أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عضيد جواد الخميسي - أدب بلاد الرافدين من أقدم أعمال الخيال















المزيد.....


أدب بلاد الرافدين من أقدم أعمال الخيال


عضيد جواد الخميسي

الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 18:03
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تطور الأدب الرافديني القديم حوالي عام 2600 قبل الميلاد بعد أن بدأ الكتّاب الذين كانوا في السابق مجرد نسّاخ، بتأليف أعمال أصلية في بلاد سومر . وقد اخترع السومريون الكتابة حوالي عام 3600/3500 قبل الميلاد، وحسّنوا الخط حوالي عام 3200 قبل الميلاد، وربما بدأ الكتّاب بتأليف أعمالهم الخاصة قبل حوالي عام 2600 قبل الميلاد، إلا أن هذا الأمر غير واضح تماماً .
نشأت الكتابة استجابةً لحاجة التواصل عبر مسافات طويلة في التجارة ، وانصبّ تركيزها في البداية على الجوانب العملية البحتة لحفظ السجلات. حيث دوّن الكتّاب في بلاد الرافدين القديمة تفاصيل البضائع التجارية التي شُحنت إلى وجهاتها، ومقدار كميتها واحتساب كلفتها، والغرض منها . ومع مرور الوقت، تطورت الكتابة المسمارية البدائية إلى الكتابة المسمارية التي تتألف من 600 حرف، مما أتاح حرية أكبر في التعبير والتصرّف، وبذلك أصبح الكتّاب مسؤولين عن تدوين نصوص عهود الملوك ومنجزاتهم، إلى جانب أعمال أخرى مثل المستندات القانونية.
بمجرد أن بدأ الكتّاب السومريون الكتابة؛ أخذوا يبدعون في مؤلفات يُصنفها العلماء المعاصرون على أنها شعر، وأدب حكمة، وأساطير ، وروايات تاريخية، وحكايات شعبية، وتعاويذ، وأناشيد، وصلوات، وخواطر، وقصص تربوية، وملاحم مثل أقدم نسخة من ملحمة گلگامش التي أعاد صياغتها لاحقاً الكاتب البابلي شين ليقي أونيني بين عامي 1300 و1000 قبل الميلاد . كما استُبدلت اللغة السومرية باللغة الأكدية بعد عام 2334 قبل الميلاد، وبدأ المؤلفون والكتّاب باستخدام اللغة المسمارية الأكدية، التي تبناها وطورها البابليون و الكاشيون والآشوريون وغيرهم .
في هذه المقالة؛ سيتم التركيز فقط على الأعمال التخيلية في أدب بلاد الرافدين، والتي تشمل نخبة من الشعر الديني، حيث توصف أقوال وأفعال الآلهة من خلال أساليب شعرية وصور مُتخيلة. وقد تطورت هذه الأعمال عبر الفترات التالية من تاريخ بلاد الرافدين (علماً أننا لم نتطرق إلى العهدين الحثّي والكاشي في هذه المقالة؛ لضيق مساحة النشر) :
العهد السلالي المبكر: من حوالي عام 2900 إلى حوالي عام 2350/2334 قبل الميلاد .
العهد الأكدي : من حوالي عام 2350/2334 إلى حوالي عام 2154 قبل الميلاد .
العهد الأوري ( نسبة إلى أور) الثالث : من حوالي عام 2112 إلى حوالي عام 2004 قبل الميلاد .
العهد البابلي القديم : من حوالي عام 1894 إلى حوالي عام 1595 قبل الميلاد .
العهد الحثّي : من حوالي عام 1700 إلى حوالي عام 1200 قبل الميلاد .
العهد الكاشي : من حوالي عام 1595 إلى حوالي عام 1155 قبل الميلاد .
العهد الآشوري : من حوالي عام 1307 إلى حوالي عام 912 قبل الميلاد .
العهد الآشوري الجديد : من حوالي عام 912 إلى حوالي عام 612 قبل الميلاد .
العهد البابلي الجديد : من حوالي عام 626 إلى حوالي عام 539 قبل الميلاد .

الأدب السومري
يؤكد البروفيسور جيريمي بلاك في مؤلفاته العديدة حول موضوع الأدب السومري؛ في أنه لا يمكن تحديد تاريخ دقيق له ؛ نظراً لافتقار العديد من النصوص إلى مراجع تاريخية موضوعية. مع ذلك يُعتقد وبشكل عام؛أن الكُتّاب السومريين بدأوا بتأليف نصوص أدبية أصلية حوالي عام 2600 قبل الميلاد.
عادة ما تُؤرخ مجموعة نصوص" وصايا شوروباگ" (المعروفة أيضاً باسم "وصايا شوروباك ") وهي أقدم عمل فلسفي موجود؛ إلى حوالي عام 2000 قبل الميلاد، ولكن حسب بعض العلماء، فإنه يعود إلى حوالي عام 2600 قبل الميلاد، مما جعله أقدم عمل مُدوّن موجود في العالم إلى جانب ترنيمة معبد كيش ، التي يعود تاريخها أيضاً إلى حوالي عام 2600 قبل الميلاد .
تتوفر ألواحاً مجزّأة لأعمال أخرى تعود إلى الفترة نفسها ؛ دليلاً على قيام الكتّاب بنسخ مؤلفات أصلية. وبحلول عام 2150 قبل الميلاد تقريباً، ترسّخت الأعمال الأدبية في بلاد سومر من خلال الشعر، بما في ذلك أعمال تتناول شخصية الملك گلگامش . وتُؤرّخ ملحمة گلگامش إلى الفترة ما بين عام 2150 وعام 1400 قبل الميلاد تقريباً، رغماً من أن النسخة البابلية الأساسية للنص تعود إلى الفترة ما بين عامي 1300 و1000 قبل الميلاد تقريباً، وذلك بسبب القصائد السومرية المبكرة التي استُخدمت في كتابة الأعمال الأدبية لـ (گلگامش ـ إنكيدوـ و العالم السفلي / گلگامش و هوواوا / گلگامش و ثور السماء / موت گلگامش / تكوين إريدو) .
ولم يكتفِ السومريون باختراع الكتابة فحسب، بل ابتكروا أيضاً نماذجاً أدبية ابتداءً من الشعر. كما شكّلت الأعمال الخمسة أعلاه المادة الأصلية التي انبثق منها الشعر الملحمي . وقد أثّرت ملحمة إريدو التي تُعدّ أول ظهور لقصة الطوفان الكبير لاحقاً على أعمال شهيرة أخرى، بما في ذلك النصوص المصرية " البقرة السماوية" وقصة سفينة نوح في سفر التكوين من الكتاب العبري .
أرست أعمال أدبية مثل "مسرحية الأغنام والحبوب" و "أغنية المجرفة " (وكلاهما يعود تاريخهما إلى حوالي عام 2000 قبل الميلاد) شكلَي الحوارات الأدبية وقصائد المديح، وهما نموذجان استُخدما مراراً وتكراراً عبر تاريخ بلاد الرافدين الثقافي، ثم من قِبل حضارات أخرى أيضاً. وقد أرست قصائد المديح الدينية، مثل " ترنيمة نيسابا"، نموذجاً لنصوص الصلوات والتراتيل والأناشيد ، بينما قدمت قصائد سومرية أخرى أساليباً ورموزاً وزخارف أسطورية وأنماط شخصيات لا تزال آثارها باقية في أدب الثقافة العالمية منذ ذلك الحين .

تُعدّ قصة نزول إنانا للعالم السفلي (المعروفة أيضاً باسم "نزول إنانا" ، حوالي عام 1900-1600 قبل الميلاد) أقدم دليل مُدوّن على شخصية الإله الذي يموت ثم يعود إلى الحياة (مع أن قصة الإله المصري أوزوريس ربما كانت موجودة قبل ذلك شفاهياً). أما "قصة اغتصاب الإلهة إنانا" (حوالي عام 1800 قبل الميلاد) فهي حكاية إرشادية عن أهمية معاملة الآخرين بسلوك قويم، وتندديها بشدة لسلوك الاغتصاب. كما تُعتبر قصتا " رشوة معلّم" (حوالي عام 2000 قبل الميلاد) و "نصيحة معلّم الى تلميذه المتخرّج" (حوالي عام 2000-1600 قبل الميلاد) من روائع الأدب الساخر المبكرة. ومن ثم "ترنيمة نينكاسي، إلهة البيرة" (حوالي عام 1800 قبل الميلاد) التي تجمع بين مدح إله ووصفة لصنع البيرة. وكانت جميع تلك النصوص والشخصيات والمواضيع التي تم تناولها بدرجات متفاوتة، استخدمها الكتّاب اللاحقون في بلاد الرافدين، والذين ألهموا بدورهم كتّاب الحضارات الأخرى لفعل الشيء نفسه.
حوالي عام 2334 قبل الميلاد، تم غزو المدن والممالك السومرية من قبل الملك سرگون الأكدي ( عام 2334 ـ 2279 قبل الميلاد)، الذي أسس الإمبراطورية الأكدية . وبحلول ذلك الوقت، كان السومريون قد أسسوا منذ فترة طويلة مدرسة الكتابة (إدوبا)، التي شجعت على دراسة ونسخ وحفظ وتلاوة الأعمال الأدبية التي تتراوح مواضيعها من خلق العالم إلى إرادة الآلهة، والحب الرومانسي ، والسياسة، والدين ، وجوانب مختلفة من الحياة اليومية.

الكتّاب الأكديون وعصر النهضة السومرية
حلت اللغة الأكدية محل اللغة السومرية كلغة منطوقة ومكتوبة، لكن الكتّاب الأكديون استمروا في نسخ النصوص السومرية وحفظها وتطويرها. إذ تعلّم الكتّاب اللغتين معاً ضمن مناهج التعليم ( إدوبا) ، على غرار ما فعله علماء أوروبا لاحقاً بدراسة اللغتين اليونانية واللاتينية القديمتين . وغالباً ما تكون الأعمال الأدبية المصنفة في الوقت الحاضر على أنها "أكدية" ؛ لكنها في الأصل أمّا سومرية أو بابلية، ومُدونّة بالخط المسماري الأكدي .
لم يكن الكُتّاب الأكديون مجرّد نُسّاخ؛ بل ابتكروا أعمالاً أصلية خاصة بهم على شكل سير ذاتية، وقصص دينية، و أناشيد مديح، وترانيم . وكانت أشهرهم إنهيدوانا (حوالي عام 2300 قبل الميلاد)، ابنة الملك سرگون الأكدي، التي ألّفت 42 قصيدة بالإضافة إلى أناشيد المدح الشهيرة، ومنها ترنيمة إنانا . وقد أثرت أعمالها في تطور الشعر الديني اللاحق، وأشهرها مزامير الكتاب المقدس .
يُعدّ "حوار التشاؤم" (حوالي عام 1000 قبل الميلاد) من أشهر الأمثلة على الأدب الأكدي الذي تمّ تحديده كنص أكدي أعاد صياغته كتّاب بابليون (كما فعل الآشوريون من بعدهم). إذ يستكشف هذا العمل الأدبي الحكيم معنى الحياة من خلال التساؤل عن جدوى القيام بأي فعل . وتدور أحداثه حول سيد وعبده يتجادلان بفكرة ؛ حيث يقترح السيد شيئاً معيناً، مثل تناول العشاء، فيشجعه العبد على تناوله؛ ثم يتراجع السيد على أن ليس له رغبة في تناول العشاء، فيقدم العبد أسباباً وجيهة مماثلة لممانعته. ويصنّف النّص على أنه عمل كوميدي . ويُرَجّح أنه قُدّم أمام جمهور كعمل مسرحي .
استمر استخدام اللغة الأكدية خلال فترة أور الثالثة، المعروفة أيضاً بعصر النهضة السومري، إذ شهدت هذه الحقبة انتعاشاً واهتماماً واسع النطاق بالثقافة والأدب السومريين . وقد شجع الملك أور- نمّو (عام 2112-2094 قبل الميلاد)، مؤسس سلالة أور الثالثة، على محو الأمية. واستمر ابنه وخليفته شولگي ملك أور (عام 2094 ـ 2046 قبل الميلاد)، في اتباع سياساته؛ حيث كان الملك شولگي كاتباً وشاعراً وليس ناسخاً . ومن أشهر الأعمال التي تعود إلى عهد الملك شولگي (مع أن مؤلفها مجهول) مرثية " موت أور- نمّو" ، التي تُخلّد ذكرى والده ، وتُبرز في الوقت نفسه أحد أقدم الأوصاف للآخرة في بلاد الرافدين ؛إذ تتناول صعوبات التعامل مع الحزن، سواء في حياة الدنيا أو في حياة الآخرة .
كُتبت قصيدة "مدح شولگي" احتفاءً وتخليداً لرحلة الملك الشهيرة التي قطع فيها مسافة (321 كم) بين مدينتي نيبور وأور ذهاباً وإياباً في يوم واحد، وتُعدّ أيضاً مثالاً على الأعمال الأصلية التي تُكرّم الإنجاز البشري، وليس انتصارات الملك في المعارك لوحدها فحسب . كما تُعتبر تهويدة ابن شولگي ( تهويدة أورورو) أول تهويدة في العالم التي ألّفها كاتب مجهول يعمل في قصر شولگي، أو ربما الملك كتبها بنفسه لأحد أبنائه. وقد أدت سياسات شولگي المتعلقة بمحو الأمية إلى انتشار مدارس الكتابة في جميع أنحاء مملكته، مما جعلت فرص تطور إبداعات الكتّاب متاحة سواء داخل مملكته أو خارجها .
في أوائل الألفية الثانية قبل الميلاد، ظهر صنف أدبي جديد يُعرف في العصر الحديث باسم "أدب نارو الرافديني" الذي يتمحور حول شخصية تاريخية شهيرة (عادةً مايكون ملكاً) في قصة خيالية. ومن بين أشهر أعمال هذا الصنف؛ "أسطورة كوثا" و "لعنة أكد" ، بيد أن بعض العلماء يعدّون ملحمة گلگامش أيضاً من أدب نارو الرافديني .
نشأ هذا الصنف الأدبي من مهمة سياسية راسخة ، وذلك بنقش إنجازات الملك على جدارية (تُعرف باسم نارو ). وفي أدب نارو الرافديني، كان الكاتب ببساطة يتناول اسم ملك شهير ومعروف من الماضي وينقش منجزاته على لوح طيني . غير أن جميع ما كان يسطره الكاتب هو من وحي خياله، لأنه بهذا العمل كان يهدف إلى إيصال درس أخلاقي وموعظي بدلاً من تمجيد الملك؛ بل إن بعض الأعمال ذهبت الى أبعد من ذلك عندما صورت الملك بصورة سيئة ومشينة. وبذلك فقد ابتكر سكان بلاد الرافدين الرواية التاريخية لأول مرّة في العالم .

الكتّاب والمكتبات البابلية
تلقى الكتّاب الأكديون والبابليون تعليمهم وفقاً للأسس التي وضعها السومريين، حيث ازدهرت الكتابة في مدن مثل أور وأوروك وبابل . وواصل الأدب البابلي نمط الحفاظ على الأعمال السومرية مع ابتكار مؤلفات جديدة، والتي أثرت بدورها على الكتّاب الذين جاؤوا بعدهم .
" لودلول - بل - نميقي " (قصيدة المُعذّب الصالح)، هي قصيدة سومرية يعود تاريخها إلى حوالي عام 1700 قبل الميلاد ( وأُعيدت كتابتها وتطويرها بشكل موسع فيما بعد على يد الكتّاب البابليين حوالي عام 1307-1282 قبل الميلاد)، وتُعدّ تأملاً في نواحي الظلم والاضطهاد ، والبحث عن أسباب الحظ السيء الذي يُبتلى به الأخيار من البشر، ويُعتقد كان لها تأثيراً في تأليف سفر أيوب العبري .
وربما تأثر عمل لودلول - بيل - نميقي بدوره بقصيدة " الحوار بين رجل وإلهه" (المؤرخ حوالي عام 2000-1600 قبل الميلاد) الذي يتناول الموضوع نفسه، أو ربما كان مصدر إلهام له بحسب التأريخ المعتمد. وكان بإمكان الكتّاب الوصول إلى أعمال سابقة من خلال المكتبات العامة أو من التنسيق بين مجاميعهم الخاصة.
لقد كانت المكتبات زاخرة بحلول العهد البابلي القديم، وعادة ما كانت جزءاً من بناء المعبد والمدارس . ومسؤولية أمين المكتبة الرئيسية (أو أمين مكتبة المعبد أو المدرسة) كانت الحفاظ على الألواح المُدونّة والمنقوشة، واستبدال الأعمال المفقودة أو التالفة، وإضافة مؤلفات جديدة عن طريق تحديد مواقعها ونسخها . ومن بين الأمثلة الكثيرة على ذلك "حكاية رجل فقير من نيپور" . إذ يعود تاريخ النسخة المحفوظة إلى عام 701 قبل الميلاد، لكن حسب بعض العلماء، يعود تاريخ النص إلى حوالي عام 1500 قبل الميلاد أو أقدم من ذلك التاريخ. ومن شبه المؤكد أنها كانت في الأصل عملاً سومرياً مُدوناً بالخط الأكدي، ثم نُسخ ليُحفظ في مكتبة في بابل. وقد كان الكاتب شين ليقي أونيني المشهور بتأليف ملحمة گلگامش هو أحد هؤلاء النسّاخ، الذي كان ينسخ النصوص في دار أو معبد للكتابة ويكتب مؤلفاته الخاصة .

لا يزال العلماء يتجادلون حول وجود مكتبات خاصة في منازل الناس في بلاد الرافدين القديمة، لكن هذا الجدل يبدو غير مفيد الآن . فقد ثبت بالفعل ومن خلال التنقيب في مكتبة الملك الآشوري آشوربانيبال في نينوى؛ أن بعض الألواح قد صودرت من مكتبات شخصية.
على مايبدو أن الملك آشوربانيبال (عام 668 ـ627 قبل الميلاد)، مثل شولگي ملك أور، حيث تلقى تعليماً في الكتابة، وألّف أعماله الخاصة، وأسس مكتبة نينوى لحفظ تاريخ وثقافة بلاد الرافدين . كما أرسل مبعوثيه إلى مختلف أنحاء الإمبراطورية الآشورية للبحث عن الكتب ونسخها وجمعها. ورغم العثور على أعمال قديمة من بلاد الرافدين في مواقع عديدة من الشرق الأدنى ؛ إلا أن بعضاً من أهمها عُثر عليه تحت أطلال مكتبة نينوى .

الأعمال الآشورية
كان آشوربانيبال آخر ملوك الإمبراطورية الآشورية الجديدة التي أنتجت أعمالها الأدبية الخاصة. بيد أن الكُتّاب الآشوريين قد انخرطوا في تأليف أعمال أصلية بفترة وجيزة بعد (أو خلال) عهد الملك الآشوري أدد ـ نيراري الأول (عام 1307-1275 قبل الميلاد) مع كتابة ملحمته "أدد ـ نيراري" . وقد تضررت ألواح هذه الملحمة بشدة، مما جعل من المستحيل على العلماء تحديد ما إذا كانت أحداثها حقيقية بحتة أم أقرب إلى أدب نارو الرافديني ؛ حيث أن الملحمة تتناول انتصار الملك في معركة ضد البابليين .
ربما استُلهمت هذه الملحمة من "حكاية أنيتّا" التي كتبها الملك الحثّي أنيتّا ( حوالي عام 1740-1725 قبل الميلاد)، وهو كاتب مُقتدر وأول من ألّف عملاً بلغة الحثيين . وتسجل حكاية أنيتّا انتصار الملك العسكري العظيم وتشيد به كمحاربٍ جبار، وهو أمر كان شائعاً في نقوش عهد الملك . بيد أن الأجزاء المقروءة من ملحمة أدد - نيراري تبدو مشابهة لنص حكاية أنيتّا ، وعلى أن وجود صلة مؤكدة بينهما يبقى مجرّد تخمين .
كما تُعدّ ملحمة توكولتي ـ نينورتا (حوالي عام 1200 قبل الميلاد) عملاً آشورياً أكثر اكتمالاً؛ إذ تتناول قصة انتصار الملك توكولتي ـ نينورتا الأول (عام 1244 إلى 1208 قبل الميلاد) على الملك الكاشي كاشتلياش الرابع (حوالي عام 1232 إلى 1225 قبل الميلاد)، الذي حكم بابل . وفي هذه الملحمة ينقض كاشتلياش الرابع معاهدته مع الملك توكولتي ـ نينورتا الأول، فيُبدي الأخير رحمةً به أملاً في تجنّب الحرب. وعندما رفض كاشتلياش الرابع عروض السلام؛ قاد الملك توكولتي ـ نينورتا الأول جيشه ضد الملك الكاشي وهزمه، وعاد بغنائم الحرب إلى عاصمته، وقدمّها كقرابين للآلهة.
تركز كلتا الملحمتين على الانتصارات العسكرية، بيد أن الكتّاب الآشوريين كانوا يعملون أيضاً على تنقيح النصوص السومرية والبابلية السابقة، بالإضافة إلى مواصلة مهامهم الاعتيادية. وكان من أهم هذه المهام بالنسبة لكاتب القصر، التأكد من تدوين نصوص الملك في الوقت المناسب، وأفضل مثال على ذلك قصة أعظم احتفال أُقيم على الإطلاق " احتفال كالهو" الذي أقامه الملك آشور ناصربال الثاني عام 879 قبل الميلاد. إذ أقام الملك آشور ناصربال الثاني (عام 884 ـ859 قبل الميلاد) احتفاله الكبير لافتتاح مدينته الجديدة "كالهو"، ثم كلف كتّابه بتخليد هذا الحدث تدويناً. وكان توثيق أحداث التاريخ والقوانين والسندات الزراعية والمراسيم الملكية وغيرها شغلهم الشاغل ، ومع ذلك، فقد كان يُحسب لهم أنهم قد خصصوا جزءاً من أوقاتهم لتنمية مواهبهم في تأليف أعمال أصلية خاصة بهم .

كان من أشهر الملاحم الآشورية؛ "ملحمة عشتار و إزدوبار" (المعروفة أيضاً باسم ملحمة إزدوبار ) التي تعود إلى عهد الملك الآشوري سرگون الثاني (عام 722-705 قبل الميلاد). وقد عُثر عليها في أطلال مدينته دورـ شروكين . وهي إعادة سرد لملحمة گلگامش، مع تغييرات جوهرية. ففي ملحمة گلگامش، كان رفيق گلگامش هو الرجل المتوحش إنكيدو، بينما في ملحمة إزدوبار هو الحكيم هيباني . ولا يهزم الصديقان الوحش المارد هومبابا في هذه الملحمة؛ بل ملكاً يُدعى خومبابا. كما لا يوجد أي ذكر للطوفان الكبير في النص . وقد أعاد الكُتّاب الآشوريون صياغة العديد من الملاحم السابقة، بما في ذلك "نزول إنانا"، الذي حوّلوه إلى "نزول عشتار إلى العالم السفلي" .

لقد واصل الفرس إحياء التراث الأدبي العريق لبلاد الرافدين، وتجلى هذا الإرث القصصي بشكل أعمق في القرون الوسطى من خلال "ملحمة الشاهنامه" ( كتاب الملوك الفارسي ) التي ألفها الأديب أبو القاسم الفردوسي بين عامي 977 و1010 ميلادي . كما تُعدّ ملحمة الشاهنامه شأنها شأن ملحمة گلگامش، من أعظم روائع الأدب العالمي، والتي ألهمت العديد من الأعمال الأدبية الأخرى التي لا تزال تُبهر القرّاء حتى يومنا هذا. لكن هذه المؤلفات وغيرها الكثير، ما كانت لتوجد لولا أن كتّاب بلاد سومر القدماء، وفي حقبة غابرة من التاريخ قد تخلّوا عن مشاغل الحياة اليومية ليُكرّسوا أنفسهم لإبداع أعمال خيالية عظيمة ..



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ستيفن بيرتمان ـ الحياة في بلاد الرافدين ـ طباعة جامعة أوكسفورد ـ 2005 .
جيريمي بلاك ـ الأدب في بلاد سومر القديمة ـ طباعة جامعة أوكسفورد ـ 2006 .
جان بوتيرو ـ الحياة اليومية في بلاد الرافدين ـ طباعة جامعة جونز هوبكنز ـ 2001 .
ثوركيلد جاكوبسن ـ كنوز الظلام : تاريخ الدين في بلاد الرافدين ـ طباعة جامعة ييل ـ 1978.
صموئيل نوح كريمر ـ التاريخ يبدأ من سومر ـ طباعة جامعة بنسلفانيا ـ 1988.
صموئيل نوح كريمر ـ السومريون : تاريخهم ، ثقافتهم ، شخصياتهم ـ طباعة جامعة شيكاغو ـ 1971 .
پول كريڤاشيك ـ بلاد الرافدين ميلاد الحضارة ـ سانت مارتن گريڤين ـ 2012 .
ڤان دي ميروپ ـ التاريخ في الشرق الأدنى القديم ـ وايلي & بلاكويل للنشر ـ 2015 .
إي . أي واليس بادج ـ الحياة والتاريخ البابلي ـ بارنز و نوبل للنشر ـ 2005 .



#عضيد_جواد_الخميسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بابل بوابة الآلهة
- كاليگولا الامبراطور المجنون !
- بلاد سومر في التأريخ
- حفلة الرجال المحترقين
- السلالات المبكرة في بلاد الرافدين
- أعمال السحر عند الإغريق والرومان
- رثاء المدن في بلاد الرافدين القديمة
- قرنان من التمرّد ضد أقوى إمبراطورية في العالم ( الصراع بين ا ...
- مَن كان ملكاً ومَن لم يكن ملكاً في قائمة الملوك السومريين
- عيد الحب ( ڤالنتاين )
- ديانة المايا في أساطيرها عن الخلق والآلهة والطقوس
- الممثل الذي قتل الرئيس !!
- أصل وتاريخ نظام التقويم الغربي
- يمّ الإله الفينيقي ـ الكنعاني
- الشطرنج لعبة ذكاء عمرها 1500 عام
- حكاية الهنود السيوكس عن هبة نبات الذِرة
- المناشڤة والبلاشڤة
- يوم الموتى
- الغنوصيون الكاثاريون
- حملة الملك الآشوري سرگون الثاني على مملكة أورارتو


المزيد.....




- شاهد.. قلعة إنكا في بيرو قد تتفوق على أطلال -ماتشو بيتشو-
- موضة سراويل صيف 2026.. دليل كامل لاختيار السروال المناسب
- كيف يعمل نظام الحصص والقرعة في الحج؟
- غارات إسرائيلية متواصلة على جنوب لبنان والبقاع وعون يؤكد تمس ...
- رولان غاروس: سعيا للقب قياسي.. جوكوفيتش يجتاز عقبة الدور الأ ...
- حين يتحول العيد إلى عبء ثقيل.. ارتفاع غير مسبوق بأسعار الأضا ...
- كانت عيونهن.. إصابة -أم البنات- تثقل حياة 3 كفيفات في غزة
- -الوحشية لا تُحتمل-.. سجال بين بن غفير والرئيس الإسرائيلي يش ...
- اعترافات الفائزين بجوائز كان 79.. أي حقيقة انتصرت في مهرجان ...
- مواجهة متوترة بين تايوان والصين قرب جزر براتاس


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عضيد جواد الخميسي - أدب بلاد الرافدين من أقدم أعمال الخيال