أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عماد حسب الرسول الطيب - 9. لماذا فشل الأكثر وعياً؟ (نقد اليسار)















المزيد.....

9. لماذا فشل الأكثر وعياً؟ (نقد اليسار)


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 12:32
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


طوال هذه السلسلة، تعاملنا مع الفصل بين القوة والسلطة كعلاقة بنيوية، لا كنتاج لأخطاء فردية. درسنا كيف تنتج الأزمة الاقتصادية قوة اجتماعية، وكيف يدير النظام هذا الفصل، وكيف يفتح الزمن الثوري ثم يغلق، وكيف تخفي الشعارات الجامعة التناقضات الطبقية، وكيف تعجز الأفقية التنظيمية عن تحويل نفسها إلى سلطة. كل هذه العوامل موضوعية، لكنها لا تفسر كل شيء. يبقى سؤال مزعج يقف خارج التفسير البنيوي المريح: اليسار السوداني – الفاعل الذي يمتلك أعمق نظرية لتحليل الرأسمالية والصراع الطبقي، وله تاريخ من أقوى تواريخ الشيوعية العربية والأفريقية – لماذا عجز عن تحويل هذه النظرية إلى قوة تنظيمية حاسمة في اللحظة الحاسمة؟ الإجابة البسيطة أن الحزب دُمّر في 1971. هذا صحيح لكنه غير كافٍ، لأن الدمار الخارجي يفسر الضعف التنظيمي لكنه لا يفسر الاختيارات التي جاءت قبله وبعده. نقد اليسار من داخل الإطار الماركسي ذاته ليس خيانة للصف – بل هو جوهر ما قصدته روزا لوكسمبورغ حين قالت إن الأخطاء التي ترتكبها حركة ثورية حقيقية هي أكثر خصوبة لا نهائياً من معصومية أذكى لجنة مركزية.

لا يمكن فهم 1985 بمعزل عن 1964، ولا 1964 بمعزل عن التوتر النظري الذي عاشه الحزب الشيوعي السوداني منذ استقلاله. بعد ثورة أكتوبر 1964 التي أسقطت الجنرال عبود، وجد الحزب نفسه أمام معضلة تاريخية حقيقية. قاد الانتفاضة، وكانت له جذور في النقابات الأقوى، لكن الانتخابات البرلمانية التي تلت الانتفاضة أفرزت واقعاً مختلفاً: الأحزاب الطائفية التقليدية – الأمة والاتحادي – تمتلك قواعد في الريف لا يستطيع الحزب منافستها. وحين حاول الإخوان المسلمون في برلمان 1965 نزع الاعتراف عن الحزب بتهمة الإلحاد، واجه الحزب خطر العزل الشعبي في بلد غالبيته الساحقة متدينة. استخلص عبد الخالق محجوب نفسه، وهو أدق منظري الحزب، درساً صريحاً: القاعدة الاجتماعية الضيقة للحزب داخل الحزام النيلي الحضري تجعل أي محاولة لفرض سلطة اشتراكية مباشرة مغامرة انتحارية. الحل – في رأيه – هو تطوير برنامج "ديمقراطي وطني" مرحلي يحصن الديمقراطية أولاً، ويبني القاعدة الاجتماعية تدريجياً، ثم يمضي نحو الاشتراكية لاحقاً. هذا التحليل لم يكن جباناً – بل كان واقعياً في شروطه. لكنه حمل في داخله بذرة مشكلة بنيوية: حين يدرج الحزب قيادة الانتقال الديمقراطي كمهمة من مهامه الأساسية، يجعل نفسه رهينة للبرجوازية الوطنية في كل مرحلة، لأن "الديمقراطية" و"الوطنية" شعارات يتشاركها مع قوى لا تريد تجاوز علاقات الملكية. وحين يكون الائتلاف ضرورياً للنجاح، تصبح المطالب الطبقية الجذرية تهديداً للائتلاف.

وصف تاريخي دقيق لما حدث في 1985 يكشف هذه الآلية. في الخامس من أبريل 1985 – أي اليوم الذي سبق الإعلان عن سقوط نميري – تشكلت "جبهة الإنقاذ الوطني" التي جمعت الأحزاب والنقابات والاتحادات المهنية حول برنامج مشترك. في هذه اللحظة، كان الحزب الشيوعي يتفاوض مع الصادق المهدي بعد أن تشاركا خندق السجن لخمسة عشر شهراً. ممثل الحزب محجوب عثمان كان يساوم الجنرالات على تشكيلة الحكومة المؤقتة، وفاطمة أحمد إبراهيم – أرملة الشفيع أحمد الشيخ الذي أعدم في 1971 – كانت تجوب مكاتب المجلس العسكري تطالب بتمثيل النساء. كل هذا كان فعلاً شجاعاً، لكنه كان فعل التفاوض لا فعل بناء السلطة البديلة. "جبهة الإنقاذ الوطني" لم تكن لجنة ثورية تعلن نفسها سلطة انتقالية مستقلة – بل كانت ضغطاً منظماً على جنرالات المجلس العسكري. الفارق بين الشكلين هو الفارق بين الشارع الذي يفاوض والشارع الذي يحكم.

في التاسع عشر من يوليو 1971، قاد ضباط شيوعيون انقلاباً على نميري. نجح لثلاثة أيام، ثم تدخل القذافي وناصر، وأرسل القذافي مقاتلات اعترضت الطائرة البريطانية التي كانت تقل قادة المجلس الثوري الجديد. عاد نميري، وحاكم وأعدم عبد الخالق محجوب وشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق وعدداً من الضباط. ما يروى عادة عن محجوب أنه رفض الفرار رغم عرض السفارة الألمانية الشرقية ملجأً آمناً، قال إن واجبه نشر الوعي بين الجماهير وبناء الديمقراطية، وهو ما لا يستطيع فعله من المنفى. تسليم نفسه كان محاولة – يائسة – لإيقاف الإعدامات، لكنها لم تنجح. هذا الحدث ليس مجرد مأساة شخصية، بل هو كارثة تنظيمية بمعنى دقيق: ما قتل في 1971 لم يكن الأفراد فقط، بل قتلت الذاكرة التنظيمية الحية – ذلك الفهم الضمني غير المكتوب المتراكم في أجساد الكوادر عن كيفية بناء الخلايا السرية، وإدارة العلاقات مع النقابات، واتخاذ القرار في لحظات الأزمة القصوى. هذا لا يستعاض عنه بالوثائق والبرامج، بل يبنى على مدى سنوات من الممارسة المشتركة تحت الضغط. وما فعله الحزب بعد 1971 يعكس حجم الجرح: تخلى عن التكتيك الانقلابي وتبنى استراتيجية "الانتفاضة الشعبية" كمسار للتغيير. هذا التحول كان صحيحاً من حيث المبدأ، لكنه افترض أن الحزب سيكون جاهزاً لقيادة الانتفاضة حين تنفجر. وهذا بالضبط ما لم يتحقق في 1985. حين انفجرت الانتفاضة، كان الحزب يعمل من موقع "قوة أخلاقية تعبوية" لا من موقع "طليعة تنظيمية قادرة على الحسم". بيان الحزب في الثلاثين من مارس 1985 أعلن الإضراب العام – وهذا دور ريادي لا ينكر – لكن الحزب لم يمتلك في الأيام التي تلت السادس من أبريل القدرة على قول "الآن نحن نحكم". الفارق بين إعلان الإضراب وبين الاستيلاء على الدولة هو بالضبط الفارق بين ما استطاعه الحزب وما عجز عنه.

كشفت الأبحاث الأكاديمية الدقيقة – وبخاصة التحليل المقارن لـ"جبهة النقابات" في 1964 و"تجمع النقابات" في 1985 – فارقاً نوعياً جوهرياً. في 1964، كانت "جبهة النقابات" تعمل في سياق هيمنة يسارية أيديولوجية واسعة، وكان لها حلفاء عماليون حقيقيون: الاتحاد العام لنقابات عمال السودان واتحاد الفلاحين، كلاهما تحت قيادة شيوعية. هذا الربط بين الطليعة المهنية والقاعدة العمالية الإنتاجية هو الذي مكن من تشكيل حكومة انتقالية ضمت وزيراً من العمال ووزيراً من الفلاحين – أمر استثنائي في تاريخ السودان السياسي. في 1985، كان الوضع أضعف بنيوياً. "تجمع النقابات للخلاص الوطني" ضم نقابات عمالية، لكن الرابط العضوي بين الجناح المهني والجناح العمالي كان أضعف. بكلمات أحد الباحثين في ندوة بلاتيبوس عن الحزب الشيوعي السوداني: الحزب كان يدرك أن السودان بلد زراعي أساساً يختلف عن النماذج الأوروبية، وعلى هذا بنى سياسته – لكنه أدرك ذلك نظرياً دون أن يترجمه تنظيمياً إلى حضور فعلي في الريف السوداني الذي يمثل الغالبية العظمى من السكان. هذا "الخلل الجغرافي" في البنية الاجتماعية للحزب كان يعني شيئاً واحداً عملياً: حين تنتهي الانتفاضة الحضرية وتجرى الانتخابات، يعود الريف كما كان. الأحزاب الطائفية التقليدية – الأمة والاتحادي – تمتلك قواعد ريفية راسخة في ولاء طائفي يصعب اختراقه بالتنظيم السياسي وحده. انتخابات 1986 جسدت هذا بالضبط: فاز حزبي الأمة والاتحادي بالغالبية، وحصل الحزب الشيوعي على ثلاثة مقاعد فقط. وما هو أعمق من الحضور العددي: النقابات المهنية التي اعتمد عليها الحزب كانت تحمل بطبيعتها الطبقية ميلاً للحلول التوافقية لا المواجهية. الطبيب والمحامي والمهندس يخشى انهيار الدولة لأن الدولة هي سوق عمله. حين يكون الحزب مرتكزاً على هذه القاعدة الاجتماعية، يصعب عليه اتخاذ قرارات جذرية تهدد استقرار الدولة نفسها. وهكذا تدار الانتفاضة برؤية من يريد دولة أفضل لا من يريد دولة مختلفة جذرياً.

المشكلة ليست في أن الحزب لم يملك نظرية، بل في النظرية التي امتلكها وحدودها البنيوية. نظرية "الثورة الوطنية الديمقراطية" – التي هيمنت على يسار العالم الثالث في مرحلة الحرب الباردة بتأثير سوفياتي واضح – تفترض أن دول الأطراف تمر بمراحل تاريخية لا يمكن تخطيها: مرحلة الثورة الديمقراطية التي تنجزها البرجوازية الوطنية أولاً، ثم مرحلة الثورة الاشتراكية لاحقاً. على اليسار في المرحلة الأولى أن يدعم البرجوازية الوطنية ضد "الإقطاع والاستعمار"، ويؤجل مطالبه الطبقية الجذرية حتى "تنضج الظروف". هذا الإطار النظري كان موضع جدل حاد داخل الحركة الشيوعية العالمية، وقد رفضه تروتسكي أصلاً بنظرية "الثورة الدائمة": في دول التخلف والتبعية، البرجوازية الوطنية مرتبطة عضوياً بالإمبريالية والبنية القائمة – لا تستطيع أداء دور تقدمي حقيقي، وبالتالي تتشابك مهام الديمقراطية والاشتراكية في نفس اللحظة الثورية. في السياق السوداني، كان الإطار النظري للمرحلية يخلق مفارقة قاتلة: يبرر انخراط الحزب في "الجبهة الوطنية الديمقراطية" مع قوى لا تشاركه الهدف الطبقي، ويبرر الاكتفاء بمطالب "الديمقراطية" و"الحريات العامة" كغاية مرحلية. وهذا بالضبط ما جرى في 1985: تركزت مطالب التحالف النقابي حول نظام حكم برلماني وتعديلات دستورية وحريات عامة. كلها مطالب مشروعة وضرورية – لكنها لا تمس البنية الاقتصادية التي أنتجت الأزمة. حين اقتصر اليسار على هذا الأفق، لم يكن أمامه إلا التفاوض مع المجلس العسكري وقبول الديمقراطية الشكلية بديلاً عن الديمقراطية الاقتصادية. والديمقراطية التي تحققت في 1986 لم تدم لأنها قامت على اقتصاد لم يمس – فجاء انقلاب 1989 ليعيد إنتاج ما ثار عليه الناس.

لم يكن الحزب الشيوعي السوداني جزيرة معزولة، بل كان عضواً في حركة شيوعية دولية تعصف بها أزمات متتالية: إدانة جرائم ستالين في المؤتمر العشرين للحزب السوفياتي 1956، الانقسام السوفياتي-الصيني في مطلع الستينيات، الغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا 1968، وبداية انحسار التأثير السوفياتي على اليسار العالمي. هذه الصدمات المتتالية خلفت يساراً في حالة ارتباك أيديولوجي متراكم: كيف يواصل الدفاع عن الماركسية اللينينية بعد أن شككت تجاربها الكبرى في تطبيقاتها؟ في الحزب الشيوعي السوداني تحديداً، ظهر انقسام داخلي بين تيار أرثوذكسي موالٍ للاتحاد السوفياتي بقيادة محجوب، وتيار قومي يؤكد خصوصية السياق السوداني بقيادة أحمد سليمان وفاروق أبو عيسى. هذا الانقسام – رغم أنه لم يفض إلى انشقاق كامل – استنزف جزءاً من طاقة الحزب في نزاع داخلي بدلاً من صراع خارجي. والأهم: في مطلع الثمانينيات، حين كانت انتفاضة 1985 تتراكم شروطها، كانت أزمة الاتحاد السوفياتي بوادرها واضحة. الحزب الذي كان يعتمد جزئياً على الدعم المادي والمعنوي للمنظومة السوفياتية وجد نفسه يعمل في شروط شح مزدوج: شح التمويل والدعم الخارجي، وشح اليقين النظري الداخلي.

ثمة سمة تنظيمية طبعت الحزب في مراحل طويلة: الميل إلى "النقد المؤجل". النقاش يجري في المؤتمرات والتقارير، والخطأ يحلل بعد فوات الأوان، لكنه لا يحسم في لحظة الفعل. في 1985، لم تكن ثمة آلية لاتخاذ قرار سريع وجريء في ذروة الانتفاضة. الحزب كان لا يزال يعمل بذهنية السرية المفروضة بعد سنوات من الاضطهاد، وهذه الذهنية – التي حمته من الاختراق – جعلته أيضاً أبطأ من الجيش في الحسم. الجيش يتحرك بسرعة الجهاز المركزي؛ الحزب المنهك يتحرك بسرعة الإجماع الداخلي. الانضباط التنظيمي الذي كان من مفاخر الحزب تحول أحياناً إلى جمود. الولاء للموقف الرسمي يصبح مقدماً على مرونة التكيف مع المستجد، وفي لحظات الأزمة التاريخية – التي تتطلب تحولات سريعة في التقدير – يصبح هذا الجمود قيداً لا درعاً. داخل الحزب في 1985 كان يجري نقاش حول مدى دعم التفاوض مع المجلس العسكري مقابل الإصرار على بناء سلطة مدنية بديلة. النقاش كان موجوداً، لكن غياب آلية حسمه في اللحظة الحاسمة كان قاتلاً – لأن الجيش لا ينتظر هذه النقاشات.

في انتفاضة 2018-2019، أضافت وسائل التواصل الاجتماعي أداة حقيقية للتنسيق والتعبئة. لجان المقاومة استخدمتها لتنظيم الاعتصامات وإدارة الإسناد اليومي، والحزب الشيوعي استخدمها للتواصل مع قواعده وتشكيل الرأي العام. لكن الفضاء الرقمي لم يحل المشكلة البنيوية – بل أضاف إليها وهماً جديداً: وهم أن التواصل الواسع يعني التنظيم العميق، وأن إضاءة الشاشات لآلاف تحمل قوة سياسية مستقلة. الفضاء الرقمي يسرع التعبئة الأفقية ويكسر احتكار الدولة للمعلومة – هذه مزايا حقيقية – لكنه يعمق أيضاً "اللحظوية": الثورة الرقمية لها ذاكرة قصيرة، فالحدث ينتشر ثم يختفي. دون حزب أو هيئة تنظيمية تربط اللحظات ببعضها عبر الزمن، يبقى الفضاء الرقمي صدىً للحدث لا وعاءً لاستدامته. كما أن الفضاء الرقمي ساحة غير متكافئة: أجهزة الاستخبارات السودانية – وخلفها مزودو المعلومات الدوليون – استثمرت فيه بشكل منظم. حين تعلق الإنترنت في لحظة حاسمة، يتبين أن التنظيم الرقمي كان يفترض بنية تحتية لا تملكها الحركة. في أكتوبر 2021، حين انقلب الجيش على الحكومة الانتقالية، لم تستطع وسائل التواصل الاجتماعي منعه، لأن ما يمنع الانقلاب ليس التغريدات – بل سلطة مزدوجة حقيقية تكلف الانقلاب ثمناً اقتصادياً واجتماعياً لا يستطيع النظام دفعه.

النقد أعلاه ليس تأبيناً لليسار السوداني ولا إعفاءً للبنية من مسؤوليتها، بل هو محاولة لتحديد أين كانت نقاط الضعف الفعلية، تمييزاً بين ما كان "خطأ يمكن تصحيحه" وما كان "قيداً بنيوياً يحتاج استراتيجية مختلفة". الدرس الأول: الوضوح الطبقي في اللحظة المناسبة. الغموض مفيد في مرحلة التعبئة الأولى، لكن حين تصل الانتفاضة إلى ذروتها يتحول الغموض إلى فراغ يملأه الأقوى تنظيمياً. الحزب الذي يؤجل طرح "من يمتلك ماذا" إلى مرحلة "أنضج" يكتشف أن هذه المرحلة لا تأتي أبداً – لأن الأقوى قد ملأ الفراغ. الدرس الثاني: بناء الجذور في مواقع الإنتاج ليس فقط مواقع الاحتجاج. الحضور في الجامعات والمستشفيات والمحاكم أداة تعبوية، لكن الحضور في مصانع النسيج ومحطات السكة الحديد وتعاونيات الفلاحين هو الحضور الذي يعطي الحزب قدرة الحكم وليس المعارضة فقط. الدرس الثالث: آلية القرار في لحظة الأزمة. الحزب الثوري يحتاج من القواعد الديمقراطية الداخلية في الظروف الاعتيادية، ومن القدرة على الحسم السريع في لحظة الذروة. هذا التوازن لا يبنى في أثناء الانتفاضة – يبنى قبلها بسنوات. الدرس الرابع: النقد الذاتي كممارسة تنظيمية دائمة لا مناسبة استثنائية. ما تعلمناه من لوكسمبورغ ليس فقط أن الأخطاء جزء من الثورة – بل أن الأخطاء التي تحلل وتتعلم منها هي التي تنتج حركة أكثر خصوبة من أي "معصومية" مزعومة.

إذا كان اليسار – بكل تاريخه وتضحياته ونظريته – قد واجه هذه الحدود في 1985 وأعاد مواجهتها في 2019، يصبح السؤال أعمق: ما الذي يجعل بناء الفاعل الثوري صعباً بشكل منهجي في السودان تحديداً؟ الجواب لا يكتمل بإدانة الأشخاص، بل يكتمل بفهم البنية التي تنتج باستمرار ظروفاً معادية لهذا البناء: رأسمالية طفيلية تفكك الطبقة العاملة بدلاً من أن تبنيها، ودولة هشة تعتمد القمع لأنها تعجز عن الهيمنة الفعلية، ومجتمع مقسوم بين مركز نيلي حضري وأطراف مهمشة لا تجمعها هوية طبقية واحدة، وضغوط خارجية تطوق كل تجربة تقدمية بالتدخل والحصار. هذا ما سنحاول معالجته لاحقا في هذه السلسلة: كسر الفصل. كيف يبنى الفاعل الثوري في هذه الشروط بالذات؟ ما البرنامج الانتقالي الذي يتحدى البنية لا يتكيف معها؟ وما أشكال السلطة القاعدية التي تحول القوة الاجتماعية إلى سلطة سياسية دائمة؟ لكن قبل الانتقال، ثمة اعتراف ضروري: إعادة بناء اليسار السوداني لا تعني "تجديد" الصيغ القديمة، بل تعني قطيعة نقدية مع الأنماط التي أعادت إنتاج الإخفاق – مع الاحتفاظ بما كان حقيقياً وصادقاً في تجربة الحزب الشيوعي السوداني الذي دفع ثمناً حقيقياً بدمه.

"الأخطاء التي ترتكبها حركة ثورية حقيقية هي أكثر خصوبة لا نهائياً من معصومية أذكى لجنة مركزية."
روزا لوكسمبورغ.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 8. أزمة التنظيم: لماذا لا يعوّض الشارع الحزب؟
- 7. -إسقاط النظام-: طاقة الشعار وعجزه
- 6. الزمن الثوري: لحظة تُفتح وتُغلق
- 5. الدولة ليست محايدة: الجيش والأمن كجهاز طبقي
- 4. الإضراب السياسي العام 1985: سلاح الطبقة أم حده الأقصى؟
- 3. من في الشارع؟ البنية الطبقية لانتفاضة أبريل 1985
- 2. من ديسمبر إلى أبريل وبالعكس: لماذا تقدمنا إلى 2019؟
- انتفاضة مارس أبريل 1985– قراءة ماركسية جذرية 1. الجذور الاقت ...
- 25. ما بعد المقالات: نحو ممارسة ثورية جديدة
- 24. الربيع العربي كحرب طبقية مؤجلة: دروس الاستراتيجية الثوري ...
- 23. ما بعد الانتفاضات: شروط بناء كتلة تاريخية قادرة على كسر ...
- 22. من الشارع إلى الفراغ: أزمة المشروع الطبقي في الربيع العر ...
- 21. نحو ماركسية عربية معاصرة: استعادة التحليل الطبقي في زمن ...
- 20. من الاقتصاد غير الرسمي إلى التنظيم الثوري: معركة الطبقات ...
- 19. البيئة والصراع الطبقي: النضالات البيئية كصراع على الموار ...
- 18. الثقافة والهيمنة في العصر الرقمي: صناعة الوعي الطبقي وال ...
- 17. الإسلام السياسي كظاهرة طبقية: التحالفات الاجتماعية والاق ...
- 16. الجندر والثورة في السياق العربي: النسوية بين المطالب الط ...
- 15. التبعية والهيمنة الإقليمية: الخليج، الغرب، وإعادة إنتاج ...
- 14. العقد الاجتماعي المستحيل: لماذا لا تستطيع الرأسمالية الر ...


المزيد.....




- Jasenovac on the Serbian Political Market – The Anatomy of a ...
- Protest Is Not Terrorism, No Matter What the DOJ Tries to Te ...
- 11,000 Missiles, $2 Billion a Day, One Ceasefire No Power Co ...
- The Explicit Manifesto of Digital Fascism: Palantir and the ...
- Israel’s War Obsession and the Urgency of Palestinian Levera ...
- الملايين من أصحاب المعاشات رهن “السيستم الساقط”
- هيمنة ترامب المفترسة ترسم الطريق
- المزيد من التقشف للفقراء.. والمكاسب لرأس المال
- حزب التقدم والاشتراكية: “إنجازات” الحكومة يكذبها الواقع وتقا ...
- ما هو يوم الأرض الذي يحتفل به العالم في 22 أبريل/ نيسان؟


المزيد.....

- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة
- ماهية الوضع الثورى وسماته السياسية - مقالات نظرية -لينين ، ت ... / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عماد حسب الرسول الطيب - 9. لماذا فشل الأكثر وعياً؟ (نقد اليسار)