جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي
(Jihad Hamdan)
الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 00:47
المحور:
أوراق كتبت في وعن السجن
لكل يوم قصة وللحادي والعشرين من نيسان عام 1989 قصته الخاصة في حياتي. ففي الساعات الأولى من ذلك اليوم كنت وعددا من رفاقي في الحركة الوطنية الأردنية ومنهم شقيقي سمير حمدان على موعد غير مضروب مع زوار الفجر حيث داهمت منزلي في جبل المنارة في عمان قوة من المخابرات العامة. وجرى سوقي مع من تم اعتقالهم في تلك الليلة من عمان وإربد والسلط والكرك والزرقاء وغيرها من المدن والقرى والمخيمات إلي سجن سواقة الصحراوي.
كل ذلك تم على خلفية الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها معان والكرك والطفيلة، حيث بدأت الهبّة في معان يوم 18 نيسان وتبعتها المدن الأخرى بعد قيام حكومة زيد الرفاعي امتثالا لتوجيهات صندوق النقد الدولي برفع أسعار المحروقات وبعض السلع الأخرى بالإضافة إلى التدهور السريع والكبير لقيمة الدينار أمام الدولار. وبدلا من التجاوب مع مطالب المحتجين تعاملت الحكومة معهم بقسوة مما أوقع ضحايا وجرحى. وكادت الأمور تخرج عنن السيطرة وخشيت الحكومة من اتساع حركة الاحتجاج وانتقالها إلى بقية المدن. ولذلك لم تكتف باعتقال المئات في الجنوب فوسّعت الحملة في الوسط والشمال فوصلتنا.
لم نكن في الحزب ولا في الحركة الوطنية من خطط لتلك الاحتجاجات فقد فاجأنا اندلاعها وسرعة انتشارها، وإن كان بعض رفاقنا في الجنوب قد شاركوا فيها بحكم إقامتهم هناك وانخراطهم في النضالات اليومية للمواطنين. لقد سمعت بالأحداث يوم 17 نيسان من ال بي بي سي حيث كنت في اجتماع مع عدد من رفاقي في قيادة الحزب المعنيين بتحرير جريدة الحزب "الجماهير". وانفض الاجتماع ولم أتلق بعده تعليمات محددة ولكنني كنت أعرف أن الحزب سيتحرك في إطار الاحتجاجات السلمية وفق إمكانياته وأنّ الاعتقالات ستطالنا. وقد أصدر ألحزب بعد ذلك بيانا أعلن فيه تضامنه مع المحتجين وحمّل مسؤولية ما حدث لسياسة الحكومة الاقتصادية واستمرارها في كمّ أفواه المواطنين ودعا إلى التراجع عن هذه السياسات وإطلاق سراح المعتقلين وإلغاء الأحكام العرفية. وعلمت أنّ توزيع البيان تم بشكل علني في ظل الرقابة الأمنية المشدّدة زمن الأحكام العرفية.
في تلك الليلة الرمضانية قمت بزيارة بعض أقاربي في مخيم الوحدات بعد الإفطار وعدت بحدود منتصف الليل. وخلدت زوجتي سميرة وأطفالي الأربعة مؤيد وباسل ووائل وهادي إلى النوم بسرعة. أما أنا فبدأت أعد مادة كتابية لجريدة الحزب. وقبل السحور بقليل دق شباك صالة صغيرة في بيتنا محاذية للشارع العام مباشرة فأدركت أنهم همْ. "شقيت" الشباك قليلا فوجدت اثنين بمحاذاته. قال أحدهم "افتح الباب دون ضجيج. احنا المخابرات". فأجبت "استنوا أيضا دون ضجيج حتى أفتح. ما رح أشرد" وأغلقت الشباك. أتلفت ما كان بيدي من أوراق وارتديت ملابسي وأيقظت زوجتي، وفتحت الباب. دخلوا ثلاثة إلى غرفة الضيوف. سألني أحدهم "اتصلت تليفون بحدا؟" قلت "أمن وما بتعرفوا إنّه ما عندي تلفون؟" لم يعلق. ثوان وكنت في سيارة أوبل حمراء أنا في المنتصف في المقعد الخلفي بين عنصرين من الأمن وعنصر ثالث في المقعد الأمامي. سار السائق بسرعة في شارع الاستقلال. لم يكن هناك شتائم أو إهانات. فقط خرج أحدهم عن صمته وقال "أتعبتنا يا جهاد. إخذتنا إلى أماكن وزقاقات عمرنا ما دخلناها" في إشارة إلى رصدهم ومراقبتهم لي قبل الاعتقال انتظارا لساعة الصفر.
في السيارة ومن خلال ما تستقبله أجهزة الاتصال مع المجموعة فهمت أن الحملة كانت واسعة وربما لا تستوعبها زنانين المخابرات فعلّقت: "مبين ما ظل حدا فالت. وين بدكوا تحطوهم؟" فرد الجالس في المقعد الأمامي: "بلاش فلسفة". وصلنا مبنى المخابرات العامة في العبدلي بسرعة. كانت سيارات نقل السجناء في الانتظار. من يصل يُزجّ به في إحداها. بدأ الرفاق يهلّون زرافات ووحدانا. شباب يعيشون التجربة للمرة الأولى ومخضرمون ممن عرفتهم السجون والمعتقلات الصحراوية لسنين ومنهم الرفيق وليد عطيوي الذي جلب معه مستلزمات السجن (عدة حلاقة، فرشاة أسنان، إلخ). لم يمض وقت طويل حتى تحركت ناقلات المساجين صوب الصحراء. منّا من قال إنّ الوجهة سجن سواقة ومنّا من قال يوزعوننا على سواقة والجفر. وفي الواقع ساقونا جميعا إلى سواقة. تفتيش وحلاقة على الصفر، نزع الملابس المدنية وارتداء زي السجن ثم إلى الزنازين الانفرادية. ولكنّ إقامتنا في الانفرادي لم تطل. فبعد أيام نقلونا إلى مهجع كبير من جناحين وهناك عرفنا حجم الحملة وعرف كلٌّ منا أصحابه في هذه الرحلة.
لست هنا بصدد سرد جانب من ذكرياتي ويوميات السجن فذلك له مكان آخر. ويكفي أن أذكر أننا كنا نقوم بنشاطات ثقافية ورياضية ونحتفي بالمناسبات ومنها عيد العمال في 1 أيار. وقد نظمت قصيدة ألقيتها في هذه المناسبة لاقت استحسان الرفاق.
في ذلك الوقت كنت أعمل موجها للغة الإنجليزية في مركز التطوير التربوي التابع لوكالة الغوث الدولية. وكان أخي سمير معلما في مدرسة ذكور وقاص في الوكالة. وقد أرسلنا لمدير الوكالة رسالة من السجن كتبت على ورق السجائر وهرّبتها مع زوجتي عبر شبك الزيارة، وحملتها إلى مدير الوكالة ساف الرفيقة الشجاعة الدكتورة أمال شاهين زوجة رفيقنا في المعتقل الدكتور سمير سماوي.
مرّت الأحداث بسرعة. فقد ذهب الأمير الحسن إلى معان يوم الهبة الأول وحاول تهدئة المتظاهرين ولكن دون وعود واضحة وصريحة بإحداث تغيير، فاستمرت الاحتجاجات. وكان لا بد من تدخّل مباشر من الراحل الملك حسين الذي كان في زيارة للولايات المتحدة، فقطع زيارته وعاد إلى البلاد حيث "أقال" في 24 نيسان حكومة زيد الرفاعي التي حمّلها الشعب مسؤولية التدهور الذي شهده الأردن واعتبرتها الأحزاب السياسية والحراكات الشعبية رمزا للفساد والإثراء غير المشروع وإغراق البلاد في الديون الخارجية. وحرمها الملك على غير العرف المتبع مع الحكومات المستقيلة من تصريف الأعمال حتى تشكيل حكومة جديدة حيث تم تكليف الأمناء العامين للوزارات القيام بذلك. وجرى تشكيل حكومة جديدة برئاسة الشريف زيد بن شاكريوم 27 نيسان. وأحدثت الحكومة انفراجة تدريجية في الحياة السياسية. وبدأت الساحة داخل السجن وخارجه وفي الصحافة المحلية تشهد نقاشات حادة حول ما هو مطلوب سياسيا واقتصاديا. وتعالت الأصوات المطالبة بإلغاء الأحكام العرفية وإجراء انتخابات نيابية حرة ونزيهة. وشارك المعتقلون السياسيون في هذا الحراك وأرسلوا من سجنهم مذكرة وقعها اثنان وستون منهم إلى رئيس الوزراء ثمنوا فيها هبة نيسان المجيدة وأكدوا على مجموعة من المطالب أهمها: إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإطلاق حرية العمل السياسي والجماهيري بما في ذلك التنظيم الحزبي والنقابي وحرية الصحافة وإلغاء الاتفاق مع صندوق النقد الدولي. وقامت الحكومة بإجراء تعديلات على قانون الانتخابات. وصدرت الإرادة الملكية بإجراء الانتخابات وبدأت في الدوران عجلة الإصلاح السياسي وطي صفحة الأحكام العرفية. وتم إطلاق سراح المعتقلين السياسيين. ففي يوم 3 أيلول وبعد الظهر تحديدا جاء ضابط كبير مع عدد من المرافقين إلى "قاووشنا" وكنت ألعب طاولة الزهر مع عزت الدريدي في "بهو" المهجع وألقى علينا التحية وقال "ظبوا الطاولة واتبعوني إلى الداخل". وهناك قال "استعدوا، هناك إجراءات بانتظاركم". لم يكن من الصعب علينا توقع الخطوة القادمة وهي الإفراج عنّا دون قبد أو شرط. كانت الأجزاء مهيئة لذلك، فالبلاد تستعد للانتخابات وخرج الرفاق من الاختفاء وتغير الخطاب الرسمي إلى حد لا يمكن إلا ملاحظته. انتقلنا إلى مسرح السجن وهناك تحدث الينا ضابط من المخابرات بلهجة تحمل جانبا من النفس القديم وكأنه محمول على قول ما يقوله وأخبرنا بأنه سيتم إطلاق سراحنا وعلينا التقيد بالقوانين. وبسرعة خلعنا ملابس السجن وارتدينا ملابسنا بل إن رفيقنا الدكتور سامي حمارنة لم يجدوا ملابسه بسرعة فتأخر الإفراج عنه. ومن المفارقة أنّ حكومة الرفاعي جلبتنا إلى السجن بناقلات المساجين أما حكومة ابن شاكر فرمتنا على باب السجن و"الشاطر يروّح بشطارته". كان يحنّ علينا السائقون فيقف بعضهم وينقلنا إلى أقرب مسار يتفق مع رحلته. وصلت بيتنا في المساء وكانت مفاجأة سارة لزوجتي وأطفالي الأربعة. وفي اليوم التالي كنت بين زملائي في العمل. وهكذا طويت صفحة من حياتي ظلت دائما مصدرا لاعتزازي. كنت سعيدا بمساهماتي المتواضعة مع رفاقي في الحزب الشيوعي والحركة الوطنية بالعمل بين الجماهير التي كان هديرها جبارا في نيسان 1989 فلم يكن هناك أحد قادر على صمّ أذانه عن سماعه والإصغاء إليه بل والاستجابة لأهم شعاراته.
وبالفعل جرت الانتخابات النيابية يوم 8 تشرين الثاني 1989 في أجواء معقولة من النزاهة والحياد. وكان ذلك إيذانا بالعودة إلى مسار الديمقراطية الذي انقطع بالإطاحة بحكومة سليمان النابلسي التي تشكلت بعد انتخابات حرة ونزيهة وحكمت بين 29 تشرين الأول 1956 وحتى 10 نيسان 1957.
مرت نياه كثيرة تحت الجسر في هذه الرحلة. وقد أعود للكتابة حول هبة نيسان وما سبقها وتبعها من أجواء وأحداث بعد أنْ سمحت لي حبيبتي الأكاديميا سشكلها الرسمي بمفارقتها والانتباه إلى أحبة آخرين.
كل عام ورفاقي الذين شاكوني مهجع سوافة ولم يبدّلوا تبديلا بألف خير عافية والرحمة والسلام لأرواح من صاروا في ذمة الأبدية.
وكل عام وجميع الشرفاء في بلادنا بألف خير
تجدون أدناه نص الرسالة التي وجهت إلى مدير الوكالة ونص القصيدة التي ألقيت في 1 أيار 1989.
سعادة مدير شؤون وكالة الغوث الدولبة في الأردن المحترم
تحية واحتراماً،
كما تناهى إلى علمكم، فقد فامت أجهزة الأمن الأردنية "المخابرات العامة" بمداهمة بيوتنا في الساعلت الأولى من يوم 21/4/89 وجرى اعتقالنا وتوقيفنا في سجن سواقة الصحراوي دون أن توجّه لنا تهمة سياسية معينة. وباستثناء ما نشر في بعض الصحف المحلية لاحقاً لم نعلم شيئا عن سبب اعتقالنا اللهم إلا أنه جاء على هامش الاحتجاجات التي شهدتها بعض المدن والقرى الأردنية في الفترة إياها إثر انفجار الأزمة الاقتصادية وما خلّفه ذلك من صعوبات في حياة الناس.
إننا كموظفين في وكالة الغوث الدولية التي هي إحدى منظمات الأمم المتحدة نتمسّك بالمبادىء التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومنها بالطبع حقه في التعبير عن رأيه بوسائل وأساليب سلمية ... تلك المبادئ التي وجدت صدى لها في بعض مواد أنظمة قانون الموظفين التي تلتزم بها إدارة الوكالة والموظفون العاملون في جهازها، ومن المفيد الإشارة هنا إلى أننا نعتبر أنفسنا سجناء ضمير لا يلجأون إلى العنف في التعبير عن آرائهم في شؤون الحياة خارج أوفات وظيفتهم الرسمية وبما لا يتعارض مع النظم والفوانين المعمول بها في وكالة الغوث. إننا إذ نفخر بانتمائنا إلى الأنروا ... هذه المؤسسة التي عملت ولا تزال على تخفيف حجم المآسي والآلام التي يتعرض لها اللاجئون، فإننا نناشدكم بأن تعملوا ما في وسعكم وفي إطار المكانة المرموقة لكم ولوكالة الغوث لحماية موظفي الوكالة من عسف الخروقات التي تتعرض لها مبادئ حفوق الإنسان خاصة عندما يطال ذلك موظفين على رأس عملهم ويقومون به خير فيام بشهادة إدارة الوكالة.
الاسم الرقم الوظيفي
جهاد محمد حمدان 3689
سمير محمد حمدان 5376
للخبز باسٌ لو عرفتم فعله
هبّ الأباة فأزهـــــرت آمـــــــال وتحرّكت بعد السكــــون جبالُ
وبغى الطّغاة إذ رأوا أحلامهــــمْ قد هدّها بعــــد الصعـــود رجالُ
فتفنّنوا في الردّ علّ رئيســــــهمْ ينجـــو وقد شُــــدّت عليه حبالُ
من قال إنّا أمّــــة مهزومـــــــــة ظــلـَـم الحـــقيقـــة أو أتاه خبالُ
للخبز بأس لــو خبرتــم فعلــــــه لعرفتموا أنّ الحــياة سجــــــالُ
نمضي إلى العلياء نحمل روحنا فالنّصر صبرٌ شرْطُه ونـــضالُ
عمّان يا أمّ الـقرى كيف الكرى ومعـان تزار والسكوت مــحالُ
فيــــك الرّفـاق بيانهم أصداؤه في كـــلّ بــيت بثّـه الأبطـــــالُ
قومي فأحرار البــلاد تجمّــعت وتقدّمـــي إنّ النجـــوم تطـــالُ
الشّعب سجّل في الجنوب ملاحماً بالدّم زخــرفها فنعم خصـــــــال
كركٌ يزيّن صدرَها شهــــداؤها وطــفيـــلةٌ يوم النّزال مثــــــالُ
ولمادبــا والســّلط ألــف تحيّــة وكــــذا لإربــد قولُـــها أفـعــالُ
عــزّ الفـداء فقدّمـت فــلذاتهـــا فــدوى لشــــعب كلــّه إقبـــــــال
و”سواقة” ما ظلّ سجناً مظلماً فوجودكـــم نـــــورٌ له وجـــلالُ
نيسـان شــرّفنا وأنْضج زرعنا الزّهر يزهــو والحصـاد غــلالُ
وحكـومة الإفساد ولّت ظهرهـا ورئيســـها قــــد جاءَه زلـــزالُ
هذا الرفاعي قد عرفتم فعلهُ أمّـــا ابن شاـكـــر حــوله أقـــوال
حسبُ الطّلائع أنّكم خير الـورى من عزْمكم فلترضع الأشبــالُ
لا تُخْدعـون بمــارق أو مـرتش يلقي الوعـود وبطشه مُنهـــالُ
أيّار عمّـدكم وصلّب عـودكم فتوحّدوا- تتبـعكـم الأجيــــــــالُ
#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)
Jihad_Hamdan#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟