أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود سلامة محمود الهايشة - -الارتطام بجدار الجليد-… حين يتحول الحلم بالعدالة إلى كابوس وجودي














المزيد.....

-الارتطام بجدار الجليد-… حين يتحول الحلم بالعدالة إلى كابوس وجودي


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 21:19
المحور: الادب والفن
    


تُعدّ القصة القصيرة "الارتطام بجدار الجليد" للكاتبة العراقية "سعاد حسين الراعي" نصًا أدبيًا زاخرًا بالغموض الأخلاقي، وغنيًا بالرموز السياسية والإنسانية. فهي تتجاوز كونها مجرد حكاية عن الصدام بين الفقراء والسلطة، لتأخذ القارئ بعيدًا عن السطحية، وتناقش معاني أعمق لمفاهيم كالعدالة، وهشاشة الإنسان أمام قوى السياسة، والحقيقة في ظل قوانين صارمة، وخوف، وخيانة.

من العنوان وحده، تُقدّم لنا الكاتبة استعارة بالغة الدلالة. "الارتطام بجدار الجليد" ليس مجرد حادث اجتماعي أو نفسي، بل هو صراع بين الروح الإنسانية ونظام قاسٍ عديم الرحمة. هنا، لا تقتصر الجدران على كونها جدرانًا خرسانية فحسب، بل ترمز إلى جدار القانون الجامد، وجدار السلطة الذي تحول إلى آلة صماء، وجدار الخوف الذي يتسلل تدريجيًا إلى البيوت "كزحف الخنافس". تبدأ القصة في قاعة المحكمة، وهي بيئة شديدة الظلام والرمزية، تصفها الكاتبة على النحو التالي:

"كان الهواء هذه المرة أكثر ثقلاً، والرخام تحت أقدامهم بدا أكثر قسوة وبرودة". هذا الوصف ليس مجرد وصف، بل يخلق عالمًا يفتقر إلى أي شكل من أشكال الدفء الإنساني منذ البداية. قاعة المحكمة ليست مكان العدالة، بل هي المكان الذي تفشل فيه المؤسسات. وبالتالي، فإن القاضي نفسه ليس إنسانًا يُقيم العدل، بل مجرد "قناع بيروقراطي".

وبذلك، تنجح الكاتبة في خلق شعور بصدمة نفسية جماعية، حيث سقطت الكلمات على الناس "كصخور مدببة تهوي من شاهق" أي كـ"حجارة حادة تتساقط من مكان عالٍ جدًا"، معبرة عن فكرة العنف الرمزي للنظام القانوني إذا ما انحاز إلى الجانب الخاطئ.

من أكثر جوانب النص إثارةً للاهتمام صورة الطفلة "ياسمين"، التي تجسد الحقيقة المطلقة النقية. فالطفلة، التي شهدت الخطر، تواجه سلطة بالغة لا تعترف بحقها في الكلام، متذرعةً بـ"عدم الأهلية القانونية". بعبارة أخرى، تطرح الكاتبة سؤالاً بالغ الأهمية: هل يمكن اعتبار حقيقة الطفلة أقل قيمة من الحقيقة بشكل عام؟

لا تدافع الكاتبة عن الطفولة فحسب، بل تدافع أيضًا عن البالغين العاديين من تعقيدات النظام العالمي الحديث، فتبقى ياسمين ضمير الراوي الخفي، بينما يصبح البالغون كائناتٍ عالقةً في فخ المخاوف والقوانين والمصالح.

ويُبرز البُعد الاجتماعي والثقافي للقصة من خلال تصوير الحي "المحلة" ككائن حيّ جماعي، لا مجرد مساكن. في هذا السياق، تتجلى العلاقة بين قطعة الأرض والهوية والذكريات والكرامة. ولهذا السبب، يُنظر إلى نضال السكان على أنه معركة للدفاع عن حقوقهم الوجودية لا مجرد مساكن.

وتنتقل حبكة القصة من الهزيمة إلى الوحدة الجماعية، وتحديدًا من خلال وصول "أبو أحمد"، الذي تُمثل شخصيته نموذجًا إنسانيًا لشخصٍ استطاع أن يُحيي ضميره بعد إغراء السلطة والمال. ولا يُصوَّر اعتراف هذه الشخصية كحدثٍ دراميٍّ بسيط، بل كعملية تطهيرٍ أخلاقيٍّ تُعيد التماسك الاجتماعي. تجدر الإشارة إلى أن أفظع أعمال السلطة الفاسدة هو تدمير التماسك الاجتماعي، لا مجرد الاستيلاء على الأراضي.

على الصعيد اللغوي، يمكن وصف النص بأنه أقرب إلى الشعر المؤثر. فالجمل غنية بقوة الإيقاع والصور والاستعارات، حتى أن البلاط يبدو أحيانًا كمكان للعبادة، والصمت كمعبد مقدس، والفرح ككائن حي يخرج من غفلة. يضفي الأسلوب الأدبي الرفيع طابعًا ملحميًا على النص، إلا أنه في بعض الأحيان يكاد يكون طاغيًا لشدة تأثيره، ولأن الكاتبة تفضل التركيز على المشاعر على حساب الإيجاز.

ومع ذلك، فإن براعة الكاتبة اللغوية تلائم غاية النص، التي تتمحور حول المواجهة بين قسوة الواقع والعاطفة.

يبلغ العمل ذروة فنية وفكرية مع الخاتمة المفاجئة، حيث يتضح أن النصر قد يكون حلمًا أو كابوسًا، أو كليهما معًا. يُضفي الانتقال المفاجئ من الانتصار والسعادة إلى صحوةٍ مُربكة بُعدًا فلسفيًا على النص يتجاوز الحدث نفسه. لم يعد السؤال المطروح هو الخنافس، أو الشركة، أو حتى المحكمة، بل الدول نفسها، التي قد تبدو مستقرة ومزدهرة تمامًا بينما هي في الواقع تتلاشى ببطء وهدوء.

تكمن قوة القصة في هذه النهاية المفاجئة؛ فالكاتبة لا تُريد أن تُقدم للقارئ أي نوع من السلام أو اليقين، تاركه إياه يتساءل عما إذا كان يعيش واقعًا أم كوابيس أصبحت جزءًا مألوفًا من الحياة اليومية.

إلى جانب كونها قصة تتناول قضية قانونية، تتناول قصة "الارتطام بجدار الجليد" أيضًا الصراع الدائم بين البشر والأنظمة التي لم تعد بشرية. تُسلط القصة الضوء على مدى هشاشة العدالة عندما تُجرّد من كل ضمير، وفي الوقت نفسه تُشيد بقدرة البشر على التكاتف وإسماع أصواتهم.

نجحت "سعاد حسين الراعي" في إنتاج نصٍّ قادر على مزج مشاعر الإنسان، والبعد السياسي للقصة، واللغة الشعرية. "الارتطام بجدار الجليد"، والمنشورة بـ موقع ديوان العرب – يوم الاثنين ٢٥ أيار (مايو) ٢٠٢٦، عملٌ أدبيٌّ يندرج ضمن فئة الأدب الذي لا يكتفي بوصف المعاناة، بل يطرح أيضاً تساؤلاتٍ جوهريةً في ذهن القارئ.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجرافة قالت
- حين تتحوّل القبلة إلى اعتراف: قراءة نقدية في قصة «قُبلةٌ طائ ...
- الأرنب الذي أكل الريح والشمس The Rabbit That Ate the Wind an ...
- الزيوت في العلف... والصحة على المائدة|| كيف يؤثر زيت دوار ال ...
- المزرعة التي تعلمت التنفس The Farm That Learned to Breathe
- إضافة البروبيوتيك إلى مياه الدواجن: نهج جديد لزيادة كفاءة إن ...
- البقرة التي تحدثت إلى الريح The Cow That Talked to the Wind
- الأبقار، المناخ، والرحمة: كيف يمكن لمعايير أعلى لرعاية الحيو ...
- بيت الأجنحة الضيقة: قصة عن التوتر والبقاء وقوة التوازن The H ...
- عندما يصبح الاكتظاظ مرضًا خفيًا: كيف يؤثر ارتفاع كثافة التسك ...
- الجدي الخامس The Fifth Kid
- شبكات استخباراتية ومسلحة موازية في مصر: ماذا سيحدث إذا ظهرت ...
- أعداد أكبر تؤدي إلى مخاطر أكبر: رؤى جديدة حول معدل بقاء صغار ...
- حراس النهر السري Guardians of the Secret Stream
- كيف تساعد تركيبة جديدة متعددة البروبيوتيك دجاج التسمين على ا ...
- -الدرع الذهبي ومحاكمة الشمس- “The Golden Shield and the Sun’ ...
- مواجهة الحرارة: فوائد المكملات الغذائية الطبيعية للأرانب الح ...
- بقيت خواف: الذات الإنسانية وسط المخاوف الفطرية والبحث عن الت ...
- استخدام البروبيوتيك في أنظمة إنتاج الدواجن: طريقة مستدامة لت ...
- ابتسامة مُؤطّرة - A Framed Smile


المزيد.....




- من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل ...
- -لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ ...
- -في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش ...
- بابل الرقمية.. كيف أنهى الذكاء الاصطناعي حاجز اللغة في الاتص ...
- من فوضى الألوان !! ..
- مسئولون أمنيون إسرائيليون ينتقدون حديث نتنياهو عن تجاوز اللي ...
- الفلسطيني «يموت» والإسرائيلي «يُقتل».. كيف تصنع اللغة انحياز ...
- إِخْترْنَا لَك نصّ سِيريالى (حين صِرْت سُؤالاً) الشاعرمحمداب ...
- مصر.. فيديو فنانة استعراضية يُعتدى عليها بغرفة فندق والأمن ي ...
- فيلم وثائقي ساحر يكشف التفاوت المناخي في الخليج الفارسي  


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود سلامة محمود الهايشة - -الارتطام بجدار الجليد-… حين يتحول الحلم بالعدالة إلى كابوس وجودي