أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - مجرد فضفضة














المزيد.....

مجرد فضفضة


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 00:12
المحور: الادب والفن
    


في چبايشِ الروح
كان فوجُنا الثالثُ يعسكرُ
في أهوارٍ جفَّ ماؤها
حتى صار القصبُ يابسًا
مثل أصابعِ الجنود.
كان كاظم صمونة
يفتّشُ في قدورِ المطبخ العسكري
عن بقايا صمونٍ بارد
لم تمتد إليه الأيدي،
كي يحملهُ إلى أمّه
مثل غنيمةِ حربٍ صغيرة.

كنّت أغني:
"رضينا بكل سنة نزورج يالگبور"
كأنّ القبورَ صارت أهلًا
وكأنّ الحياةَ إجازةٌ قصيرة
بين موتين.

وفي نقلةٍ شتائية
سرنا قرب نهرٍ خافت
يشبهُ جرحًا مفتوحًا في الطين،
وهناك
رأيتُ فتاةً
تغمسُ ساقها الموشومة بالشامات
في الماء البارد.
كانت الشمسُ تتكسّرُ على جلدها
مثل ذهبٍ فقير،
وكان الرصاصُ قريبًا
لكنّها لم تلتفت.

لاحقًا فقط
عرفتُ أنّها لا تسمع.

وجاء صوتُ اللاسلكي مرتبكًا:
(تعرضٌ مجهول يقترب من الفوج)
لكنني
لم أتناول بندقيتي.
كنتُ أقتربُ من النهر،
من المشجب،
من القصب العالي،
من وجهها
وهو يلاعبُ شمس الشتاء
ببراءةٍ لا تخصُّ هذا العالم.

يومها
تذكّرتُ فجأةً
قصة المأذنة لمحمد خضير
وكنتُ أدندنُ بصوتٍ خفيض:
"وبچينا على العزيز بعين ناطور…"
حتى جاءني العريف جبار
وهو يحمل بندقيتي كأنها طفلٌ ضائع.
لم أبالِ.
أملتُ القصبَ العالي،
بحثتُ عنها،
لكنني لم أرَ
غير فخذٍ قرب الماء
وشاماتٍ
تطفو على سطح النهر..
هكذا..

وكان صوتُ كريم منصور
يذبحُ القلب:
"خطية الطير
بس يمرّ على الناس غفلة
وتشوف جناحه مكسور…"

بعدها بشهور
تسرّح كاظم صمونة
بخدمةٍ حسنة،
وكان يبكي.
سأله النقيب جابر:
ـ ليش تبچي؟
قال وهو يمسح دموعه:
ـ راح أشتاق لصمون الجيش…
فضحك الجميع،
إلا الحزن
ظلَّ واقفًا قرب الباب.

ثم انتقلنا
إلى حيثُ اللاهور،
ولم يبقَ من الهور
إلا البعوض
ونائبُ ضابطٍ اسمه سويلم
يكذبُ علينا كل ليلة
ويقول إنه هرب يومًا
من صولات كريم ماهود.
كنّا نعرف كذبه،
لكننا نتركه يحكي،
لأن الكذب أحيانًا
أرحمُ من الحقيقة.
وكنت أغني:
"مدام الزمن دافني وأنا حي
أخاف ليش بعد من المنية…"

أما أنا
فلم أتسرّح
إلا بعد خرابٍ طويل.
اتهموني
بأنني أبيع الذخيرة للمعارضة،
وساقوني إلى المحكمة.
قال لي ضابطٌ مثقف
كان يقرأ لعبد الخالق الركابي:
ـ «مثل دور المجنون…
النجاة أحيانًا تحتاج بعض الجنون».
مثّلتُ جيدًا،
لكنّ الهزيمة
كانت أذكى مني.
ثم خرجتُ بالعفو
عام ألفين وواحد،
أجرُّ عمري
مثل عربةٍ مكسورة.
وكانت البساتينُ يومها
يتيمةً من النوح،
لا عصافير فيها
ولا تسابيح.
وتذكّرتُ شقة الكواز
في أيام الجامعة.
كنّا شبابًا
نغضب بسرعة،
ونسكر بسرعة،
ونغنّي كأن العالم
لن يشيخ أبدًا.
كنتُ أغنّي لهم
قبل أن يخرب صوتي
بدخان السكائر
والعرق المغشوش.
وكنتُ أغني:
"اللي يغني جروحه كذّاب…"
فتفتح هيفاء
نافذتها المقابلة،
وتطلب المزيد.
وأنا
لا أطلبُ من الدنيا
إلا جناحًا أطير به.
يا هيفاء…
لو رأيتِني الآن
بكل هذا التعب،
بالتجاعيد التي حفرتها الحروب
حول عينيّ،
بالصوت الذي صار يشبه
بابًا صدئًا في آخر الليل…
لما عرفتِ
أن هذا الرجل
كان يومًا
يغنّي.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأسبقية العراقية
- هيو إيفريت الثالث: الرجل الذي حوّل الاحتمال إلى عوالم كاملة
- المشكلة العراقية: سماء الآخر ومظلة الوطن
- العقل والعالم
- من مركزية الإنسان إلى تفكيك الذات
- “علي” في تاريخ الحكم في العراق
- إنسان ما بعد الحداثة: قراءة في كتاب الدكتور أحمد جعيب كاظم.
- النقد بين ثقافتين
- في اليوم العالمي للكتاب
- عطسة تشرشل
- المخابرات العراقية / شهادة منقوصة
- أنا والبحرين
- ريلكه / شاعر العدم وإشراقات الوجود الخاطفة
- شئ عن التاريخ
- اختراع اللغة العبرية
- اسمي رياض
- العدوى المقدسة
- عن مفصل جواد علي
- كتابات نشأة الإسلام
- نقد الذوق الجمعي عند نيتشه


المزيد.....




- متحدث الخارجية الإيرانية: لا ينبغي لأي من الأطراف الغربية اس ...
- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟
- حاتم علي.. المخرج الذي انحاز للإنسان خلف الصورة
- لبنان يستنكر هجمات إسرائيلية ألحقت أضرارا بمواقع تراثية
- السينما بوصفها مساحة لنقل الصورة.. دبلوم لتأهيل صانعات أفلام ...
- يوم أفريقيا 2026.. هل أنجزت القارة تحررها حقا؟
- السيد مجتبى الخامنئي: على نواب الأمة التعاون مع الحكومة من أ ...
- ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب ...
- 7نصوص هايكو(حنين) مترجمة للفرنسية :الشاعرالسيريالى محمدعقدة. ...
- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - مجرد فضفضة