|
|
الحقبة الرومانية فى مصر،،
حسن مدبولى
الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 09:44
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
تمثل الحقبة الرومانية في مصر (30 ق.م – 641 م) النموذج الأكمل والأمثل لاقتصاديات الإمبراطوريات الاستعمارية المستغلة القائمة على النهب والاستنزاف،فعقب الغزو و السقوط التاريخى أمام الأجنبى فى تلك المرحلة، لم تلحق مصر بالامبراطورية بوصفها إقليماً متميزا متكافئاً،أو حتى مجرد ولاية عادية، بل جرى تحويلها إلى "مورد استراتيجي مغلق" خاضع للسيطرة الإمبراطورية الرومانية المباشرة، وتابع ذليل لها، ومنذ اللحظة التي تلت معركة أكتيوم وسقوط كليوباترا، أدرك "أوكتافيوس أغسطس" أن مصر هي مفتاح الاستقرار السياسي في روما بفضل فائضها الزراعي، فجعلها ضيعة خاصة بالإمبراطور، محرمة على أعضاء مجلس الشيوخ، كما خلق قطيعة إدارية وسياسية بين مصر وبقية أقاليم العالم القديم.وبالتالى انعزلت الحضارة المصرية القديمة، وحوصرت، وتهددتها الابادة والزوال لأول مرة فى التاريخ ، ويضاف الى ذلك أن نظام الحكم الروماني لم يكن في جوهره نظاماً اندماجياً يسعى لصهر السكان والجنسيات في بوتقة المواطنة الواحدة ولو قسريا ، لإنه كان يمثل بنية استعمارية ذات هيمنة طبقية صارمة. وبالتالى تحولت مصر الرومانية إلى ما يمكن تسميته بـ "المزرعة الكبرى" التى غايتها الوحيدة تأمين تدفق "شحنات الحبوب السعيدة" إلى روما وقياصرتها وجنودها ، ولكى يضمن النظام الرومانى بقاء واستمرار هذا التدفق المنهوب، تم فرض منظومة استغلالية هي الأكثر قسوة في التاريخ القديم، شملت "ضريبة الرؤوس" ونظام السخرة الذي استنزف طاقات الفلاح المصري وامتص دمه ودم أبنائه، فلم تكن الإدارة الرومانية تمارس "حكماً" من أى نوع بالمعنى السياسي، بل كانت تدير عملية "استخراج قسري" للفائض الاقتصادي، محولةً الغالبية العظمى من المصريين إلى عبيد وقوة عمل مسلوبة الإرادة داخل وطنها. ولم يكتف الاحتلال الرومانى بذلك ، لكنه اعتمد أيضا على هندسة اجتماعية ممنهجة خلقت مسافة شاسعة بين سلطة الغزو وعبيدها. ففي قمة الهرم تربّع المواطنون الرومان، تلتهم طبقة حضرية (متأغرقة) في الإسكندرية وبعض الحواضر، بينما قبع المصريون (أهل البلد) في قاع الهرم، محرومين من أبسط الامتيازات القانونية والمعيشية، وفى الوقت نفسه برزت فئات محلية لعبت دور السمسار أو "الوسيط" لتسهيل جباية الضرائب وإدارة الشؤون المحلية لحساب الأجنبى، غير أن التدقيق التاريخى يكشف بوضوح أن هذه الفئات الطفيلية لم تكن تعبيراً عن المجتمع المصري أو امتداداً طبيعياً له، بل كانت "نتاجاً وظيفياً" وتمييزا دينيا عنصريا أفرزه الاحتلال أيضا لترسيخ وضعه و خدمة أغراضه، فعملت تلك الفئات كتابع مطيع ذليل للحكم الرومانى ، وجامع شرس للاتاوات لصبها فى خزائن المستعمر ، المدهش هنا أن البعض ممن يدعون العلم، وبدافع من التعصب العنصرى الجاهل، يحاولون ربط هذه الفئات الطفيلية القديمة المنبطحة للرومان بـ "الأصل المصري" فى مغالطة تاريخية منهجية فادحة، فهذه الفئات المحلية القديمة كانت "نخباً تابعة" تستمد شرعيتها ووجودها من قربها من السلطة الأجنبية، لا من تمثيلها للكتلة الشعبية المصرية ، كما لم يكن لها علاقة لها بالتراث الحضارى المصرى القديم، بل انها هى التى لعبت الدور الأساسى فى تدميره، والقضاء على مظاهره ولغته القديمة بحجة الوثنية،
فالوصف الادق هنا هو النظر لهؤلاء لا كأصل للمصريين ،بل كبنى طفيلية، وتقييمهم كمكونات سلطوية عابرة إرتبط صعودها بالمحتل الأجنبى وكانت تعمل على تحقيق اهدافه ،
وحتى المظاهر المرتبطة بهؤلاء، والتي يُظن خطأً أنها تعبير عن "استقلال هوياتي" كاللغة القبطية، هي في الحقيقة شواهد على عمق الاستلاب الثقافي لا العكس. فاللغة القبطية، رغم كونها تعتبر إحدى صور التطور الأخير للغة المصرية القديمة، لم تظهر بشكلها الأبجدي إلا تحت وطأة الهيمنة اللغوية اليونانية، والتوجه الدينى الرومانى المستحدث، حيث استعارت تلك اللغة حروفها من المتغلب الثقافي لتواكب لغته الخاصة بالإدارة والحكم والتراتبية العليا. فهى كلغة لم تكن تمثل امتدادا تطوريا لحضارة شعب عريق، لكنها كانت عمل قسرى يمثل حالة "تكيف اضطراري" داخل بنية الهيمنة، .
كذلك الأمر بالنسبة للتقويم القبطي؛ فالبداية الزمنية لهذا التقويم (عام 284 م) ترتبط باعتلاء "دقلديانوس" عرش الإمبراطورية الرومانية. ورغم محاولات إعادة تأويل هذا التاريخ لاحقاً وربطه بذاكرة الشهداء، إلا أن أصله يظل اعترافاً بالإطار الزمني الإمبراطوري الروماني، مما يعكس كيف استطاعت بنية الاحتلال التغلغل حتى في وعي النخبة المصرية المنبطحة وتحويله وتشكيله وفقاً للأجندة الرومانية. لذا فعندما جاء الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي،ليمثل اختبارا حقيقيا لمدى رسوخ البنى المرتبطة بالرومان وأشياعهم، انهار الحكم الروماني-البيزنطي بتسارع مذهل، وتلاشت معه تلك النخب الوسيطة وفئاتها الوظيفية بمجرد زوال الإطار الأجنبي الذي كان يدعمها. وقد فضح هذا السقوط المدوي وكشف أن تلك الطبقات كانت مجرد "أذناب" للنظام، لا جذوراً للمجتمع. بينما فى نفس الوقت استمرت الكتلة السكانية الأوسع ،وهم الفلاحون القدماء والمصريون الحقيقيون، في التكيف وإعادة إنتاج ذاتها داخل المنظومة الحضارية الجديدة عقب الفتح الاسلامى ، مندمجة في الهوية العربية والإسلامية بتدرج طبيعي ومنطقى، وهو تحول دراماتيكى أثبت أن "الثبات والرسوخ " كان من نصيب الشعب، بينما طال "الزوال والمحق " النخب التي ربطت مصيرها بالمحتل. إن تاريخ مصر الحقيقي هو تاريخ تلك الكتلة الشعبية الصامدة التي رفضت الذوبان في المحتل، وليس تاريخ الفئات التي كانت مجرد أداة في يد السادة ملاك "مزرعة مصر الرومانية".
#حسن_مدبولى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التطبيع مع الخليج !!
-
التطريب السياسى !!
-
مصر الرومانية !!
-
قانون إعدام الأسرى ، أين الضفة والداخل !؟
-
القداسة الدينية !!
-
الشهيدة حميدة خليل
-
من غزة الى طهران !!
-
دماء الصغار فى رقبة من!؟
-
لاهوت الدم،،
-
تكنولوجيا القتل،،
-
لا للإحباط أو اليأس ،،
-
انتقاد موقف المصريين من أزمة الخليج !!
-
إقتصاديات رفع الأسعار ،،،
-
حرب ثيوقراطية !!
-
إيران بين الديموقراطية، والتطرف !!
-
المؤامرات الغربية لاتتوقف؟
-
عمران خان ،،
-
ضحايا القصف على ايران
-
حرب عبثية
-
الفول المدمس المصرى !!
المزيد.....
-
رجال المقاومة الإسلامية في لبنان يستهدفون عند السّاعة 08:00
...
-
المقاومة الإسلامية في لبنان تستهدف -بعد إلتزامها بوقف إطلاق
...
-
المقاومة الإسلامية في لبنان: هذا الرد سيستمرّ إلى أن يتوقّف
...
-
حجة الإسلام -إيجئي- :الشهيد خرازي لم يحيد في جميع المناصب عن
...
-
حجة الإسلام -إيجئي-: الشهيد #خرازي في فترة قيادته للدبلوماسي
...
-
التلفزيون الإيراني: المرشد الأعلى يعلن نصر البلاد في بيان جد
...
-
قائد الثورة الاسلامية: إيران عازمة على الثأر لقائدها الشهيد
...
-
قائد الثورة الاسلامية: إيران تعتبر جميع جبهات المقاومة كيانا
...
-
قائد الثورة الاسلامية: الأفق الذي ينتظر الشعب الإيراني يبشر
...
-
قائد الثورة الاسلامية: ندعو أن ننتصر على العدو سواء في المفا
...
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ يل دونالد والش
-
شركة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
صداقة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
شركة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|