|
|
المساواة القومية كشرطٍ للمساواة المدنية
عوفر كسيف
الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 22:55
المحور:
القضية الفلسطينية
إن التّوتر القائم بين الفرد والجماعة يرافق الفكر السياسي الحديث منذ عصر التنوير. تميل المقاربة الليبرالية الكلاسيكية إلى تقديس حقوق الفرد كقيمة عليا، مع النظر إلى الدولة بوصفها مجموعة من أفراد مستقلّين عن بعضهم، "ذرات متفرقة". غير أنّ نظرة تاريخية معمّقة تكشف حقيقة أكثر تعقيدًا: فبدون الاعتراف بالحقوق الجماعية وبالمساواة القومية، يبقى الشطر الأكبر من المساواة المدنية في كثير من الأحيان مجرد وعد فارغ أو ذر للرماد في العيون. ولكي يكون الإنسان حرًا حقًا كفرد وينال معاملة متساوية، لا بدّ أن يكون جزءًا من جماعة تحظى مكانتها وهويتها هي الأخرى باحترام ومساواة داخل المجتمع.
تصوغ كلمات الكونت ستانيسلاس دو كليرمون-تونير الشهيرة عام 1789 في الجمعية الوطنية الفرنسية، بأكثر صورة مكثفة، المقاربة التي تنفي الحقوق الجماعية باسم المساواة المدنية: "يجب حرمان اليهود من كل شيء كأمّة، ومنحهم كل شيء كأفراد... عليهم أن يكونوا مواطنين فقط".
ظاهريًا، يبدو أن الأمر اقتراح جدير بالقبول. فقد دُعي اليهود، الذين تعرّضوا للاضطهاد والتمييز عبر أجيال، إلى الانضمام إلى أسرة الإنسانية المتساوية. لكن التفاصيل الدقيقة كانت مدمّرة: فلكي ينال اليهودي المساواة المدنية، كان عليه أن يتخلى عن هويته الجماعية. لقد اشترطت المساواة بالاندماج. افترضت مقاربة كليرمون-تونير أنه يمكن فصل الإنسان عن جماعته، وعن لغته وثقافته، وتحويله إلى "مواطن مجرّد" في مواجهة دولته.
أما في الواقع، فقد أدّت هذه المقاربة إلى خلق عدم مساواة بنيوي. فعندما لا تعترف الدولة بالحقوق الجماعية لمجموعة عانت من تمييز وإقصاء مستمرَّين، متجاهلة بذلك السياق الذي لا ينفصل فيه الفرد عن جماعته (ثقافيًا، دينيًا، لغويًا، إلخ)، فإنها في الحقيقة تحرمه من الأدوات الفعلية لتحقيق ذاته. إن الفرد الذي تُهمَّش هويته الجماعية ولا تحظى بالاحترام اللائق، يتعرّض لانتهاك مباشر لكرامته الإنسانية ولحرية اختياره. بهذا المعنى، تُشكّل الحقوق الجماعية الإطار الذي يتيح لحقوق الفرد أن تتجسّد وتتحقّق في الواقع؛ وبدونها، يبقى مفهوم المساواة حبرًا على ورق، مجرد إعلان شكلي فارغ يترك الفرد ضعيفًا ومنفصلًا عن الروابط الاجتماعية الضرورية لنموّه الكامل وحريته.
قبل بضع سنوات من الثورة الفرنسية، نشر الإمبراطور النمساوي يوزف الثاني "براءة التسامح" وميثاق الحقوق لليهود. وقد فتح يوزف الثاني، "المستبدّ المستنير"، أمام اليهود أبواب الجامعات والتجارة، لكنه في الوقت نفسه حظر استخدام اليديشية والعبرية في الوثائق الرسمية، وألغى الاستقلالية القضائية للجماعة، وفرض عليهم الخدمة العسكرية.
تُظهر حالة جوزيف الثاني كيف أن منح حقوق فردية (مثل الحق في التعلّم أو التجارة) من دون الاعتراف بالحق الجماعي في الحفاظ على الجماعة وطابعها، يؤدي إلى محو الهوية. إن المساواة المدنية دون أساس من المساواة القومية تعني أنه يُسمح للفرد بالنجاح — بشرط أن يتوقف عن أن يكون ما هو عليه. وبهذا المعنى، تتحول حقوق الفرد إلى أداة بيد الدولة لفرض التماثل (التجانس) على السكان، بدل أن تكون وسيلة لتحرير الإنسان.
لماذا، إذن، تُعدّ المساواة القومية شرطًا ضروريًا؟ تكمن الإجابة، كما أوضح أرسطو قبل نحو 2500 عام، في فهم أن لا يمكن تحقيق الحياة ذات المعنى، الحرية والازدهار الإنساني، إلا ضمن إطار جماعي، وليس في انفصال أو تذرير. فالفرد الذي يشعر بأن جماعته تتعرض للتمييز أو الإقصاء على المستوى السياسي، سيجد صعوبة في ممارسة حقوقه المدنية. إن الشعور بالاغتراب عن الدولة ورموزها يخلق حاجزًا نفسيًا وعمليًا أمام الاندماج على قدم المساواة.
إن الدرس التاريخي المستفاد من أقوال كليرمون-تونير وسياسة يوزف الثاني هو أنه لا يمكن "تفكيك" الإنسان ووضع مكانته المدنية "العامة" في مواجهة هويته القومية أو الدينية أو الثقافية "الخاصة". إن انفصامًا اجتماعيًا كهذا، كما كتب كارل ماركس في "المسألة اليهودية"، لن يحرّر الإنسان من قيوده حقًا، بل سيغيّر فقط أنماط إخضاعه وعدم مساواته.
بدلًا من نموذج "المساواة مقابل التنازل عن الهوية"، ينبغي أن نسعى إلى نموذج المساواة من خلال الاعتراف. في هذا النموذج، تشكّل الحقوق الجماعية الدعائم أو السقالات التي يُبنى عليها بيت حقوق الفرد. فقط عندما تحظى قومية الفرد بمكانة متساوية في الحيّز العام، يمكن للفرد نفسه أن يشعر بأنه مواطن متساوي الحقوق بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إن المساواة القومية ليست عدوًا للمساواة المدنية؛ بل هي الضمانة الوحيدة لكي تكون المساواة المدنية جوهرية، قائمة على الاحترام ودائمة.
عند إسقاط النقاش التاريخي بين كليرمون-تونر ويوزف الثاني على الواقع الإسرائيلي في القرن الحادي والعشرين، يتضح أن التوتر بين الحق المدني والحق القومي ليس مجرد مسألة فلسفية، بل هو جوهر الصراع على طابع الدولة. إن تطبيق هذه المبادئ على العلاقات بين الأغلبية اليهودية والأقلية العربية-الفلسطينية في إسرائيل يكشف السبب في أن محاولة الفصل بين "المساواة المدنية" و"المساواة القومية" محكوم عليها بالفشل، وأن الذين يدعون إلى الفصل بينهما كشرط لتحقيق الأولى هم مخطئون ومضللون، وبذلك لا يفعلون سوى تعزيز التمييز وعدم المساواة.
في إسرائيل، يميل الخطاب المؤسساتي أحيانًا إلى تبني مقاربة كليرمون-تونر بصيغة حديثة: "كونوا مواطنين متساوين كأفراد، لكن لا تطالبوا بالاعتراف بكم كجماعة قومية". تبدو الدولة وكأنها تضمن المساواة في الحقوق لجميع مواطنيها، لكنها في الوقت نفسه تُعرّف المجال العام والرموز وقوانين الأراضي والملكية والهجرة والتجنيس، بل وحتى لغة الدولة، بوصفها يهودية حصريًا (وهو اتجاه بلغ ذروته في قانون أساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي).
في مثل هذا الوضع، يجد المواطن العربي نفسه في كمين يشبه فخ يوزف الثاني: فهو مدعوّ، ظاهريًا، إلى الاندماج في الاقتصاد والأكاديميا والخدمات العامة، لكنه مُطالب بالقيام بذلك مع "تعليق" هويته القومية. وعندما لا تستند المساواة المدنية إلى بنية من المساواة القومية، فإنها تتحول إلى آلية اندماج زائف، وإلى وهمٍ بالاندماج. فيمكن للمواطن العربي أن يكون طبيبًا أو قاضيًا، لكن مطالب بالعمل داخل منظومة لا تعترف بلغته كلغة رسمية، ولا تموّل مؤسساته الثقافية بشكل متساوٍ، ولا تمنحه تمثيلًا في الهوية الجماعية للدولة، بل ولا حتى في توزيع مواردها المادية.
إن الادعاء بأن المساواة القومية شرط ضروري لتحقيق المساواة المدنية تتعزز بشكل أكبر في ثلاثة مستويات مركزية في المجتمع الإسرائيلي:
توزيع الموارد الجماعية: تُوزَّع معظم الموارد في إسرائيل (الأراضي، ميزانيات التطوير، والتخطيط والبناء) على مستوى فئوي. وعندما لا تعترف الدولة بالأقلية العربية-الفلسطينية كجماعة تمتلك حقوقًا تاريخية واحتياجات خاصة، فإن المساواة المدنية الفردية تتآكل. لن يستطيع الفرد العربي أن يمارس حقه في السكن إذا لم يتم الاعتراف ببلدته على المستوى الجماعي فيما يتعلق باحتياجاتها التخطيطية. الحق في اللغة والثقافة: بخلاف النموذج الفرنسي الذي سعى إلى محو الخصوصية، فإن الواقع في إسرائيل هو واقع مجموعتين قوميتين متميزتين. وبدون مساواة قومية تُرسّخ مكانة اللغة العربية وحق الأقلية في الإدارة الذاتية في مجالي الثقافة والتعليم، يبقى المواطن العربي دائمًا "ضيفًا" في الحيّز العام للأغلبية. إن المساواة المدنية الحقيقية تتطلب أن يشعر المواطن بأنه في بيته من خلال لغته وهويته. المشاركة السياسية الجوهرية: سعت أقوال كليرمون-تونر إلى منع اليهود من امتلاك قوة سياسية كجماعة. في إسرائيل، تنبع محاولات استبعاد القوائم العربية أو إقصائها من مراكز صنع القرار من عدم الاستعداد للاعتراف بشرعية الأقلية كجماعة سياسية ذات مصالح قومية. وبدون مساواة قومية، يبقى الصوت المدني للأقلية ضعيفًا ومحصورًا في القضايا "المدنية" فقط، وسط إقصائه عن القضايا الجوهرية المتعلقة بطبيعة الدولة. إن الاستنتاج المستفاد من التاريخ والواقع الإسرائيلي هو واحد: لا توجد مساواة مدنية من دون اعتراف قومي. إن محاولة تقديم "حقوق فردية" للأقلية العربية-الفلسطينية في إسرائيل مع تجاهل هويتها القومية أو حتى إنكارها، هي صدى لمقاربات تنويرية محدودة تعود إلى القرن الثامن عشر. ينبغي تبنّي قيم التنوير بكاملها مع تكييفها مع واقع القرن الحادي والعشرين في إسرائيل، وهذا يعني: مساواة جماعية وليس فردية فقط.
من أجل تحقيق ديمقراطية مستقرة وعادلة، ينبغي لإسرائيل أن تنتقل من نموذج كليرمون-تونر – الذي يرى في الهوية الجماعية للأقلية تهديدًا للمواطنة – إلى نموذج المساواة الجوهرية. إن مثل هذه المساواة تعترف بأن حق الفرد في أن يكون مواطنًا متساويًا يمر عبر حقه في الانتماء الكامل إلى المجال القومي، بكل ما يترتب على ذلك من حيث الرموز والموارد والاعتراف. وعندما تعترف الدولة بالعرب وبالحاجة إلى مساواة قومية كاملة، عندها فقط سيتمكن المواطنون العرب من ممارسة حقوقهم الفردية لا كمنّة، بل كحق أساسي طبيعي ومصون.
وهنا، أدعو جميع مواطني الدولة، الفلسطينيين وأنصار المساواة الديمقراطية الكاملة، إلى عدم الانخداع بالجهات التي تصرّ على أن المساواة المدنية يمكن أن تتحقق مع تخلّي الأقلية القومية عن مكانتها كأقلية. فهذا ليس عادلاً ولا واقعيًا، بل مجرد توقع زائف ومضلِّل.
#عوفر_كسيف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عصيان مدني الآن! الديكتاتورية بأكملها قاب قوسين أو أدنى
-
لِماذا أنا يهوديّ معادٍ للصهيونية؟
-
القومية والثورة والاشتراكية: ميراث لينين في قضية حق تقرير مص
...
-
نعم للاشتراكية – لا للصهيونية!
المزيد.....
-
-الشانغل- الهجين.. الولد الشقي الذي صنع الفكاهة والاندماج بك
...
-
ترمب يعلن مهاجمة سفينة شحن إيرانية بخليج عُمان وطهران تتوعد
...
-
أوكرانيا تقترح مظلة صاروخية أوروبية وتدعو لقمة بين زيلينسكي
...
-
نائب رئيس -المؤتمر السوداني-: لا حسم عسكريا للصراع ولا بديل
...
-
قبيل جولة المفاوضات.. هذه أبرز مطالب واشنطن وطهران
-
جائزة مولاي الحسن للألعاب الرياضية الجامعية.. الدورة ال15 ره
...
-
محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا
...
-
رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس
...
-
بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت
...
-
بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
المزيد.....
-
المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا
...
/ غازي الصوراني
-
إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
/ محمود الصباغ
-
بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف
...
/ غازي الصوراني
-
قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة
/ معتصم حمادة
-
مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني
/ غازي الصوراني
-
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي
...
/ غازي الصوراني
-
بصدد دولة إسرائيل الكبرى
/ سعيد مضيه
-
إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2
/ سعيد مضيه
-
إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل
/ سعيد مضيه
-
البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية
/ سعيد مضيه
المزيد.....
|