أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - مصطفى مراد الدباغ… من يوثّق الذاكرة حين يرحل حرّاسها؟














المزيد.....

مصطفى مراد الدباغ… من يوثّق الذاكرة حين يرحل حرّاسها؟


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 20:52
المحور: القضية الفلسطينية
    


في كل مرةٍ ترحل فيها قامةٌ من قامات فلسطين، لا يكون الغيابُ مجرّدَ فقدانِ إنسان، بل انطفاءُ جزءٍ من الذاكرة، وانكسارُ صفحةٍ من كتابٍ كُتب بالحبر والدم معاً.

رحل مصطفى مراد الدباغ، الأديبُ والمؤرخُ والمربّي الفلسطيني البارز، الذي وُلد عام 1897 في يافا، فلسطين، لكن الحقيقة أن الذي رحل معه لم يكن رجلاً فقط، بل خريطةً كاملةً من الحكايات، وذاكرة وطنٍ ظلّ يقاوم النسيان بالكلمة والمعرفة. كان من أولئك الذين فهموا أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على الرواية أيضاً… على التفاصيل الصغيرة التي إن ضاعت ضاع الوطن في زحام التزوير.

كرّس الدباغ حياته للتعليم والمعرفة، فعمل مدرساً، ثم مديراً في الخليل، ومن ثم مدرساً للعلوم الاجتماعية في الكلية العربية في القدس، مؤمناً بأن بناء الإنسان هو الطريق الأعمق لحماية الوطن. ولم يكن التعليم عنده وظيفةً، بل رسالة مقاومةٍ تُزرع في العقول كما تُزرع الأشجار في الأرض.

ولم يكن الدباغ مؤرخاً عابراً، بل باحثاً ميدانياً دقيقاً حرص على توثيق أسماء وتاريخ القبائل العربية في فلسطين. وبعد الانتهاء من جولاته التفتيشية، كان يلتقي مشايخ القرى ومخاتيرها، ليسألهم عن عادات البلدة وتسميتها السابقة وأبرز معالمها، فاجتمعت لديه مادةٌ معرفيةٌ واسعةٌ عن فلسطين، شكّلت الأساس الذي بُني عليه عمله الموسوعي الأكبر.

خسرت فلسطين برحيله مؤرخاً ومربّياً آمن بأن التعليم مقاومة، وأن الوعي هو الحصن الأخير حين تتهاوى الجدران. وخسرت أديباً لم يكتب ليُخلّد نفسه، بل ليحمي ذاكرة شعبٍ من الضياع.

ومن أبرز مؤلفاته: «مدرسة القرية»، و«الموجز في تاريخ فلسطين منذ أقدم الأزمنة حتى اليوم».

وقد جاء عمله الأضخم، كتاب «بلادنا فلسطين»، في 11 مجلداً، يغطي فلسطين وقراها بتفاصيلها التاريخية والجغرافية والاجتماعية، ليشكّل واحداً من أهم المشاريع التوثيقية الموسوعية في التاريخ الفلسطيني الحديث.

وفي عام 1986، ألّف آخر كتبه «من هنا وهناك»، وكتب فيه: «فإن كان في العمر بقية..... فسأواصل البحث في أمجادنا الفلسطينية حتى يقضي الأجل وينقطع العمل»، وكأنه كان يودّع مشروع حياته بالكلمة الأخيرة.

كان «بلادنا فلسطين» أكثر من كتاب… كان محاولةً لقول: «نحن هنا… وهذه تفاصيلنا… وهذه حياتنا التي لن تُمحى». وكأن الدباغ كان يستبق الرحيل، فيدوّن كل شيء قبل أن يبتلعه النسيان.

توفي مصطفى مراد الدباغ في بيروت في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1989، ودُفن فيها، بعيداً عن يافا التي وُلد فيها، ككثيرٍ من أبناء فلسطين الذين كُتب عليهم أن يحملوا أوطانهم في الذاكرة بدل أن يعيشوا فيها.

رغم هذا الحزن الثقيل، ثمّة حقيقة لا يمكن تجاهلها:

فلسطين، التي أنجبت الدباغ، لا تزال تُنجب.

هي ليست أرضاً فقط، بل نبعٌ لا ينضب من المبدعين، من الحالمين، من الذين يكتبون ويعلّمون ويؤرّخون… وكأنهم يقاومون الفناء بكل ما أوتوا من ذاكرة.

نعم، تخسر فلسطين عظماءها واحداً تلو الآخر…

لكنها، في كل مرة، تثبت أنها أكبر من الخسارة،

وأن الحكاية لا تنتهي برحيل راوٍ؛ لأن هناك دائماً من سيلتقط الخيط ويكمل السرد… ولو من بين الرماد.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -كم مرّة هزمتنا الخيانة دون قتال-… حين يصبح السقوط خياراً
- سعد صايل (أبو الوليد)… القائد الذي اغتاله الغدر ولم تُسقطه ا ...
- صباح الخير يا بيروت… المدينة التي لا تعرف الاستسلام
- التونسي فارس خالد… شهيد العلم الفلسطيني
- ليليانا السّمنيّة: رمز الجيل الجديد في الشتات الفلسطيني
- يموتُ الأَسرى وحدهُم… حين يموتُ الحُزنُ
- قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: مسار 11 عاماً في الكنيست
- بين زنازين القهر والموت وصمت العالم… حكاية شعبٍ لا يُهزم
- حين يُترك الأسرى وحدهم… بين حبال الموت وصمت العالم
- من سواد دجلة إِلى رماد غزة… حكايةُ علمٍ يُغتالُ
- فلسطين… صدى سقوط بخارى في حاضر الأمة
- حين يخوننا الغياب… أحمد قعبور يرحل وتبكيه الأغاني!
- إبراهيم العموري… -الزلزال- الذي أرعب الاحتلال البريطاني في ط ...
- حقُّ العودة… الحكايةُ التي طال انتظارها
- من الانقسام إلى الحقيقة: فلسطين الخاسر الأكبر
- المقابر في غزة أزهرت… حين تتحول الأرض إلى ذاكرة
- غزة… مدينة لا تُقاس بالجمال بل بتاريخ أمة
- فلسطين… أرضٌ تصنع التاريخ لا تمرّ به
- الأقصى بلا أذانٍ ولا مصلّين… حين تصمت مآذن القدس وتبكي الحجا ...
- يوسف أبو دُرّة… حين كان الثوار يكتبون تاريخ فلسطين بالدم


المزيد.....




- -الشانغل- الهجين.. الولد الشقي الذي صنع الفكاهة والاندماج بك ...
- ترمب يعلن مهاجمة سفينة شحن إيرانية بخليج عُمان وطهران تتوعد ...
- أوكرانيا تقترح مظلة صاروخية أوروبية وتدعو لقمة بين زيلينسكي ...
- نائب رئيس -المؤتمر السوداني-: لا حسم عسكريا للصراع ولا بديل ...
- قبيل جولة المفاوضات.. هذه أبرز مطالب واشنطن وطهران
- جائزة مولاي الحسن للألعاب الرياضية الجامعية.. الدورة ال15 ره ...
- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - مصطفى مراد الدباغ… من يوثّق الذاكرة حين يرحل حرّاسها؟