أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - محسين الشهباني - من المدرجات: رمز المقاومة الشعبية ضد الحماية... إلى صناعة الرعب والبلطجة















المزيد.....

من المدرجات: رمز المقاومة الشعبية ضد الحماية... إلى صناعة الرعب والبلطجة


محسين الشهباني

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 12:58
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


بقلم: محسين الشهباني

من الخطأ اختزال مجموعات الألتراس في العنف والبلطجة والتمرد. هذا الاختزال جزء من استراتيجية الهيمنة الرامية إلى تجريم كل تعبير عضوي للطبقات الشعبية.
لم تنشأ الحركية الالتراس في فراغ. إنها نتاج مباشر للتناقضات البنيوية. وُلدت من رحم الاحتجاج الاجتماعي، بوصفها شكلاً من أشكال "المجتمع المدني الشعبي". كانت المدرجات منذ البداية "فضاءً مضاداً للهيمنة": لغة رفض، ومساحة حرية، ومنبراً للتعبير عن وعي الجماعات المسحوقة. لم تكن المدرجات فضاءً للفرجة فحسب، بل تحولت إلى "مدرسة للمثقف العضوي" الشعبي.
في تاريخ المغرب الحديث، خلال الخمسينيات وأثناء فترة الحماية، كانت الكاريانات هي الخزان الثوري الحقيقي. لم يكن كاريان سنطرال، وكاريان بن مسيك، وكاريان الحفرة مجرد أحياء صفيح. كانت "جامعات للغضب الوطني". من براريك القصدير خرجت المقاومة، ومنها خرج الوعي السياسي، ومنها خرج الفن الملتزم.
فقد شكّلت الحاضنة الاجتماعية للمقاومة، إذ صنع الفقر المشترك "كتلة تاريخية" شعبية. كما كانت الخزان البشري للمدرجات، فمن أزقة الكاريان كان الشباب يزحف نحو ملعب "سنطرال". كان المدرج الامتداد الطبيعي للحي.
وكانت أيضاً مختبر الثقافة المضادة: من رحم المعاناة وُلدت "الظاهرة الغيوانية". لقد كان ناس الغيوان، وجيل جيلالة، ولمشاهب "مثقفين عضويين" صاغوا "الحس العام" للمقهورين.
كانت المدرجات هي الرئة التي تنفست منها المقاومة الوطنية. لم تكن كرة القدم سوى غطاء. وكان دور المدرجات في زمن الاستعمار حاسماً:
- في توزيع المناشير: تحت غطاء "التيفوات" والرايات، كانت المناشير الوطنية تُهرَّب وتُوزع بين آلاف الصدور. كان المدرج المطبعة السرية للوعي، ومكتب البريد السري للثورة.
- في تنظيم المسيرات: كانت نهاية المباراة في "سنطرال" ساعة الصفر. تتحول صافرة الحكم إلى إشارة انطلاق المظاهرة. تخرج الجماهير من الملعب ككتلة واحدة لتلتحم بأبناء الكاريان في درب السلطان والحي المحمدي.
- في إخفاء الفدائيين ورموز المقاومة: كان المدرج المكتظ أفضل مكان للاختفاء عن أعين "الكوم". يجد الفدائي المطلوب في صفوف الجماهير حصناً شعبياً. ومن فوق المدرجات كان الزعماء يلقون خطبهم المشفرة ويرسلون إشارات الصمود.
كفرصة للقاء من أجل الدفاع عن الوطن بعدما منع الاستعمار التجمعات، فكان الملعب هو "البرلمان الشعبي" الوحيد المسموح به. هناك كانوا يلتقون، ويتفقون، ويخططون، ويجددون العهد على المقاومة. كان الفوز على فريق المعمر بياناً سياسياً: "نحن هنا، ولن ننكسر".
كانت الفرق الوطنية تخوض "حرب مواقع" رمزية. وكان المدرج هو الحزب الشعبي للجماهير، و"الكاريان" لجنته المركزية. هذه هي الجينات التاريخية للحركية الالتراس المغربية وُلدت في الكاريان، وترعرعت في المدرج، وغنتها ناس الغيوان. وُلدت مقاومة، لا بلطجة.
ان هدم الكاريانات اليوم: اغتيال للذاكرة وتفكيك للهوية وهنا يكمن جوهر المعركة الحالية. إن هدم الكاريانات اليوم ليس مشروعاً عمرانياً بريئاً. إنه هدم للذاكرة الجمعية واغتيال للتاريخ النضالي. حين تُهدم الأحياء الشعبية والمدينة القديمة، وحين يُرحَّل أبناؤها إلى ضواحٍ بلا روح، فهذا ليس "إعادة إسكان". هذا تشتيت مُمنهج للبنيات الاجتماعية التي أنتجت الوعي والمقاومة.
إن ترحيل سكان الكاريانات هو تفكيك للكتلة التاريخية، وفقدان للهوية والجغرافيا النضالية. هدم المكان هو هدم للمعنى. هو محو لخريطة النضال من ذاكرة المدينة. هو إنتاج لإنسان بلا جذور، سهل التدجين. هدم الكاريان هو هدم لرحم الالتراس.
أما البلطجة والعنف المجاني اللذان نراهما اليوم فهما أحد نتائج هذا الاقتلاع. إنه عنف اللاجذور. المؤلم اليوم أن هذا الإرث يتعرض للاغتيال. إن البلطجية والشباب المدمن على الأقراص المهلوسة والمخدرات ليسوا سوى أداة. الفاعل الحقيقي هو "الكتلة التاريخية الحاكمة" التي تسعى إلى تدمير كل فضاء مستقل.
شخصياً، أنبذ العنف بكل تجلياته، وأعتبر ما وقع في حي مولاي رشيد سلوكاً مرفوضاً. عندما تتحول الألتراس إلى عنف مجاني، فهذا نتاج سياسة واعية لتفريغها من مضمونها الطبقي. إنه تحويلها من "حرب مواقع" ضد الهيمنة، إلى "حرب عصابات" فيما بين المقهورين أنفسهم.
كيف لثقافة وُلدت في "كاريان سنطرال" وغنتها ناس الغيوان لتواجه الاستعمار، أن تُستعمل اليوم لترويع الأسر العاملة؟ هذه هي "الثورة السلبية": امتصاص المضمون الثوري، والإبقاء على الشكل العنيف لتشويهه.
الحركية الحقيقية ليست سيفاً. السيف أداة القمع. الألتراس صوت. والصوت أداة الهيمنة الثقافية، كما كان صوت بوجميع والعربي باطما.
الواجب اليوم هو خوض "حرب مواقع" داخل الحركية نفسها:
تحريرها من البلطجية لان البلطجي ليس متمرداً، بل هو أداة موضوعية لحماية النظام، مثلما كان الجندي السينيغالي أداة للمعمر.
استرجاعها كفضاء للمثقف العضوي اذ يجب أن تعود المدرجات مدرسة للوعي، كما كانت أيام "سنطرال" والغيوان. يجب أن يغني المدرج هموم الكاريان من جديد.
كما يجب ربطها بالنضال الاجتماعي الأوسع فمعركة المدرجات هي امتداد لمعركة الكاريان ضد "الحكرة". هي معركة الشغل، والسكن، والكرامة.
المدرجات التي أنجبت المقاومة، وغنى فيها صوت الكاريان مع ناس الغيوان، لا يجوز أن تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج القهر. والتاريخ الذي كُتب بدماء أبناء الكاريانات وأهازيج الغيوان في مدرجات "فيليب"، لا يجب أن يُمحى بسيوف البلطجية.
لم تكن المدرجات يوماً مجرد حجارة ومقاعد، بل كانت على الدوام "الدولة الموازية" للشباب المهمش. هناك، في قلب الصخب والهتاف، انضبطت شريحة شبابية واسعة كانت الدولة الرسمية قد رمتها إلى الشارع. علّمها المدرج النظام في الصف، والالتزام بالكلمة، والتضحية من أجل الراية.
كان فضاءً للتثقيف الذاتي، حيث تُمرر المناشير كما تُمرر الكرة، وحيث تُغنى أهازيج ناس الغيوان كأنها دروس في التاريخ والسياسة. نشر المدرج الوعي حين عجزت المدرسة، ووحّد الصف حين فككته البطالة، وصنع هوية حين محتها سياسات التهميش.
لذلك فإن تحرير الالتراس اليوم من البلطجة، والدفاع عن ذاكرة الكاريانات من الهدم، ليس حنيناً إلى الماضي، بل هو دفاع عن آخر مدرسة شعبية مفتوحة للشباب. إنقاذ المدرجات هو إنقاذ لفضاء الوعي، وضمانٌ ألا يتحول الغضب المشروع إلى عنف أعمى، وألا تتحول الطاقة الشبابية من قوة بناء إلى معول هدم.



#محسين_الشهباني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصمت الطبقي بالمغرب بين التراكم البدائي و القمع الناعم
- القوى الظلامية والصراع الطبقي في المغرب
- حول فاتح ماي 2026
- جدل تصوير دورة مجلس البلدي بأزمور من طرف الباشا يكشف صراع ال ...
- حول اعتقال محمد السانتوس وبعيدا عن لغة الخشب
- الامبريالية بالدارجة
- حتى انا شيوعية
- كل سنة وانتم على العهد باقون ولطريق الشهداء سائرون.
- رسالتي ...اليك
- حزب النهج الديمقراطي وارتمائه في مستنقع الإصلاحية
- في حوار خاص بمُناسبة ال50 سنة لانطلاق الجبهة الشعبية لتحرير ...
- انا المتيم بجمالك
- احبك والبقية تاتي عندما نلتقي ..
- كل عام وأنت غزالة ..
- من اجلك أكتب
- الموت في سبيلها عشقا !
- أشهدُ أن لا حبيبة الا انت
- فرسي الجامح
- شذرات على هامش عيد اللحم ومواجهة السائد
- التنظيم أية ضرورة


المزيد.....




- العدد 653 من جريدة النهج الديمقراطي
- The Mirage of Security: The Dangerous Bukele Model
- Ethnogenesis Mania — National Identity and Pseudoscience in ...
- The Invisible Women’s Labor: Fuel of the Silent Economy
- The Environmental and Social Impacts of Fish Farming and Ind ...
- The Free Speech Recession and Cancel Culture
- Waterboarding for Dollars in Cuba
- Oppose the War and Its Machinery
- كير ستارمر على حافة السقوط: تمرد داخل حزب العمال وأزمة اقتصا ...
- كيف تحوّل انقسام حزب العمال إلى طوق نجاة لستارمر؟


المزيد.....

- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة
- ماهية الوضع الثورى وسماته السياسية - مقالات نظرية -لينين ، ت ... / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - محسين الشهباني - من المدرجات: رمز المقاومة الشعبية ضد الحماية... إلى صناعة الرعب والبلطجة