|
|
من دفتر اليوميات/محمود شقير61
محمود شقير
الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 16:30
المحور:
الادب والفن
السبت 8 / 12 / 2007 لم أذهب إلى عرس أحد الأقارب، (عرس في مثل هذا الطقس الماطر!) اعتذرت وأرسلت نقوطاً مع أحد أبناء العمومة. ذهبت إلى معرض الكتاب الذي تقيمه مكتبة "كل شيء" الحيفاوية في شارع الزهراء، في قاعة الفندق الوطني، التي سبق لي أن تناولت فيها طعام الغداء، في مناسبة عرس لابن أحد الأصدقاء. شيء رائع أن يقام في القدس معرض للكتاب، وأنا في الوقت نفسه مشفق على صالح عباسي، صاحب المكتبة والمعرض، خوفاً من قلة زبائن الكتب، ومن خسارة للمعرض وللمكتبة. اشتريت بضعة كتب، من بينها نسختان من رواية صديقي الكاتب ابراهيم نصر الله الموسومة ب "زمن الخيول البيضاء". اشتريت نسخة لي وأخرى للدكتور أحمد حرب، الذي أبدى استعداده للكتابة عنها، وللمشاركة في حفل توقيعها الذي سيقام في دار الشروق برام الله. كنت كتبت لإبراهيم بألا يرسل نسخة مهداة لي، ذلك أنني راغب في تشجيع المعرض وشراء الرواية من هناك. تعرفت إلى صالح عباسي وتحدثنا قليلاً عن رواية ابراهيم. تحدثنا قليلاً عن المعرض وعما فيه من كتب. وجدت فيه كتباً منوعة للكبار وللأطفال. وجدت في المعرض بعض أشخاص يتجولون هنا وهناك، وتلميذات من المدرسة المأمونية كما يبدو، يتصفحن كتباً ويتنقلن برشاقة في المكان. لم أطل المكوث في المعرض، لأنني ذهبت إلى رام الله، لحضور الاحتفال في مناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس مكتبة رام الله العامة. حضرت الاحتفال الذي حضره حوالي خمسين رجلاً وامرأة، وكان السفير المصري والسفير التونسي من ضمن الحاضرين. ألقيت كلمة في الاحتفال، ثم عدت إلى البيت بعد المساء. الطقس بارد هذه الليلة، وأنا حائر لكثرة الكتب التي يتعين علي أن أقرأها، والمزاج جيد، وأنا ما زلت أقرأ في كتاب "الجبل ضد البحر" لسليم تماري، والساعة الآن تقترب من الثالثة بعد منتصف الليل.
الخميس 13 / 12 / 2007 في تمام الواحدة ظهراً، كنت في صالة فندق الأميركان كولوني. ظهر إلياس صنبر فجأة قادماً من داخل الفندق، وكنا على موعد لتناول طعام الغداء. هذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها إلياس صنبر. كنت قرأت له نصوصاً سردية في مجلة الكرمل. ربما التقينا في مناسبات عامة (مؤتمر اتحاد الكتاب الفلسطينيين في الجزائر العام 1987 مثلاً) دون أن نتعارف. ذهبنا مشياً على الأقدام إلى مطعم الدولفين في حي الشيخ جراح. كان الشارع مكتظاً بالسيارات وبتلميذات مدرسة مجاورة. وكان الطقس عذباً والشمس مشرقة في الأعالي. على الغداء تحدثنا عن الأدب والكتابة والقراءة (كان المطعم شبه فارغ تقريباً، وهذا أمر مؤسف). حمل لي إلياس تحيات من فاروق مردم بيك، وأهديته نسخاً من بعض كتبي، وأهديت مثلها لفاروق، ثم افترقنا. ذهبت إلى شارع بيت لحم في القدس الغربية. بحثت هناك عن مكتب البريد. شرحت لموظفة المكتب كيف أنني أرسلت رسالة مسجلة إلى لندن ولم تصل (الرسالة وضعت فيها مائة دولار وأرسلتها إلى مارغريت أوبانك اشتراكاً سنوياً في مجلة بانيبال، وتلك مغامرة غير حميدة أملتها علي رواسب العقلية القدرية التي ما زالت تظهر لدي في بعض الأحيان). أعتقد أن أحد العاملين في البريد لطش المبلغ وأتلف الرسالة. عبأت طلباً حول الموضوع للنظر فيه، وغادرت البريد. أبقيت سيارتي هناك على رصيف الشارع، وكانت الساعة تقترب من الخامسة مساء. الطقس بارد بعض الشيء وثمة غيوم في السماء. قطعت شارع بيت لحم وصعدت إلى الشارع الموازي له، شارع الخليل. تمشيت هناك ما يقرب من أربعين دقيقة. كنت أثناء ذلك أتأمل البيوت القديمة المقامة على رصيف الشارع. إنها بيوت فلسطينية تركها أهلها مضطرين العام 1948 ثم تملكها اليهود القادمون من أوروبا وسكنوها. تأملت طابعها المعماري المميز وشبابيكها المستطيلة التي لها في أعلاها أقواس نصف دائرة أو أقواس على شكل هلال. مشيت في الشارع بحركة سريعة بعض الشيء. كنت أمارس رياضتي المفضلة، ولم يكن في الشارع مشاة كثيرون. بين الحين والآخر كنت أرى كهلاً يمشي ببطء أو امرأة تسير والهاتف النقال على أذنها، تتحدث مع شخص ما وتبتسم، وأنا أواصل سيري وأتلفت في كل اتجاه، كما لو أنني راغب في امتلاك المشهد كله مرة واحدة وإلى الأبد. ركبت سيارتي وعدت إلى البيت. البيت الذي لا يبعد سوى ثلاثة كيلومترات من شارع الخليل.
السبت 15 / 12 / 2007 ماتت أم حنا عميرة يوم الخميس ودفنت في القدس يوم الجمعة. ولم أعرف عن ذلك إلا مساء الجمعة، لأنني لا أقرأ الصحف إلا بعد يوم أو يومين من صدورها (في الصحف بالطبع توجد صفحة للوفيات). هاتفني نعيم الأشهب وأخبرني بموتها. ذهبت عصر هذا اليوم إلى دير مار الياس الواقع على الطريق إلى بيت لحم. هناك في قاعة الدير كان العزاء. وجدت حنا وأخوته هناك وعزيتهم بوفاة أمهم. تلك هي المرة الأولى التي أدخل فيها هذا الدير. قالت زوجة حنا: يوجد هنا مطعم أيضاً. أعجبتني فكرة وجود مطعم في هذا المكان الهادئ. جاء رجال ونساء إلى القاعة للتعزية في الفقيدة. لأول مرة أحضر عزاء تجتمع فيه النساء مع الرجال في مكان واحد. كان الأمر طبيعياً جداً، وهو تعبير عن موقف متحضر ولا يتكرر إلا قليلاً في بلادنا. تخيلت لو أن مثل هذه الظاهرة يبادر إليها أحد الأشخاص في السواحرة، حيث أقيم. سوف يشلّون عرضه في القيل والقال. كنا بادرنا قبل سنوات حينما مات عمي عمر في مكان إقامته في الأردن، إلى فتح بيت للعزاء هنا لمدة يومين بدلاً من ثلاثة أيام، ومن الساعة الثالثة بعد الظهر إلى التاسعة ليلاً، بدلاً من انتظار المعزين ابتداء من ساعات الصباح حتى العاشرة ليلاً. تعرضنا بسبب ذلك إلى نقد قاس من الجيران، باعتبار ذلك خروجاً على العادات المألوفة! من يجرؤ على تكرار ما فعله حنا عميرة في عزاء أمه، هنا في السواحرة، أقدم له وساماً. لكنني أجزم أن أحداً لن يجرؤ على ذلك من الآن وحتى خمسين سنة قادمة. أنا لن أجرؤ على ذلك أيضاً، لأنني من أكثر الناس تهيباً أمام سطوة العادات والتقاليد، للأسف الشديد!
الأحد 16 / 12 / 2007 غادرت البيت في الثانية عشرة ظهراً. ثمة دعوة لي على الغداء. الداعي هو نعيم الأشهب. قال لي إن ثمة مطعماً في حي المصرارة بالقدس، يقدم مشاوي شهية. وقال إنه يريد أن يتحدث معي في أمر ما. نعيم ما زال حتى اليوم متأثراً بطقوس العمل الحزبي السري. لم يشأ أن يفصح عن طبيعة الموضوع على الهاتف، وأنا لم ألح في السؤال احتراماً لهذا الحذر الذي أعهده فيه. اتفقنا على اللقاء في تمام الساعة الواحدة في المكتبة العلمية في شارع صلاح الدين. وصلت المكتبة في الواحدة وكان نعيم ينتظرني هناك. نعيم ما زال يتحلى بانضباط عجيب في مسألة الوقت، وكنت معنياً بالوصول إلى المكتبة في الوقت المحدد. سلمت عليه وعلى عماد منى صاحب المكتبة، ومضينا عبر شارع عمرو بن العاص إلى المطعم. مشينا دون استعجال وكان الطقس بارداً بعض الشيء. تحدثنا في أمور عابرة من هنا وهناك. دخلنا المطعم الذي يقع في نهاية شارع المصرارة. أكلنا لحوماً مشوية، وبدأ نعيم في عرض الموضوع الذي قال إنه سيتحدث معي فيه. قال إن الوضع السياسي في بلادنا شديد التدهور. قال إن ثمة تفككاً وانهياراً في بنية اليسار. اقترح علي أن نصدر صحيفة شهرية من النوع الذي يصدر على شكل ملاحق مع صحيفتي القدس والأيام. اقترح أن أتولى رئاسة تحرير هذه الصحيفة في شكل عمل تطوعي. قال إن ثمة من هو على استعداد لتمويل إصدار الصحيفة، أي دفع تكاليف الطباعة وما له علاقة بها. قال: لعل هذه الصحيفة تسهم في تعديل الوضع على نحو ما. قلت له إن هذه الفكرة جديرة بالتقدير وبالتفكير. قلت إنما ينبغي التشاور مع حزب الشعب ومع قوى وشخصيات ثقافية وسياسية أخرى، لكي تجد الفكرة من يدعمها ويساندها ويتحمس لها. قال إن هذا مؤكد، والباب سيكون مفتوحاً للجميع للكتابة في الصحيفة ولمساندتها. اتتهينا من تناول طعام الغداء. وعند باب المطعم افترقنا. عدت أذرع شوارع القدس، وكانت غيوم كثيفة تتجمع في السماء. أيقنت أن المطر قادم بعد لحظات. قطعت شارع الزهراء بسرعة. بدأ المطر يتساقط على شكل رذاذ خفيف. وصلت الكراج الذي ركنت سيارتي فيه. عدت إلى البيت وكان المطر يتساقط على الوتيرة نفسها. مطر خفيف في فصل شحيح الأمطار حتى الآن. وكنت طوال الطريق أفكر في أمر الصحيفة واليسار والوطن وهذا الانهيار الذي يطال كل شيء تقريباً في مجتمعنا المنكوب. يتبع...
#محمود_شقير (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير60
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير59
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير58
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير57
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير56
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير55
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير54
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير53
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير52
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير51
-
في بعض التجليات الثقافية الفلسطينية لعام 2025
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير50
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير49
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير48
-
من دفتر اليوميات/محمود شقير47
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير46
-
وارفة الظلال/ قصة الدكتورة روز اليوسف شعبان
-
عن أقمار الأديب فتحي فوراني الخضراء
-
صفحات من حيفا للدكتور خالد تركي
-
راحوا وما عادوا!؟ كتاب المراثي للدكتور نبيه القاسم
المزيد.....
-
من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل
...
-
-لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ
...
-
-في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش
...
-
بابل الرقمية.. كيف أنهى الذكاء الاصطناعي حاجز اللغة في الاتص
...
-
من فوضى الألوان !! ..
-
مسئولون أمنيون إسرائيليون ينتقدون حديث نتنياهو عن تجاوز اللي
...
-
الفلسطيني «يموت» والإسرائيلي «يُقتل».. كيف تصنع اللغة انحياز
...
-
إِخْترْنَا لَك نصّ سِيريالى (حين صِرْت سُؤالاً) الشاعرمحمداب
...
-
مصر.. فيديو فنانة استعراضية يُعتدى عليها بغرفة فندق والأمن ي
...
-
فيلم وثائقي ساحر يكشف التفاوت المناخي في الخليج الفارسي
المزيد.....
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|