احمد كانون
كاتب عقلاني حر
(Ahmed Kanoun)
الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 16:29
المحور:
الادب والفن
لا تزال تلك الصفعة المباغتة في أيامي المدرسية الأولى ترنّ في أذني كجرسِ إنذارٍ وجودي؛ حين طلبتُ ببراءة الطفل الذهاب إلى دورة المياه، فباغتتني المعلمة بضربةٍ قاسية على وجهي، متوهمةً -في سياق خروج من سبقوني- أنني أختلق ذريعةً للفرار من سجن الدرس!. لم تكن تلك مجرد حادثة طفولية عابرة، بل كانت التجلي الأول والأعنف لجدلية الاستلاب؛ حيث اصطدمت حاجتي الفطرية والبيولوجية بسلطةٍ عمياء لا ترى في الفرد إلا متغيراً شقياً يجب قمعه!.
منذ تلك اللحظة، استحال الصباح إلى مسرحٍ للرعب اليومي. صارت كل خطوةٍ نحو المدرسة مرتبطةً بانقباضاتٍ حادة وعنيفة في أمعائي، كتعبيرٍ فسيولوجي عن صراع البقاء. لقد تحول الخوف من صفعةٍ جديدة إلى قيدٍ بيولوجي شلّ فاعليتي كلياً؛ حتى بلغ الأمر بي ذات يوم أن تبرزت في ملابسي، مفضلاً احتمال وطأة الانكسار والخزي بصمت، على أن أرفع يدي مطالباً بأبسط حقوقي الطبيعية في استخدام دورة المياه؟. كان ذلك الاختيار اللاواعي هو الهزيمة الأولى للوكالة الذاتية؛ حيث يُجبر الجسد على معاقبة نفسه، ويكبت نداءه التطوري، لتفادي بطش السلطة الخارجية.
ولم تكتفِ السلطة بكسري صمتاً، بل مارست أبشع تجلياتها حين اكتشفت المعلمة ذاتها ما اقترفه خوفي. بدلاً من أن تستر هشاشة طفولتي وتتفهم دافعي، اتخذت من انكساري الفسيولوجي مسرحاً للتشهير. وقفت أمامي، تشير بسبابتها لتلفت انتباه زملائي، وتطلق عبارات الاستهجان والتقريع التي مزقت ما تبقى من كرامتي. في تلك اللحظة، لم تعد السلطة تكتفي بالردع الجسدي، بل انتقلت إلى ممارسة التوحش؛ مستخدمةً الفضيحة والإذلال العلني كأداة لترسيخ خضوع القطيع، وتحويل زملائي إلى جمهور متواطئ يشهد حفل إعدامٍ رمزي لكينونتي.
من هناك، من ذلك الفصل المدرسي، تخلّق معنى الاغتراب في الوطن؛ ليس كمسافةٍ نائية تفصل الجسد عن التراب، بل كانسحاقٍ مبكر للفاعلية أمام نسقٍ محكومٍ بعبثية الفوضى المنظمة. أن تعيش مستلباً يعني أن تتلقى صفعات السلطة المتتالية، وتُسحق تحت وطأة احتقارها، لتدرك النظام الضمني القمعي الذي يختبئ خلف عشوائيتها. هو أن تقف مجرداً من أدواتك، تحمل وعياً يراقب وطناً يُعاقبك على أشد حاجاتك الجسدية إلحاحاً، ثم يشهّر بضعفك الناجم عن قسوته، ليُحيلك من صانعٍ لواقعك إلى مجرد شاهدٍ صامت على تاريخٍ تُكبل فيه يداك.. وتُسلب فيه حتى سيادتك على جسدك وكرامتك.
#احمد_كانون (هاشتاغ)
Ahmed_Kanoun#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟