أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .














المزيد.....

مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 11:49
المحور: قضايا ثقافية
    


في بلادٍ أنهكها الخراب، وتكسّرت على أبوابها الأسئلة الكبرى، ونامت فيها المشاريع قبل أن تولد، ما زال بعض السادة النواب يثبتون لنا كل يوم أن الخيال الشعبي أكثر واقعية من الخطاب الرسمي، وأن النكتة لم تعد تُصنع في المقاهي، بل تُصاغ تحت قبة البرلمان، وتُلقى بوجهٍ جاد كأنها نظرية كونية اكتشفها صاحبها بعد سهر طويل مع أسرار الطقس.خرج علينا نائب جليل، مشكورًا على هذا الإبداع المناخي، ليكشف السر المدفون منذ قرون: أمريكا كانت تمنع سقوط الأمطار على العراق عبر سرقة الغيوم. نعم، سرقة الغيوم، لا النفط، لا القرار السياسي، لا العقول المهاجرة، بل الغيوم ذاتها. ثم لما انشغلت أمريكا بالحرب مع إيران، أفلتت الغيوم من الأسر، وعادت محمّلة بالمطر إلى سماء العراق، كأنها أسرى حرب تم تحريرهم في صفقة تبادل إنسانية.يا لها من لحظة تاريخية. كنا نظن أن علوم الأرصاد تتحدث عن الضغط الجوي، والتيارات الهوائية، والرطوبة، ودورات المناخ، فإذا بنا نكتشف أن كل ذلك هراء أكاديمي، وأن الحقيقة كانت في درج مكتب نائبنا الموقر. لا منخفضات جوية بعد اليوم، بل مؤامرات جوية. لا تغيّر مناخي، بل عصابات دولية تختطف السحب عند الحدود وتعيد بيعها في السوق السوداء.لو كان الأمر بهذه البساطة، فلماذا نتعب أنفسنا ببناء السدود، وإصلاح شبكات المياه، وتطوير الزراعة؟ يكفي أن نفتح مخفرًا لمكافحة تهريب الغيوم، ونشكّل لجنة برلمانية للتحقيق مع البرق والرعد، ونستدعي الرياح الغربية بتهمة التعاون مع جهات أجنبية. وربما نحتاج إلى جهاز أمني خاص لملاحقة السحب المشبوهة التي تدخل الأجواء بلا تأشيرة.إن عبقرية هذا الطرح لا تقف عند حدود المطر، بل تفتح أبوابًا واسعة للمعرفة الوطنية. فلو تأخر الصيف، عرفنا أن هناك حظرًا على الشمس. ولو اشتدت الحرارة، فالمؤكد أن الشمس نفسها مدعومة من السفارات. ولو هبّت عاصفة ترابية، فلابد أن جهة ما هرّبت الصحراء إلى المدن. أما إذا انقطعت الكهرباء، فربما لأن الغيوم سرقت الأسلاك تضامنًا مع المطر.المشكلة ليست في التصريح وحده، بل في العقل الذي يهرب من الحقيقة إلى المسرحية. فمن الأسهل اتهام أمريكا بسرقة الغيم من الاعتراف بأن الفساد سرق كل شيء، وأن سوء الإدارة جفف الأنهار قبل السماء، وأن المشاريع الورقية ابتلعت الموازنات، وأن من أفقر البلاد ليس قراصنة السحب، بل تجار الشعارات. حين يعجز المسؤول عن تفسير الواقع، يستدعي الأسطورة، ويضعها على منصة الخطابة.ما أروع هذا الزمن؛ نائب يتحدث عن الغيوم كما لو أنها قطيع أغنام ضلّ طريقه بين القارات، وجمهورٌ مسكين يحاول أن يفهم: هل نضحك أم ندوّن المعلومة؟ هل نراجع كتب الجغرافيا أم نراجع أعصابنا؟ هل صرنا نعيش في دولة أم في حلقة طويلة من الكوميديا السوداء؟
لو كانت الغيوم تُسرق فعلًا، لكانت أولى بالشكوى من المواطن نفسه. فهي الوحيدة التي ما زالت تأتي إلى بلدٍ يُساء فيه استقبال كل شيء. تأتي بالمطر، فتغرق الشوارع. تأتي بالبرد، فتنهار الخدمات. تأتي بالرعد، فيُعقد مؤتمر صحفي لتحميلها المسؤولية. حتى الطبيعة عندنا تدخل في دوامة الاتهامات.أيها السادة، ليست المصيبة أن يجهل الإنسان، فكلنا نتعلم. المصيبة أن يتحول الجهل إلى خطاب، والخرافة إلى تفسير، والمنصب إلى مسرح. وحين يجلس الوهم على كرسي القرار، يصبح الضحك آخر وسائل النجاة.لقد كان الناس قديمًا ينظرون إلى السماء طلبًا للمطر، أما اليوم فهم ينظرون إليها بحثًا عن دليل جنائي يثبت أين اختفت الغيوم، ومن الذي هرّبها، ومن النائب الذي سيشرح لنا غدًا كيف تم تهريب الشتاء في شاحنة دبلوماسية.
سلامٌ على شعبٍ لم يعد يطلب المعجزات، بل يطلب فقط مسؤولًا لا ينافس المهرجين في مهنتهم.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صدقة المذهب وجوع الإنسان .
- كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .
- هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟
- جمهورية الكراسي المقدّسة .
- النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.
- صناعة الكراهية باسم العقيدة .
- الفاو: حينما استعاد العراقُ وجهه من العاصفة.
- خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطان ...
- جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسع ...
- أنثى تُقيمُ في دمي.
- مرافعةِ الليلِ عن عيونٍ لا تنام.
- كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.
- حين تسقط الأمم من الداخل .
- النداء.
- بين فم المدفع ولسان الصفقة .
- يَشربُ الليلُ ضوءَه .
- هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟
- أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.


المزيد.....




- ما هو تحذير -الزلزال الضخم- النادر في اليابان؟ وكيف سيؤثر عل ...
- صورة.. إيران تعرض صاروخ خرمشهر 4 أمام حشود
- ما أسباب تمديد ترامب وقف إطلاق النار مع إيران؟.. مراسلة CNN ...
- ترامب يمدّد وقف إطلاق النار مع إيران ويُبقي الحصار قائمًا.. ...
- بعد سنوات من عدم الاكتراث.. ليبيا مجددا في بؤرة اهتمام الغرب ...
- طريقة بسيطة لإيقاف نوبات الشراهة خلال 30 ثانية
- ترمب: إيران تنهار ماليا وتتأخر في دفع رواتب الجيش والشرطة
- واشنطن تنفي نقل نظام -ثاد- من كوريا الجنوبية
- إيران.. الحرس الثوري يوجه تهديدا لدول الخليج المجاورة
- منظمة بحرية: إيران تهاجم سفينة حاويات قرب مضيق هرمز


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .