أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.














المزيد.....

هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 12:05
المحور: قضايا ثقافية
    


في هذا العالم الذي فقد حياءه السياسي، لم تعد الحروب تبدأ بإطلاق الرصاص، بل ببيان صحفي أنيق، ولم تعد الهدنات تعني السلام، بل أصبحت استراحة قصيرة للمقاتل كي يعيد ترتيب ذخيرته، ويضبط ربطة عنقه أمام الكاميرات. ما يجري اليوم ليس صراعًا بين دولتين بقدر ما هو مسرحٌ كبير، تُوزّع فيه الأدوار بعناية، ويُطلب من الشعوب أن تصفق وهي جائعة، وأن تؤمن بالحكمة وهي ترى البوارج تلمع في الأفق.حين يقال إن الهدنة مُددت، يظن البسطاء أن العقل انتصر، لكن العالم المعاصر علّمنا أن الكلمات تحمل عكس معانيها. فالتمديد قد يكون تمديدًا لعمر القلق، وتأجيلًا للانفجار، وتوسيعًا لمساحة الخوف لا أكثر. إنهم لا يوقفون النار حبًا بالحياة، بل لأن للحريق توقيتًا أفضل، وللدخان زاوية تصوير أجمل، وللضربة المقبلة شروطًا تسويقية يجب أن تكتمل.المدهش أن السياسة الدولية باتت تشبه تاجرًا عجوزًا في سوق مزدحم؛ يرفع السعر ثم يخفضه، يهدد بالرحيل ثم يعود، يبتسم بيد ويخفي الميزان بالأخرى. تُفرض العقوبات باسم القانون، ويُحاصر الناس باسم الأمن، ويُمنح الخصم فرصة أخيرة كل أسبوع، حتى صارت الفرص الأخيرة أكثر عددًا من فرص البداية نفسها. أما الشعوب، فتقف في الطابور الطويل بين خطابين متناقضين، لا تعرف هل تشتري الخبز أم تشتري الأمل.في مثل هذا المشهد، لا تعود الدول كيانات سياسية، بل تتحول إلى سرديات. كل طرف يريد أن يكتب الرواية قبل أن يكتب التاريخ. من المتعنت؟ من المعتدي؟ من منح الفرصة؟ من أغلق الباب؟ تلك الأسئلة لا تُطرح بحثًا عن الحقيقة، بل بحثًا عن العنوان الأشد تأثيرًا. فالعصر الحديث لا ينتصر فيه الأقوى فقط، بل من يسبق إلى صياغة الخبر، ومن يحسن اختيار الكلمات التي تجعل القصف دفاعًا، والحصار شفقة، والخراب ضرورة أخلاقية.أما الحديث عن الانقسامات الداخلية، فهو الوصفة المفضلة لكل مطبخ سياسي. فإذا اختلف الخصوم قيل إنهم عاجزون عن الحكم، وإذا اتفقوا قيل إنهم يتآمرون، وإذا صمتوا قيل إنهم يخفون شيئًا، وإذا تكلموا قيل إنهم مرتبكون. هكذا تُدار اللغة كما تُدار الجيوش، وتُستعمل المفردات كصواريخ ذكية لا تترك أثرًا ظاهرًا لكنها تصيب المعنى في مقتل.والأسواق، تلك الآلهة الحديثة، تُراقب المشهد بعين أبرد من الجليد. برميل النفط اليوم أكثر حساسية من طفل في ملجأ، وسعر الغاز أهم من دمعة أم فقدت ابنها. إذا ارتجف المؤشر العالمي هرع القادة إلى الميكروفونات يتحدثون عن الاستقرار، لا حبًا بالبشر، بل خوفًا على شاشات التداول. صار الاقتصاد هو القلب الحقيقي للعالم، أما الإنسان فملحق صغير في الهامش.الساخر في الأمر أن الجميع يتحدث باسم السلام وهو يضع يده على الزناد. الجميع يريد الحل الدبلوماسي، لكن كل طرف يفسر الدبلوماسية على أنها استسلام الطرف الآخر. الجميع يرفض الحرب، بشرط أن تقع وفق شروطه. الجميع يدعو إلى الحوار، لكن بعد أن يجلس خصمه منهكًا، معزولًا، ومحاصرًا، كمن يدعو غريقًا إلى نقاش فلسفي حول فوائد التنفس.ولأن الزمن الرديء يحب التكرار، فإن التاريخ يعيد دروسه بطريقة أكثر سخرية. الأمس كانت الإمبراطوريات ترسل الجيوش بالسفن، واليوم ترسلها بالمؤتمرات. الأمس كان الغازي يرفع رايته فوق المدن، واليوم يرفع بيانه فوق المنصات. تغيرت الأدوات، لكن الجشع حافظ على أناقته القديمة.وسط كل هذا، تقف الشعوب كعادتها خارج النص. لا أحد يستشير الأم التي تخاف على ابنها، ولا العامل الذي ينتظر راتبه، ولا الطالب الذي يريد جامعة لا صفارات إنذار. الناس لا يريدون انتصارًا استراتيجيًا ولا توازن ردع ولا إعادة تموضع. يريدون يومًا عاديًا فقط، يومًا بلا أخبار عاجلة، بلا خرائط ملونة، بلا محللين يشرحون لهم لماذا يجب أن يتألموا من أجل مصالح لا يعرفونها.إن أخطر ما في زمننا ليس السلاح، بل اعتياد البشر على مشهد السلاح. ليس الحصار، بل تحويله إلى خبر روتيني. ليس الكذب، بل أناقته. صار الخراب يُقدَّم بربطة عنق، وصارت المآسي تُقرأ بصوت هادئ، وصار العالم يصفق لكل من يؤجل الكارثة أسبوعًا ثم يطالبه بجائزة الحكمة.وهكذا نمضي في قرنٍ يكتب فيه الأقوياء بياناتهم بالحبر، ويكتب الضعفاء مصائرهم بالدم. هدنة من طرف واحد، حصار من كل الجهات، تفاوض على حافة الهاوية، وأسواق تنتظر إشارة البدء. أما الحقيقةالوحيدة التي لا تحتاج إلى تحليل، فهي أن الإنسان ما زال أرخص سلعة في هذا الكوكب، وأن الضمير الدولي لا يظهر إلا في المؤتمرات، ثم يختفي فور انتهاء التصوير.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .
- صدقة المذهب وجوع الإنسان .
- كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .
- هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟
- جمهورية الكراسي المقدّسة .
- النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.
- صناعة الكراهية باسم العقيدة .
- الفاو: حينما استعاد العراقُ وجهه من العاصفة.
- خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطان ...
- جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسع ...
- أنثى تُقيمُ في دمي.
- مرافعةِ الليلِ عن عيونٍ لا تنام.
- كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.
- حين تسقط الأمم من الداخل .
- النداء.
- بين فم المدفع ولسان الصفقة .
- يَشربُ الليلُ ضوءَه .
- هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟
- أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.


المزيد.....




- استقالة -غير معلنة الأسباب- لوزير البحرية الأمريكي.. ما تعلي ...
- لبنان: مقتل صحفية وإصابة أخرى بـ-جروح خطيرة- جراء غارة إسرائ ...
- وداع تحت الرصاص.. الاحتلال الإسرائيلي يقتحم تشييع شهيدي -الم ...
- مقتل الصحفية آمال خليل في غارة إسرائيلية جنوبي لبنان
- -البنتاغون-: وزير البحرية يترك منصبه بمفعول -فوري-
- البيت الأبيض: نعرف من في إيران سيوقّع على اتفاق إنهاء الحرب ...
- -لا داعي للعجلة-.. ترامب رداً على سؤال عن موعد انتهاء حرب إي ...
- إيران في حالة تأهب قصوى وترفض الضغوط.. وترامب يبقي خيار الهج ...
- حرب إيران ـ ترامب ينتظر رد بشأن المفاوضات وطهران ترفض فتح -ه ...
- فرنسا تعلن وفاة جندي ثانٍ من يونيفيل متأثرا بإصابته في جنوب ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.