|
|
الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة: النشأة والتطور الفكري والتنظيمي (القرن التاسع عشر– القرن الحادي والعشرون)
فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 02:50
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
نشأت المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة من جذور لاهوتية تعود إلى القرن التاسع عشر، وتحديداً من خلال انتقال أفكار "المنهج التدبيري" التي صاغها اللاهوتي الإيرلندي "جون نيلسون داربي"، والذي زار أمريكا عدة مرات ونشر فكرة أن التاريخ البشري مقسم إلى حقب إلهية، وأن النبوءات الكتابية يجب أن تُفسر حرفياً، بما في ذلك عودة اليهود الجماعية إلى فلسطين كشرط مسبق لعودة المسيح الثانية ومعركة هرمجدون. ولم تكن هذه الحركة مجرد تيار هامشي، بل تبناها قادة دينيون بارزون مثل القس ويليام بلاكستون (1841–1935م) الذي صاغ عام 1891م ما عُرف باسم "وثيقة بلاكستون" وحشد لها تواقيع كبار رجال الأعمال والسياسيين والقضاة في أمريكا، ليقدمها للرئيس بنجامين هاريسون، مطالباً إياه بالتدخل الدولي لإعادة فلسطين لليهود، ويُعد القس ويليام يوجين بلاكستون من أبرز رواد الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، وقد لعب دوراً محورياً في نقل فكرة عودة اليهود إلى فلسطين من الإطار اللاهوتي إلى النشاط السياسي المنظم. ففي عام 1891م قدم ما عُرف بـ«مذكرة بلاكستون» إلى الرئيس الأمريكي بنيامين هاريسون (1833–1901م)، داعياً إلى دعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وهو ما جعله أحد أهم المؤسسين الأوائل للصهيونية المسيحية الأمريكية قبل ظهور الصهيونية السياسية الحديثة بقيادة تيودور هرتزل وهو ما حدث قبل سنوات من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول بزعامة ثيودور هرتزل، مما يعني أن الصهيونية المسيحية الأمريكية سبقت الصهيونية اليهودية المنظمة في المطالبة السياسية العلنية. شهدت هذه الحركة قفزة نوعية في الانتشار الشعبي عام 1909م مع صدور "إنجيل سكوفيلد المرجعي" الذي حرره سايروس سكوفيلد، حيث تضمن هذا الإنجيل حواشي وتفسيرات في أسفل الصفحات تدمج العقيدة التدبيرية بالنص الديني، وصار هذا الكتاب الدليل الأكثر مبيعاً واستخداماً في الكنائس والمعاهد اللاهوتية الأمريكية، مما رسخ في وعي ملايين الأمريكيين العاديين أن دعم اليهود وإقامة دولتهم هو أمر إلهي واجب وليس مجرد خيار سياسي. وعندما أُعلنت دولة إسرائيل في 15 أيار/ مايس عام 1948م، اعتبرت الأوساط الإنجيلية الأمريكية هذا الحدث دليلاً قاطعاً على صحة نبوءاتهم، وتحول الخطاب من التنظير الفكري إلى الدعم المطلق للكيان قائم على الأرض، وازداد هذا التوجه اشتعالاً بعد حرب عام 1967م وسيطرة إسرائيل على القدس الشرقية، حيث اعتبر المسيحيون الصهاينة أن "زمن الأمم" قد شارف على الانتهاء وأن الخط المأساوي للتاريخ يسير نحو ذروته الدينية، مما دفعهم إلى الانخراط المباشر في العمل السياسي بعد أن كانوا تاريخياً يفضلون العزلة عن السياسة. تجسد هذا التحول السياسي الاستراتيجي في أواخر السبعينيات عندما أسس القس جيري فالويل منظمة "الأغلبية الأخلاقية" عام 1979م، والتي نجحت في حشد ملايين المسيحيين الإنجيليين ككتلة تصويتية موحدة، وتحالفت بشكل وثيق مع الحزب الجمهوري، مما ساهم في صعود الرئيس رونالد ريغان(1981 – 1989م) الذي كان هو نفسه يميل لخطاب النبوءات الدينية. وتحول الدعم لإسرائيل من مجرد عاطفة دينية إلى ورقة ضغط سياسي انتخابي لا يمكن لأي مرشح رئاسي أو عضو في الكونغرس تجاهلها. ومع دخول القرن الحادي والعشرين، تبلورت هذه المأسسة بشكل أكثر شراسة وتأثيراً بتأسيس القس "جون هيغي" لمنظمة "مسيحيون موحدون من أجل إسرائيل" (CUFI) (Christians United for Israel CUFI)، تعد أكبر منظمة صهيونية مسيحية في الولايات المتحدة، وقد تأسست سنة 2006م. وتعلن المنظمة أن عدد أعضائها يتجاوز عشرة ملايين عضو، وهو ما يعادل نحو 3% من سكان الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعلها إحدى أكثر جماعات الضغط الدينية المؤيدة لإسرائيل نفوذاً داخل المجتمع والسياسة الأمريكيين. والتي سرعان ما أصبحت أضخم منظمة صهيونية في الولايات المتحدة متفوقة في عدد أعضائها على المنظمات اليهودية الأمريكية، حيث وظفت ملايين الأعضاء للضغط المباشر على صناع القرار، وأصبح لها مكاتب دائمية في واشنطن تنظم حملات ضغط دورية على أعضاء الكونغرس لضمان المساعدات العسكرية ومنع الضغوط على إسرائيل، وبلغ هذا النفوذ ذروته التاريخية خلال إدارة دونالد ترامب الاولى(2017 – 2021م)، حيث كان للقوى المسيحية الصهيونية، بدعم من نائب الرئيس آنذاك مايك بنس، الدور الحاسم في اتخاذ قرارات مصيرية مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، لتتحول الحركة عبر قرن ونصف من مجرد قراءة تأويلية للنصوص الدينية إلى ركيزة أساسية توجه السياسة الخارجية للقوة العظمى في العالم. وبناءً على التطور التاريخي للحركة "مسيحيون موحدون من أجل إسرائيل" بعد نكسة عام 1967م وصعودها السياسي في السبعينيات، بدأت تظهر ملامح تحالف مصلحي غريب ومثير للجدل بين القيادات الإسرائيلية وهذه الجماعات المسيحية الصهيونية، رغم وجود هوة عقائدية سحيقة بين الطرفين. فمن الناحية اللاهوتية، يعتقد المسيحيون الصهاينة أن تجمع اليهود في فلسطين سيؤدي في النهاية إلى معركة "هرمجدون" حيث سيموت ثلثا اليهود ويتحول الثلث الباقي إلى المسيحية عند عودة المسيح، وهو معتقد يمثل في جوهره فناء الديانة اليهودية. ورغم وعي القادة الإسرائيليين بهذا المعتقد، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي "مناحيم بيغن" في أواخر السبعينيات كان أول من أدرك القيمة السياسية الهائلة لهذا التيار، فقرر تجاوز الخلاف العقائدي وتبني البراغماتية السياسية، حيث وجد فيهم حليفاً أمريكياً مخلصاً لا يطلب تنازلات جغرافية من إسرائيل بعكس الإدارات الأمريكية الليبرالية، لأن الإنجيليين يرون " أرض إسرائيل كاملة" حقاً إلهياً غير قابل للتفاوض، مما جعل بيغن يقلد القس "جيري فالويل" أرفع الأوسمة الإسرائيلية، ممهداً الطريق لعقود من الدعم المالي والسياسي والسياحي غير المشروط الذي تضخه هذه الكنائس داخل إسرائيل. هذا الصعود المتنامي والتحالف السياسي البراغماتي أثار قلقاً ومواجهة حادة من جانب الكنائس الأمريكية التقليدية والتاريخية، مثل: الكنائس المشيخية، والأسقفية، والميثودية، واللوثرية، والتي كانت تمثل الثقل الديني التاريخي في الولايات المتحدة. فمنذ ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، بدأت هذه الكنائس التقليدية تصيغ مواقف لاهوتية وسياسية مضادة تماماً للمسيحية الصهيونية، حيث رفضت التفسير الحرفي التدبيري للنبوءات واعتبرت أن عهد الله في العهد القديم قد اكتمل بالمسيح ليشمل البشرية جمعاء ولا يختص بأرض أو عرق محدد. وترجمت هذه الكنائس موقفها اللاهوتي إلى مواقف سياسية داعمة لحقوق الفلسطينيين، وأصدرت بيانات تدين الاحتلال الإسرائيلي، بل وذهبت في القرن الحادي والعشرين إلى تبني سياسات المقاطعة وسحب الاستثمارات (BDS) من الشركات التي تتربح من الاحتلال، مما خلق شرخاً عميقاً في الخارطة الدينية الأمريكية بين تيار إنجيلي صهيوني يملك نفوذاً سياسياً كاسحاً في الحزب الجمهوري، وتيار مسيحي تقليدي يميل لليبرالية والعدالة الاجتماعية ويدعم حل الدولتين. نعم، فالدعم المسيحي الأمريكي لإسرائيل والصهيونية لا يقتصر على الكنائس المشيخية أو الأسقفية أو الميثودية أو اللوثرية، بل إن الثقل الأكبر تاريخياً في العقود الأخيرة انتقل إلى التيار الإنجيلي المحافظ (Evangelicalism)، وخاصة الكنائس الإنجيلية والأصولية والخمسينية. وإذا رُتبت التيارات والكنائس بحسب حجمها وتأثيرها السياسي والاجتماعي في المجتمع الأمريكي المعاصر، فيمكن الإشارة إلى الآتي: 1.اتحاد الكنائس المعمدانية الجنوبية. Southern Baptist Convention تُعد أكبر طائفة بروتستانتية في الولايات المتحدة، ومن أكثر الكنائس الإنجيلية دعماً لإسرائيل. وقد تبنت عبر عقود مواقف مؤيدة لإسرائيل مستندة إلى تفسيرات كتابية ونبوئية مرتبطة بالتيار التدبيري (Dispensationalism). 2. الكنائس الإنجيلية المحافظة (Evangelical Churches)وهي ليست كنيسة واحدة بل شبكة واسعة من الكنائس المستقلة والتحالفات الإنجيلية. وتشكل القاعدة الاجتماعية الأوسع للصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة. وتشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من الإنجيليين البيض تعتبر قيام إسرائيل تحقيقاً لنبوءات توراتية. 3. الكنائس الخمسينية والكاريزمية (Pentecostal & Charismatic Churches) تمثل أحد أسرع التيارات المسيحية نمواً في الولايات المتحدة، ويظهر فيها دعم قوي لإسرائيل، خاصة داخل الأوساط المرتبطة بالتبشير التلفزيوني واللاهوت الأخروي. كما تشارك بقوة في النشاطات المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة وخارجها. 4. طائفة مجالس الله الأمريكية. Assemblies of God USA من أكبر الكنائس الخمسينية الأمريكية، ولها حضور واسع داخل التيار الإنجيلي المحافظ. ويظهر بين كثير من قادتها وأتباعها تأييد واضح لإسرائيل ضمن الرؤية الإنجيلية النبوئية. تأثرت بدرجات متفاوتة باللاهوت التدبيري الإنجيلي الذي يربط عودة اليهود إلى فلسطين وقيام دولة إسرائيل بالنبوءات الكتابية الخاصة بالأزمنة الأخيرة، الأمر الذي جعل قطاعات واسعة من أتباعها وقادتها تتبنى مواقف مؤيدة لإسرائيل ضمن إطار الصهيونية المسيحية المعاصر. 5. كنيسة الله (كليفلاند، تينيسي). Church of God (Cleveland, Tennessee) من أكبر الكنائس الخمسينية في الولايات المتحدة، ويتبنى قطاع واسع من أتباعها المواقف التقليدية المؤيدة لإسرائيل داخل البيئة الإنجيلية الأمريكية. تأسست هذه الكنيسة سنة 1886م في منطقة جبال الأبلاش بالولايات المتحدة، ويقع مركزها الرئيسي في مدينة كليفلاند بولاية Tennessee. 6. التحالف المسيحي والإرسالي. Christian and Missionary Alliance تأسس التحالف المسيحي والإرسالي سنة 1887م على يد القس الإنجيلي الكندي الأصل المعروف اختصاراً باسم أ. ب. سمبسون (A. B. Simpson). وهي من الكنائس الإنجيلية التاريخية التي تأثرت بالفكر التدبيري ونبوءات آخر الزمان، وإن كان حضورها السياسي أقل من المعمدانيين الجنوبيين. 7. الكنيسة اللوثرية – مجمع ميسوري. Lutheran Church–Missouri Synod تمثل الجناح المحافظ داخل اللوثرية الأمريكية، وهي أقرب إلى المواقف الإنجيلية المحافظة مقارنة بالكنائس اللوثرية الليبرالية. أما الكنائس البروتستانتية التاريخية التقليدية (Mainline Protestant Churches) مثل: الكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة الأمريكية لـ Presbyterian Church (USA). الكنيسة الأسقفية الأمريكية لـ The Episcopal Church. الكنيسة الميثودية المتحدة لـ United Methodist Church. الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في أمريكا لـ Evangelical Lutheran Church in America. وتُعرف هذه المجموعة تاريخياً في الثقافة الأمريكية بـ "أخوات الخط الرئيسي" (Mainline)، وتتميز بنظام حوكمة مؤسسي راسخ وبدورها الاجتماعي والسياسي التاريخي المؤثر في البلاد. فقد كانت في الماضي أقرب إلى التعاطف مع إسرائيل، لكنها منذ سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين أصبحت أكثر نقداً للسياسات الإسرائيلية، وتبنت في كثير من الأحيان مواقف تدعو إلى حقوق الفلسطينيين وحل الدولتين، لذلك لا تُعد اليوم العمود الفقري للصهيونية المسيحية الأمريكية. ومن حيث التأثير السياسي الفعلي، يمكن ترتيب القوى الداعمة للصهيونية المسيحية تقريباً على النحو الآتي: الكنائس الإنجيلية المحافظة. المعمدانيون الجنوبيون (Southern Baptists). الكنائس الخمسينية والكاريزمية. الشبكات الإعلامية الإنجيلية الكبرى. المنظمات الصهيونية المسيحية مثل Christians United for Israel التي أسسها John Hagee سنة 2006م وأصبحت أكبر منظمة صهيونية مسيحية في الولايات المتحدة. ولهذا فإن الحديث عن الصهيونية المسيحية الأمريكية المعاصرة يرتبط أساساً بالتيار الإنجيلي المحافظ أكثر من ارتباطه بالكنائس البروتستانتية التاريخية التقليدية. فبينما كان الجيل القديم يدعم إسرائيل بشكل أعمى كواجب نبوئي توراتي، أظهرت الدراسات الأكاديمية (مثل دراسة جامعة شمال كارولينا بيمبروك) أن نسبة تأييد إسرائيل بين الإنجيليين الشباب انخفضت من حوالي 69% عام 2018م إلى نحو 33% فقط في السنوات الأخيرة. ويعود هذا الشرخ الجيلي إلى أن الشباب الإنجيليين نشأوا في بيئة معلوماتية مختلفة، فهم يركزون على قيم العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان بدلاً من قراءة النبوءات الحرفية، وأصبح جزء كبير منهم يرى السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين غير عادلة، مما دفع قرابة 42% منهم لاتخاذ موقف محايد، ونمت نسبة المتعاطفين منهم مع الحق الفلسطيني بشكل ملحوظ. هذا التحول الديني يتوازى مع مشهد معقد وشديد الانقسام داخل المنظمات اليهودية الأمريكية، والتي تتباين مواقفها وقوة تأثيرها تجاه التحالف مع الصهاينة المسيحيين وتجاه القضية الفلسطينية عموماً، تتمثل المواقف والمنظمات اليهودية الأمريكية في ثلاثة تيارات رئيسية: 1. التيار الصهيوني المحافظ واليميني (التحالف البراغماتي الكامل)اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (AIPAC)، تعد أعتى وأقوى منظمة ضغط (Lobby) في واشنطن، وتأثيرها على السياسة الأمريكية كاسح ومباشر عبر تمويل الحملات الانتخابية للمشرعين من كلا الحزبين لضمان الدعم العسكري المطلق لإسرائيل. ترحب "أيباك" بقوة بالدعم المسيحي الصهيوني وتتحالف معه سياسياً لتشكيل جبهة ضغط موحدة في الكونغرس. 2. المنظمة الصهيونية الأمريكية (ZOA)، تعد أقدم منظمة صهيونية في أمريكا وتأثيرها قوي جداً على النخبة اليهودية اليمينية والسياسيين المحافظين. تتحالف علناً وبلا تحفظ مع قادة ملايين المسيحيين الإنجيليين، وتتجاوز تماماً عقيدتهم الدينية (التي تتنبأ بفناء اليهود في نهاية الزمان) في سبيل الحصول على دعمهم السياسي والمالي المطلق للاستيطان. 3. التيار الصهيوني الليبرالي والوسطي (التحالف الحذر والمقيد)اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC)، تركز على مكافحة معاداة السامية والدبلوماسية الدولية، وتأثيرها كبير على اليهود من الطبقة الوسطى والعليا والمسؤولين الحكوميين. تنظر بقلق وتحفظ شديدين للمسيحية الصهيونية؛ فهي ترحب بدعمهم لإسرائيل لكنها ترفض أجندتهم الدينية الداخلية (مثل معارضة الإجهاض وحقوق الأقليات)، وترى أن عقيدة "نهاية الزمان" المسيحية تحمل بذوراً مبطنة لمعاداة السامية. 4. منظمة جي ستريت (J Street)، تأسست لتمثيل اليهود الليبراليين، ولها تأثير متصاعد وقوي على أعضاء الحزب الديمقراطي واليهود العاديين (حيث تشير الاستطلاعات إلى أن أغلبية يهود أمريكا يصوتون للديمقراطيين ويميلون لليبرالية). تعارض "جي ستريت" الصهيونية المسيحية بشدة، وتعتبر تحالف اليمين الإسرائيلي مع الإنجيليين تدميراً لحل الدولتين وتقويضاً للديمقراطية الأمريكية والإسرائيلية على حد سواء. 5. التيار التقدمي المناهض للصهيونية (الرفض المطلق)الصوت اليهودي من أجل السلام (JVP)، هي أسرع المنظمات نمواً وتأثيراً بين الشباب اليهود الأمريكيين وطلاب الجامعات، وتأثيرها شعبي واحتجاجي واسع في الشارع الأمريكي. ترفض هذه المنظمة الصهيونية برمتها (اليهودية والمسيحية)، وتعتبر التحالف بين الصهاينة المسيحيين واليمين الإسرائيلي تحالفاً عنصرياً وقائماً على الفوقية الدينية، وتقدم خطاباً بديلاً يربط الهوية اليهودية بالعدالة الشاملة ومناهضة الاحتلال. يظهر من هذا التسلسل أن القوة السياسية للمنظمات اليهودية الكبرى (مثل AIPAC) لا تزال مهيمنة على صناعة القرار الرسمي، ولكن القواعد الشعبية والشبابية — سواء داخل الكنائس الإنجيلية أو داخل المجتمع اليهودي الأمريكي نفسه — تتجه سريعاً نحو التمرد على هذا الإرث التقليدي المشترك للصهيونية المسيحية واليهودية. وبخصوص تتبع تطور المواقف اليهودية الأمريكية المناهضة للصهيونية اليهودية والمسيحية معاً، فيمكن تقسيم الشخصيات والتيارات إلى ثلاث مراحل تاريخية رئيسية: أولاً: معارضة الصهيونية من منطلق الاندماج الوطني اليهودي الأمريكي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، رفض عدد من الحاخامات اليهود الإصلاحيين فكرة الصهيونية لأنهم اعتبروا اليهودية ديناً عالمياً لا مشروعاً قومياً. وكانوا يرون أن اليهود الأمريكيين مواطنون أمريكيون كاملو الانتماء، وأن الحديث عن "أمة يهودية" قد يثير الشكوك حول ولائهم الوطني. ومن أبرزهم: إسحاق ماير وايز كوفمان كوهلر ديفيد فيليبسون هؤلاء لم يهاجموا الصهيونية المسيحية بصورة مباشرة، لكنها كانت مرفوضة لديهم ضمناً لأنها تقوم على الفكرة نفسها: اعتبار اليهود شعباً قومياً يجب أن يعود إلى فلسطين لتحقيق نبوءات دينية. ثانياً: معارضة الصهيونية السياسية بعد وعد بلفور. بعد وعد بلفورسنة 1917 ظهرت شخصيات يهودية أمريكية أكثر تنظيماً في رفض المشروع الصهيوني. ومن أبرزهم: ليسنغ روزنفالد أو ليسينغ روزنفالد(1891 – 1979م). وكان رجل أعمال أمريكياً يهودياً بارزاً، ورئيساً سابقاً لشركة Sears, Roebuck and Co.، كما عُرف بجمعه للمخطوطات والكتب النادرة ودعمه للمؤسسات الثقافية.سياسياً وفكرياً، كان من أبرز الشخصيات اليهودية الأمريكية المعارضة للصهيونية في النصف الأول من القرن العشرين. وقد شارك في تأسيس ودعم المجلس الأمريكي لليهودية (American Council for Judaism)، الذي رأى أن اليهودية دين وليست قومية، وأن ولاء اليهود يجب أن يكون للدول التي يحملون جنسيتها، لا لمشروع قومي يهودي عالمي. ومن أبرز أفكاره: 1-رفض اعتبار اليهود "أمة سياسية" منفصلة. 2-عارض إقامة دولة يهودية بوصفها الحل الوحيد للمسألة اليهودية. 3-اعتبر أن اليهود الأمريكيين مواطنون أمريكيون بالكامل. 4-انتقد الخلط بين الانتماء الديني اليهودي والانتماء القومي. وفي سياق المعارضة اليهودية للصهيونية، يمكن وضعه ضمن هذا التسلسل ضمن المجلس الأمريكي لليهودية: إسحاق ماير وايز ديفيد فيليبسون ليسينغ ج. روزنفالد إيلمر بيرغر: كان الحاخام بيرغر من أوائل اليهود الأمريكيين الذين انتقدوا الدعم الإنجيلي المسيحي للصهيونية، معتبراً أن المسيحيين الصهاينة ينظرون إلى اليهود بوصفهم أدوات لتحقيق نبوءات أخروية أكثر من كونهم شركاء متساوين. ويُعد روزنفالد من أهم ممولي وداعمي التيار اليهودي الأمريكي المناهض للصهيونية خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين. وقد قادا مع الحاخام إيلمر بيرغرلاحقاً نشاطات المجلس الأمريكي لليهودية، الذي تاسس سنة1942م، واستندت رؤيتهما إلى أن: 1- اليهودية دين وليست قومية. 2- اليهود الأمريكيين مواطنون أمريكيون وليسوا أعضاء في "أمة يهودية" منفصلة. 3- إقامة دولة يهودية في فلسطين لا تمثل جميع اليهود. 4- ربط اليهودية بالصهيونية قد يثير الشكوك حول ولاء اليهود لدولهم الوطنية. بعد قيام اسرائيل عام 1948م أصبح المجلس أحد أبرز الأصوات اليهودية الأمريكية المعارضة للصهيونية، كما انتقد لاحقاً الصهيونية المسيحية التي رأت في قيام إسرائيل تحقيقاً لنبوءات دينية تتعلق بنهاية الزمان ثالثاً: المعارضة الدينية الأرثوذكسية والحريدية هذا التيار لا يرفض الصهيونية لأسباب سياسية أو قومية فقط، بل لأسباب دينية وعقائدية. ومن أبرز رموزه: يوئيل تيتلباوم (1887–1979): حاخام يهودي حريدي ومؤسس سلالة ساتمار الحسيدية في الولايات المتحدة. يُعد من أبرز المنظرين اليهود المعارضين للصهيونية الدينية والسياسية. ألّف كتاب "فايوئيل موشيه (VaYoel Moshe) "، الذي أصبح مرجعاً أساسياً في الفكر اليهودي المناهض للصهيونية. موشيه هيرش (1923–2010): أحد قادة جماعة نتوري كارتا اليهودية الأرثوذكسية المتشددة المناهضة للصهيونية. اشتهر بمواقفه الرافضة لدولة إسرائيل وبعلاقاته مع شخصيات وقيادات فلسطينية، معتبراً أن الدولة الإسرائيلية لا تمثل اليهودية الحقيقية. أهارون كوتلر (1891–1962): حاخام ليتواني الأصل وأحد أبرز قادة اليهود الحريديم في الولايات المتحدة خلال القرن العشرين. أسس بيث مدراش جوفوها Beth Medrash Govoha في يُشير هذا الاسم إلى مؤسسة تعليمية دينية يهودية (يشيفا) ضخمة ومتقدمة. يُشير هذا الاسم إلى مؤسسة تعليمية دينية يهودية (يشيفا) ضخمة ومتقدمة. تقع هذه المؤسسة تحديداً في مدينة ليكوود بولاية نيو جيرسي الأمريكية، وتُعد ثاني أكبر يشيفا للدراسات التلمودية والعقائدية العليا في العالم. وكان كوتلرمعارضاً للصهيونية العلمانية، وإن كان موقفه أقل حدة من موقف يوئيل تيتلباوم ونتوري كارتا. وبخصوص التسلسل الفكري، يمكن وضعهم ضمن تيار المعارضة الدينية الأرثوذكسية للصهيونية على النحو الآتي: أهارون كوتلر → يوئيل تيتلباوم → موشيه هيرش → نتوري كارتا ويمثل هذا التيار اتجاهاً يهودياً يرى أن عودة اليهود إلى الأرض المقدسة وإقامة دولة يهودية يجب أن تتم وفق المشيئة الإلهية وعند مجيء المسيح المنتظر، لا عبر مشروع سياسي قومي بشري كما طرحت الحركة الصهيونية الحديثة. وقد استندوا إلى تفسير تلمودي يعتبر أن إقامة دولة يهودية بالقوة قبل مجيء المسيح المنتظر تمثل خروجاً على الإرادة الإلهية. في كتابه الشهير "فايوئيل موشيه" (VaYoel Moshe)، يعد تيتلباوم من أشد المنظرين اليهود هجوماً على الصهيونية، ورفض أيضاً التأويلات الإنجيلية المسيحية التي رأت في قيام إسرائيل تحقيقاً لنبوءات آخر الزمان. رابعاً: انتقاد الصهيونية المسيحية بشكل مباشر منذ سبعينيات القرن العشرين، ومع صعود التيار الإنجيلي الأمريكي، بدأت شخصيات يهودية تعبر صراحة عن مخاوفها من الصهيونية المسيحية. ومن أبرز الأسماء: مارك هـ. إليس (Marc H. Ellis: لاهوتي ومؤرخ يهودي أمريكي، عُرف بانتقاداته للصهيونية من منظور أخلاقي وديني، ودفاعه عن الحقوق الفلسطينية. من أبرز مؤلفاته كتاب Toward a Jewish Theology of Liberation (نحو لاهوت يهودي للتحرر). مايكل ليرنر (Michael Lerner): حاخام ومفكر يهودي أمريكي ومؤسس مجلة Tikkun. دعا إلى مراجعة السياسات الإسرائيلية وانتقد توظيف الدين والقومية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مع احتفاظه بهوية يهودية دينية واضحة. نعوم تشومسكي (Noam Chomsky)مفكر ولغوي أمريكي يهودي شهير، وأحد أبرز منتقدي السياسات الإسرائيلية والأمريكية في الشرق الأوسط. يُعد من أشهر الأصوات اليهودية النقدية للصهيونية السياسية المعاصرة، رغم أن مواقفه أكثر تعقيداً من مجرد وصفه بـ"مناهض للصهيونية" بشكل مطلق. وقد رأى هؤلاء أن الصهيونية المسيحية لا تنبع من التعاطف مع اليهود بقدر ما ترتبط بتفسيرات إنجيلية حول نهاية العالم وعودة المسيح. وعلى أية حال يمكن تلخيص الانتقادات اليهودية التقليدية للصهيونية المسيحية في أربع نقاط: 1-أن المسيحيين الصهاينة يفسرون النصوص الدينية وفق عقائدهم الخاصة وليس وفق الفهم اليهودي التقليدي. 2-أن دعم إسرائيل يرتبط أحياناً بعقيدة المجيء الثاني للمسيح، وهي عقيدة لا يؤمن بها اليهود. 3-أن اليهود في الفكر الأخروي الإنجيلي يتحولون إلى أدوات ضمن سيناريو نهاية الزمان. 4-أن التحالف السياسي بين الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية قد يوظف الدين لتحقيق أهداف سياسية معاصرة. وهذا المسار يُظهر أن معارضة الصهيونية داخل اليهودية الأمريكية لم تكن تياراً واحداً، بل جمعت بين إصلاحيين اندماجيين، وأرثوذكس حريديين، ومفكرين نقديين معاصرين، رغم اختلاف دوافعهم الفكرية والدينية والسياسية.
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الصهيونية المسيحية بعد مارتن لوثر: من الإصلاح البروتستانتي إ
...
-
الصهيونية البروتستانتية- التدبيرية - القائمة على مفاهيم ما ق
...
-
ولاية الفقيه والشورى: مقارنة بين فكر روح الله الخميني وفكر م
...
-
ولاية الفقيه والشورى: مقارنة بين فكر روح الله الخميني وفكر م
...
-
الحرية بين الآصالة والمعاصرة – خطبة ملا هلال الأتروشي
-
الصوم عبر العصور.. رحلة روحية في تاريخ البشرية
-
الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية-
...
-
الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية-
...
-
الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية-
...
-
الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية-
...
-
الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية-
...
-
الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية-
...
-
الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية
...
-
عشيرة السورجي وأصول شيوخها عبر التاريخ
-
الآغوات الكرد لعشائر سوران – قاطع أربيل( السورجي) من منظور ا
...
-
الآغوات الكرد لعشائر بهدينان من منظور الاستخبارات العسكرية ا
...
-
اللولوبيون - القسم الثاني
-
المهد القومي للكُرد - القسم الاول
-
الشيخ عبدالحميد البيزلي الريكاني سيرة ومواقف- القسم الخامس-
-
الشيخ عبد الحميد البيزلي الريكاني سيرة ومواقف - القسم الرابع
المزيد.....
-
نبوءات الموت.. عندما تخدم الصهيونية المسيحية مشروع إسرائيل ا
...
-
اللواء رضائي: صبر القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرا
...
-
لبنان: المقاومة الإسلامية: استهدفنا مقرّاً قياديّاً تابعاً ل
...
-
المقاومة الإسلامية: استهدفنا منصّة قبّة حديديّة تابعة لـ -جي
...
-
المقاومة الإسلامية: استهدفنا تجمعاً لآليات وجنود العدو الإس
...
-
المقاومة الإسلامية: استهدفنا تجمعاً لجنود العدو الإسرائيلي
...
-
المقاومة الإسلامية: استهدفنا غرفة في موقع العباد على الحدود
...
-
المقاومة الإسلامية: استهدفنا آلية اتصالات للعدو الإسرائيلي ف
...
-
العلمانيون الجدد في ميزان النقد: أدوار وظيفية أم نضال من أجل
...
-
غضب لدى الجالية اليهودية في نيويورك.. زهران ممداني يحيي ذكرى
...
المزيد.....
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ يل دونالد والش
المزيد.....
|