. وهكذا ولّدت لديهم وفاته الحاجة إلى ما يمكن أن يسدّ الفراغ الذي أحدثته تلك الوفاة. فكان القرآن بوصفه نصّا إلهيّا مقدّسا ملزما، في اعتقادهم، هو المصدر الذي يبحثون فيه عمّا يلبّي حاجتهم. وكان من الطبيعيّ أن يتّجه اهتمامهم آنذاك، قبل كلّ شيء، إلى ما اشتمل عليه من أحكام صريحة محدّدة. وبهذا المعنى اعتبروه مصدرهم التشريعيّ الأوّل. غير أنّ التجربة العمليّة أثبتت لهم منذ حياة النبيّ أنّ الأحكام القرآنيّة لم تكن لتستوعب الواقع المعيش بكلّ مكوّناته وأوقفتهم على حقيقة أنّ تلك الأحكام قليلة جدّا بالنسبة إلى مقتضيات الواقع الآخذة في الاتّساع والتعـقـّد نتيجة انتقالهم التدريجيّ من طابع حضاريّ بسيط إلى آخر معقّد. وعند شعورهم بهذه الحاجة الجديدة، وخاصّة بعد وفاة النبيّ، عادوا إلى القرآن وقد استنفدوا إمكانيّاته الصريحة ليوسّعوا دائرة آيات الأحكام عددا ودلالة بواسطة التأويل المتجاوز دائما للصريح من الأقوال. فأدّى بهم ذلك إلى ضروب من التعسّف لإدخال آيات كثيرة لا صلة لها بالتشريع في آيات الأحكام(13). ورغم هذا التأويل المتعسّف تأكّد لدى علماء المسلمين، وخاصّة منهم الفقهاء، وهم سابقون في الظهور على الأصوليّين(أي المختصّين في أصول الفقه) أنّ القرآن كلّه غير قادر على إسعافهم بالحلول اللازمة لما كان يجدّ من قضايا ونوازل من نوع يختلف عمّا ألفوه في حياة مكّة والمدينة زمن الدعوة من بساطة. فاتّجه نظرهم إلى غير القرآن يلتمسون فيه حلولا. ولمّا كان منطلقهم في النظر القرآن فإنّهم أخذوا في توسيع هذه الدائرة شيئا فشيئا ملتفتين أوّلا، إلى الوسيط المبلّغ للقرآن وهو النبيّ(14) ثمّ ثانيا، إلى المحيطين مباشرة بالنبيّ وهم الصحابة. ولكنّ كلّ ذلك لم يكن بإمكانه أن يستوعب الواقع المتغيّر باطّراد. فاضطُرّ هؤلاء الفقهاء تدريجيّا إلى ابتكار أصول تشريعيّة اجتهدوا اجتهادا خاصّا في إثبات كونها على صلة معيّنة بالمصادر المشار إليها قبل قليل، أي القرآن فالسنّة فالإجماع. وفي هذا الطور من بحثهم عن مصادر للتشريع اتّفقوا في أربعة منها هي القرآن فالسنّة فالإجماع فالقياس. ولكنّهم اختلفوا في درجة اعتماد بعضها، كتقليل أبي حنيفة من اعتماد السنّة، مثلما اختلفوا في بعض ما ابتكروه من مصادر، إذ اختصّ بعضهم بمصادر غير التي اختصّ بها غيره. فممّا اختصّ به كلّ رأس مذهب فقهيّ سنّيّ نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، الاستحسان الذي اختصّ به أبو حنيفة والمصالح المرسلة التي اختصّ بها مالك بن أنس. أمّا الشافعيّ فقد رفض الأصلين معا واختصّ بقول الصحابيّ مثلما اختصّ ابن حنبل بالاستصحاب(15). وقد يكفي مجرّد التذكير بهذا المعطى الثابت في مذاهب الفقه السنّيّ دليلا لإفحام من يدّعي من المشتغلين بالفكر الإسلاميّ خلاف ذلك. فهذه البلورة التدريجيّة لمصادر التشريع الإسلاميّ ولترتيب العلاقات بينها وفق تراتبيّة معيّنة، أي وفق أولويّات مضبوطة على المشرّعين الفقهاء مراعاتها عند تصدّيهم للنظر في نازلة من النوازل(16). وقد يوهم هذا العرض الموجز لنشأة المذاهب الفقهيّة السنّيّة خاصّة بأنّ علماء الإسلام لم تعترضهم أيّ صعوبات تذكر من شأنها أن تجعل هذه النشأة عسيرة، وبأنّ بلورتهم لأصول التشريع قد تمّت" في كنَف الوفاق والتراضي بين الأطراف الفاعلة في هذه العمليّة". ولكنّ التأمّل الجدّيّ في الظروف الحافّة بتلك النشأة وهذه البلورة يوقف المرء على عكس ذلك تماما، بل يزيده اقتناعا بأنّ ما حصل كان على حساب الحقيقة التاريخيّة التي طُمست طمسا خدمة لمقتضيات إيمانيّة تارة واستجابة لحاجات عمليّة حاتمة تارة أخرى، كما سنبيّنه لاحقا. وسنكتفي، لبيان ذلك من خلال ما حفّ بنشأة أصل واحد من تلك الأصول، بالتذكير ببعض ممارسات النبيّ وبما حاكه المسلمون، على اختلاف مشاربهم، حول تلك الممارسات من تصوّرات متنوّعة بل متعارضة أحيانا في إطار ما اصطلحوا عليه بالسنّة النبويّة.
في نشأة السنّة النبويّة
رأينا قبل قليل أنّ النبيّ كان بمثابة قطب الرحى بالنسبة إلى أتباعه(17). كان صاحب الأمر والنهي فيهم، وكان ملجأهم كلّما اعترضهم مشكل لم يروا له حلاّ. فلم تكن الحلول التي يشير بها على أتباعه من قبيل الحلول الافتراضيّة لمشكلات افتراضيّة، بل كانت حلولا حقيقيّة لمشكلات حقيقيّة واقعيّة واجهته أو واجهت بعض أصحابه. ولذلك فإنّه لم يكن بالإمكان أن يجيب عن أسئلة لم تُطرح فعلا ولا أن يطرح معاصروه كلّ الأسئلة الممكنة أو المتصوّرة التي قد تفرضها الحياة، ولم يكن بالإمكان، من باب أولى، أن يقرّر أحكاما لعصور لاحقة وأجيال قادمة وخاصّة أنّ المسلمين عامّة يؤمنون بأنّه لا يعلم الغيب/ اختصاص الله. لقد كان يعيش بين أتباعه يصرّف شؤونهم حسب ما كانت تطرحه الحياة الواقعة من مسائل حاتمة لا بدّ من معالجتها المعالجة التي كانت تسمح بها له ولمعاصريه إمكانيّاتُ الواقع المادّيّ والاجتماعيّ والفكريّ والنفسيّ. فكان يؤدّي بين الجماعة دورا تمليه عليه مسؤوليّته بوصفه نبيّا. فكان يوضّح ما استغلق على بعض الناس فهمه من أوامره ونواهيه ولاسيّما تلك التي كان يدعو إليها بواسطة القرآن مثل الشعائر التعبّديّة كالوضوء والصلاة والحجّ والعمرة(18). وكان أيضا يصدر أحكاما خاصّة لحلّ مشكلات طارئة على حياة المسلمين قد لا يكون فيها الصواب حليف النبيّ كما حدث، مثلا، في أمر أسرى غزوة بدر الكبرى(19). ولكنّ احتلاله بين أتباعه مكانة متميّزة لم ينف عنه صفته البشريّة بل كان يصرّف شؤونه الخاصّة كأيّ من الناس، وكان يعتريه ما يعتري غيره من أحوال نفسيّة مختلفةٍ(20). وقد يكفي الاطّلاع على السيرة النبويّة للـتـثـبّت من ذلك(21). فالسيرة النبويّة إذن شاملة لكلّ ما وقع تدوينه من شؤون متعلّقة بالنبيّ بما فيها ما عدّه الفقهاء ملزما من أقواله وأفعاله وسكوته عن ممارسات قام بها البعض ممّن عايشهم على مرأى ومسمع منه دون أن يبدي اعتراضه عليها. وعلى هذا الأساس يكون ما اصطلح عليه المسلمون بالسنّة النبويّة مجرّد جزء من سيرته لا يختلف عن غيره من ممارساته إلاّ في مدى الإلزام حسب تقدير الفقهاء. وذلك أنّ ما عدّه الفقهاء أحاديث أحكام ملزمة، اعتقادا وعملا، يختلف نوعيّا، في نظر الأتباع، عمّا يدخل في باب العادات والأذواق الشخصيّة. وبتعبير آخر، لم يكن ما اصطلح عليه المسلمون بالسنّة النبويّة سوى عناصر من السيرة النبويّة انتقاها الفقهاء بعديّا(22) باعتبارها، عندهم، سوابق تشريعيّة ليؤلّفوا منها أصلا تشريعيّا أطلقوا عليه المصطلح المذكور وجرّدوه من كلّ حمولة تاريخيّة ليكسبوه بعدا لا تاريخيّا يؤهّله لأن يكون صالحا لكلّ زمان ومكان. فلا فرق إذن، في الأصل، بين السيرة النبويّة والسنة النبويّة من جهة النوع، خلافا لما توهّمه البعض ممّن أشرنا إليهم في المقدّمة. وقد انعكست هذه المكانة المتميّزة للنبيّ عند أتباعه على ما نُسب إليه من أقوال وأفعال بصورة جعلتهم يُعلون من شأن ما اصطلحوا عليه بالسنّة إلى درجة تكاد تضاهي مكانة القرآن، عندهم. وتمثّل هذا في معاملتهم للسنّة بالآليّات نفسها التي عاملوا بها القرآن فقالوا، مثلا، أحاديث الأحكام مقابل آيات الأحكام، والناسخ والمنسوخ من السنّة مقابل الناسخ والمنسوخ من القرآن، والعامّ والخاصّ من السنّة مقابل العامّ والخاصّ من القرآن، وإجراء السنّة وفق أساليب العرب في التعبير مقابل جريان القرآن على تلك الأساليب...ولكنّ مكانة السنّة النبويّة لم تكن متأتّية من الحاجة العمليّة إليها فحسبُ بل كانت متأتّية كذلك، حسب الشافعيّ، من فرض القرآن وجوب اتّباعها والعمل بها.
دور الشافعيّ في التنظير للسنّة
لقد بحث الشافعيّ، على عادة علماء الإسلام وخاصّة منهم الفقهاء والأصوليّين، عن حجـّيّة السنّة في القرآن، قبل كلّ شيء، باعتباره مصدر الحجج القاطعة فلم يظفر في القرآن بحاجته، وذلك أنّ القرآن أورد لفظ (السنّة) ثلاث عشرة مرّة في ثلاثة عشر موضعا دون أن ينسب إلى النبيّ (السنّة) ولو مرّة واحدة، فكانت (السنّة)، في مواضع، سنّة الله، وفي مواضع أخرى، سنّة الأوّلين. وأمام خلوّ القرآن من ذكر السنّة النبويّة التجأ الشافعيّ إلى قرينتين أخريين قرآنيّتين ليؤلّف منهما حجّة قاطعة، في نظره. فأمّا القرينة الأولى فهي اشتمال القرآن على الأمر بطاعة النبيّ في أوامره ونواهيه مثل قوله "ومن يُطع الله ورسوله يُدخلْه جنّات تجري من تحتها الأنهار"(23) أو " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"(24). ومن البديهيّ أنّ لبّ إيمان المسلم هو إيمانه بكون محمّد نبيّا حتّى يتمّ تصديقه في نسبة القرآن إلى الله(25) إذ دون هذا الإيمان ينعدم شرط التصديق بأنّ القرآن كلام الله(26) وبالتالي، تفقد الأوامر والنواهي الواردة فيه إلزاميّتها، على حين يرفع هذا الإيمان آليّا، إن تحقّق، مكانة النبيّ عند أتباعه ويجعل كلمته، أمرا ونهيا، مسموعة دون أن يعني ذلك، ضرورة، أنّ كلمته تلك وحي إلهيّ(27). وأمّا القرينة الثانية فتتمثّل، حسب الشافعيّ، في ورود لفظ (الكتاب)، أي القرآن، مقترنا بلفظ (الحكمة) في ستّ آيات قرآنيّة متفرّقة(28) ووروده مشارا إليه بعبارة (آيات الله) في آية سابعة(29). غير أنّ لفظ (الحكمة) قد ورد في القرآن عشرين مرّة، مقترنا بلفظ (الكتاب) في بعضها وغير مقترن به في بعضها الآخر. فقد جاء مستقلاّ بذاته مثلا كما في قول القرآن " يؤتي الحكمة من يشاء"(30) أو في قوله " ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة"(31). وجاء مقترنا بألفاظ (الكتاب) و(التوراة) و(الإنجيل)، كما في قول القرآن "ويعلّمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل"(32). فتنوّع الأوضاع التي ورد فيها لفظ (الحكمة) يقتضي الاحتكام إلى السياق لترجيح معنى على معنى آخر، أمّا القطع بأنّ له معنى وحيدا في سياق بعينه فهو إلى التحكّم والتعسّف أقرب منه إلى الترجيح وتغليب الاحتمال. وأن يستنتج الشافعيّ من مجرّد الاقتران بين اللفظين المذكورين، في الآيات السابقة أنّ (الحكمة) تعني( السنّة النبويّة) فذلك هو عين التعسّف. ويبدو لنا أنّه قد شعر بالحرج الناجم عن التعسّف في التفسير فاختبأ وراء معطى من خارج النصّ القرآنيّ تمثّل في شخص مجهول نسب إليه المعنى المذكور إذ قال: " فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول:" الحكمة: سنّة رسول الله"(33) ثمّ أتبع ذلك بقوله :" لأنّ القرآن ذُكر وأُتبعته الحكمة وذَكر الله منّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة فلم يجُز، والله أعلم(34) أن يُقال الحكمة ها هنا إلاّ سنّة رسول الله "(35) "وذلك أنّها مقرونة مع كتاب الله وأنّ الله افترض طاعة رسوله وحتّم على الناس اتّباع أمره..." (36). وبالجمع بين القرينتين يكون الشافعيّ قد انتهى إلى تقرير أنّ الحكمة تعني السنّة النبويّة دون دليل مباشر من القرآن على ذلك، بل اعتمادا على رأي رآه هو وعلى رأي شخص مجهول قد يكون من اختراع الشافعيّ نفسه(37). ولمّا كانت الحكمة، حسب القرآن، مصدرها الله، وكانت، حسب الشافعيّ، تعني السنّة النبويّة فمعنى ذلك أنّ السنّة النبويّة مصدرها الله. ولمّا كانت السنّة النبويّة تعني أخبار النبيّ، أقوالا وأفعالا، فمعنى ذلك أنّه لا أثر للبشريّة، على الأقلّ، في ما عدّه الشافعيّ تشريعيّا من أخبار النبيّ. ولكن كيف يمكن التسليم بهذا إذا كنّا نعلم أنّ الأخبار الواردة حول الوحي القرآنيّ، على أهمّـيّـته لدى المسلمين عموما، مشكوك في صحّتها لكون أغلبها مصنوعا صنعا على المقاس المراد؟(38) ثمّ ألا يكون من باب أولى وأحرى أن يلفّ الشكّ الأخبار المتعلّقة بشخص النبيّ، قولا وفعلا؟ إنّ ضعف الحجّة التي استند إليها الشافعيّ في تقريره كون السنّة النبويّة وحيا نجد ما يؤكّده في عديد الأقوال المرويّة عن النبيّ نفسه والملحّة على بشريّة أقواله وأفعاله. ويمكن أن نجد في اعترافه هو شخصيّا بقصوره البشريّ إذ يقول: "إنّما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكّروني"(39) ما يوجب علينا تنسيب مواقفنا من أقواله وأفعاله، بل قد نجد في القرآن نفسه ما يؤكّد صفة النبيّ البشريّة ويحول دون المغالاة في تنزيهه إذ يقول :" قل إنّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنّما إلهكم إله واحد "(40). ومن المواقف التي تلحّ إلحاحا على أنّ النبيّ، في الكثير من أحواله، لا يختلف عن غيره في شيء إلاّ كما يختلف أيّ اثنين من الناس موقف نراه فيه يعترف شخصيّا بأنّه معرَّض للوقوع في الغلط في التقدير والظلم في الحكم، شأنه في ذلك كشأن كلّ إنسان يتصدّى لفضّ النزاعات بين الناس، من خلال الخبر التالي "عن أمّ سلمة أنّ النبيّ قال: إنّما أنا بشر وإنّكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئا فلا يأخذه فإنّما أقطع له قطعة من النار"(41). يتّضح من هذا الخبر، إذن، أنّ النبيّ قد تنطلي عليه بعض الحيل مثلما قد تنطلي على غيره، وأنّه يحكم بين المتخاصمين حسب الكيفيّة التي تُعرض بها القضايا لا حسب مدى مطابقة رواية هؤلاء المتخاصمين للحقيقة الواقعة. ولذلك نراه يحكّم فيهم ضمائرهم كي يكونوا أمناء صادقين في أقوالهم عند عرضهم لأسباب الخصام. وإجمالا فإنّ حقيقة ازدواج شخصيّة محمّد لم تكن غائبة عن أذهان جلّ المسلمين، بل ذهبوا في الغالب إلى تمييز محمّد النبيّ الواجب الاتّباع عن محمّد الإنسان الذي تجوز مخالفته. وقد تجلّى وعيهم بتلك الحقيقة في تناولهم لممارساته وتحديدهم للموقف منها على أساس مدى إلزاميّتها لهم. وإذا كان من المعلوم أنّهم ذهبوا إلى كونها ملزمة لهم في مقامات وغير ملزمة لهم في مقامات أخرى فإنّ ما عجزوا عن البتّ فيه هو تحديدهم تحديدا صارما قابلا للتعميم لكيفيّة التمييز بين السلوك النبويّ الملزم والسلوك النبويّ غير الملزم(42)، إذ على أيّ أساس يمكنهم إسناد ممارسات معيّنة إلى محمّد النبيّ وإسناد ممارسات أخرى إلى محمّد الإنسان؟ فلم يجدوا من سبيل إلى الخروج من هذا المأزق سوى التمييز الاعتباطيّ الذي وظّفوه للتلاعب بأقوال محمّد وأفعاله(43) وهو تمييز قائم أساسا على تقدير الشخص المباشر للخبر النبويّ وللحادثة التي يريد تطبيقه عليها. وبتعبير آخر، إنّ هذا التمييز قائم على فهم ذلك الشخص بعينه للخبر النبويّ والحادثة موضوع الحكم المراد تقريره. ولا يمكن لهذه العمليّة أن تتمّ إلاّ في إطار ما يُصطلح عليه بالوضع التأويليّ المحكوم دائما بشروط تحقّـقه التي منها القدرات الذاتيّة الذهـنيّة والثقافيّة لذلك الشخص والوظيفة التي يؤدّيها في المجتمع وخصوصيّات ذلك المجتمع وحدود المعرفة الإنسانيّة في ذلك العصر والوسائل المنهجيّة المتّبعة في إنتاج المعنى... ومثلما اختلفوا في تحديد الملزم من تلك الممارسات وغير الملزم منها قد اختلفوا في وجه الإلزام ممّا عدّوه ملزما من الأقوال والأفعال في إطار تنافسهم على اقتسام تركة محمّد التشريعيّة (أي صلاحيّاته) بأن نظروا في كون محمّد قد قال كذا أو فعل كذا بصفته إماما( أي حاكما سياسيّا) أو بصفته مفتيا( أي مبيّنا للحكم الشرعيّ دون إلزام) أو بصفته قاضيا ( أي نافذ الحكم) كي يحصل كلّ منهم على نصيبه من الميراث بحسب الخطة التي يضطلع بها في المجتمع(44). على أنّ من علماء الإسلام من ذهب إلى تصنيف مجمل السنّة النبويّة (أي الملزم منها وغير الملزم) بحسب الحال التي حمل قول النبيّ أو فعله عليها، فبلغت عند محمّد الطاهر ابن عاشور اثنتي عشرة حالا هي "التشريع والفتوى والقضاء والإمارة والهدي والصلح والإشارة على المستشير والنصيحة وتكميل النفوس وتعليم الحقائق العالية والتأديب والتجرّد عن الإرشاد"(45). وإذا كان ما انتهى إليه ابن عاشور من الرأي متّسما بشيء من المرونة في التعامل مع الروايات المنسوبة إلى النبيّ فإنّ من الباحثين المحدثين من سعى إلى إبطال كلّ محاولة لتنسيب تلك الروايات والمواقف منها موصدا الباب في وجه كلّ من يحاول تجديد النظرة إلى التراث الفقهيّ الإسلاميّ انطلاقا من إعادة قراءة الأصول التي انبنى عليها في ضوء المكتسبات الإنسانيّة الحديثة معرفيّا ومنهجيّا وفي إطار ضرورة الاستجابة لمقتضيات واقع المسلمين في هذا العصر.
القسم الثاني- تقديم كتاب ونقده.
ولمّا كان تجديد النظرة إلى التراث الفقهيّ الإسلاميّ لا يمكن أن يتحقّق، في رأينا، دون تفكيك الرؤية التقليديّة التي حكمت ذلك التراث وسيّجته، قصد التوصّل إلى كشف مواطن الخلل في تلك الرؤية وأمارات الضعف فيها لإزاحة العراقيل من طريق الراغب في التجديد وتيسير مهمّته، فإنّ تناول كتاب متمحّض للدفاع عن تلك الرؤية وتثبيتها بالتحليل والنقاش يصبح أمرا مهمّا بل ضروريّا. ولهذا السبب رأينا من المفيد، في القسم الثاني من هذه الدراسة، تقديم كتاب "حجّــيّة السنّة" لعبدالغنيّ عبدالخالق ومناقشة ما جاء فيه ولاسيّما ما كان منه ردّا على منكري حجّـيّة السنّة لكون موضوع هذه الدراسة هو، تحديدا، السنّة.
تقديم الكتاب.
يضمّ الكتاب 598 صفحة ويتألّف من مقدّمتين وثلاثة أبواب وخاتمة. وكانت المقدّمة الأولى خاصّة ببيان معاني السنّة، أمّا المقدّمة الثانية فكانت خاصّة بالحديث عن عصمة الأنبياء، وأمّا الأبواب الثلاثة فكان أوّلها متعلّقا ببيان كون (حجّـيّة السنّة) ضرورة دينيّة، وثانيها متعلّقا بإيراد مختلف الأدلّة الدالّة على حجّـيّة السنّة، وثالثها متعلّقا بعرض آراء المعترضين على حجّـيّة السنّة وبردّ المؤلّف عليها. وأخيرا اشتملت الخاتمة على بعض المباحث التكميليّة ذات العلاقة بموضوع حجّـيّة السنّة. وقد تمّ إنجاز هذا البحث سنة 1942، حسب مقدّمة المؤلّف، ثمّ أعدّه لهذه الطبعة طه جابر العلواني سنة 1985، عن دار السعداوي (أو دارالتربية؟) للطباعة والنشر والتوزيع. وكانت دواعي تأليف الكتاب الأساسيّة هي الدفاع عن كون السنّة النبويّة ملزمة للمسلم في أيّ صورة جاءت، عملا بمقولة الشافعيّ"ناصر الحديث"(46) "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلاّ وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها "(47). والمتأمّل في الكتاب يلاحظ أنّ معظم ما جاء فيه من آراء هو إمّا ترديد لما قاله الشافعيّ حرفيّا وإمّا تجميع لآراء المؤيّدين للشافعيّ ولاسيّما من القدامى، كما يلاحظ أنّ المقدّمتين، وقد احتلّتا خمسي الكتاب، أخلّتا كثيرا بشروط الموضوعيّة في البحث العلميّ. وذلك أنّ المقدّمة الأولى المتمحّضة لبيان معاني السنّة خالية تماما من الحسّ التاريخيّ والنقديّ كما سنبيّنه لاحقا. وأمّا المقدّمة الثانية، وهي أطول من الأولى، فقد كانت تقريرا لعصمة الأنبياء وخاصّة النبيّ محمّد. ولا يخفى أنّ تطويق مبحث السنّة النبويّة بعصمة النبيّ يمنع الناظر إلى محمّد من أن ينظر إليه بوصفه إنسانا من لحم وعظم ودم، يأكل ويشرب ويجول في الأسواق ويخوض الحروب...كأيّ من الناس. وباختصار فإنّ عصمته، على نحو ما يعتقده المؤلّف، تحول دون تطبيق المعايير البشريّة عليه. وعلى هذا الأساس لا يبقى للناظر إليه إلاّ خيار واحد وحيد وهو الحكم سلفا بأنّ قوله وفعله لا يمكن أن يكونا إلاّ وحيا "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"(48) وإلاّ هطل عليه وابل من التهم حشره في زمرة الجهلة المتعالمين أو الملاحدة المفسدين ذوي المذاهب الفاسدة والآراء الخبيثة الكاسدة، المستدلّين بأوهى المقالات وأضعف الشبهات وأتفه الخيالات، الذين يعرضون الحديث على عقولهم الجامدة القاصرة وأفئدتهم المريضة متناسين، وهم الحمقى، "أنّ سنّة رسول الله أصل دلّ عليه كتاب الله وأنّ الأصل لا يقال له : لِمَ وكيف، بل يحكّمه المؤمنون ويقبلونه ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا ممّا دلّ عليه ويسلّمون له تسليما تامّا وينقادون لدلالته انقيادا كاملا"(49). فهل يبقى، بعد المقدّمتين المذكورتين قبل قليل، من مجال للحديث عن السنّة النبويّة بغير ما تحدّث به المؤلّف نقلا عن الشافعيّ ومؤيّديه؟ لذلك رأينا أن نضرب صفحا عن البابين الأوّل والثاني من الكتاب لكونهما لا يخرجان عن معنى المقدّمتين إلاّ من جهة الإخراج، ونمرّ مباشرة إلى الباب الثالث لنناقش ردود المؤلّف على المنكرين لحجّـيّة السنّة مع بعض التركيز في ردّه على الاعتراض(50)الثالث بصفة خاصّة لاشتماله على تفريعات عديدة. ورغم أنّ إنكار كون السنّة وحيا أمر قرّره الكثير من علماء الإسلام قديما وحديثا(51) فإنّ المؤلّف لم يدّخر جهدا لتفنيد هذا الأمر وإثبات عكسه كما سنبيّنه في ما يلي. يدلّك على هذا تخصيصه كامل الباب الثالث من الكتاب، وهو آخر الأبواب، وشيئا من الخاتمة لعرض مختلف الحجج التي اعتمدها منكرو حجّـيّة السنّة والتي تعكس تفاوت هذا الإنكار وللردّ عليها مركّزا حديثه، خاصّة، في ثلاثة أصناف من الإنكار لرفضها رفضا مطلقا حجّـيّة السنّة.
ردود المؤلّف وتعـقـيـبـنا عليها. الاعتراض الأوّل وردّ المؤلّف عليه:
ويتلخّص الاعتراض الأوّل في عدم الحاجة إلى السنّة أصلا لقول القرآن " وما فرّطنا في الكتاب من شيء"(52) وقوله " ونزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكلّ شيء "(53). وأمّا الردّ على هذا الاعتراض فقد بُني على التأويل لصرف الآيتين عن ظاهرهما وذلك بتأويل لفظ (الكتاب) الوارد في الآيتين تأويلا يجعل معنى (الكتاب) في الآية الأولى هو اللوح المحفوظ، ومعناه في الآية الثانية هو القرآن. ثم يورد المؤلّف للعلماء في تأويل الآيتين المذكورتين ثلاثة أوجه تكاد تكون تكرارا لمعنى واحد. أ) فأمّا الوجه الأوّل فيحصر معنى اللفظ (شيء) الوارد في الآيتين في أمور الدين وأحكامه. ولمّا لم يبيّن الكتاب كلّ أمور الدين وأحكامه بطريق النص فقد بيّنها، حسب بعض العلماء، "بطريق الإحالة على دليل من الأدلّة الأخرى التي اعتبرها الشارع في كتابه أدلّة وحججا على خلقه. فكلّ حكم ممّا بيّنته السنّة أو الإجماع أو القياس أو غير ذلك من الأدلّة المعتبرة فالقرآن مبيّن له "(54). وعلى هذا الأساس تدخل مختلف أصول الفقه التي قرّرها الأصوليّون، ولِمَ لا تلك التي لم يقرّروها بعدُ، ضمن الآليّات التي يعتقد هؤلاء العلماء أنّ القرآن قد استخدمها من قبـلُ للتبيين لتصبح، بذلك، أصولا إلهيّة؟ وحين نعلم أنّ معظم تلك الأدلّة أو الأصول من وضع أناس معروفين في الغالب فإنّ هذا القول يمثّل اعترافا صريحا بأنّ للبشر دورا أساسيّا في تحديد معنى الكلام الإلهيّ وخاصّة في ما يتعلّق بالأمور الدنيويّة. وقد ختم المؤلّف هذا الوجه من تأويلات العلماء للآيتين المذكورتين بشاهد طويل مأخوذ من رسالة الشافعيّ يبطل حجّة المنكرين ويؤكّد كون السنّة وحيا(55). ب) وأمّا الوجه الثاني من تلك التأويلات فيتعلّق بالآية الأولى القائلة " وما فرّطنا في الكتاب من شيء"(56) وينفي أن يكون التفريط حصل في خصوص " أمور الدين على سبيل الإجمال "(57) ويحصره في أمر الجزئيّات والتفاصيل التي هي، في اعتقاد المؤلّف و علمائه، من مشمولات السنّة النبويّة. واستدلّ المؤلّف على كون السنّة النبويّة ضرورة دينيّة بخبر منسوب إلى ابن الأعرابيّ يقرّر فيه للبيان معنيين اثنين أخذا برأي الشافعيّ: أحدهما البيان الجليّ وهو الذي تناوله القرآن نصّا وثانيهما البيان الخفيّ وهو ذاك الذي اشتمل عليه القرآن ضمنا. وفي هذا الموضع بالذات تدخل السنّة النبويّة بوصفها، حسب تنظير الشافعيّ، بيانا خفيّا للقرآن لا يمكنه الاستغناء عنها بحال من الأحوال. ت) وآخر التأويلات الثلاثة يتعلّق بقول القرآن في الآية الثانية " كلّ شيء" ويحمل العبارة المذكورة على معنى الأمور الدينيّة الأصليّة مثل التوحيد وما أشبهه.
الاعتراض الثاني ورد ّالمؤلّف عليه:
أمّا الاعتراض الثاني فملخّصه " أنّ الله تعالى تكفّل بحفظ القرآن دون السنّة"(58) بدليل قول القرآن "إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون"(59). وينتج عن هذا أنّ السنّة النبويّة ليست حجّة ولا دليلا. ويـفـتـتح المؤلّف ردّه على هذا الاعتراض بجعل (الذكر) وهو القرآن دالاّ على معنى "الشريعة كلّها : كتابها وسنّتها"(60) دون دليل نصّيّ ظاهر على أنّ الذكر يعني القرآن والسنّة النبويّة معا. ويورد المؤلّف، زيادة على هذا التعسّف في شرح لفظ قرآنيّ، تعسّفا آخر ضمن عرضه لقولي العلماء في الآية التي هي أساس الاعتراض. ويتمثّل هذا التعسّف في قول العلماء "إنّ ضمير الغيبة [أي الضمير*هـ*] في الآية يرجع إلى محمّد"(61). لقد اعتبرنا هذا القول تعسّفا لأنّ سياق النص القرآنيّ لا يسمح به بتاتا حسب قواعد اللغة، ولأنّ علماء آخرين، في القول الثاني، كذّبوه ،ضمنيّا، بتحكيم السياق القرآنيّ وقواعد اللغة، على الأرجح . غير أنّ القول الثاني للعلماء قد سلك طريقين اثنين لتفنيد الاعتراض: أوّلهما نفي دلالة الجارّ والمجرور (أي عبارة *له*) على الحـصـر كي يـتـمّ توسـيـع معـنـى (الذكر) ليشتمل على القرآن والسنّة النبويّة(62). ويمثّل هذا القول رجع صدى لبداية الردّ على هذا الاعتراض، وثاني الطريقين الاستشهاد بالشافعي ّنصّا ثم معنى للتدليل على أنّ (الحفظ) المذكور في الآية شامل للقرآن والسنّة النبويّة معا شمول الوحي لهما معا، كلّف ذلك ما كلّف (63).
الاعتراض الثالث وردّ المؤلّف عليه:
وأمّا الاعتراض الثالث والجواب عنه فيستحوذان على كلّ ما بقي من الباب الثالث، وهو معظمه، ويتناولان المسألة من وجوه عديدة، غير أنّ المؤلّف لم يردّ على وجوه الاعتراض حسب ورود حجج المعترضين بل ردّ عليها وفق التخطيط الذي يقتضيه الدفاع عن حجّـيّة السنّة مستعينا تارة بالإجماع وطورا بالتأويل كلّما اصطدم بحاجز واقعيّ أو منطقيّ يهدّد مشروعه بالفشل. وسنورد الاعتراض مختصرا، كما فعل المؤلّف، ثم نقف على وجوه الاعتراض حسب ما تتيحه لنا ردود المؤلّف التفصيليّة. وهي ردود مرتّبة بصورة تجعل كلّ ردّ أساسا يبنى عليه الردّ الذي يليه. يدور هذا الاعتراض " حول نهي النبيّ عن كتابة السنّة وعدم جمع الصحابة لها وتدوينها كما فعلوا في القرآن، وما إلى ذلك"(64). وقد أيّد المعترضون اعتراضهم بستّ وثلاثين رواية عن النبيّ والصحابة والتابعين تـتّفـق جميعها في نفي أن تكون السنّة النبويّة وحيا تمييزا لها عن القرآن، في اعتقادهم. ويمكن حصر عـدد ردود المؤلّف على المعترضين على حجّـيّة السنّة النبويّة، بعد ضمّ بعضها إلى بعض وجمع ما كان منها قابلا للجمع، في عشرة ردود نذكر كلّ واحد منها باختصار ثم نعقّب عليها ردّا ردّا. 1) فالردّ الأوّل، وهو لا يتعلّق برواية بعينها، كان عنوانه "إنّما تحصل صيانة الحجّة بعـدالـة حاملهــا"(65). والمراد بهذا الردّ أنّ الحجّة تتحقّـق صيانتها أو حفظها بعدالة صاحبها (أو حاملها) إذ لا تضمن الحجّة ذاتيّا حفظ نفسها، فالمعوَّل في حفظها على صاحبها أو حاملها. والرأي عندنا، أنّ صاحب الحجّة لا مصداقيّة له إلاّ لدى مَن يصدّقه. فيعود الأمر، حينئذ، إلى موقف المتقبّل من صاحب الحجّة، فإن صدّقه عدّها صدقا وإن كذّبه عدّها كذبا(66). فالمسألة، إذن، نسبيّة باعتبار موقف الآخر من صاحب الحجّة. وهذا يجرّد تلك الحجّة من الصدق المطلق ويعلّق قيمتها على متقبّلها وليس على صاحبها. وفي ضوء هذا البيان نرى وجوب تحوير الردّ ليصبح "إنّما تحـصل صيانة الحجّـة بـتعـديـل حاملها" أي بإكساب صاحبها صفة العدالة. وهذه هي الحقيقة التي يخشاها علماء الإسلام ويهابونها، ولذلك اجتنبوا الحديث عن تعديل الصحابة وحكموا بعدالتهم جميعا دون حاجة إلى من يعدّلهم لأنّهم، في نظر المسلمين عموما، شهود عيان على الرسالة المحمّديّة وناقلو الدين إلى الأجيال اللاحقة. فإذا فقدوا صفة العدالة فَقَد ما نقلوه صدقَه. وممّا يمكن استنتاجه، حينئذ، أنّ صاحب الحجّة لا يستمدّ سلطته من ذاته ولا من طبيعة حجّته بل من الآخر/المتقبّل سواء أكان ذلك الآخر واعيا بذاته أم غير واع. 2) وعنوان الردّ الثاني هو " الكتابة ليست من لوازم الحجّـيّة"(67). ويفتتح المؤلّف ردّه هذا بما يؤكّد ما نبّهنا عليه قبل قليل في خصوص علاقة الردود ببعضها بعضا إذ يقول : "فإذا كان المهمّ في المحافظة على الحجّة عدالة الحامل لها على أيّ وجه كان حملها(68) تحقّـقـنا أنّ الكتابة ليست من لوازم الحجّـيّة وأنّ صيانة الحجّة غير متوقّفة عليها [أي على الكتابة] وأنّها ليست السبيل الوحيد لذلك"(69). لقد رأينا منذ حين أنّ تعليق صدق الحجّة على عدالة حاملها يقصي من دائرة الاهتمام متقبّل الحجّة ووسيلة إثباتها المادّيّة، وهي الكتابة، كما يحوّل واقعة تاريخيّة محدّدة هي، في صورة الحال، التعويل على الرواية الشفويّة لبدائيّة الخطّ العربيّ ولندرة حاذقيه، إلى حقيقة عامّة مطلقة تنطبق على كلّ الأوضاع. غير أنّ بداية التحوّل النسبيّ في هذا الموقف هي اعتراف المؤلّف بأنّ الكتابة "ليست السبيل الوحيد" للحجّـيّة. فهل اعترافه بأنّ الكتابة سبيل من سبل الحجّـيّة يعني مساواته بين الكتابة والرواية في إثبات الحجّـيّة؟ وبالتالي، هل يمكن للكتابة، في نظره، أن تستقلّ، كالرواية تماما، بإثبات الحجّـيّة؟ وهل يعني ذلك أنّ هذا الموقف هو بمثابة الانفتاح على مشروعيّة الكتابة في العصور اللاحقة بشرط التزام تلك الكتابة بمراسم الشفاهيّة أي بتقاليد عصر التأسيس؟(70). 3) جاء الردّ الثالث معنونا بـ " الكتابة لا تفيد القطع"(71). ولو كان الأمر يتعلّق بالكتابة في حدّ ذاتها لقلنا هذا الحكم صحيح، بل لزدنا عليه أنّ النقل الشفويّ أيضا لا يفيد القطع، بناء على كون الكاتب لا يزيد ولا يقلّ شأنا عن الراوي مطلقا، إذ كلاهما يمكن أن يصدق كما يمكن أن يكذب. ولكنّ المؤلّف لا يطلب الاستتباع المنطقيّ بل يريد تقديم الراوي على الكاتب بعد أن شهد سلفا بعدالة الراوي إعلاء لشأن الرواية كما سبق أن رأينا ذلك وعلّلناه تعليلا نزعم أنّه أزاح عنه غشاوة التعميم والإطلاق. 4) أمّا الـردود الـثلاثـة الـموالية فـهي، في الـحـقـيـقة، ردّ واحد مجـزَّأ إلى ثلاثة أجزاء هي: أوّلا، "الكتابة دون الحفظ قوّة" وثانيا، "الكتابة دون الحفظ قوّة خصوصا من العرب ومن على شاكلتهم" وثالثا، "وخصوصا الصحابة والتابعين منهم"(72). ولذلك رأينا أن نناقشها مجتمعة فنقول: إنّ ممّا لا يجادل فيه عاقل أنّ الكتابة أوثق من الحفظ في ضبط الحادثة أو ما شابهها لكون الكتابة تقوم على التوثيق المادّيّ على حين يكون التعويل، في الحفظ، على الذاكرة بكلّ ما يمكن أن يعتريها من نقص أو نسيان أو غيره. ولا عبرة، في هذه الحال، بصفة الكاتب والراوي، إذ ما ينطبق على الواحد منهما ينطبق على الآخر صدقا وكذبا وغلطا...زد على ذلك أنّ دارسي حضارة الشعوب المختلفة قد قادتهم ملاحظاتهم إلى أنّ الكتابيّة تمثّل طورا متقدّما بالقياس إلى الشفاهيّة، وأنّ الشفاهيّة هي القناة الرئيسيّة لنقل المعلومات في المجتمعات الأقلّ حظا من التطوّر والتي لم تنتشر فيها الكتابة ولا وسائل تدقيقها. فإذا سلّمنا بهذا قرّرنا أنّ اعتماد المسلمين الأوائل على الرواية في نقل دينهم كان بدافع الضرورة لا الاختيار. فلا فضل، إذن، للرواية على الكتابة على وجه الإطلاق. وقد يضاف إلى ذلك أنّ مراسم الشفاهيّة امتزجت بمراسم الكتابيّة في الأطوار الأولى من تقدّم العرب والمسلمين (من ذلك شيوع بنية الخبر في العلوم الدينيّة الإسلاميّة وفي الثقافة العربيّة عامّة) لتتلاشى في العصر الحاضر أمام هيمنة الكتابيّة على النشاط الفكريّ الإنسانيّ عامّة ولاسيّما في عصر الثورة المعلوماتيّة(73). ويمكن أن نُلحق الردّ الموالي بالردود الثلاثة التي فرغنا للتوّ من مناقشتها لكونه صياغة أخرى لمطلع الردّ السابق. فقد جاء على النحو التالي "الحفظ أعظم من الكتابة فائدة وأجدى نفعا"(74). لم يخرج هذا الردّ عن الاستماتة في الدفاع عن الرواية والسماع والمشافهة لكون الدين الإسلاميّ وصلنا عبر قناة الرواية اضطرارا موضوعيّا لا اختيارا وهميّا. ويبدو أنّ من أشدّ صور المكابرة والغلط والمغالطة غباء أن نبدو في موقف ذاك الذي قال: "معيز ولو طاروا". وقد يقودك إلى هذا الاستنتاج استعانةُ المؤلّف، حتّى بمن لا يُستشهَد بهم عادة في سياق بحث أصوليّ، كاللغويّين والشعراء القدامى ممّن يفضّلون الحفظ على الكتابة ويمجّـدونه من أمثال يونس بن حبيب (ت182هـ) والخليل بن أحمد (ت174هـ) وأبي العتاهية (ت210هـ) للإقناع بوجهة نظره(75).
5) وملخّص الردّ الموالي هو أنّ القطع بالقرآن إنّما حصل بالتواتر اللفظيّ لا بالكتابة(76). إنّ هذا التقرير يدفعنا دفعا إلى طرح السؤال التالي: لماذا كُتب القرآن أصلا ما دام "الحفظ أعظم من الكتابة فائدة وأجدى نفعا"؟ • يبدو أنّ المؤلّف، في هذا الردّ، قد رام التوفيق بين أمرين اثنين متعارضين. فمن جهة نحن نعلم، يقينا، أنّ المسلمين الأوائل، لأسباب ذكرناها آنفا، كانوا يعتمدون بصورة رئيسيّة على الرواية لنقْل معارفـهـم، ومنها ديـنهـم، ونعـلم أيضا أنّ القرآن قد دُوّن بصفة رسميّة على أيّام عثمان بن عفّان (ت35هـ ). فمن الناحية التاريخيّة لا خلاف في هذين الأمرين. وأمّا من الجهة الثانية فإنّ الدين الذي نعتقد أنّه كامل ثابت قد بلغنا عن طريق الرواية. وقناة الرواية غير مأمونة الدقّة لاعتمادها على الذاكرة، كما أنّ ممّا يؤكّده الواقع أنّ الذاكرة البشريّة يعتريها النسيان والغلط. فكيف يمكن، حينئذ، الجمع، من جهة، بين تمجيد الرواية، ووسيلتُها الذاكرة البشريّة القاصرة مهما كابرنا، ومن جهة ثانية، الإيمان بأنّ الدين كامل ثابت رغم وصوله إلينا عبر الرواية، تحديدا؟ لعلّ المؤلّف وجد في مفهوم (التواتر اللفظيّ) (77)، مجاراة لحال المسلمين الأوائل، ما به يقيم جسرا، نراه وهميّا، بين المعطى التاريخيّ، وهو بشريّ نسبيّ، والمعطى العقديّ، وهو إلهيّ مطلق، ولكنّه لم يقدّم إجابة مقنعة عن السؤال الذي طرحناه قبل قليل. • 6) أمّا الردّ الموالي، بكلّ تفريعاته المترابطة، فإنّه ينبني على المقولة المركزيّة التالية: "يجب العمل بظنّيّ الثبوت في الفروع"(78). وقبل الشروع في مناقشة هذا الردّ يحسن بنا إبداء الملاحظتين التاليتين: أ) إنّ الردّ بكلّ تفريعاته جواب عن قول المعترضين "إنّ ظنّيّ الثبوت لا يصحّ الاحتجاج به كما يدلّ عليه قوله تعالى " ولا تقْـفُ ما ليس لك به علم "وقوله " إن يتّبعون إلاّ الظنّ ". ولا يحصل القطع بثبوتها[أي الحجّة] إلاّ بكتابتها وتدوينها كما هو الشأن في القرآن"(79). ب) إنّ المؤلّف قد حرّف الاعتراض بجعله متعلّقا "بالعمل بظنّيّ الثبوت في الفروع " بدل "الاحتجاج بظنّيّ الثبوت". ولا يخفى أنّ هذا التحريف قد نقل المسألة من (الاحتجاج) إلى (العمل)، كما أدخل مفهوم (الفروع) ليفتح الباب أمام(الأصول) أي العقائد حتّى يحصر مجال الاعتراض في فروع الدين أي في الفقه، عبادات ومعاملات، دون أصوله، رغم أنّ (الاحتجاج) يشمل الأصول والفروع معا(80). ومن الواضح أنّ مربط الفرس في هذا الردّ هو المقابلة بين الكتابة، حجّة المعترضين، والرواية، حجّة المؤلّف، بل هو تفضيل الرواية على الكتابة للأسباب التي بيّـنّاها سابقا. أمّا التفريعات المتولّدة من مسألة " ظنّيّ الثبوت "فهي تدور جميعا حول مسألة مدى جواز " التعبّد بخبر الواحد"(81). وهذا يدلّ على أنّ المعتبر عند علماء الإسلام هو، قبل كلّ شيء، العبادة كيفما كانت وأيّ طريق سلكت، موافقة لقول القرآن "وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدونِ"(82). ومن صور العبادة الظاهرة الممارسات الدينيّة المقنّنة، فرديّة كانت أو جماعيّة، حرصا على استبعاد التنوّع والاختلاف أو، على الأقلّ، الحدّ منهما قدر المستطاع. ونختم مناقشة هذا الردّ بالتنبيه على أنّ المؤلّف، حين لم يستطع دفع الاعتراض، وحجّته آيتان قرآنيّتان، لجأ إلى آليّة التأويل كي يبطل فهم المعترضين للآيتين ويثبّـت صحّة فهمه هو لهما(83). فيؤول الأمر، حينئذ، إلى اختلاف في فهم الحجّة لا في الحجّة نفسها. وبهذا نخرج من مجال معنى الحجّة، المعتبَر كامنا فيها، إلى مجال فهم الحجّة بما هو انخراط واع أو غير واع في إنتاج المعنى من قـِـبـَل المؤوّل(84). 7) ويتعلّق الردّ الموالي للمؤلّف باحتجاج المعترضين على أُطروحته بأمر النبيّ بكتابة القرآن ونهيه عن كتابة السنّة. ومعنى هذا الاعتراض أنّ أصحابه يقيمون علاقة تلازم بين الكتابة والحجّـيّة على حين يبطل المؤلّف هذا التلازم لتكتسب الحجّـيّة، في نظره، مصدرها من عدالة الراوي، كما رأينا سابقا. ونحن، وإن كنّا نوافقه على نفي التلازم بين الكتابة والحجّـيّة، لا نوافقه على تلازم الحجّـيّة والرواية لأنّ الحكم بعدالة الراوي هو مجرّد مسلّمة لا يؤيّدها الواقع. بيد أنّ ما يَلفت انتباهنا نوعا مّا هو أنّ المؤلّف، في ردّه على الاعتراض السابع، أعلن موقفا من الكتابة يذكّرنا بما اعترف به في ردّه على الاعتراض الثاني ويقوّي الترجيح الذي ملنا إليه آنذاك. لقد قال في هذا الردّ :" إنّا لا ننكر أنّ الكتابة طريق من طرق الإثبات"(85) ثم ذكّر بحاجة المتأخرين إلى معرفة القرآن وحذّر من ضياع أمور الدين إن ضاع القرآن لعدم كتابته(86). والمستفاد من هذا كلّه، بالنسبة إلينا، أنّ حجّـيّة الرواية حجّـيّة ظرفيّة تبطل بمرور الزمن، وأنّ تمسّك المؤلّف بها لا يعود إلى قيمة الرواية في ذاتها بل يعود إلى الدور الفعليّ الذي قامت به في فترة تأسيس الدين الإسلاميّ للحفاظ على الدين في غياب شبه كلّـيّ لوسائل النقل والضبط الأخرى. ولذلك كان من المنطقيّ، موضوعيّا، أن يستمدّ الرواة عدالتهم من المكانة المتميّزة للرواية في إطار حضارة شفاهيّة. وأمّا الشقّ الثاني من هذا الاعتراض وهو نهي النبيّ عن كتابة السنّة الذي رأى فيه المعترضون دليلا على عدم حجّـيّـتها فقد أجاب عنه المؤلّف من طريقين اثنين يتّحدان، في آخر التحليل، لتقرير نتيجة واحدة. فأمّا الطريق الأوّل فهو إيراد روايات أخرى وأقوال لبعض العلماء تؤيّد جميعا حجّـيّة السنّة دون أن يطعن في صحّـة الروايات التي اعتمدها المعترضون. وأمّا الطريق الثاني فهو الجمع بين الطائفتين من الروايات المتعارضة بإدخال عنصر النيّـة كي يَسهل عليه حمل النهي الصريح على معنى الإذن الضمنيّ إذ قال: "لا يجوز بأيّ حال أن يكون نهيه عن الكتابة دليلا على رغبته في عدم نقلها وعلى عدم حجّـيّـتها"(87). فمن أين له القدرة على معرفة رغبة أيّ شخص مهما كان إن هو لم يصرّح بها؟ أليس هذا من قبيل محاسبة النوايا؟ 8) وبعد أن قرّر المؤلّف كون نهي النبيّ عن كتابة السنّة لا يدلّ على عدم حجّـيّـتها بل يدلّ، خلافا لما يراه المعترضون الجاهلون لرغبة النبيّ الحقيـقـيّة، على حكمة بالغة تشهد بها أقوال بعض العلماء في الموضوع، حسب اعتقاده. ويمكن اختزال هذه الحكمة في غايتين اثنتين : أولاهما ضرورة تمييز القرآن عن السنّة وخاصّة في ظرف معيّن متّسم بقلّة الكاتبين، وثانيتهما توجيه النهي إلى بعض الناس الأقوياء الحفظ شحذا لهذه الملَكة لديهم. 9) وبتعليق المؤلّف الحكمة على بعض الظروف الخاصّة يكون قد شقّ طريقا وسطا بين النهي والأمر هو طريق الإذن ليتخلّص من أيّ إلزام قد يقتضيه كلّ من النهي والأمر، وليُرجع الأمر إلى مجرّد الاختيار الحرّ أو الإباحة باصطلاح الفقهاء حتّى لا تفقد السنّة، مروية كانت أو مكتوبة حجّـيّـتها. وهذه هي الغاية التي ندب المؤلّف نفسه إليها، والتي يكشف عنها العنوان الذي اختاره لهذا الردّ وهو "ثبوت إذنه صلى الله عليه وسلم بكتابة السنّة "(88). وتحويل الأمر والنهي إلى مجرّد الإذن بما هو إباحة أو سماح غير ملزم يمثّل فهما معيّنا لبعض ما صدر من النبيّ قولا أو فعلا. وهو فهم لا ينسحب على كلّ الأحوال وخاصّة منها ما اشتمل على أمر ونهي، فضلا عن أنّ قرائن الحال التي قد تفيد معنى معيّنا أو، على الأقلّ، ترجّحه غائبة تماما عن معظم ما رُوي عن النبيّ، بل متعارضة أحيانا إن هي ذُكرت كما هي الحال في الروايات التي نهى فيها عن كتابة السنّة وتلك التي أذن فيها بكتابتها، وكلّها في نظر المؤلّف روايات صحيحة تقتضي حلاّ يجمع بينها جميعا دون الطعن في حجّـيّة أيّ منها(89). وهذا ما سيكون موضوع الردّ الموالي. 10) وعنوان هذا الردّ هو "الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن"(90). يفتتح المؤلّف هذا الردّ بتفريع القضيّة إلى سؤالين اثنين يقوم عليهما، في تصوّره هو، اعتراض المعترضين وذلك لأنّه هو وحده القائل بالجمع بين النوعين من الأحاديث على حين لم يؤسّس المعترضون اعتراضهم إلاّ على نوع واحد من الأحاديث وهو أحاديث النهي. وأوّل السؤالين هو أنّ أحاديث النهي تتعارض مع أحاديث الإذن، فكيف يمكن الجمع بينهما؟ أمّا ثانيهما فهو: هل يصحّ أن يكون النهي ناسخا للإذن كما ذهب إليه بعض من كتب في الموضوع؟ وللإجابة عن السؤال الأوّل يورد المؤلّف آراء بعض العلماء ويناقشها منتهيا إلى الجمع بين النوعين من الروايات وذلك بنفي مختلف أنواع التخصيص(91) والتعاقب الزمنيّ المفضي إلى القول بالنسخ، أي نسخ روايات النهي بروايات الإذن لتأخّر هذه عن تلك، معلّقا صلاحيّة النوعين من الروايات معا ودوما على مدى وجود الخوف على القرآن. فإن خفنا من حصول اشتباه القرآن المأمور بكتابته بالسنّة إن كُتبت عملنا بروايات النهي، وإن أمنّا من حصول ذلك الاشتباه عملنا بروايات الإذن "إلى يوم القيامة"(92). قلنا منذ حين إنّ صياغة السؤال تمّت حسب تصوّر المؤلّف للقضيّة، وهو تصوّر لا يلزم غيره. ويعود احترازنا هذا إلى كون المؤلّف أسقط من الحساب أسئلة أهمّ من سؤاله وأولى بالنظر قبل البحث عن كيفيّة الجمع ، منها: هل يمكن الجمع بين الأخبار المتناقضة؟ بل لماذا الحرص على الجمع أصلا؟ أفلا يدلّ ذلك على أنّنا مكرَهون على قبول التناقض وتبريره؟ لم يأبه المؤلّف بمثل هذه الأسئلة ومرّ مباشرة إلى السؤال عن كيفيّة هذا الجمع كما لو كان القول بالجمع في حدّ ذاته مسألة مفروغا منها أو بديهيّة. والحقّ أنّ السكوت عن مثل تلك الأسئلة التي طرحناها لم يكن، في تقديرنا، مجّانيّا بل كان داخلا في "استراتيجيا" الدفاع عن حجّـيّة السنّة، أي في استبعاد كلّ ما من شأنه أن يحرج الباحث ويُكرهه على قول ما لا يريد قوله. ولهذا السبب رأينا كيف أنّ المؤلّف يلتمس المخارج من مأزق هذه الأسئلة في مقولة الجمع ومقولة النسخ جريا على عادة علماء الإسلام، قديما وحديثا، في طمس التناقض بين المعطيات مدّعين أنّ ذلك التناقض ظاهري ّفقط(93)، وفي افتعال الانسجام بينها مثل ما فعلوا في التعامل مع تناقض القرآن والقرآن وتناقض السنّة والسنّة وتناقض القرآن والسنّة وتناقض النصوص، قرآنا وسنّة، والإجماع(94). ومن صور طمس علماء الإسلام، قدامى ومحدثين، للتناقض بين المعطيات قولهم، مثلا، بالجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن. فهذا القول يعني، عمليّا، اعتبار كلّ تلك الأحاديث بمثابة الاحتياطيّ التشريعيّ أو الرصيد التشريعيّ الذي نسحب منه كلّ مرّة ما تُكرهنا الحاجة العمليّة على توظيفه. وهكذا نجعل ما صلُح لزمن معيّن صالحا لكلّ الأزمنة اللاحقة ما دام، في اعتقادنا، قابلا للإعمال في كلّ آن. فنلغي، بذلك، تماما مبدأ التقدّم بما هو تجاوز مستمرّ للموجود القائم وابتكار للجديد المبتدَع. إنّ المخرج الأنسب من هذا المأزق لا يكمن، حسـب رأينا، في الـقـيام بـبهـلوانـيـّات فـكـريــــــّة "جَـوْبَـرْمائيّة" لتنقية تاريخنا ممّا نعدّه بقعا سوداء فيه ولكتم صوت السؤال فينا، بل يكمن، بكلّ بساطة، في النظر إلى هذه الروايات، رغم ما يلفّها من شكوك سنبيّن أهمّـيّتها لاحقا، على أنّها تعكس تطوّر أوضاع المسلمين وكيفيّة تفاعل النبيّ مع تغيّر حاله وحال أتباعه حسب ما فرضته عليه الظروف الخاصّة والعامّة التي أثّرت في سيرته وسِيَر أصحابه. ومهما يكن من أمر فإنّ مختلف الآراء التي رأيناها، سواء ما كان منها راجعا إلى المؤلّف أو ما كان منها راجعا إلى العلماء المذكورين، هي مجرّد آراء بشريّة تسعى إلى الجمع بين المتناقضات دون سند نصّيّ صريح ودون حاجة عمليّة حقيقيّة، ولا تملك في ذاتها ما يجعلها أولى بالاعتبار من غيرها أو أفضل منه، اللهمّ إلاّ أن يكون بعضها أقدر من بعضها الآخر على جعل صاحبه يطير في الهواء دون جناحين وبلا طائرة أو ما أشبهها. والنتيجة المنطقيّة لما انتهى إليه المؤلّف من جمع بين المتناقضات هي فقدان السؤال الثاني علّة وجوده ليصبح كلاما غير ذي موضوع. ولذلك قرّر في مفتتح إجابته عنه " أنّه لا يصحّ بحال أن يكون النهي ناسخا للإذن [بل] لا يصحّ أن يكون أحدهما ناسخا للآخر [...] لأنّ النسخ لا يُصار إلى القول به إلاّ عند العجز عن الجمع بين الدليلين المتعارضين بغيره"(95) أي بدليل ثالث يرجّح أحد الحكمين أو يقضي بحكم مخالف للحكم المترتّب على أيّ من الدليلين المتعارضين ويكون مستقلاّ بذاته. وأنت ترى أنّ صاحبنا لم يعجز عن الجمع بين المتناقضات ولم يحتجْ إلى الاستعانة بمفهوم من خارج النصوص، وهو النسخ، حفاظا على النصوص المتناقضة أي لمنح التناقض شرعيّة الوجود بل والفعل، أيضا، في حياة الناس. ويختم المؤلّف الباب الثالث من الكتاب بمباحث أربعة هي على التوالي " الكلام على كتابة السنّة وتدويـنها في عـهـد الصحـابـة "(96) و " امـتـنـاع الصحـابـة عـن التحـديث بالسنّة ونهيهم عنه "(97) و"الأسباب التي حملتهم على الامتناع والنهي "(98) وأخيرا " أخبار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم تدلّ على عدم حجّـيّة السنّة"(99). ويتّضح للناظر في هذه المباحث أنّ ما جاء فيها هو مجرّد حشو يكرّر فيه المؤلّف ما قاله في الردود السابقة وخاصّة منها ردوده على الاعتراض الثالث(100). فهو يراوح في جميعها بين إثبات كتابة أقوال النبيّ في عهده وعهد صحابته وتبرير أخبار الأمر بكتابتها وأخبار النهي عنها لهدفين اثنين : أوّلهما إبطال حجج المعترضين، وثانيهما إثبات حصول الكتابة في العهدين المذكورين، وتأكيد حجّـيّة السنّة مكتوبة أو مرويّة. أمّا خاتمة الكتاب فتشتمل على ثلاثة مباحث متعلّقة بمسألة حجّـيّة السنّة. فأوّلها " في بيان مرتبة السنّة من الكتاب"(101)، وثانيها " في أنواع السنّة من حيث دلالتها على ما في الكتاب وعلى غيره "(102)، وثالثها " في استقلال السنّة بالتشريع "(103). وقد ناقش المؤلّف في المبحث الأوّل الشاطبي (ت 790هـ)، وفي المبحث الثاني محمّد الحجوي الثعالبي صاحب "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلاميّ"(104)، وفي المبحث الثالث منكري أطروحته من خلال عرض الشاطبي لحججهم. وعند إمعاننا النظر في محتوى هذا كلّه تبيّن لنا أنّ المباحث الثلاثة محكومة بمنطق التعالق بينها لتـتـظافـر على إثبات الاعتقاد التالي: إنّ السنّة وحي كالقرآن وإنّها تشمل أقوال النبيّ وأفعاله وإقراراته، على نحو ما ذهب إليه الشافعيّ في رسالته، وإنّ هذه الإقرارات هي تشريع صادر من النبيّ المعصوم دون أن يكون بيانا للتشريع الإلهيّ ولكنّه ملزم مثله، لأنّ الوحي غير المتلوّ، وهو السنّة بمكوّناتها الثلاثة، من مرتبة الوحي المتلوّ، وهو القرآن، اعتبارا واحتجاجا. ونحن نرى، اجتنابا للتكرار الذي وقع فيه المؤلّف، أنّ تعقيباتنا السابقة على ردوده وكذلك الحجج التي سندعم بها تلك التعقيبات ضمن ما خصّصناه من هذه الدراسة لعرض النتائج العامّة، تكفي لبيان بُطلان الأفكار المحوريّة التي دارت عليها هذه المباحث وتعفينا، بالتالي، من مناقشتها واحدة واحدة كما فعلنا في خصوص الباب الثالث من الكتاب. وهكذا يكون قد تبيّن لنا أنّ شدّة حرص المؤلّف على تجميع كلّ ما رآه صالحا للدفاع عن السنّة بتأكيد حجّـيّتها واعتبارها وحيا، مهما كلّفه ذلك من حشو وتكرار، راجعة، بصفة خاصّة، إلى إعلان بعضهم، مثل محمّد وفيق صدقي(105)، أنّ الإسلام هو القرآن وحده. غير أنّ هذا الإعلان غير المألوف في الفكر الإسلاميّ السائد آنذاك، وربّما إلى اليوم، قد يدعو الباحث إلى الغوص على أسبابه العميقة التي قد تكون ثاوية وراء زهد بعض النظّار في السنّة النبويّة. فما الذي طرأ، إذن، على هذا الأصل، وهو مقدّم على سائر أصول الفقه باستثناء القرآن، حتّى يتراجع عن مكانته السالفة ويفقد ما ظلّ يحيط به من تقديس؟
من أسباب ترك السنّة : وضع الأحاديث.
والظاهر أنّ سبب الإعلان المذكور هو، في تقديرنا، الارتياب بالسنّة والتشكيك في صلاح أن تكون أصلا تشريعيّا معتبرا لدى المسلمين نظرا إلى كثرة اختلاق الأحاديث في مجالات متعدّدة من حياة المسلمين بصورة يتعذّر معها التمييز تمييزا قطعيّا بين الصحيح من الحديث والمكذوب منه(106). وهذا الأمر قد فطن له القدامى وحذّروا منه بل ووضعوا شروطا معيّنة يعرضون عليها الحديث قبل قبوله. فاستطاعوا، بتطبيقها، تأليف مجاميع الأحاديث التي من أشهرها صحيح البخاري (ت 256هـ) وصحيح مسلم (ت 261هـ). غير أنّ تلك الشروط ظلّت منطبعة إلى حدّ كبير بأوضاع العرب زمن الدعوة الإسلاميّة. وذلك أنّها كادت تنحصر في تمحيص سَـنَـد الحديث أي رواته على حساب النظر في متن الحديث أي نصّه. ويبدو لنا أنّ إرجاع اختلال التوازن في النظر إلى الحديث بعنصريه، المتن والسند، إلى انقضاء عهد رواته الأوائل لا يخلو من الوهم لأنّ هذا الاختلال قد ظهر مبكّرا حين كان رواة الحديث لا يزالون على قيد الحياة. والتفسير الصائب، في نظرنا ووفق ما بيّـنّـاه سابقا، يتمثّل في إرجاع هذا الاختلال إلى إعلاء شأن الراوي على حساب المرويّ (المسحوب من خزّان المعارف وهو الذاكرة) وإعلاء شأن الرواية على حساب الكتابة حفاظا على التقليد الساري منذ عهد الأمّـيّة إلى عهد تأسيس المذاهب الفقهيّة. وهذا هو أحد مظاهر النقص الأساسيّة في علوم الحديث. وذلك أنّ علوم الحديث مبنيّة أساسا على خصال الراوي الذاتيّة حسَب ما يكون قد اشتهر به بين من يعرفونه. فقد يُـحسن بعضهم الظنّ به فيُـحسّن مروياته، أي يعتبرها حسنة مقبولة، ويسيء بعضهم الآخر الظنّ به فيضعّف مروياته، أي يعتبرها ضعيفة لا يُـؤخَـذ بها إلاّ عند الضرورة القصوى اجتنابا لإعمال الرأي. فلا نستغرب، والحال هذه، أن نجد، أحيانا، الراوي الواحد عدلا عند البعض، مجروحا عند البعض الآخر(107). فينهدم، حينئذ، الأساس الذي يعلّق عليه علم الحديث تحقيق غايته القصوى ألا وهي التمييز بين الصحيح من الأحاديث والموضوع أو المكذوب منها. ورغم أنّ التمييز القائم على تمحيص السنَد مشكوك في نتائجه فهو، إن حصل بالرجوع إلى المتن، لا يحظى بإجماع المسلمين عليه(108) لأنّه عاجز عن الفصل فصلا تامّا بين ما وقع فعلا وما يمكن أن يكون وقع. إذ أنّ المتن، أي نصّ الحديث، في هذين النوعين يقف عند حدود الجواز. فما يجوز أن يحدث من الأمور يمكن أن يكون قد حدث فعلا كما يمكن ألاّ يكون حدث. وباختصار لا يمكن أن نقطع بحدوثه ولا بعدم حدوثه. فهل الحديث الذي هو من هذا النوع، وهو ليس بقليل، صحيح، إذن، أم مكذوب؟ وخلاصة القول، إذا كان العلماء القدامى، فقهاء وأصوليّين، وهم أقرب منّا عهدا بظهور الدعوة الإسلاميّة، قد عجزوا فعلا، لظروف موضوعيّة وضّحناها، عن عزل الصحيح من الأحاديث عن المكذوب منها فقَـبِلوا، مضطرّين، العمل بها أو، على الأقلّ، العمل بأكثرها، خشية إعمال الرأي بدعوى أنّهم لا يشرّعون وأنّ التشريع من اختصاص الشارع وحده وهو الله والنبيّ، أفلا يكون من المكابرة أن يدّعي مسلمُ ُ اليوم، بعد أن تحرّر معرفيّا ومنهجيّا من مكبّلات القدامى، أوّلا، أنّ ما نُـسب إلى النبيّ صحيح لا جدال فيه رغم شهادة الكثير من القدامى أنفسهم بفُـشُـوّ ظاهرة الاختلاق فيه؟(109)، وثانيا، أنّ ما اصطُلِح عليه بالسنّة هو وحي إلهيّ لا يختلف عن القرآن إلاّ في اللفظ فقط؟ هذا، إذن، أحد التفاسير المحتملة لعزوف بعضهم عن التمسّك بالسنّة النبويّة واعتبارها وحيا إلهيّا، ولكنّه لا يفسر تفسيرا كافيا التراجع الواضح لمكانة المفاهيم الإسلاميّة التقليديّة عامّة أمام تقدّم المفاهيم الحديثة، ولاسيّما، في أوساط الباحثين والمفكّرين المتشبّعين، بدرجات متفاوتة، من قيم الحداثة. فما عسى أن تكون أسباب ذلك يا تُرى؟
النتائج العامّة.
ويبدو لنا أنّ السرّ الكامن وراء هذا التراجع هو غياب الحسّ التاريخيّ غيابا يكاد يكون تامّا لدى المشتغلين بقضايا الإسلام المعاصر بواسطة آليّات القدامى المعرفيّة واختياراتهم المنهجيّة معتبرين إيّاها المعبر الوجوبيّ لمواكبة العصر.ولعلّ ما يؤكّـد ذلك أمور أساسيّة ثلاثة : أوّلها، الإفراط في تقدير أجيال المسلمين الأوائل وخاصّة منهم الصحابة والتابعين، إلى درجة تقارب التقديس، واتّـخاذ الحلول التي ارتأوها لقضايا عصرهم أصلا يقاس عليه غيره من الأحوال اللاحقة. وثانيها، تبنّي التصوّرات التي بنوا عليها أحكامهم من تعديل من عدّلوا من الرواة وجرح من جرحوا منهم وتحسين ما حسّنوا من الأخبار وتضعيف ما ضعّفوا منها...وثالثها، الاتّكال على علماء الإسلام القدامى والاحتجاج، خاصّة، بآراء من كان منهم محقّقا للأمرين السابقين دون نزاع(110). وإذا سلّمنا بأنّ المذاهب الفقهيّة السنّـيّـة الأربعة قد استقرّت فيما بين القرنين الثاني والثالث للهجرة وبأنّ استقرارها قد ثـبّـت ما تبلور آنذاك من المفاهيم والمصطلحات وما تحـدّد من اختيارات منهجيّة وقُـنّن من أساليب في البحث والاستدلال فإنّ من أهمّ الصعوبات التي تواجه الباحث اليوم وهو أعزل من عديد وسائل البحث العلميّ العصريّة التي منها معجم لغويّ عربيّ تاريخيّ، صعوبة تنسيب ما انبنى من التصوّرات على جملة تلك الثوابت. وتتمثّل بعض هذه الصعوبات، مثلا، في تقليل حظوظ الباحث من النجاح في تمييز ما كان من الاستعمالات اللغويّة محصورا في المعنى المعجميّ عمّا كان منها متمحّضا للمعنى الاصطلاحيّ لشـدّة التداخل بين الضربين من الاستعمال، فتَعسرعليه، حينئذ، معرفة ما كانت لغة الفاعلين التاريخيّين تعنيه في عرفهم زمن التلفّظ معرفة دقيقة. ويبدو أنّ أكثر المتضرّرين من هذه الصعوبة علماء الإسلام التقليديّون، ومنهم صاحب "حجّـيّة السنّة". وإليك الآن القليل القليل من الأمثلة الدالّة على ذلك. المذاهب الفقهيّة: حين يحدّثك المشتغلون بالفقه الإسلاميّ، في كتاباتهم، عن مذاهبه يوحون إليك، عن قصد أو عن غير قصد، بأنّ المذاهب الفقهيّة كانت موجودة ومكتملة منذ زمن الدعوة الإسلاميّة واضحة المعالم بـيّـنة الحدود، وبأنّها لم تكن، في الأصل، مجرّد اتّـجاهات في التشريع من بين أخرى عديدة، وبأنّ مؤسّسي تلك المذاهب لم يصبحوا أئـمـّتها بفضل تلاميذهم الذين نشروا فقههم وحجبوا النور، عمليّا، عن أعلام آخرين لم يكونوا، في الفقه، أقلّ شأنا من شيوخهم هم .. منهم، على سبيل المثال لا الحصر، الحسن البصري (ت110هـ) وعبد الرحمان الأوزاعي (ت 157هـ) وسفيان الثوري (ت 164هـ) والليث بن سعد (ت 175هـ). فيذهب إلى ظنّك أنّه لا وجود للفقه السنّيّ، مثلا، خارج هذه المذاهب الأربعة قبلها ولا بعدها(111)، وأنّ تلك المذاهب بعينها هي صاحبة القول الفصل في المسألة المعروضة بحيث لا تجوز لك مخالفتها في ما قرّرت أو ما قرّر بعض علمائها. فخلاصة ذلك كلّه أنّ الإحالة على بعض هذه المذاهب أو بعض أعلامها تجعلها أساس كلّ تشريع وتخفي الملابسات التي سبقت تلك المذاهب أو تلك التي حفّت بنشأتها وانتشارها بل تطمس تماما حقبة تاريخيّة مهمّة من تاريخ التشريع الإسلاميّ وتحصر، بالتالي، نظر القارئ أو الباحث في حدود هذا المذهب أو ذاك وتسدّ أمامه كلّ منافذ الخروج من دائرتها واقتراح حلول يراها، من منظور مختلف، أنسب للمسائل محلّ النّظر.
الإجماع :
كثيرا ما يحيل علماء الإسلام على (الإجماع ) وعلى (الجمهور) أو ما أشبه ذلك في المسائل المهمّة في حياة المسلمين، فيوهمونك، عندئذ، بأنّ المسلمين جميعا، أو على الأقلّ علماءهم، كانوا على رأي واحد في خصوص القضيّة موضوع الحكم. وقد يُغرقونك في الوهم أكثر فأكثر حين يقولون لك، مثلا، إنّ هذا الحكم أو ذاك هو مجرّد تطبيق لحديث نبويّ متَّفَق عليه. وهم لا يعنون بذلك ما قد تفيده صراحة العبارة من اتّفاق المسلمين أو مذاهبهم الفقهيّة عليه، بل يعنون، في اصطلاح علماء الحديث، أنّ البخاري ومسلما كليهما قد اتّفقا، في صحيحيهما، على صحّة ذاك الحديث(112). غير أنّ بعض الأعلام المعدودين ضمن مفكّري الإسلام من أمثال ابن حزم الأندلسيّ (ت456هـ) (113) كانوا من منكري الإجماع وأنّ بعضهم الآخر القائل بالإجماع قد اختلفت مواقفه منه في مستويات عدّة: منها أهل الإجماع (أي من هم الذين يصحّ إجماعهم ؟) ومكان الإجماع وعصر الإجماع(114). ورغم أنّ هذا الإجماع لم يكن مُـجـمَـعا على مضمونه بين المسلمين إجماعا تامّا، وأنّ الخلاف بين هؤلاء في شأنه راجع، على الأقلّ من بعض الوجوه، إلى تفاوتهم في فهم الوقائع، وإلى الاختلاف في اختيارهم لبعض المراجع التشريعيّة دون بعضها الآخر لتطبيقها على تلك الوقائع، وكذلك إلى اختلاف وجهات نظرهم في كيفيّات الربط بين النصوص الثابتة ومعطيات الواقع بما فيه من أعراف وعادات متنوّعة متغيّرة، فإنّ علماء الإسلام من أتباع مختلف المذاهب الفقهيّة، السنّيّة خاصّة، لا يشعرون بأدنى حرج حين يعلنون أنّ هذا الحكم أو ذاك قد قُـرِّر بالإجماع. فعن أيّ إجماع يتحدّثون ؟ وكيف أسّـسوه ؟ ولماذا يلجؤون إليه أصلا؟ ومتى يفعلون ذلك ؟ ومن أين يستمدّ إجماعهم حجّـيّـته ؟وهل الإجماع هو من قبيل الأعمال البشريّة النسبيّة القابلة للخطإ والصواب أم هو حكم إلهيّ متعال عن كلّ نقص، غير قابل للتجاوز ؟ وهل هو، بالتالي، محايد خال من كلّ غرض ومصلحة أم هو خاضع لما يفرضه سلّم القيم السائدة في مجتمع مّا زمن اعتماده ؟(115).
الحديث :
أمّا عن الحديث فحدّث ولا حرج. فالحديث هو الكلام مطلقا مهما كان موضوعه ومهما كان المتكلّم وكيفما تمّ هذا الكلام. ذاك هو المعنى المعجميّ للفظة. وأمّا انتقالها، كأيّ لفظة أخرى، من الاستعمال المعجميّ إلى الاستعمال الاصطلاحيّ فذاك يقتضي اتّفاقا بين فـئة معيّنة من الناطقين بتلك اللـغـة عـلى معـنى بعـيـنـه تـحـيـل عـلـيه تلك اللفظة كلّما وردت في سياق محـدّد(116). فهل كان لفظ (الحديث) زمن النبيّ وفي كلامه يعني، إذن، ما تقرّر لاحقا في اصطلاح المحـدّثين وعلماء الحديث، قياسا بما حصل على أيدي هؤلاء العلماء لكلمة (السنّة)، وقد رأينا ذلك، أم كان يدلّ على معناه المعجميّ؟ يبدو أنّ الإجابة عن هذا السؤال تضمّـنها خبر أورده عبد الغنيّ عبد الخالق في سياق عرضه للحجج التي أقام عليها المعترضون على حجّـيّة السنّة، أي على كونها وحيا، اعتراضهم دون أن يستوقفه إمّا لغفلة وإمّا تقليدا لأمثاله السابقين من المشتغلين بعلوم الإسلام. يقول الخبر: روى أحمد بن حنبل (ت 241هـ) عن أبي سعيد الخدري (ت 112هـ) أنّه قال: " قلنا: أي رسول الله، أنتحـدّث عنك؟ قال : نعم تحـدّثوا عنّي ولا حرج ومن كذب عليّ متعمِّـدا فليتبوّأ مقعده من النار. قال: فقلنا: يا رسول الله، أنتحـدّث عن بني إسرائيل؟ قال: نعم، تحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. فإنّكم لا تحدّثون عنهم بشيء إلاّ وقد كان فيهم أعجب منه"(117). فعلام يمكن أن يدلّ هذا الخبر؟ تعلّق الحديث في الخبر بالنبيّ أوّلا وببني إسرائيل ثانيا. فالجمع بين النبيّ وبني إسرائيل في فعل التحديث ينفي تماما أن يدلّ الحديث على معناه الاصطلاحيّ إذ لو كان الأمر كما يدّعي المدافعون عن حجّـيّة السنّة لكانت الأخبار المتعلّقة ببني إسرائيل أصلا ثابتا من أصول التشريع في الإسلام كما حـدّدها الأصوليّون لاحقا. أمّا صيغة الفعل في الخبر فهي " نتحـدّث ". ومعنى ذلك، حسب سياق النصّ، ننقل أخبارك وأخبار بني إسرائيل فنقول: قال أو قالوا كذا، وفعل أو فعلوا كذا. فأن يسمح النبيّ بهما معا في قوله للسائلين " نعم تحـدّثوا ولا حرج " يؤكّـد مرّة أخرى أنّ ( الحديث ) في الخبر لا يدلّ على المعنى الاصطلاحيّ للكلمة. وممّا قد يؤكّـد دلالة ذلك اللفظ في الخبر على المعنى المعجميّ أنّ الأخبار التي يمكن للأتباع أن ينقلوها عن بني إسرائيل عجيـبـة بل هي أقلّ غرابة ممّا لن ينقلوه عنهم. ويبقى علينا الآن النظر في الجملة التي كثيرا ما اعتمدها القائلون بحجّـيّة الحديث النبويّ ليثبتوا بها كون قول النبيّ أو فعله لا يكون إلاّ وحيا "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه". والجملة المعنيّة هي قوله: "من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار". والصواب، في نظرنا، أن نفهم القولة، أوّلا، في سياقها النصّيّ، وثانيا، بالنظر إلى مكانة شخص النبيّ زمن القول. فأمّا السياق النصّـيّ، كما قد بيّـنّـاه، فإنّه لا يفيد غير نَـقْل الأخبار في بيـئة لا يوجد لديها غير المشافهة وسيلة متاحة للعموم لنقل المعلومة أيّا كانت تلك المعلومة. وأمّا معنى القولة في علاقتها بشخص النبيّ فإنّه يتحـدّد في ضوء مكانة النبيّ بين أتباعه و لدى خصومه، بصفة خاصّة. إذ من المنطقيّ بل البديهيّ أن يكون النبيّ، بوصفه رأس جماعة معيّنة وصاحب الرأي فيها، شديد الحرص على نقاء صورته لدى السامعين ترغيبا في اتّـباع دعـوته وتنفيرا من معاداتها، مثل كلّ صاحب سلطة على جماعة مّا وكلّ صاحب دعوة. ومَن يكن هذا شأنه يخشَ كلّ ما يمكن أن يشوّه صورته من الأخبار التي قد يروّجها أصحاب المصلحة في ذلك التشويه بناء على معرفتهم لما يكره الناس ويذمّـونه من الأقوال أو الأفعال. فهذا ما قد يفسّر، على الأقلّ جزئيّا، توعّـد النبيّ لمن يكذب عليه أي لمن يروّج عنه أقوالا أو أفعالا مشينة في نظر الناس زمن الدعوة. فلا شيء، إذن، يدلّ على أنّ قول النبيّ هذا ذو بعد تشريعيّ، ومن باب أولى، أن يوهم بكونه وحيا. وإذا رأيـت عـلماء الإسـلام يفعـلون بفعـل (تحـدّث) مـثـل هذا الصنيع فلا تسل عمّا فعلوا بفعل (حـدَّث) وبعض مشتـقّـاته مثل (الحديث)، بل وببعض ما له، صراحة أو تأويلا، صلة بذلك مثل (روى) و (عِـلْـم) كلّما نظروا في خبر نسبه رواته إلى النبيّ أو إلى بعض الصحابة(118). كانت هذه، إذن، بعض الأمثلة الدالّـة، عند مؤسّـسي المنظومة التشريعيّة الإسلاميّة، على إكراه اللغة على البوح بما لم تكن تعنيه زمن الدعوة المحمّديّة، بل لقد ادّعـى بعضهم أنّ الشارع/الله كان يستعمل، عن قصد وإرادة، الألفاظ بمعانيها الاصطلاحـيّة أي المعاني التي تواضع عليها علماء الإسلام بعد وفاة النبيّ(119). على أنّ الصلة بين اللفظ القرآنيّ والمعنى الاصطلاحيّ ليست، بالضرورة، معدومة. فقد يتّـخذ العلماء اللفظ القرآنيّ مصطلحا لهم يستخدمونه في بعض الميادين مثل كلمة (الخليفة) وبعض مشتقّاتها، التي نقلوها من دلالتها على علاقة الإنسان بالله إلى دلالتها على علاقة الحاكم المسلم برعيّـته(120). وأمّا عكس ذلك فنحن لا نراه.
الخاتمة.
لقد حاولنا في هذه الدراسة دفع اعتراض ممكن على تناولنا لعلاقة السيرة النبويّة بالتشريع الإسلاميّ دفعا نزعم أنّه كان كافيا للإقناع بوجاهة اختيارنا لهذا الموضوع. وقد اقتضى منّا هذا الاختيار تنزيل مقولة " السنّـة النبويّة " في بيئتها الثقافيّة والبشريّة الأصليّة ورسم بعض الحدود الموضوعيّة تاريخيّا لنشأة الفكر التشريعيّ لدى المسلمين في ضوء إكراهات الواقع المتحوّل . ثم حاولنا، إثر ذلك، رصد مدى حضور ما جلّـيناه من معطيات موضوعيّة في تحديد السمات المميّزة للفكر الإسلاميّ وذلك من خلال تحليلنا تحليلا لا يخلو من تفصيل عيّـنة حديثة، نسبيّا، قدّرنا أنّها ممثّلة تمثيلا جيّدا لذلك الفكر. فأتاح لنا هذا التحليل الكشف عن اتّـصـاف الرؤية الأصوليّة حتّى العصر الحديث، بل والفكر الإسلاميّ التقليديّ في نسخته المعاصرة، بالسكونيّة والانغلاق، بل أتاح لنا اكتشاف ضرب من النكوص عن بعض المحاولات الجريئة التي سعى فيها أصحابها، من أمثال محمّد وفيق صدقي، إلى التخفّـف من بعض المسلّمات المعرفيّة والمنهجيّة التقليديّة استجابة لمتطلّبات عصرنا. وختاما، يبدو لنا أنّ الطريق إلى الخروج من زئـبـقيّة موقفنا من موروثنا الأصوليّ والفقهيّ بل والدينيّ، عموما، يبدأ، أوّلا، بتوضيح نظرتنا إلى العالم وتعميقها، وثانيا، بالتحرّر من سلطة القدامى والنظر إلى ما تركوه لنا من تراث نِـظرة مختلفة وإيجابيّة تـتّسم بالنسبيّة وتضع حدّا لهيمنة الإطلاق على الأشياء والأفكار. فإن نحن فقدنا روح التحرّر من سلطة هؤلاء القدامى وقعنا فريسة للعيش على وهْم الثبات على ما كان يميّز حياة السلف وذلك من مجرّد ترديدنا لمقولات بلوروها على مدى عهود متطاولة وحسبناها أزليّة أبديّة رغم ما يطبع حياتنا عمليا من تبدّل اختياريّ أو قسريّ، واع أو غير واع. ولعلّ من أهمّ ما تـتّـصف به تلك النظرة المنشودة تنمية الروح النقديّة المتمثِّلة تمثّلا جيّدا لمكتسبات عصرنا المعرفيّة والمنهجيّة وإخضاع مستويات وجودنا المتنوّعة لتلك الروح. ونحن نرى أنّ حاجتنا إلى زرع هذه الروح وإخصابها قد ازدادت إلحاحا بالنظر إلى سرعة نسق التحوّلات الجارية من حولنا والتي تفرض علينا، شئنا أو أبينا، أن نشارك في إحداثها ونتكيّف مع نتائجها إن صدقت نيّـتـنا في الانتماء إلى هذا العصر.
الهوامش 1) هذا ما يوهم به قول محمد الحبيب السلاّمي في ردّه على محمد الطالبي في جريدة " الصريح " التونسيّة، العدد 3310 الصادر في 05/6/2011، ص.13. 2) هذا رأي الصحبي عتيق. انظر جريدة " الفجر " التونسيّة، العدد 5 الصادر في 06/5/2011 والعدد 17 منها، الصادر في 29/7/2011، ص.27. 3) انظر كتابه، تاريخ التشريع الإسلاميّ، ط.1،الجامعة العالميّة للعلوم الإسلاميّة، لندن، 1992،ص.5. 4) مثل محمد وجدي صدقي. وستأتي بعض التفاصيل في شأنه لاحقا. 5) ومن المهمّ، في هذا الباب، الاطّلاع على ما يورده الفضلي من المعطيات إذ يصرّح بأنّ الأحاديث التي يرويها الإماميّة يفوق كثيرا ما يرويه محـدّثو أهل السنّة. فهؤلاء يروون، حسب قوله، ما يزيد قليلا على الخمسة آلاف حديث، أمّا أولئك فتبلغ مرويّاتهم ما يقارب الستّين ألف حديث.م.ن.ص ص 28- 29. وقد يفسّر هذا التفاوت بين الفرقتين في عدد المرويّات بإقرار أهل السنّة بكون محمّد نبيّا ومجتهدا أيضا وبأنّ الحديث النبويّ وقع جمعه وتدوينه رسميّا بعد وفاة النبيّ، بل تحديدا، في عهد عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ)، وبأنّ النبيّ لم يخصّ شخصا معيّنا بتلقّي الأحاديث وتدوينها. ويمكن أن نستنتج من ذلك أنّ قِـلّة مرويّات أهل السنّة من الأحاديث النبويّة قد قـلـّصت لـديـهـم مساحـة الـوحـي، عـلـى الأقـلّ من الـنوع القرآنيّ، لفسح المجال، عندهم، لمفهومي (الإجماع ) و (الاجتهاد ) وسيلة لسدّ النقص الحاصل في الأحكام الشرعيّة النصّـيّة، على خلاف الشيعة الإماميّة الذين وجدوا في ضخامة عدد الأحاديث النبويّة ما يغنيهم عن الاجتهاد، بل لعلّ إنكارهم للاجتهاد، خاصّة في أصول الدين كما يفهمونها، هو الذي أدّى بهم إلى تضخيم عدد الأحاديث النبويّة، عندهم. 6) قبل أن يتمّ ضبـط الخـطّ العـربيّ بـتـنـقـيط الحروف ووضع الحركات(ويسمّيان، اصطلاحا وتباعا، بالإعجام والنَّـقْـط ) في عهد عبد الملك بن مروان (ت 86هـ) للتمييز بين مكوّنات الكلمة كالحروف المتماثلة في الشكل مثل الباء والتاء والثاء والياء والنون الابتدائيّتين أو المتوسّطتين (أي في أوّل الكلمة أو في وسطها ) مثلا، لم يكن من اليسير التفريق بين الكثير من الكلمات العربيّة إلاّ بالاستعانة بالحفظ. انظر، في شأن بعض خصائص البيئة العربيّة زمن الدعوة الإسلاميّة، مثلا، عبد الغني عبد الخالق، حجّـيّة السنّة، دار السعداوي للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد، 1985، ص. 403. 7) مثلا (بسم ) في البسملة عوض باسم، والمدّ المحذوف، في عُـرف المؤدّبين، المُـشار إليه بألف قصيرة في موضعه مـثـل كـلـمة (الرحمن ) عوض الرحمان... 8) وسيتبلور هذا لاحقا في تقرير علماء الإسلام مقولة أنّ طريق العلم هو الرواية، وستحافظ الكتاتيب على التقليد المتمثّل في تحفيظ القرآن تلقينا دون أدنى سعي إلى شرح المحفوظ منه... 9) انظر ما يؤكّد سعي بعضهم إلى وضع أصول التشريع في ما قاله أحمد محمد شاكر، محقّـق " رسالة " الشافعي، نقلا عن الفخر الرازي، في مقدّمة التحقيق ص.11. 10) عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور ص ص 249- 250. 11) لقد بيّن نصر حامد أبوزيد كيف أنّ مفهوم الوحي من المفاهيم المألوفة في الثقافة العربيّة السائدة زمن الدعوة المحمّديّة. وهذا ما يفسّر، في نظره، سهولة انتشار هذا المفهوم في الجزيرة العربيّة آنذاك. انظر، له، مفهوم النصّ، ط.1، المركز الثقافي العربيّ، بيروت/ الدار البيضاء ،1990، وخاصّة الفصل الأوّل من الباب الأوّل 12) التشديد هنا وفي ما يأتي من هذه الدراسة من عندنا. 13) انظر، في هذا الموضوع، مثلا، الصادق بلعيد، القرآن والتشريع، مركز النشر الجامعيّ، أفريل 1999، ص 51 وما يليها. 14) انظر في هذا المعنى، مثلا، حسين أحمد أمين، دليل المسلم الحزين، دار الجنوب للنشر، تونس، د.ت. ص 56 وما يليها. لقد سبق أن نشرت دار " سعاد الصباح للنشر، هذا الكتاب، وضمنه، مقدّمة للمؤلّف. 15) انظر، في خصوص نشأة تلك الأصول، مثلا، محمد أبوزهرة، أصول الفقه. 16) من المسائل الداخلة في هذا الباب ترتيب الأصول الفقهيّة على النحو التالي: القرآن ثم السنّة ثم الإجماع ثم القياس. وهو ترتيب يجب على الفقيه اتّباعه إلى أن يظفر بالحكم. فإن حصل له المراد امتنع عن الانتقال إلى الأصل الموالي ما لم يَـدعُـه إلى ذلك داع كمفهوم النسخ، مثلا، ومنها كذلك معرفة النسخ وشروطه مثل تمييز الكلام الناسخ من الكلام المنسوخ ومعرفة الأصل الذي ينتمي إليه كـلّ مـنـهـما...راجع، في هذا الأمر، مثلا، الشهرستاني، الملل والنحل، ط.2، دار الكتب العلميّة (وهي طبعة رديـئة لا محالة)، بيروت، لبنان، 1992،ج.1، ص ص 208- 211. 17) نعني بالأتباع من اصطُـلِـح عليهم بالصحابة واصطُـلِـح على خصومهم بالكافرين والمشركين...لعدم تصديقهم بنبوّة محمّد. وفي هذا السياق قد يكون من المفيد التذكير بأنّ مخاصمة بعضهم (مثلا، القرشيّين ) للنبيّ راجعة إلى أنّهم لم يكونوا يعترفون بنبوّته بل كانوا ينكرونها بكلّ وضوح. فقد جاء ضمن الخبر المتعلّق بصلح الحديـبـيـّة حوار بين النبيّ وسهيل بن عمرو نائب قريش في هذا الصلح ما نصّه: " ثم قال [ النبيّ ]: اكتب [يا عليا بن أبي طالب] " هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله سهيل بن عمرو " فقال سهيل ابن عمرو: لو شهدتُ أنّك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. قال [ عليّ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب هذا ما صالـح عـلـيه محمّد بن عبدالله سهيل بن عمرو...ابن جرير الطبريّ،، محمد أبوالفضل إبراهيم، ط.2، دار التراث، بيروت، لبنان، 1967، ج2، ص 634. 18) انظر، الشافعي، م. مذكور، باب كيف البيان، ص 111 وما يليها. 19) وممّا ذُكِـر في خصوص هذه المسألة أنّ النبيّ استشار أصحابه في أمر الأسرى من قريش فأشار عليه عمر بقتلهم على حين أشار عليه أبوبكر بأخذ الفداء. ومال النبيّ إلى رأي ابي بكر. ولمّا قال القرآن بعد ذلك " ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتّى يُـثخن في الأرض، تـريـدون عَـرَض الـدنـيـا والله يـريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمـسّـكم فيما أخذتم عذاب عظيم " (الأنفال، 8 / 67 – 68)، علّق النبيّ على الحادثة فقال: " لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه إلاّ عمر". انظر، سعد الغراب، م. مذكور، ص 75. 20) انظر، الفضلي، م. مذكور، ص 37. 21) انظر، مثلا، سيرة ابن هشام أو السيرة الحلبيّة. 22) وممّا يؤكّـد كون الصحابة، قبل الفقهاء، لم يكونوا يعلمون مسْـبقا ما كان من أقوال النبيّ وأفعاله ملزما وما كان منها غير ملزم السؤال الذي وجّهه الحباب بن المنذر بن الجموح إلى النبيّ في غزوة بدر الكبرى قائلا: " أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نـتـقـدّمه ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ " السيرة النبويّة لابن هشام، ط.1، دار الكتب العلميّة، لبنان، 2001 ، ص 424. 23) النساء، 4/ 13. 24) النساء، 4/ 59. 25) لنـتـذكّــرْ أنّ المسلمين والمسيحيّين واليهود يسمَّـون الموحّدين أي أهل الديانات التوحيديّة. فما يجـمع بينهم هو الإيمان بوحدانيّة الله، وأمّا ما يفرّق بينهم فهو إيمان كلّ فريق منهم بنبـيّ خاصّ به، مهما كان موقفه من سائر الأنبياء، إذ يؤمن المسلمون بأنّ نبيّهم هو محمّد، أمّا المسيحيّون فيؤمنون بأنّ نبيّهم هو عيسى بن مريم، على حين يؤمن اليهود بأنّ نبيّهم هو موسى. 26) انظر هذا المعنى في، عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص ص 249- 250. 27) ونكتفي، في هذا المقام، بذكر اثنين من الأخبار المتعلّقة ببعض أقوال النبيّ أو أفعاله والمؤكّدة للبعد البشريّ المحدود لشخصه. فمن أخباره الشهيرة خبره في خصوص " مسألة تأبير (أو تلقيح ) النخيل التي أمر فيها بشيء أظهرت التجربة فساده فقال :" ما أنا بزارع ولا صاحب نخل .. إنّما أنا بشر، فما حدّثتكم عن الله فهو حقّ وما قلت فيه من قِـبَـل نفسي فإنّما أنا بشر أخطئ وأصيب " . ذكر هذا الخبر بهذه الرواية سعد الغراب، م. مذكور، ص ص 75- 76. وذكره، برواية أخرى، عبدالغنيّ عبدالخالق،م. مذكور، ص 318. وكذلك خبره المتعلّق بالمكان الذي اختاره في غزوة بدر الكبرى لمحاربة أعدائه والذي أشار عليه الحباب بن المنذر بغيره قائلا:" يا رسول الله، فإنّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتّى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغـوّر (أي ندفن ونطمس ) ما وراءه من الـقُـلُـب[...] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد أشرت بالرأي". راجع سيرة ابن هشام، م. مذكور، ص 424 ، وكذلك، عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص 238. 28) هي: من البقـرة، 2/ الآيـات: " ربـّنا وابعـث فـيهـم رسـولا مـنهم يتلو عليهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم إنّك أنت العزيز الحكيم " (129) و" كـما أرسلـنا فيـكم رسـولا منـكـم يتـلو عـليـكـم آيـاتنا ويزكّـيكم ويعلّمكم الكتاب والحكمة ويعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون " (151) و "...واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به..." (231). ومن آل عمران، 3/ الآية " لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكّـيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبلُ لفي ضلال مبين " (164 ). ومن النساء، 4/ الآية " وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلّمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما " (113 ). ومن الجمعة، 62/ الآية " هو الذي بعث في الأمّـيّـين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبلُ لفي ضلال مبين " (2). 29) هي: " واذكرن ما يتلى في بيوتكنّ من آيات الله والحكمة إنّ الله كان لطيفا خبيرا " الأحزاب، 33 / 34. 30) البقرة، 2/ 269. 31) النحل، 16/ 125. 32) آل عمران، 3/ 48. 33) انظر، له، الرسالة، م. مذكور، ص 156، الفقرة 252. 34) قد يقول قائل: إنّ الشافعي لم يخرج عن سنّة القدامى في التأليف، إذ كانوا يقولون " والله أعلم " في خاتمة عرضهم لبعض الآراء بحسبانهم أنّ الحقيقة الكاملة والمطلقة من اختصاص المطلق وهو الله . بيد أنّ هذا الاعتراض المفتَـرَض كان يمكن أن يكون وجيها، بل مقنعا لو أنّ الشافعي دأب على ختم مختلف الآراء التي عبّر عنها بقوله " والله أعلم ". ولكن حين نرى الرجل يؤوّل ويقرّر ما يختاره من آراء في غضون كتابه دون أن يُـلوي على شيء، ودون أن يذكر أنّ " الله أعلم " بحقيقة ما تدور عليه تلك التأويلات والتقريرات، ثم نجده يقف فجأة في هذا الموضع بالذات، موضع تفسير (الحكمة )، ليقول: "والله أعلم " ندرك أنّ إيراده لهذه العبارة ليس من قبيل الجريان على سنّة القدامى في التأليف بل هو تعبير منه عن الحرج الناجم عن تقريره أنّ لفظ (الحكمة ) مرادف للفظ (السنّة النبويّة ) دون دليل قاطع وإنّما اعتمادا على شخص مجهول لا شيء يؤكّد أهليّته للتفسير غير شهادة الشافعي نفسه. 35) م.ن.، ص.ن. الفقرة 254. 36) م.ن.، ص ص 156- 157، الفقرة 255. 37) وإذا كانت الحكمة تعني عند الشافعي السنّة النبويّة فهي، مثلا، عند عبدالوهاب النجار تعني النبوّة بكلّ مقوّماتها في قوله، عند تفسيره للآية القرآنيّة المتحدّثة عن داود والتي يقول فيها القرآن " وشددنا مُـلكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب " (سورة ص، 38/ 20)، " والمراد بالحكمة النبوّة " (له، قصص الأنبياء، ط.1، دار الخير، دمشق/ بيروت، 1990، ص 337). ورغم أنّ السياق المباشر للفظ (الحكمة ) ينأى به عن هذا المعنى الذي قرّره النجار فإنّ تحوّل شخصيّة داود من مجرّد ملِـك في التوراة إلى نبيّ في القرآن هو الذي، على ما يبدو، جعل النجار يذهب هذا المذهب في التفسير. وبهذه الصورة يفقد لفظ (الحكمة ) معناه المعجميّ مثلما حصل مع الشافعي ويكتسب معـنيـين اثنـين أملى أحـدَهـما مقتضى العقيدة وأملى الآخـرَ مقـتضى اللغة وهما : " الحكمة بمعنى النبوّة تكون هبة من الله تعالى، دون أن تكون نتيجة بحث أو درس [ وأمّا ] حكمة غير الأنبياء [ ف ] تكون بعد البحث والدرس ومجاهدة النفس ورياضتها على السير بمقتضى الحكمة (م.ن. ، ص.ن. ). وعلى هذا النحو تغدو اللغة ميدانا للصراع والتدافع بيـن المشيئة الإلـهـيّـة مـمـثَّـلة في الاعـتـقاد والإرادة البشريّة ممثَّـلة في فعل التواصل باللغة . وفي خصوص أخبار داود راجع " العهد القديم " وخاصّة صموئيل الأوّل وصموئيل الثاني. 38) انظر، بسّام الجمل، أسباب النزول، ط.1، المركز الثقافي العربي، بيروت/ الدار البيضاء، 2005، ص 216. 39) عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص 104. 40) الكهف، 18/ 110. 41) عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص 153، 224. لقد جاء هذا الخبر بروايتين بينهما اختلاف طفيف جدّا. 42) إنّ اعتبار الحالات التي أثبت فيها الواقع فساد ما أشار به النبيّ مثل مسألة تأبير النخل أو تلك التي أثبت فيها عدم سداد رأي النبيّ على نحو ما حصل في غزوة بدر الكبرى (راجع المسألتين في الهامش 28) مجرّدَ اجتهادات بشريّة غير ملزمة وإن صدرت من النبيّ هو، زيادة على كونه تبريرا بعديّا قابلا للانطباق على أيّ حاثة من هذا القبيل مهما كان الشخص الذي تُـنسب إليه تلك الحادثة، لا يحلّ الإشكال المتعلّق بالكثير من الأقوال المنسوبة إلى النبيّ دون ارتباطها بحادثة تاريخيّة معلومة حيث يتمّ اللجوء إلى تقرير العلماء، كلّ حسب ظروفه. 43) انظر الكثير من صور هذا التلاعب في، ألفة يوسف، حيرة مسلمة، منشورات دار سَـحَـر للنشر. وانظر كذلك اعتراضات شخص مجهول، نرجّح أن يكون افتراضيّا، في، الشافعي، م. مذكور، ج2، باب العلل في الأحاديث. 44) راجع، محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلاميّة، ط.3، الشركة التونسيّة للتوزيع، 1988، ص 29. 45) انظر كلّ ذلك مفصَّلا مشروحا في، ابن عاشور،م. مذكور، ص ص 30- 39. 46) هذا الاسم أطلقه عليه أهل مكّة. انظر، في ذلك، الشافعي، م. مذكور، مقدّمة المحقّق، ص 3. 47) م. ن. ص 110، الفقرة 48. إنّ هذه القولة/ المفتاح تحتاج، في تقديرنا، إلى التوضيح نظرا إلى كونها تختزل فكر الشافعي اختزالا وتمثّل ركن الأركان لكتاب" حجّـيّة السنّة". فأمّا النازلة فهي القضيّة (أو المشكلة)، وأمّا قوله" الدليل على سبيل الهدى فيها" فمعناه أنّ القرآن يشتمل على ما يهدي(أو يرشد) إلى طريق الحلّ لتلك المشكلة، كأن يكون طريق الحلّ هو السنّة النبويّة أو أيّ دليل آخر أخذه الشارع/ الله بعين الاعتبار مثل الإجماع أو القياس. وسيأتيك تعقيبنا على هذا التصوّر ضمن الفقرة الخاصّة بالاعتراض الأوّل وردّ المؤلّف عليه. 48) فُـصّلت، 41/ 42. 49) لقد جمعنا كلّ هذه التهم دون اختلاق ولا تحريف من مقدّمة ناشر الكتاب، طه جابر العلواني، ص ص 13- 14. 50) لقد سمّى المؤلّف حجج المنكرين" شُـبَـها " استهانة بها وبخسا لقيمتها، إذ من المعلوم أنّ الشبهة هي الالتباس، وهي، في الشرع، ما التبس أمره فلا يُـدرَى أحلال هو أم حرام وحقّ هو أم باطل. ويُـستعمل لفظ (الشبهة) في مثل هذا السياق للتعبير عمّا يُـعَـدّ، في الظاهر، حلالا أو حقّا، وفي الباطن، حراما أو باطلا. 51) نكتفي، من القدامى، بأصحاب الاعتراضات الذين اهتمّ المؤلّف بالردّ عليهم، أمّا من المحدَثين فيمكن إيراد اسم محمد وفيق صدقي الذي ذكره عبدالغني عبدالخالق في هذا الكتاب باسمه في ص 383.ومن آراء المحدَثين يمكن الاطّـلاع، أيضا، على مناقشة نصر حامد أبوزيد لهذه المسألة في كتابه" الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطيّة" ط.1، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، 2007، ص 117 وما يليها. 52) الأنعام، 6/ 38. 53) النحل، 16/ 89. 54) عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص 385. 55) لقد استأثر كلام الشافعي وحده بقرابة نصف الصفحات التي خصّـصها المؤلّف لجزء من الردّ على الاعتراض الأوّل. 56) انظر الهامش عدد 52. 57) عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص 389. 58) الحجـر، 15/ 9. 59) عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص389 - 390. 60) نفسه. 61) م. ن. ص. ن. ويمكن، في هذا المقام، أن يسأل سائل: على أيّ أساس استحقّ هؤلاء اسم العلماء؟ وهل من مواصفات معيّنة تجعل العلم علما جديرا بالتصديق وتجعل صاحبه أهلا للتقدير؟ 62) إذا كان الأمر كذلك فإنّنا لا نجد تعليلا مقنعا لحصر معنى الذكر في القرآن والسنّة النبويّة وإقصاء بقيّة الأصول الفقهيّة التي أخذها الشارع/ الله بعين الاعتبار حسب اعتقاد المؤلّف، ولاسيّما أنّ بعض ردّه على الاعتراض الأوّل قد بُـنِـي على هذا الاعتقاد. 63) عد إلى ما ذكرناه سابقا عن دور الشافعي في التنظير للسنّة. 64) عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص 40. 65) م. ن. ص 399. 66) يمكن الاستفادة ممّا ورد في الهامش 17 من هذه الدراسة. 67) عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص 399 68) الغالب على ظنّنا أنّ في قوله" على أيّ وجه كان حملها" إشارة ضمنيّة إلى اعتقاده أنّ القرآن وحي معنى ولفظا وأنّ السنّة النبويّة وحي بالمعنى فقط. فالوحي، وهو عنده حجّة الحجج، حُـمِـل في القرآن على وجه وفي السنّة على وجه آخر. 69) عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص. ن. 70) إنّ وقوفنا على المنطق الثاوي في كامل الكتاب يجعلنا نميل إلى الافتراض الأخير. 71) م. ن. ص 401. 72) م. ن. على التوالي: ص 402، 403، 404. 73) في خصوص السمات المميّزة لكلّ من الشفاهيّة والكتابيّة، يحسن الرجوع إلى كتاب: والتر ج. أونج، الشفاهيّة والكتابيّة، ترجمة حسن البنا عزالدين، مراجعة محمد عصفور، سلسلة" عالم المعرفة"، عدد 182، فبراير 1994. 74) عبدالغني عبدالخالق، ن. مذكور، ص 405. 75) م. ن. ص ص 406- 407. 76) م. ن. ص 407. 77) هـذا المفهـوم يقابـل مفهـوما آخـر هو" الـتـواتـر المعـنويّ" الذي نظر من خلاله علماء الإسلام القدامى إلى ما اصطلحوا عليه ب" السنّة" عند تصنيفهم للأحاديث/ الروايات المنسوبة إلى النبيّ. فقالوا إنّ صدارة الأحاديث يحتلّها الحديث المتواتر لكونه أقواها حجّـيّة. ولمّا أرادوا تطبيق الشروط التي وضعوها لتصنيف الأحاديث تبيّن لهم، عمليّا، أنّ الأحاديث المتواترة، حسب تلك الشروط، قليلة جدّا بالقياس إلى الأصناف الأخرى من الأحاديث فأدخلوا مفهوما غير قابل للضبط لكونه قائما على حسن الظنّ بالرواة بناء على تنزيههم عن التواطؤ على الكذب، هو مفهوم التواتر المعنويّ في الحساب لرفع عدد الأحاديث المتواترة ذات الحجّـيّة القويّة ولتيسير مهمّة الفقيه المشرّع بالتوسعة عليه. أمّا خلوّ كتاب علوم الحديث المعروف بمقدّمة ابن الصلاح(ت 643هـ)، وهو كتاب، كما ترى، مختصّ في الموضوع، من تسمية أحد أنواع علوم الحديث (الحديث المتواتر) فقد يدلّ على شعور بالحرج لدى علماء الحديث من ذكرهم نوعا غير قابل للضبط. وكلّ ما نظفر به هو تسمية ابن الصلاح النوع الثلاثين " معرفة المشهور من الحديث" حيث يقسّم المشهور إلى مشهور بين أهل الحديث وغيرهم ومشهور بين أهل الحديث خاصّة دون غيرهم. وإذا كان ابن الصلاح نفسه قد أورد لبعض العلماء شهادة يُـقِـرّ فيها بأنّ شهرة الحديث ليست، بالضرورة، دليلا على صحّـته فما بالنا بالحديث المسمَّـى " متواترا بالمعنى"؟ راجع، ابن الصلاح، كتاب علوم الحديث، منشورات دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة، تونس، د.ت. ص ص 109- 110. 78) عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص 410. 79) م. ن. ص 392. 80) لنتذكّـرْ، مثلا، أنّ الشيعة، خلافا لأهل السنّة، يعتبرون(الإمامة) أصلا من أصول الدين. 81) لاحظ أنّ (الخبر) يعني، عند المؤلّف وأمثاله، النقل الشفويّ أي الرواية ويعني، بالتالي، الخبر المنقول رواية عن النبيّ، أي ما يسمّونه " سنّة نبويّة". 82) الذاريات، 51/ 56. 83) انظر ذلك في، عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص ص 420- 422. 84) للوقوف على بعض صور الانتقال بين المجالين المذكورين يحسن الرجوع، مثلا، إلى: مختار الفجاري، الفكر العربيّ الإسلاميّ من تأويليّة المعنى إلى تأويليّة الفهم، ط.1، عالم الكتب الحديث وجدارا للكتاب العالميّ، عمّان، الأردن، 2009، وخاصّة إلى الفصل الأوّل من الكتاب. 85) عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص 422. 86) م. ن. ص. ن. 87) م. ن. ص ص 423- 424. 88) م. ن. ص 430. 89) في خصوص عدم انضباط الطريقة في التعامل مع نواهي النبيّ وأوامره يمكن متابعة الكثير من الاحتجاجات التي ذكرها الشافعي في" باب العلل في الأحاديث" من رسالته 90) عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص 443. 91) مثال ذلك جعل النهي موجَّـها إلى نوع معيّن من الناس أي خاصّا بهم كما رأينا قبل قليل في شأن الناس الأقوياء الحفظ. 92) انظر، عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص ص 443- 447. 93) يقول صاحب" حجّـيّة السنّة" في هذا المعنى: " إن حصلت مخالفة في ظاهر اللفظ(بين القرآن والسنّة) [ ف] المراد من أحدهما [...] عين المراد من الآخر" . ص 495. 94) فمن النوع الأوّل من التناقض الحالات التي اعتُـبِـرت فيها آيات قرآنيّة ناسخة لأخرى، مثل ما قيل عن آية السيف (التوبة، 9/ 5) ونسخها لعدد كبير من الآيات. ومن النوع الثاني منه ما رأيته قبل قليل من أخبار نبويّة تنهى عن كتابة أقوال النبيّ وأخرى تبيحها. ومن النوع الثالث منه ما قرّره صاحب " حجّـيّة السنّة" حين اعتبر السنّة ناسخة للقرآن في ص 488، مثلا، ومن النوع الرابع منه ما ذكرتْـه ألفة يوسف في مواضع عديدة من كتابها" حيرة مسلمة" م. مذكور. انظر، مثلا، ص ص 22- 23، 43،69 منه. 95) عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص 447. 96) م. ن. ص 448. 97) م. ن. ص 461. 98) م. ن. ص 465. 99) م. ن. ص 472. 100) يبدو أنّ المؤلّف نفسه قد شعر بهذا الحشو وبشيء من التكرار، فاعتذر عنهما في مقدّمة بحـثه، ص 24. 101) م. ن. ص ص 488- 494. 102) م. ن. ص ص 495- 503. 103) م. ن. ص ص 504- 540. 104) اضطررنا إلى ذكر اسم هذا الدارس واسم كتابه كاملين لسدّ النقص المتمثّل في إشارة المؤلّف إليه بعبارة" صاحب الفكر السامي" . 105) يمكن الاستفادة من المعطيات الواردة في الهامش 52. 106) في خصوص هذا الموضوع ننصح بالرجوع إلى دراسة قـيّـمة أنجزها حسين أحمد أمين بعنوان" دور الأحاديث المنسوبة إلى النبيّ في تاريخ المجتمع الإسلاميّ" ونشرها في كتابه " دليل المسلم الحزين" ، م. مذكور. 107) من أمثلة ذلك أبوهريرة وأبو سعيد الخدري رغم كثرة ما يُـنسَـب إليهما من روايات. راجع في شأن الأوّل، مثلا، حسين أحمد أمين،م. مذكور، ص ص 62- 63، وابن سعد، الطبقات الكبرى، دار صادر، بيروت، د.ت. ج2، ص ص 362- 364. وفي شأن الثاني، الطبقات الكبرى، ج5، ص 268. 108) لنتذكر في هذا المقام أن للشيعة روايات منسوبة إلى النبي تختلف عن الكثير مما يرويه عنه أهل السنة . 109) عد إلى الهامش عدد 106. 110) من أمثلة الأعلام/ المراجع القديمة أبوحنيفة(ت 150هـ) ومالك بن أنس(ت 179هـ) والشافعي(ت 204هـ) وابن حنبل(ت 241هـ) والبخاري(ت 256هـ) ومسلم(ت 261هـ).
111) هل يمكن اعتبار داود الظاهريّ (ت 270هـ) من علماء أهل السنّة؟ وأين يمكن وضع " الظاهريّة"، مذهبه، بين المذاهب الفقهيّة المعروفة؟ ومن الملاحظ أنّ الشهرستاني (ت 548هـ)، خلافا لما جرى عليه في كتابه " الملل والنحل" من تعريف مختلف الفرق والمذاهب الإسلاميّة وغير الإسلاميّة، لم يفرد " الظاهريّة" ببحث. وقد يعود ذلك إلى اعتبار أهل السنّة المذهبَ الظاهريَّ مذهبا فاسدا. انظر، في هذا الأمر، مقدّمة " صحيح مسلم" بشرح النوويّ، ط.3، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، لبنان، د. ت. ص 20. 112) انظر، صحيح مسلم،م. مذكور، ص 20. 113) راجع، لمزيد التدقيق، مبحث الإجماع في كتابه " الإحكام لأصول الأحكام" . 114) انظر مختلف الجوانب المتعلّقة بالإجماع، وخاصّة، ما يتّصل منها بنسخ الإجماعات لبعضها بعضا في، مثلا، علي عبدالرازق، الإجماع في الشريعة الإشلاميّة. 115) يمكن الوقوف على حالات كثيرة علا فيها صوت الإجماع على كلّ الأصوات بما فيها صوت القرآن ليعلن سيادة قيم المجتمع الذكوريّ في، مثلا، ألفة يوسف، م. مذكور 116) فقول بديع الزمان الهمذاني، مثلا، في مقاماته " حدّثنا عيسى بن هشام قال..." ينزّل الحديث في سياق أدبيّ إبداعيّ لا صلة له بالمعنى الاصطلاحيّ لدى علماء الحديث. 117) عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص 393. 118) يسمّون ما يُـنـسَب إلى الصحابة من قول أو فعل أثرا. 119) ممّن يتبنَّـون هذا الطرح عبدالغني عبدالخالق، م. مذكور، ص 416. 120) من الآيات الدالّة على العلاقة الأولى قول القرآن: " وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة...(البقرة، 2/ 30). وأمّا ما يدلّ على العلاقة الثانية فكلّ تاريخ المسلمين السياسيّ حتّى إلغاء كمال أتاتورك نظام الخلافة الإسلاميّة سنة 1924.
#نور_الدين_البوثوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مصدر يكشف لـCNN محاولات ترامب لتجنب تكرار -اتفاق أوباما- مع
...
-
على خطى ترمب.. أوروبا تشدد سياسات الهجرة والترحيل
-
إيران تضع -شرطاً- يرتبط بلبنان لإنهاء حربها مع أمريكا وإسرائ
...
-
ما الخيارات أمام إسرائيل إذا توصلت إيران والولايات المتحدة إ
...
-
9 شهداء في غارات إسرائيلية استهدفت شققا سكنية بمدينة غزة
-
مقتل 3 عسكريين في تحطم مروحية تابعة للبحرية البريطانية
-
الذكاء الاصطناعي يكشف أسرار مؤامرات ورسائل حب ووصفات طبية غا
...
-
أين تخفي إيران مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب؟
-
محمد بن زايد يلتقي الملك محمد السادس في إطار زيارة خاصة
-
ترامب: إيران على وشك توقيع اتفاق.. ومضيق هرمز سيُفتح فورا
المزيد.....
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|