|
|
فلسطين قبل تاسيس الدّولة الصّهيونية
الطاهر المعز
الحوار المتمدن-العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 12:01
المحور:
القضية الفلسطينية
بنى اليهود والمسلمون والمسيحيون الأثرياء في حي المنشية، خارج مدينة يافا، منازل جنباً إلى جنب، ودمرت القوات الصهيونية هذا الحي خلال حرب 1948، وفي القدس، كان اليهود والمسلمون والمسيحيون – من نفس الطّبقة أو الفئة الإجتماعية - يعيشون في نفس الشوارع، ويتسوقون من نفس المتاجر، ويتشاركون ساحات منازلهم، وفق يعقوب يهوشوا، والد الروائي "الإسرائيلي" أ.ب. يهوشوا: "كان أطفالنا [اليهود] يلعبون مع أطفالهم [المسلمين]، وعندما كان أطفال آخرون في الحي يؤذوننا، كان أصدقاؤنا المسلمون الذين يسكنون في ساحتنا يأتون للدفاع عنا، فقد كنا [اليهود] حلفاءهم، وكان حي الواد في القدس يضم ثلاث كنائس وثلاثة معابد يهودية وسبعة مساجد..."، كما كان الشباب المسيحي والمسلم يرتدون أزياءً تقليدية احتفالاً بعيد بوريم، وهو عيد يهودي، بينما دمج المسيحيون والمسلمون عيد الفصح الأرثوذكسي مع رحلة الحج إلى النبي موسى، وانضم اليهود أيضاً إلى الاحتفالات...
كانت نسبة المسلمين، في سبعينيات القرن التاسع عشر، قَبْلَ مَوْجات الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، تُقدّر بأكثر من 85% ، والمسيحيين بحوالي 10%، واليهود بأقل من 5%، وكان نحو نصف السكان اليهود في فلسطين يتحدثون اليديشية كلغة أم، عشية الهجرة الصهيونية، وكانوا قد هاجروا إلى فلسطين في القرون السابقة من أوروبا، لأسباب روحية في المقام الأول، كما كان العديد من هؤلاء اليهود يتحدثون بعض العربية واللادينو، وكانوا يُعتبرون جزءًا من المجتمع اليهودي الأصلي في فلسطين، مع أن العديد ممن هاجروا إلى فلسطين ( قبل نشأة الحركة الصهيونية) لم يكونوا يعتبرون أنفسهم يهودًا عربًا، وكان اليهود والمسلمون والمسيحيون يتقاسمون المساحات الاجتماعية، واحتفلوا بأعياد بعضهم البعض في القدس والخليل وصفد وطبريا، وتبنوا وعيًا عربيًا مشتركًا، كما توحد الكثيرون حول رؤية سياسية للمنطقة تجاوزت الحدود المذهبية، وغالبًا ما كانت الخلافات في فلسطين العثمانية تكمن داخل الطوائف الدينية نفسها لا بينها، قبل أن تُلوث الصهيونية العلاقات بين الجماعات الدينية الفلسطينية، وكان للطبقة الإجتماعية دَوْرٌ كبير في تقسيم المدينة سواء في طبريا أو الخليل أو يافا، واستخدم يهود ومسيحيو فلسطين "المحاكم الشرعية الإسلامية" لحل النزاعات فيما بينهم، وأقام يهود القدس شراكات تجارية مع المسلمين في قطاعات القمح والماشية والألبان، مثل عائلتي إرموزة اليهودية وأبو خليل المسلمة، وضم مجلس إدارة جمعية الهلال الأحمر العثماني، التي تأسست في القدس سنة 1915، عضوَيْن يهوديّ ومسيحيّ ومسلمًا واحدًا من أبناء البلد، وفق يعقوب يهوشوا، وهو يهودي الذي ولد حوالي سنة 1890، ووصف الحياة التي قضاها في البلدة القديمة بالقدس على النحو التالي:
كانت هناك مجمعات سكنية مشتركة لليهود والمسلمين. كنا كأسرة واحدة. كنا نقضي أوقاتنا معًا. كانت أمهاتنا تتبادلن أفكارهن مع النساء المسلمات، والعكس صحيح، وكانت العديد من الأعياد الدينية مناسبات للاحتفالات المشتركة في فلسطين أواخر العهد العثماني (...) امتزجت الأديان بالثقافات، وتشاركت المجتمعات الثلاثة معتقدات وتقاليد مشتركة حول الحسد والجفاف وزيارة أضرحة الأولياء، كما تشاركوا مواقع مقدسة مشتركة، مثل ضريحي النبي صموئيل والنبي روبين، وعندما توفي المسيحي جرجس الجوهرية، رثاه الشيخ المسلم علي الرماوي قائلاً: "لا أصدق أن روح الجوهرية ستبقى في مقبرة صهيون... فمن المؤكد أنها ستنتقل الليلة إلى مقبرة ماميلّا". كانت الحدود الدينية غير ثابتة.
اليهود العرب في فلسطين أواخر العصر العثماني
بدأ المسيحيون والمسلمون، منتصف القرن التاسع عشر تقريباً، في تبني هوية عربية في أنحاء العالم الناطق بالعربية، بما في ذلك فلسطين، كما تَبَنَّى العديد من اليهود وعيًا عربيا، بحكم اندماجهم في النسيج المادي والاجتماعي والثقافي والديني لفلسطين وفي أماكن أخرى من الوطن العربي، في أواخر العصر العثماني، وكان معظم هؤلاء من اليهود السفارديم ( المزراحيم) الذين يتحدثون العربية ويعيشون بين المسلمين والمسيحيين، وكانت لغتهم الأم هي اللادينو، وهي لغة يهودية إسبانية، بينما كانت أقلية تُعرف باليهود المغاربة تتحدث العربية كلغة أم، بل إن بعضهم كتب بها، مثل شمعون مويال ونسيم مالول، وقد أسسوا صحيفة عربية لم تدم طويلًا، وكما قال أحد اليهود سنة 2012: "كنا نعرف العربية ونتحدث بحرية مع جيراننا العرب، لكن اللغة اليهودية الإسبانية (اللادينو) كانت لغتنا الأم". أما العائلات اليهودية الأخرى في فلسطين فكانت لها جذور في دمشق أو سالونيك أو غيرها من مناطق الإمبراطورية.
عرَّف يهود فلسطين أنفسهم ومجتمعهم بطرقٍ متنوعة، ويبدو أن يهود طبريا كانوا يُعرّفون أنفسهم كيهود عرب، ففي وثيقة تسجيل التجنيد العسكري العثماني للعام 1914، وصف نحو 300 يهودي في طبريا بأنهم "يهود عرب"، أي "أبناء العرب اليهود"، وقد تم توثيق هذا الوصف بختم يعقوب نحماد، الذي عرّف نفسه بأنه "مختار عرب"، أي رئيس طائفة محلية تحمل نفس اللقب، وأشار كُتّاب مسيحيون في ذلك الوقت، مثل خليل السكاكيني وواصف الجوهرية، إلى يهود فلسطين الأصليين في يومياتهم وسيرهم الذاتية بـ"أبناء البلد" أو "المواطنين" أو "اليهود أبناء العرب"، وكان هذا المجتمع يُعْرَفُ أيضًا باسم "شعب إسرائيل" أو "يهود فلسطين" أو "العبرانيين"، ولكن جميع الطوائف كانت خاضعة للحُكْم العُثماني، غير إن هذا التّعايش يُخفي يُخْفِي توترات ناجمة عن الإمتيازات التي منحتها الإمبراطورية العثمانية للمسلمين، وإقرار قوانين التّجنيد الإجباري، مما أدى إلى جعل الدِّين مُتأصِّلاً في الجهاز البيروقراطي العثماني وفي الجيش وفي منظومة التعليم وفي المجتمع كَكُلّ...
دافع حزب الاتحاد والترقي، المعروف باسم حزب تركيا الفتاة، عن رؤية سياسية تقوم على قِيَم مَدَنِيّة مُشْتَرَكَة، ودعا إلى هوِيّة مدنية عثمانية تتجاوز العِرْق أو الدِّين، فجَذَبَ إلى صفوفه مسلمين ومسيحيين ويهود، مما مكّنه من تنفيذ "ثورة دستورية" سنة 1908، تحت شعار" الحرية والمساواة والإخاء والعدالة "، ودعا إلى إقرار دستور، وضمان مركزية الدّولة، وإجراء انتخابات ديمقراطية وضمان حرية الصحافة... غير إن الحركة الصهيونية بدأت تغزو فلسطين، خصوصًا بداية من العقد الثاني للقرن العشرين، وتواجَدَ اليهودُ الصّهاينة في صفوف حزب الاتحاد والترقي وكذلك في صفوف خصْمِهِ حزب اللامركزية، إلى أن انهارت الدّولة العثمانية وبرلمانها بعد الحرب العالمية الأولى، وحلّ الإستعمار البريطاني المجلس التشريعي العثماني، الذي كان ممثلوه منتخبين ديمقراطياً، واستبدله بهيئات دينية مسيحية وإسلامية مختلفة، "لا سياسية"، غير مُنْتَخَبَة، وانتهج الإستعمار البريطاني سياسة "فَرِّقْ تَسُدْ" مع تأليب المسيحيين والمسلمين ضد بعضهم البعض، وتفتيت التحالف العربي ضد الصهيونية، وساهمت القيادة اليونانية للكنيسة الأرثوذكسية في تعميق الخلافات كما ساهمت قيادات الطوائف الأخرى في تعميق الخلافات الخاصة أيضًا، منذ أواخر العهد العثماني، حيث استوْلَى الوُجَهَاء – وبعضهم كان يعيش في بيروت أو اسطنبول أو دمشق - مساحات كبيرة من الأراضي وتشريد صغار المزارعين، وباع بعضهم ( مثل عائلة سرقس اللبنانية) الأراضي إلى المُستوطنين الصهاينة أو إلى البعثات التبشيرية المسيحية ( البروتستَنْتِيّة خصوصًا) التي باعت بعض هذه الأراضي إلى المجموعات الصهيونية...
دور القوى والقنصليات الأجنبية في الإستعمار الإستيطاني
تُعتَبَر القُدس رمزًا دينيا للأديان "السّماوية" الثلاث، وتم تحريرها من الغُزاة الفرنجة خلال القرن الثاني عشر ( معركة حطِّين سنة 1187 ) وأصبحت فلسطين مُسْتَعْمَرَة عثمانية سنة 1516 فهاجر إليها عدد من يهود أوروبا الشرقية ( من المَجَر وبولندا وأوكرانيا وروسيا ورومانيا ) هربًا من الإضطهاد والمجازر، بداية من سنة 1648 ( سنة مذابح روسيا ضد اليهود)، وارتفع بذلك عدد يهود أوروبا في فلسطين، خصوصًا بين سنتَيْ 1777 و 1881، وكان الإضطهاد في أوروبا سبب هجرة ىلاف اليهود "الأشكناز" إلى فلسطين، وأدّت هذه الهجرات إلى تعزيز للمشروع الصهيوني في أرض فلسطين، ولو إن فكرة تجميع اليهود في فلسطين سابقة للحركة الصهيونية، فقد دعا ماتن لوثر ( مؤسس المذهب البروتستنتي، وهو مُعاد لليهود) خلال القرن السادس عشر وفق ما كتبه سنة 1543 إلى طرد اليهود من أوروبا وتجميعهم في فلسطين للتعجيل بعودة المسيح، ثم دعا نابليون بونبرت خلال العدوان على مصر (1798 – 1801 ) إلى توطين اليهود في فلسطين، قبل أن يتكبّد هزيمة نكراء في عكّا ( فلسطين) سنة 1799 التي حاصرها لمدة ثلاثة وستين يومًا، بينما كانت بريطانيا تريد تأمين طرق التجارة البحرية ونفوذها في الهند، واتخذت بريطانيا، خلال القرن التاسع عشر "حماية الأقليّات الدينية" لتعزيز نفوذها في المشرق العربي...
في الأثناء، ضعفت الدولة العثمانيّة ولم تتمكّن من الحفاظ على نفوذها، وازداد نفوذ قُنصليات الدّول الأوروبيّة الكبرى التي حصلت على مجموعة من "الامتيازات الأجنبيّة" ( فرنسا وبريطانيا وروسيا وألمانيا والنمسا...) التي تحولت إلى أداة للتدخّل الأجنبي، وتضمّنت هذ "الإمتيازات" إنشاء محاكم خاصة بها، ودعمت بريطانيا إنشاء أول مستعمَرة استيطانية يهودية في فلسطين، سنة 1837، بتمويل من الثري البريطاني اليهودي السير مونتيفيوري، وقدّر عدد اليهود في فلسطين بنحو 9690 نسمة، من رعايا الدولة العثمانيّة التي لم تكن تسمح لدولة أجنبيّة التدخّل في شؤونهم، والبقية هم غير المتمتّعين بالمواطنة العثمانيّة ويتمتعون بالحماية البريطانيّة (افتتحت القنصلية البريطانية في القدس سنة 1838)، ويعيشون بصورة كاملة من المعونات التي كانت تصلهم من الخارج، وساعدت القنصلية البريطانية اليهود الأوروبيين على الإستيطان في صفد (شمال فلسطين)، واعتبر وزير خارجية بريطانيا بالمرستون أنّ وجود كيان سياسي يهودي في فلسطين تابع لبريطانيا سيساهم في مقاومة النفوذ الروسي والفرنسي والمساهمة في تقويض أُسُس الدّولة العثمانية. أما روسيا فأسّست عددًا من الكنائس والمستشفيات والمدارس لأبناء الرعايا الروس، لكن بريطانيا استمرت في رعاية اليهود الرّوس...
قدّمت قنصلية ألمانيا – التي تأسّست سنة 1842 - المساعدات إلى اليهود عام 1866 خلال سنوات الجفاف بفلسطين وتمكّنت قنصلية ألمانيا من إقامة مستعمرات في كل من القدس وحيفا ويافا، وساعدت المواطنين الألمانيين على شراء المزيد من الأراضي من أجل "تعزيز وجود ومصالح اليهود الذين يحملون الجنسية الألمانية، والمحافظة على حقهم في الجنسية الألمانية"، وأسّس اليهود الألمان في فلسطين جمعية باسم «إغاثة اليهود» سنة 1901، بمساعدة القنصل الألماني، وأنشأت الجمعية ( بدعم من حكومة ألمانيا) شبكة من المدارس اليهودية في الدولة العثمانية وقامت بنشاط ثقافي وتعليمي فيها، وكانت العبرية لغة التعليم باستثناء العلوم التي كانت تدرس باللغة الألمانية، ولعب القناصل الألمان دورًا كبيرًا لتسهيل هجرة اليهود الى فلسطين بهدف التخلص منهم، وأطلق "باول ناتان" سنة 1907 فكرة إقامة " الكلية اليهودية الفنية في فلسطين" بمساعدة أحد أثرياء اليهود بمبلغ مائة ألف دولار لشراء الأراضي ولمباشرة العمل.
أنشأت النمسا أول قنصلية لها في القدس سنة 1849، وبلغ عدد اليهود في النمسا – موطن ثيودو هرتزل - حوالي 15 ألفًا سنة 1854، وشجّعتهم الدولة على الهجرة إلى فلسطين، وشجّعت القناصل النمساويين على تأسيس نفوذ اقتصادي لهم في فلسطين، وأنشأت النمسا مؤسسات الإحسان، كالمأوى النمساوي ومستشفى طنطور، وكثفت نشاطها في سورية وفلسطين، وكانت تطمع في الإستيلاء على مستعمرات الدولة العثمانية في أوروبان مثل البوسنة وسالونيك وألبانيا ومقدونيا...
ساهمت قنصليات الدّول الكبرى في تكثيف الهجرات اليهودية إلى فلسطينن خصوصًا منذ استعمرت بريطانيا مصر سنة 1882، سنة المذابح ضدّ اليهود في روسيا، فضلا عن اضطهادهم في أوروبا الشرقية عمومًا، وخصوصًا في رومانيا التي رحّلتهم إلى فلسطين، بين سنَتَيْ 1881 و 1882، وسكن هؤلاء اليهود من الفئات المَيْسُورة في تجمعاتٍ تُسَمّى "اليشوف". نشأت في روسيا ( حيث عدد اليهود مرتفع) جمعيات تُشجّع هجرة اليهود الى فلسطين، وعقدت جمعية "أحباء صهيون" أوّل مؤتمر لهم سنة 1884 "لمساعدة اليهود الزراعيين والحرفيين في فلسطين وسورية"، وتتالت موجات هجرة يهود أوروبا فبلغ عدد المستعمرات في مرحلة أولى عشرين مستعمرة زراعية ( كيبوتس ) يسكنها حوالي ستة آلاف مستوطن سنة 1870، قبل أن تُنَظِّمَ الحركة الصهيونية حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين بين سنتَيْ 1905 و 1914، تاريخ انهيار الدّولة العثمانية واستعمار فلسطين من قِبَل بريطانيا التي وَعَدَت بتأسيس "وطن قومي لليهود" في فلسطين، وتميزت موجة الهجرة الثانية بالطابع الإيديولوجي وبهجرة الشباب اليهود بإشراف الحركة الصهيونية ( عقب انعقاد المؤتمر الأول في مدينة بازل السويسرية بين 29 و31 آب/أغسطس سنة 1897) التي أسّست مكتبا في يافا سنة 1908، بإشراف آرثر روبن، وباعت عائلات الأعيان – خصوصا القاطنة خارج فلسطين – بيع بعض الأراضي في مناطق حيفا وطبريا، بتواطؤ من السلطة العثمانية، وبدأ المزارعون الفلسطينيون يشعرون بالخطر، خصوصًا عندما بدأ المُستوطنون اليهود يشيدون أحياء ومدُنًا خاصّة بهم ( تل أبيب، في أراضي يافا سنة 1909) وبلغ عدد المستعمرات أربعين مستعمرة سكنها عشرة آلاف نسمة، خلال الحرب العالمية الأولى، وبلغ عدد السكان اليهود ثمانين ألف نسمة يسكن 12,5% منهم في المستعمرات التي بدأت تتكاثر بدعم من أثرياء اليهود (مثل عائلة روتشيلد ) مما أثار حفيظة الفلسطينيين، خصوصًا في صفد وطبريا وحيفا ويافا والقُدس، وانطلقت معارك بين الفلاحين الفلسطينيين والمثستوطنين الإستعماريين اليهود الذين طردوا الفلاحين من أراضيهم، وطلب الوُجهاء الفلسطينيون من الباب العالي ( الحكومة المركزية العثمانية في إسطنبول) منذ سنة 1890 "منع اليهود من شراء الأراضي لأنهم يريدون تأسيس حكومة يهودية في القدس"، وكانت الدّولة العثمانية تحتضر، وتعاني مشاكل مالية واقتصادية، فضلا عن الفساد الإداري وانتشار الرشوة، واستغلت الحركة الصهيونية والدّول الإستعمارية الكبرى هذا الوضع للقضاء على الدّولة العثمانية نهائيا خلال الحرب العالمية الأولى...
في الأثناء تنوعت مناطق انطلاق موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأصبحت أكثر تنظيما، وتميزت بهجرة اليهود الفقراء لبناء البيوت والجسور والضروريات، في النصف الأول من القرن العشرين، ثم هجرة الميسورين والمهاجرين الأثرياء، في إطار جهود الحركة الصهيونية لإنشاء كيانها
خاتمة
كان الوجود اليهودي في فلسطين ضعيفًا ( بضعة آلاف في صفد وطبريا والقدس ويافا )، حتى القرن التاسع عشر، وارتفع عددهم بعد تشجيع فرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا هجرة اليهود إلى فلسطين، فيما مثّل عدوان جيش فرنسا بقيادة نابليون بونابرت على مصر ( 1798 - 1801) نقطة تحول لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين وبناء الدولة اليهودية، بدل تيْسير اندماج اليهود في مجتمعاتهم الأصلية، ولم تنفرد فرنسا بهذا الدّور، بل حرصت العديد من الدّول الأوروبية – بواسطة قنصلياتها في فلسطين – على تهجير اليهود وتغيير التركيبة السكانية في فلسطين، وسلب الأرض من الفلسطينيين، وتقديمها إلى اليهود القادمين من روسيا ورومانيا وألمانيا، ورعايتهم وحمايتهم في المستوطنات التي ارتفع عددها وحجمها بعد مؤتمر الحركة الصهيونية في بازل السويسرية في إطار ترسيخ فكرة "الوطن القومي لليهود" في فلسطين، لكن بدايات الاستيطان اليهودي الفعلي في فلسطين بدأت سنة 1840 عندما تبنّت الحكومة البريطانية عملية تنظيم هجرة اليهود ونقلهم إلى فلسطين، ببادرة من اللورد شافتسبري واللورد بالمرستون وزير الخارجية البريطاني، وتحمّس أتباع الطوائف البروتستانتية لهذا المشروع الإستعماري الإستيطاني، لتسريع عودة المسيح إلى فلسطين، ولإقامة دولة عازلة لإضعاف الدولة العثمانية وإسقاطها، ونشطت القنصلية البريطانية في القدس، منذ تأسيسها سنة 1838، وأنشأت فروعا في حيفا ويافا وعكّا، في تهجير اليهود ومساعدتهم على الإستقرار في فلسطين والسّهر على حماية اليهود، والحيلولة دون التصدّي لهم أو التدخل في شؤونهم، والعمل على إنشاء الدولة اليهودية لخدمة المصالح البريطانية في المنطقة، وفرضت بريطانيا على الدّولة العثمانية أن تكون “القنصلية البريطانية هي المسؤولة عسكريا وسياسيا عن حماية رعاياها من اليهود في فلسطين وأن على القاضي الشرعي أن يأخذ ذلك بالحسبان رسميا في معاملاته وتصرفاته”.، وفق رسالة القنصل البريطاني الأول في القدس وليام يونغ إلى قاضي المدينة، وأشرفت القنصلية البريطانية في القدس والمدن الفلسطينية على معاملات اليهود، بما في ذلك شراء وبيع الأراضي، وكان القنصل تمبل مور (1863- 1890) حريصًا على مساعدة اليهود في شراء الأراضي الفلسطينية، بواسطة جمعية مرسلي الكنيسة الإنغليزية في فلسطين، وبشكل عام، لعبت القنصليات الأجنبية، وخصوصًا القنصلية البريطانية دَوْرًا أساسيا ( بنسبة تزيد عن 90% ) في تكثيف هجرة واستيطان اليهود الأوروبيين في فلسطين، خلال الفترة التي تعاظم فيها نفوذ هذه الدول وازداد تدخلها في شؤون الدولة العثمانية بحجة حماية الأقليات والطوائف الدينية وفقا لقانون الامتيازات العثمانية الذي سنّه السلطان سليمان القانوني مع ملك فرنسا فرنسوا الأول منذ العام 1535.، وتغافلت الدّلة العثمانية عن خطر الهجرة اليهودية والتحايل الذي شاب عمليات شراء الأراضي حتى سنة 1882، لما تكثفت هجرة يهود روسيا نحو فلسطين، وخصوصًا إثْرَ إنشاء مستوطنة “ريشون لوزيون” شمال فلسطين، مباشرة بعد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية سنة 1897، وتلاها تأسيس مستوطنات زراعية أخرى تكون أداة للإستحواذ على البلاد، بدعم من قنصليات أوروبا ( خصوصًا بريطانيا وألمانيا وروسيا وفرنسا ) والولايات المتحدة، وبذلك تمكّن اثرياء اليهود الأوروبيين مثل مثل البريطاني إدموند روتشيلد والروسي واينبرغ من تأسيس خمس مستوطنات سنة 1883، ومن إلحاق أضرار كبيرة بمصالح السكان الفلسطينيين، واستمرّ قدوم اليهود واستقرارهم بطرق غير شرعية، شملت التهريب من خلال جنوب لبنان، والدخول بصفة زوّار وحجاج وأسماء وصفات مزورة ثم كسر التأشيرة والبقاء في حماية القنصليات الأوروبية، وشراء الأراضي من الفلسطينيين بأسعار مرتفعة، تحت أسماء وهمِيّة، واستغلال الإحتياج والفقر، واستمرت هذه العمليات طيلة عُقُود بدعم من القنصليات الأجنبية و الإرساليات والبعثات الدينية والتبشيرية وجمعيات التنقيب عن الآثار (البريطانية والألمانية)، وخصوصًا بين سنتَيْ 1840 و 1948، في ظل الدّولة العثمانية والإحتلال البريطاني، مما سهّل إنشاء مؤسسات يهودية وتأسيس نواة الجيش والدّولة الإستعمارية...
#الطاهر_المعز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من مظاهر الغطرسة الأمريكية خلال الرّبع الأول من سنة 2026
-
الأضرار الجانبية للعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران
-
العلاقلات الإماراتية الفرنسية في ظل التنافس بين الإمارات وقَ
...
-
فرنسا – عنصرية الحكومة وأجهزة الدّولة
-
أَرُونْدَاتِي رُويْ: صوت نِسْوِي مناهض للإمبريالية
-
المنظمات -غير الحكومية- بين شَرْعيّة المبادئ المُعْلَنَة وشُ
...
-
رياضة كرة القدم -أفيون الشّعوب-؟
-
المخططات الأمريكية الصهيونية في الخليج 2/2
-
المخططات الأمريكية الصهيونية في الخليج
-
في جبهة الأصدقاء - المناضل النقابي العُمّالي الأمريكي الزنجي
...
-
مُتابعات – العدد الواحد والسّتّون بعد المائة بتاريخ الواحد و
...
-
الحصار و-العقوبات-، سلاح امبريالي ضدّ الشُّعُوب
-
أوروبا والهند، صَفْقَة ضَخْمَة
-
مايكل بارينتي 30/09/1933 - 24/01/2026
-
من دافوس إلى غزة
-
فلسطين - دَوْر الدّعم الخارجي في الإبادة والتّهجير
-
مُتابعات – العدد السّتّون بعد المائة بتاريخ الرّابع والعشرين
...
-
أوروبا – تعميم الرقابة بواسطة الذّكاء الإصطناعي
-
-الدّبلوماسية الزراعية العسكرية- الصهيونية
-
هوامش مُنْتَدَى دافوس 2026
المزيد.....
-
النظام الإيراني يرد على تصريحات ترامب عن -وجود انقسامات بسبب
...
-
ترامب يعلن تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لـ3 أساب
...
-
هل ستشن ضربات نووية على إيران؟.. ترامب يرد
-
ترمب يبشر بترميم العلاقات مع بريطانيا خلال زيارة تشارلز لواش
...
-
إيران تعلن موقفها من المفاوضات وترد على ترمب بتأكيد الوحدة ا
...
-
تونس في مفترق الطرق.. 3 سيناريوهات تحكم مشهد -الانسداد العظي
...
-
وول ستريت جورنال: حرب إيران استنزفت الذخائر الأمريكية
-
-صراع الألغام- يشتد تحت مياه هرمز
-
وزير الدولة الصومالي للشؤون الخارجية: سيادتنا ليست للبيع وسن
...
-
إسرائيل تعترض -مقذوفات- أطلقت من لبنان
المزيد.....
-
المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا
...
/ غازي الصوراني
-
إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
/ محمود الصباغ
-
بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف
...
/ غازي الصوراني
-
قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة
/ معتصم حمادة
-
مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني
/ غازي الصوراني
-
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي
...
/ غازي الصوراني
-
بصدد دولة إسرائيل الكبرى
/ سعيد مضيه
-
إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2
/ سعيد مضيه
-
إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل
/ سعيد مضيه
-
البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية
/ سعيد مضيه
المزيد.....
|