أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.














المزيد.....

النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 10:55
المحور: قضايا ثقافية
    


في الشرق المزدحم بالشعارات، لا تموت المفارقات، بل تتناسل كما يتناسل الغبار في البيوت القديمة. وما يجري في إيران اليوم ليس خلافًا عابرًا بين مسؤولين اختلفوا على صياغة بيان، بل مشهد كامل لدولة تتكلم بلسانين، وتلوّح بيدين، وتسير في اتجاهين، ثم تطلب من العالم أن يصدق أنها تمشي بخط مستقيم.هناك من يخرج بربطة عنق ليحدث الناس عن التهدئة، وعن الحكمة، وعن ضرورة تغليب العقل، وعن فرص السلام، وكأن البلاد صارت فجأة مدرسة لتعليم الحمائم فنون الطيران. ثم لا يلبث أن يظهر من خلف الستار من يقرع الطبول، ويشحذ السيوف، ويعد الخرائط، ويتحدث بلغة النار والبحر والانتقام، وكأن الهدنة ليست إلا استراحة محارب يشرب فيها الماء ثم يعود إلى تكسير الأواني.فمن يحكم إذن؟ صاحب القلم أم صاحب البندقية؟ صاحب المائدة أم صاحب الخندق؟ أم أن السؤال نفسه ساذج، لأن الاثنين يجلسان على الكرسي ذاته، ويتبادلان الأقنعة بحسب الحاجة؟الحقيقة أن الأنظمة المغلقة لا ترى التناقض عيبًا، بل تعتبره جهازًا رسميًا من أجهزة الدولة. ففي الدول الطبيعية توجد وزارة خارجية ووزارة دفاع، أما هنا فتوجد وزارة للابتسامة ووزارة للعبوس. واحدة تتحدث مع العالم عن الاستقرار، والثانية تذكّره كل صباح بأن الاستقرار هشّ كزجاج نافذة في حيّ مشاغب.ما يبدو انقسامًا قد لا يكون انقسامًا، بل توزيع أدوار متقنًا. فالدبلوماسي يطرق الباب برفق، والعسكري يركله من الخلف. الأول يقول: تعالوا نتفاهم. والثاني يقول: وإن لم تأتوا فنحن نعرف الطريق إليكم.وهكذا يتحول الخلاف المعلن إلى مسرحية سياسية يتناوب فيها الممثلون على الخشبة، بينما يبقى المخرج واحدًا، والنص محفوظًا، والتذاكر مدفوعة من جيوب الشعوب.إيران اليوم لا تبحث عن نصر صاخب، بل عن بقاء مؤجل. الحرب تستنزفها، والسلم الكامل يفضحها. الحرب تلتهم الاقتصاد، والسلم يفتح دفاتر الأسئلة القديمة: أين ذهبت سنوات التعبئة؟ أين صُرفت أعمار الناس؟ أين اختفت الوعود التي كانت تملأ الميادين؟ وكيف يتحول العداء الأبدي إلى توقيع تحت ضوء المصابيح؟
لهذا فهي لا تريد حربًا تحرق السقف، ولا سلامًا يفتح النوافذ. تريد منزلة بين المنزلتين: توتر يكفي لإخافة الخصوم، وهدوء يكفي لتأجيل الانهيار. تريد أن تبقى في المنطقة الرمادية؛ لا ميتة فتُدفن، ولا حيّة فتُحاسب.أما الحرس الثوري فليس مجرد قوة مسلحة كما تظن الكتب المدرسية الساذجة. إنه شبكة مصالح، وسوق واسعة، ومصانع ظل، ونفوذ يمتد في الاقتصاد كما يمتد الملح في ماء البحر. إنه سردية كاملة بُنيت على فكرة الخطر الدائم. وإذا انتهى الخطر، بدأ السؤال عن جدوى الحارس. ولذلك فإن أي تسوية كبرى لا تعني تعديلًا سياسيًا فحسب، بل تعني مساسًا بجهاز كامل اعتاد أن يعيش على إيقاع الطوارئ.ومن هنا تبدأ السخرية الثقيلة. جناح يفاوض من أجل رفع الحصار، وجناح يهدد بما يبرر بقاء الحصار. جناح يتحدث عن الاستقرار، وآخر يستثمر في القلق. كأن البيت يشكو من الدخان، بينما أحد ساكنيه يؤجر الغرف لباعة الفحم.أما الطرف الآخر، فلا يتعامل بمنطق الشعر ولا ينتظر نضج الورود. هو يريد جوابًا واضحًا: تنازلات كاملة، أو تصعيد كامل. مهلة محددة، وشروط محددة، ورسالة تقول إن الهدنة ليست سلامًا، بل ساعة رمل موضوعة على الطاولة. فإذا انتهى الرمل، بدأ العد بالنار.وهنا تدخل المنطقة كلها في لعبة الأعصاب. الموانئ تصبح رسائل، والبحار تصبح بيانات، والحدود تتحول إلى أسلاك مكهربة. كلمة واحدة قد ترفع الأسواق أو تسقطها، وتصريح عابر قد يوقظ القواعد العسكرية من نومها. العالم المعاصر لم يعد يحتاج إلى طبول الحرب، يكفيه مؤتمر صحفي غاضب.
أما النهاية المتوقعة، فلا أراها حربًا شاملة عاجلة، ولا سلامًا صافيًا ناعمًا. الأرجح أننا أمام زمن شد الحبال الطويل. ضربات محسوبة، تهديدات محسوبة، تفاوض متقطع، تمديد مؤقت، وابتسامات تلتقطها الكاميرات ثم تمزقها الوقائع بعد ساعات. سيبقى الجميع يتحدث عن الحل، بينما يعمل على تحسين شروط الأزمة.قد يخرج اتفاق جزئي يشبه الضماد على جرح عميق؛ يوقف النزف قليلًا ولا يشفي العلة. وقد تمدد الهدنة مرة بعد مرة، حتى تبدو كأنها مقيم دائم بلا إقامة قانونية. لكن العقدة الأعمق ستبقى كما هي: من صاحب القرار الحقيقي؟ ومن يضمن أن اليد التي وقعت لن تسحب توقيعها عند أول خطاب ناري؟
أما العراق، كعادته، يقف قريبًا من العاصفة أكثر مما ينبغي. كل اضطراب كبير في الجوار يرسل إليه شظاياه. فإذا ضاقت الساحات على الكبار، بحثوا عن أرض رخوة يختبرون عليها صبرهم وقوتهم، ولا أرض أرهقها الجوار مثل العراق.في النهاية، ليست المسألة صراع دولتين داخل دولة، بل صراع وظيفة واحدة تؤديها أداتان. واحدة ترتدي بدلة وتتكلم بهدوء، وأخرى ترتدي الخوذة وتصرخ. كلاهما يحتاج الآخر، وكلاهما يخشاه، وكلاهما يعرف أن سقوط أحدهما قد يفضح هشاشة الثاني.إنها سلطة أتقنت فن السير إلى الأمام وهي تنظر إلى الخلف، وتعلن الهدنة بيد، وتتحسس الزناد بالأخرى. وفي هذا التناقض سر بقائها زمناً طويلًا، وربما فيه أيضًا الوصفة الكاملة لسقوطها حين تتعب الأقنعة من تبديل الوجوه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صناعة الكراهية باسم العقيدة .
- الفاو: حينما استعاد العراقُ وجهه من العاصفة.
- خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطان ...
- جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسع ...
- أنثى تُقيمُ في دمي.
- مرافعةِ الليلِ عن عيونٍ لا تنام.
- كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.
- حين تسقط الأمم من الداخل .
- النداء.
- بين فم المدفع ولسان الصفقة .
- يَشربُ الليلُ ضوءَه .
- هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟
- أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.
- قامةٌ لا تنكسر.
- بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.
- مرآة المعايير المكسورة .
- ريما… فلسفة الخيانة بنكهة العطر .


المزيد.....




- ما هو تحذير -الزلزال الضخم- النادر في اليابان؟ وكيف سيؤثر عل ...
- صورة.. إيران تعرض صاروخ خرمشهر 4 أمام حشود
- ما أسباب تمديد ترامب وقف إطلاق النار مع إيران؟.. مراسلة CNN ...
- ترامب يمدّد وقف إطلاق النار مع إيران ويُبقي الحصار قائمًا.. ...
- بعد سنوات من عدم الاكتراث.. ليبيا مجددا في بؤرة اهتمام الغرب ...
- طريقة بسيطة لإيقاف نوبات الشراهة خلال 30 ثانية
- ترمب: إيران تنهار ماليا وتتأخر في دفع رواتب الجيش والشرطة
- واشنطن تنفي نقل نظام -ثاد- من كوريا الجنوبية
- إيران.. الحرس الثوري يوجه تهديدا لدول الخليج المجاورة
- منظمة بحرية: إيران تهاجم سفينة حاويات قرب مضيق هرمز


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.