أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ولاء الصواف - خارج صندوق الحكايات قراءة في روايات عباس الحداد















المزيد.....


خارج صندوق الحكايات قراءة في روايات عباس الحداد


ولاء الصواف

الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 02:58
المحور: الادب والفن
    



«آهٍ يا ريم، اللعبة لم تنتهِ كما تصوّرنا.. لقد فقست لعبًا غريبة الملامح والألوان والرائحة». عباس الحداد، ريم وعيون الآخرين، رواية، دار الرواد المزدهرة للطباعة والنشر والتوزيع،2021، ط3 ص159.
«ما الذي تغيّر إذن، إذا بدأنا السير على خطوات من سبقونا نفسها، ونفعل أفعالهم، ونردّد كلماتهم؟». عباس الحداد، عصا الساحر، رواية، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، 2023، ص 27.
«وضحكتُ في سرّي، ولا أدري لِمَ ضحكت، فالأحداث التي مرّت بنا أكبر من أن أستوعبها في هذه الدقائق المعدودة، ووجدتُ نفسي عاريًا، عاجزًا، مخذولًا، فبدون الرفاق لا حياة لي. أنا ميت. أنا حيّ وسط الرفاق، قوتي من قوتهم، أنا حيّ بحياتهم، أنا قويّ برتبتي العسكرية التي يُحسب لها ألف حساب، أنا حيّ برجالي وقلوبهم القاسية، ويوم غاب الرجال، يوم تبخّروا كقيادتهم، أصبحت بلا سطوة، ولا سند، ولا أوامر تُنفَّذ بالتوّ واللحظة». عباس الحداد، فتاح فال، رواية، دار الحوار للنشر والتوزيع، 2022، ص 28.
«لقد كانوا خمسة رجال غلاظ القلوب، شداد الأبدان، ولشهر كامل تناوبوا على جسدي المنهك. كنتُ أنتقل من حضن إلى آخر بجسد ميت لا روح فيه، كخرقة بالية». عباس الحداد، عكاز إبليس، رواية، دار الصواف للطباعة والنشر، ط1، 2024، ص 118.
«يسحبونك كالشاة المعدّة للسلخ، تُعلَّق بكلّاب حديدي مغروس في سقف الغرفة العالي، وأنت مقيّد اليدين والرجلين، وفي ثوانٍ معدودة سيجعلك الحجّي ورفاقه تتمنّى الموت ولا تناله». عباس الحداد، بيت الجن، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، ط1، 2022، ص25.
محاولة الإمساك باللحظة التاريخية التي فكّكت بنية المجتمعات الساكنة بين فكّي الرحى؛ المجتمعات المحكومة بقبضة الأنظمة الدكتاتورية القمعية، التي أسهمت في عزلها عن العالم، وإضاعة فرصة مشاركتها في صناعة الحياة، وأرجأت إنتاج معنىً لها. هذه اللحظة هي نتاج فواعل ضاغطة على شعوب آمنت بضعفها، وأقرّت بجهلها، بوصفها صيرورةً في بناء حياتها. وتأتي في مقدّمتها سلطة الخوف بتمثّلاتها المختلفة، ففكرة الخوف أنتجت خطابًا وظّفت فيه الأنظمة كل إمكاناتها ليعبّرعنها بوضوح.
الأنظمة التي فشل نموذجها السلطوي في النهوض، وبناء مرتكزات حياة قائمة على العدالة الاجتماعية، تحوّلت إلى عنف غير مسيطر عليه. وقد بثّت خطاب الخوف بوصفه الأكثر تأثيرًا في الإنسان، والمحرك الشعوري الأقوى، والباثّ غير محدود القوى، منذ بدء الخلق حتى نهايته.
زرع مفهوم الخوف يُعدّ واحدًا من أنجع الطرق في الاستحواذ على مقدّرات الناس، والسير بهم ضمن توجّه واحد أُعدّ لهم مسبقًا.
تصدير فكرة الخوف واستثمار أدواتها لصالح سلطة نفوذها، بوصفها واحدة من المؤثرات الفاعلة في تكوين حالة الاغتراب الذاتي لدى الفرد المحكوم وفقها، كما أن وضع الحواجز الطائفية والفكرية والنفسية بينه وبين بقية أفراد المجتمع يجعله ينكفئ على ذاته، ويدخل في الغربة والاغتراب لعجزه عن فهم نفسه، وانهيار قدرته على مسايرة المجتمع ومحاولة التأثير فيه.
حزمة أزمات تبثّها هذه الأنظمة بكل ما يمكنه تقويض أسس بناء شخصية الفرد، وإثارة نقاط الضعف الكامنة فيه، واستلاب قدرته على إنتاج فعل مضاد، مما يؤدي إلى تمسّكه بالسلطة، أو المذهب، أو القبيلة، لدرء الخطر عنه.
وهذه فكرة حنّة آرنت ((السيرة الذاتية: "حنّة آرنت" للكاتب الألماني توماس ماير )وهو عالم سياسي وصحفي ومؤلف، يهتم اهتمامًا عميقًا بالنظرية السياسية والديمقراطية وتاريخ الأفكار(، ترجمة: د. ريهام سالم، )دكتوراه في الأدب الألماني والمقارن من جامعة مونستر بألمانيا(. الكتب خان للنشر والتوزيع، القاهرة – جمهورية مصر العربية ، في كتابها الأشهر «أصول الشمولية»، أو «عناصر وأصول الحكم الشمولي» في ترجمته العربية، حيث تؤكد أن الأنظمة الشمولية ليست مجرد دكتاتورية سياسية فحسب، بل هي نظام يدمّر الحرية الإنسانية والفردية.
الأنظمة الدكتاتورية الفاعلة في العالم العربي، ربيبات الخطاب الكولونيالي، وإن ادّعت غير ذلك، وإن لم تتمثّل هذا الخطاب بالكامل، فهي تمارس الخطاب نفسه، وبالآليات ذاتها، والهدف مشابه إلى حدٍّ بعيد، وحتى استخدام عسكرة المجتمع والاحتلال الداخلي. وربما اللغة وحدها هي الفارق، مع محاولة طمس هوية مجتمع ومكوّن خاص، واستبداله بهوية أخرى مختلفة، وحتى اعتماد ثقافة غير تلك التي نسجها السلوك البشري عبر قرون خلت.
وكتعبير حقيقي عن انهيار الإنسان ودخوله مرحلة حياتية حرجة نتيجة المتغيرات الكبرى الحاصلة في العالم، خاصة وأن قفا السلطة يضغط بقوة على أنفه، تجري تعبئته بخطاب موجّه يأخذ على عاتقه مهمة إرساء أسس التشبث بها، والإيمان والتصديق بخياراتها بوصفها تمتلك وحدانيتها؛ فلا شيء قبلها ولا بعدها.
وفي سياق سعيها للهيمنة على مقدّرات الناس، ومحاولة الاستحواذ على مكتسباتها في القهر السياسي والإبقاء عليها، واحتكار الحقيقة وتوظيفها لصالحها، ومنع المعارضة السياسية من إنتاج الوعي المضاد وبناء ركيزة معرفية قادرة على تحصين المجتمع للوقوف بوجه القمع والاستبداد، تأتي بقوى منفّذة لأجنداتها تنطلق من فرضية مركزية مفادها أن إنتاج عدو خارجي أو داخلي كفيل بصناعة توتر في البنية المجتمعية، يؤدي إلى ضعف العلاقة بين الأفراد، وضياع المرتكزات الأساسية في التأثير. فيجري تفكيك الخطاب الفكري لفئة من المجتمع تختلف مع الطبقة الحاكمة أيديولوجيًا وتسعى إلى استلام السلطة منها، لأنها تملك وعيًا متقدّمًا ـ حسب مفهومها ـ قادرًا على التغيير نحو الأفضل، مع اعتبار نمط تفكير هذه الجماعات غير مستساغ، وقد يؤدي إلى عصيان تتّسع مساحته بين حين وآخر، ليتحوّل الصراع فيما بعد إلى نزعة تعالٍ طبقي مع جمهور يستند إلى خلفية تاريخية بارزة ومؤثرة في الحياة العامة، وأخرى حديثة التكوين تمتلك شروط السلطة لكنها لا تمتلك مواصفات الحوار الحضاري.
القاص والروائي والسجين السياسي (عباس الحداد) استهوته فكرة الصراع السياسي والانتماء الأيديولوجي لحزب رآه يمتلك صفات العدالة الاجتماعية، وفق مفهومه الفكري، وعدم التمييز بين البشر في مفرداته النظرية والعملية، منذ وقت مبكر من حياته. فتبنّى خطاب المعارضة وهو في مقتبل العمر، ونتيجة ما لمسه عيانًا من اضطهاد سياسي، وصراع طبقي، وفرض هيمنة غير محدودة الإمكانات بأشكالها كافة، جميعها تنصبّ على رؤوس الفئة الكادحة من أفراد المجتمع، حيث الفقد والتغييب لهما دلالة واضحة في تكريس فعل الموت لكل من لا ينصاع لأوامر السلطة، أو لا يكون أذنًا صاغية لخطابها القمعي، وإن استخدمت مفهوم القوة الناعمة في بعض مفاصلها لتمرير خطابها.
«لو أن الآنسة كهرمانة تكرّمت، وحضرت اليوم بلحمها وشحمها وأفكارها، ورأت ما يفعله الأستاذ ورفاقه الأشاوس، تُرى كم من الجرار والسمن الحار والوقت تحتاج لتنهي مهمتها العسيرة؟» رواية «ريم وعيون الآخرين»، ص40.
الروائي هو الرائي الذي آمن بالفكرة وعبّر عنها بوضوح، فأرسله الطغاة إلى ما وراء القضبان، تلك التي أطلقت مخيّلته للتعبير عمّا آمن به من قدرة الناس على التغيير، وبثّ روح التمرّد، وخلع ثوب الاستكانة والخضوع، وصناعة الجمال بأوسع مداه. إذ تنثال الكلمات بوعيه الحادّ لتمثيل حالات المختلف مع السلطة في أعلى تجلياتها.
جاءت الروايات وهي تتبنّى هذه المنظومة الفكرية حتى أصبحت ملاصقة لها كتابيًا، وتراها واضحة المعالم فيها.
وحين نتأمل نصوصه السردية نلمس الضغط النفسي المسلّط عليه من قبل الذات الرائية، والمحيط الواقع تحت أسر العنف ـ بسبب الانتماء المغاير للأفكار ـ لتمثيل الضغط المجتمعي.
الروائي ينزع إلى بث فكرة مواجهة الذات، للوصول إلى الوعي الجمعي الذي يفرض نمطًا من السلوك يتقاطع مع خطاب الأنظمة القمعية الحاكمة، ويعمل على تقويضه.
دهشة الحكايات التي وُلدت من العنف والاضطهاد والقهر السياسي، ومن الانتماء إلى أرض طلع نخيلها حكايا، أنتجت روايات: «عشاق المدينة»، و«ريم وعيون الآخرين»، و«عصا الساحر»، و«بيت الجن»، و«فتّاح فال»، و«عكاز إبليس»، وغيرها.
فكّر بوضوح، فآمن بأن الحرية التي وُلدت في السجن ستنمو في سردياته، وستخلق عوالم من الدهشة أنتجت القدرة على تجاوز العديد من المطبّات والعوائق.
الروائي، مع احتفاظه بخطاب الأيديولوجيا الذي يتمثّله بوصفه خطابًا معرفيًا، ومع ما يكتنزه من مرارات ضرب اليسار العراقي على مراحل مختلفة من تاريخ نشوئه، كان لذلك الأثر الواضح في سردياته.
تنوعت ثيمات الروايات بحيث غطّت مساحة واسعة من الحياة العراقية بمختلف تجلياتها وتنوعاتها العرقية والمذهبية والإثنية. عاش مع شخوصه في الهامش المهمل، ففي معظم سردياته يجنح إلى إبراز شخصية المواطن المقهور سياسيًا أو اقتصاديًا أو مجتمعيًا، ثقافيًا أو جندريًا أو معرفيًا، وما إلى ذلك من أنواع القهر المبتكر من قبل الأنظمة القمعية الحاكمة.
تنوعت عوامل الضغط على مجمل شخوص الروايات بين السلطتين السياسية والفقهية، غير أن النتائج جاءت متطابقة في التأثير على السلوك البشري، فهي تُبنى على ضعف الآخر، ومع ميل الإنسان إلى الاستقرار والثبات يتم سحبه للعيش في الماضي على افتراض استقراره.
المتلقي بحاجة إلى فهم أعمق في كيفية صناعة الشخصية وبناء الذات، فالشخصيات المحورية تبدو متماسكة في ظاهرها، غير أنها مأزومة باطنيًا. شبكة علاقات تؤدي إلى نسيج روائي هو مثال الحال العراقي المعاش، غير واضح المعالم في أغلب وجوهه.
فمن معاناة أزمة الانتماء المذهبي والقبلي، مع ما تفرضه من قيم وممارسات، والخوف من فقدان المكتسبات القديمة والاندماج في حالة جديدة، يُرى ذلك بوصفه فقدانًا للاستقرار والدخول في المبهم الجديد والمغامرة المفروضة بقوة الممارسة.
قراءات متنوعة في تجربة الحداد السردية أفرزت العديد من المعطيات، كاشفة عن الأنساق المضمرة في نصوصه السردية. ويبقى السؤال عالقًا في فضاء الحدث عن إمكانية الأنظمة الحاكمة المتتالية، بتنوعها الأيديولوجي، في استثمار المدّ الغيبي وإظهار تأثيره على طبقة واسعة من المجتمع، مستثمرة «الجهل المقدّس» في بيئة لا تسمح بوضع نصوص الكهنة الفقهية على طاولة التشريح، فهي غير قابلة للنقد، والمحاولة فيها تؤدي إلى ارتباك في الفهم وتحجيم الوعي، و«بما أن كل فكرة غير قابلة للنقد هي فكرة استبدادية»، فإن تنازع مفهوم الفكرة بين القبول والمنع يؤدي حتمًا إلى التكفير ومن ثم القتل.
وكنتيجة حتمية لتآزر السلطة الحاكمة مع السلطة الكهنوتية المؤيدة لها، يتوفّر الجهل والاستسلام للأمر الواقع. وعلى حدّ فكرة كارل ماركس التي ترى أن: «لولا الجهل لجاع الكهنة وسقط الطغاة»، وهو تعبير واقعي عن هذه التفصيلة من الحياة.
قرون من الهيمنة الكهنوتية على الوعي الجمعي وتسييره وفق بروباغندا معدّة مسبقًا عن طريق النص الفقهي لهذا الغرض، وإعطاء وظيفة للدين غير تلك الموكلة له، خوفًا من تفكيك مقولاتهم الفقهية التي تعتمد الغيبيات غير المستندة إلى الحقائق، والتي تكون غير ناهضة أمام الأسئلة النقدية.
الانغماس في التابعية والاقتناع بالسكن في الهامش أدّيا إلى ركود العقل، ومن ثم تعطيل الحواس، فأصبح الدين الفقهي يتحدث بالنيابة عنه أمرًا مفروغًا منه، يهزّ النماذج التقليدية في التفكير.
الإدارة الكهنوتية، وبسبب فشل سلطتها الروحية، وإيغالها في الغيبيات، ومحاولة إدخال المجتمع في منظومة فكرية أو عالم غير واضح المعالم، وعليهم الإيمان به وتصديقه: «القوانين التي استلّوها من رفوف الحقد المبشّرة بالكفر واللعنة والرجم وقطع الرؤوس، فسالت الدماء، وتعفّنت الجثث على المزابل، وسُرق التاريخ والنفائس، كما سُرقت راحة الناس الآمنة». رواية «فتّاح فال»، ص69.
من جرّاء التبعية لطيف واسع من المجتمع لهذه المؤسسة، التي تجعل من مؤيديها يلتزمون الصمت إزاء ما يحصل، أو يعيدون التفكير في كينونتها، فإما التسليم على العلّات، أو الرجوع إلى نقطة الأصل في إدراك وفهم الدين. وبسبب الاختلاف المذهبي وسياسة التكفير القائمة على قدم وساق، أعطت لهم الحق في منح صلاحية السكن المجاني في الجنة أو النار.
محاولة الجماعات التكفيرية ليّ عنق النصوص الفقهية لتتجاوب مع الحاضر، وإصدار أحكام حسب ما تمليه، وحسب آراء الفقهاء وممارسات المؤسسة المفسّرة والشارحة لنصوصهم، والعاملة على تجهيل الطبقات ضمانًا لبقائها، تعمل على تضييق مساحة النقد للوصول إلى فكرة المقدّس غير القابل للنقد. فالقوانين والأعراف والتقاليد الحاكمة في كل بيئة تؤثر سلبًا أو إيجابًا في نمط الحياة، وتفعل في النفوس بطرق مختلفة، وبالتالي تنتج مجتمعًا خائفًا لا يستطيع أن يوجّه نقدًا تجاه هذه المؤسسات، وإن استخدمت ظاهرًا القوة الناعمة، غير أنها في نسقها المضمر تحاول الاستحواذ على كل ممكنات شعبها والشعوب الأخرى المؤثرة فيها.
لذا فإن السلطة، أيًّا كانت، حين توجّه خطابًا معينًا إلى المجتمع تصفه بعدة صفات، وتركّز في إدامة هذه الصفات، فما يلبث المجتمع أن يتحلّى بها عن طريق التركيز.
العيش وفق مفهوم العصبية القبلية والفهم الناقص للأحداث، ودعوة الفرد للعيش في أحضان الأساطير والخرافات والابتعاد عن المعرفة، وتحجيم العقل البشري عند حدوده الدنيا لمنعه من نيل الوعي، إذ تنطلق من مبدأ: «إذا أفاقت الأمة وانتهى الجهل انتهت اللعبة»، وبالتالي سهولة انقياده والوصول به إلى الغايات المطلوبة.
الفرد اليوم أمام انهيار المرجعيات التقليدية وخلخلة الثوابت غير المستقرة أصلًا، فهو جادّ في البحث عن معنى جديد، ومحاولة الكشف عن الطبقات المقهورة في بنية المجتمع وطبيعة علاقتها مع بعضها وسلوكها تجاه الضغط السلطوي وطرق مقاومتها. وبالتالي يمكن التقاط ثيمة للرواية تنطلق من هذه الطبقة، وهذا غير ممكن ـ كما أراه ـ إلا بتوفر عنصر المشاركة الحياتية مع هذه الطبقات، فالروائي هو ابن هذه الإفرازات المجتمعية والبنى الحياتية، وبالتالي تتخذ الكتابة مسارها الدقيق في وصف الأحداث.
«لقد تعبت الناس من الكلمات الرنانة، والحروب الخاسرة، والحصار، وثلث الشعب جائع، وثلث بلا مأوى، وثلث في المنافي والسجون والجبال، واعتقالات وهتك أعراض ومقابر جماعية، وأسلحة كيمياوية وصراخ ووعيد وو....» رواية «ريم وعيون الآخرين»، ص138.
فمن الممكن إعادة تشكيل وعي المجتمع وفق أسس بناء صحيحة، متجاوزةً الخلل الكبير الذي أحدثته الانتهاكات المستمرة من قبل القوى المسلطة الداخلية أو الخارجية في تغييب الهوية الوطنية، وفرض خطاب له سمات محددة أوجد نمطًا اجتماعيًا لتجمع بشري يمتاز بالعاطفة المفرطة، والتمذهب المفرط، والسلوك المتغير آنيًا، وهذا ما أورده عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي في سياق دراسته لطبيعة المجتمع العراقي.
النزعة إلى تقويض المنظومة الفكرية للآخر هي الفاعلة؛ فتشكّل خطاب المعارضة يُنتج أفكارًا مضادة لخطاب السلطة المستبدة، يرى مناصروه أنه يسعى إلى تحقيق مبدأ فكري سامٍ يقف في خدمة المجتمع، وبناء أسس قوية لنظام لا ينظر بعين التفرقة إلى أحد، مع تقديم أنموذج مغاير لنموذج السلطة الحاكمة يمتلك قدرة النهوض أمام الأسئلة، ويكون قادرًا وفاعلًا في إنتاج معنى يوازيه في القوة ويعاكسه في الاتجاه، ويقوم بالتشكيك وإظهار الفجوات في خطاب السلطة، وإبراز الهيمنة المفروضة على الشعب.
«دوّامة الموت التي أحرقت الأخضر واليابس، وأدخلت العالم في نفق لا ينتهي، والأيام السود التي أشعلت الحرائق في قلوب الناس الآمنة، ليست بعيدة عن ذاكرة الناس وعيونهم وآذانهم وضمائرهم». «عكاز إبليس»، ص19.
في سردياته نلحظ القدرة على التكثيف وبثّ الحالة الشعورية بكامل انبعاثها؛ إذ تمتلك القدرة على التقاط اللحظة الهاربة التي يستفيق فيها الشعور، ويحرّك ما هو ساكن في الذات البشرية. وربما هي نظرة عابرة، غير أنها محتشدة بالحس الإنساني.
«الهتاف ضد الباطل لشهور، وقطع الشوارع، وحرق الإطارات، وتلقّي العصي والغازات المسيلة للدموع، لا تطرد بعوضة ضعيفة، فكيف إذا كان المقابل غولًا لا يجيد إلا استعمال يديه القويتين». «بيت الجن»، ص10.
الروائي الحداد من النخبة القادرة على إحداث فعل التغيير؛ إذ شغله البحث عن جوهر القيم في الطبيعة البشرية. فكل تجمّع بشري له خصائصه الثقافية وتكوينه الاجتماعي، وبالتالي فإن الاختلاف في توجيه زاوية النظر إلى الأحداث المختلفة أمر نسبي. لذا كان هذا التنوع في شخوص الحداد الروائية مبنيًا على قدرته في اقتناص المختلف، فالأحداث السياسية والاجتماعية والأخلاقية والمعرفية تصنعها الظروف الحاكمة بسبب نسبية مفهوم الاختلاف، وبوصفه جزءًا لا يتجزأ من المنظومة الحياتية.
سرود تنطوي على مساحة كبيرة من الأسئلة المبثوثة في ثناياها، أطلقت أنموذجًا للفكرة المكبوتة داخل العقل الإنساني.
المنظومة الفكرية لليسار العراقي ما زالت تحتفظ بثباتها وبأطرها التنظيمية أو السياقية المنتجة لها، غير أنها تستوجب قراءة المتغيرات الكبرى الحاصلة على أرض الواقع. فمحاولة العيش في المثل العليا دون قراءة الواقع، والعمل على تهذيبه وتشذيبه من الأدران المتغلغلة فيه، يمنع الزلل والانزياح تجاه النقاط الحرجة في الفكر، خاصة وأن المنظومة العربية، وفق سياقات تشكّلها وتوجهها الفكري والإيماني، وظروف عيشها وتخلفها الطويل نتيجة الاحتلالات المتكررة لها، حازت على التخوف في استقبال الأفكار الواردة من الآخر، إلا إذا كانت متوافقة معها في حالات كثيرة.
ومع شيوع مفهوم أن كل شيء خاضع للسيولة، فإن المعرفة متغيرة بوصفها خاضعة لشروط الواقع، والمنظومة الفكرية لا تبقى ساكنة عند حدّ معين، بل هي قابلة للتطور؛ لكونها لا تعمل بمفردها، بل ترتبط بالبنى الأخرى المتغيرة.
نلحظ أن سرديات الحداد تمتاز بهذه المرونة والقدرة على قراءة الواقع وفق متغيراته الجديدة، مما أنتج سردًا يتمتع بالأصول الفكرية مع القدرة على تجاوز الثابت والخروج من وهم الثبات. فالتحولات الحاصلة تفترض عدم الثبات، إذ إن التطور الإيجابي أو الارتداد العكسي هو نتيجة عمل هذه المتغيرات والمسببات التي أدت إلى نشوء تلك التحولات.
حتى الأفكار الراديكالية لم تعد تحظى بصلابتها السابقة، أو تعمل وفق مفهوم التغيير الجذري، بل تحولت إلى التغيير الجزئي لبعض المفاصل، وإن كانت في مواقف عدّة تتمسك بأصولها، كما في النزعات الدينية أو القومية أو الثورية.
القوى التقليدية ذات السمة السلفية تحاول سحب المجتمع إلى الماضي والعيش وفق أحوال تلك الحقب، ووجدت لها قاعدة جماهيرية تؤمن بهذا التوجه، بينما يرى الجزء الآخر استحالة هذا الفعل، خاصة وأن الثورة المعلوماتية أدت إلى انهيار المفاهيم وزحزحة ما يسمى بالثوابت، وكشفت زيف التاريخ في إقرار صدق المرويات وسنن الحياة.
تجربة عباس الحداد السردية حاولت الدخول في دهشة التغيير، وتجاوز فكرة الموروث بحالته الصلبة. ولأجل الإحاطة الجزئية ببعض الفواعل التي أحدثت فعلها في ثنايا نصوص الحداد الإبداعية، أُنتجت جملة من القراءات النقدية التي دارت بشأنها، وأفرزت العديد من المعطيات الكاشفة عن الأنساق المضمرة في نصوصه. هو الذي يحمل في داخله دلائل الحس العاطفي والشعور الإنساني العالي، يقول: «وطنك حيث تحبّ وتعشق». رواية «عكاز إبليس»، ص170.



#ولاء_الصواف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وهمُ ثباتِ الثابت أو القادمون من تحت ظلال النخيل قراءة في رو ...
- عين زرقاء لامعة أو الكتابة بعقل محتل/ بعقل مختل قراءة في ...
- امرأة للبيع أو خطاب الأنوثة المستلبة في رواية (ضوء داكن) للر ...
- خطاب النار في حين طار الغراب
- سؤال الغربة والاغتراب في رواية (ولتأتِ مبكراً) للكاتبة سار ...
- ... فثمةَ سؤال ... سؤال الوجود .. سؤال العدم .. الإجابة المؤ ...
- (ربيع وشتاء) قوارب المطاط وخطاب ما بعد الكولونيالية
- الفزاعة
- حدّثنا القمرقال
- كاميكاز-العودة صعودا الى المتن المبارك
- اخبار السواد السعيد
- كي (لا) يفترسك الرصاص
- ذئبك وهم..يا يوسف .. وذئبنا انسان
- ما دوَنته شهرزاد على كفن شهريار


المزيد.....




- متحدث الخارجية الإيرانية: لا ينبغي لأي من الأطراف الغربية اس ...
- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟
- حاتم علي.. المخرج الذي انحاز للإنسان خلف الصورة
- لبنان يستنكر هجمات إسرائيلية ألحقت أضرارا بمواقع تراثية
- السينما بوصفها مساحة لنقل الصورة.. دبلوم لتأهيل صانعات أفلام ...
- يوم أفريقيا 2026.. هل أنجزت القارة تحررها حقا؟
- السيد مجتبى الخامنئي: على نواب الأمة التعاون مع الحكومة من أ ...
- ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب ...
- 7نصوص هايكو(حنين) مترجمة للفرنسية :الشاعرالسيريالى محمدعقدة. ...
- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ولاء الصواف - خارج صندوق الحكايات قراءة في روايات عباس الحداد