سعيد لحدو
كاتب وباحث، شاعر
الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 02:21
المحور:
قضايا ثقافية
أكيتو هو أحد أقدم الأعياد المعروفة في تاريخ البشرية، ويعود أصله إلى حضارات بلاد ما بين النهرين، ابتداءً بالحضارة السومرية ثم تبناه لاحقًا البابليون في العهدين القديم عهد حمورابي والجديد عهد نبوخذنصر وكذلك طوال العهد الآشوري بكل مراحله.
كان أكيتو في الأصل عيد رأس السنة السومرية، والذي يُحتفل به في بداية الربيع (عادة في شهر نيسان/أبريل)، عندما تبدأ دورة زراعية جديدة وتبدأ الحياة بالتجدد والنباتات بالإزهار والثمار بالنضوج. الاسم نفسه سومري مرتبط بالشعير، وهو محصول أساسي، ما يعكس طابعه الأول الزراعي ثم تضمَّن لاحقاً معاني دينية وتفاسير للظواهر الكونية المتعددة التي تكفَّلت الآلهة بالتحكم بها عندما أُسندت وظيفة محددة لكل إله وفق العصور والمراحل التي مر بها.
هذه الخلفية الدينية للعيد حملت أبعادًا عميقة فيما يتعلق بالكون والوجود، والخلق في ديانة بلاد ما بين النهرين، حيث كان يُجسِّد فكرة تجدد الكون وانتصار النظام على الفوضى. وحاول تفسير ذلك من خلال التركيب الأسطوري للظواهر الطبيعية.
كانت بابل أكثر المدن التي اشتهرت بالاحتفال بهذا العيد كل عام، لذلك ارتبط الأمر بالإله مردوخ، الإله الرئيسي في بابل في معظم مراحل التاريخ القديم لبلاد ما بين النهرين. وهكذا شكلت ملحمة الخَلق البابلية (إينوما إيليش)جزءاً مهماً من طقوسه خلال الاحتفالات، حيث كانت تُتلى هذه الملحمة فيها، والتي تروي كيف انتصر مردوخ على قوى الفوضى وأسس النظام الكوني وخلق العالم.
كانت الاحتفالات تستمر إثني عشر يوماً مشتملة على مواكب دينية، وطقوساَ في المعابد، وتمثيلياتٍ رمزية للصراع بين الخير والشر.وكان الملك يخضع لهذه الطقوس الرمزية التي تُظهر خضوعه للآلهة، وأحيانًا يُجرَّد من سلطته مؤقتًا من قبل مجمع الكهنة ثم يعيدون تأكيد شرعيته الإلهية، بإعادة وضع التاج على رأسه. وهذه إحدى أهم أشكال الممارسات الديمقراطية التي مارسها شعب ما بين النهرين منذ العصر السومري. حيث كان مجمع الكهنة يمثل الإرادة العليا للآلهة وهو ما يشكل أساس البرلمانات الحالية في الدول الديمقراطية التي تمثل هذه البرلمانات الإرادة العليا للشعب فيها.
يمثل أكيتو من هذا المنطلق:
• بداية دورة حياة جديدة (زراعيًا وروحيًا).
• تجديداً للسلطة السياسية والدينية.
• تأكيد النظام الكوني القائم بعد انتصاره على الفوضى.
أول ممارسة لهذا العيد كانت حوالي الألف الثالث قبل الميلاد لدى الحضارة السومرية. حيث انعكست فيه علاقة الإنسان المباشرة مع الطبيعة ودوراتها المتتالية وظواهرها الغامضة عندما عجز الإنسان عن إيجاد تفسير منطقي لها، فلجأ إلى الأسطورة التي يجسدها هذا العيد الذي لم يكن في بدايته معتقدًا لاهوتيًا، بل احتفالًا بالحياة والخصب، بعد فترة من الموت المتمثل في فصل الشتاء وقسوته. لكن مع التطور المجتمعي، بدأت الأساطير والدين يدخلان بقوة في تفسير هذا التجدد.وهكذا مع صعود بابل، وخاصة في عهد حمورابي في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وما بعد، تغير معنى أكيتو بشكل كبير.وكان التغيُّر الأهم أن أصبح العيد مرتبطًا بالإله مردوخ سيّد بابل. ثم تم دمج العيد مع ملحمة الخلق إينوما إيليش. لتكتمل صورة الكون وفق الفكر الأسطوري الرافديني.
الفكرة الأساسية لهذا العيد تشكلت عندما رأى البابليون أن العالم، بحسب تصورهم ، يحتاج إلى إعادة تثبيت كل سنة. أي أن الفوضى التي كانت سمة أساسية للكون قبل الخلق، قد تعود مرة أخرى للوجود،إن لم يُعاد تأكيد النظام. وهنا يأتي دور الطقوس التي تحمل معاني عميقة لحياة البشرية وفيها يتم إذلال رمزي مؤقت للملك وهو(طقس سياسي-ديني مذهل)، حيث يتم إحضار الملك إلى المعبد ويُجرَّد من رموزه التي تتمثل في التاج، الصولجان، ويتلقى صفعة من الكاهن. وهذا يعني أن الملك ليس إلهًا، بل خاضعاً للإله ورعيته المتمثلة في الكهنة. وسلطته تُمنح له سنويًا من الإله مردوخ. وهكذا نرى أن هذا الإجراء الطقسي يمثل أقدم أشكال فكرة "المحاسبة الرمزية للسلطة" . وتجري خلال العيد، تلاوة ملحمة الخلق (إينوما إيليش)، وهي التي تحكي لنا عن صراع الإله مردوخ مع قوى الفوضى التي تمثلها إلهة العالم السفلي، عالم الأموات (تيامات). وبهذا وبمعيَّة الإله الأكبر مردوخ، ينتصر النظام على الفوضى ويُعاد خلق العالم من جديد. وهذا الطقس ليس مجرد تذكير بما حدث وإنما هو إعادة خلق رمزية للعالم.
هذا الأمر يتم عندما تُنقَل جميع تماثيل الآلهة من معابدها وتجتمع كلها في "بيت أكيتو" خارج المدينة. وهذه دلالة أخرى على اجتماع القوى الإلهية لإعادة تنظيم الكون. هذا الاجتماع الذي يرمز إلى نوع من "مجلس كوني" للقيام بهذا الفعل الخَلقي. وعيد أكيتو يعكس هذه الفكرة المحورية في ديانة بلاد ما بين النهرين بأن الكون ليس ثابتًا، بل هو مهدد دائمًا بالفوضى ويحتاج إلى طقوس معينة للحفاظ على توازنه. وهذه فكرة جوهرية تختلف عن الديانات اللاحقة التي ترى الكون ثابتًا بإرادة إلهية دائمة.
في العصر الآشوري وبعد التوسع الإمبراطوري الكبير الذي قام به الآشوريون، انتقل العيد إليهم مع بعض التعديلات الشكلية حيث بات التركيز على الإله آشور بدل مردوخ مما حمَّله طابعًا إمبراطوريًا أقوى، بينما بقيت المضامين الرئيسية ذاتها.
لم يعد هذا العيد رمزاً وطقساً دينياً فقط بل بات تعبيراً فلسفياً عن هشاشة الكون، وتأكيداً على أن هذا النظام الكوني يحتاج إلى تجديد دائم. فهو الرابط القوي بين الدين والسياسة والطبيعة ويجسِّد المثال الأول في التاريخ على محاولة الإنسان فهم الزمن كدورة، وليس خطًا مستقيماً.
إن مفهوم الرمزية الرافدينية، لا يمكن استيعابه ولا يكتمل فعلًا دون فهم ثنائية الفوضى والنظام التي يتم من خلالها إدخال دور الإلهة عشتار وعلاقتها بـ تموز.
هذه المعادلة يمكن فهمها على مستويين:
(1) علاقتها بعيد أكيتو، و(2) رمزيتها الأعمق في دورة الحياة. وتمثيلها جزءاً مهماً من طقوس أكيتو؟
رغم أن التركيز في عيد أكيتو كان حول الإله مردوخ، إلا أن عشتار كانت حاضرة ضمن المنظومة الرمزية العامة. وذلك عبر تماثيل الآلهة العديدة، التي كانت تُنقل في المواكب عبر بوابة عشتار(الموجودة الآن في متحف برلين) وفي مقدمة تلك المواكب تمثال الإلهة عشتار. وكذلك نرى أن العيد كله يدور حول إعادة تنشيط قوى الحياة، وهنا تدخل عشتار كقوة خصب، وحب ،وحرب. بمعنى أن مردوخ يمثل النظام الكوني، أما عشتار فتمثل الطاقة الحيوية التي تجعل هذا النظام حيًا.
وعليه تكون عشتار في هذه الحالة لاعباً أساسياً بين حالة الفوضى وبين استقرار النظام الكوني.
إذن عشتار ليست إلهة "نظام" خالص، بل كائن حدّي تمثل في حضورها النظام واستمراريته في وظيفتي الحب والخصب من جهة، ومن جهة أخرى تمثل الفوضى والانفجار في صورتي الحرب والرغبة الجامحة. وهكذا تمثل قوة مزدوجة: تهب الحياة من ناحية، وتستطيع تدميرها من ناحية أخرى. مما يجعلها أساسية لفهم الفكرة الرافدينية التي تتمحور حول مفهوم أن النظام لا يُبنى بإقصاء الفوضى، بل بترويضها.
مفتاح هذا اللغز يتمثل في أسطورة نزول عشتار إلى العالم السفلي (عالم الموت) حيث تُجرَّد من قواها عند كل بوابة وتُحتجز هناك فيتوقف الحب والتكاثر والخصب، وكنتيجة لذلك يدخل العالم في موت رمزي. وهنا تبدأ دورة الحياة والموت بظهور تموز، حبيب عشتار وإله النبات. حيث يُؤخذ تموز إلى العالم السفلي أو يموت رمزيًا، ثم يعود إلى الحياة بقوة عشتار الإلهية.
فموت تموز ينعكس في موت النبات صيفاً المتمثل في الجفاف. وعودته إلى الحياة في الربيع المتمثل في الخصب. وهنا يأتي دور عشتار في إعادة تموز إلى الحياة ليس بشكل مباشر فقط، بل هي التي تنزل إلى العالم السفلي "عالم الأموات" وبهذه المخاطرة الكونية تكسر حدود العالم السفلي وتفرض عودة الحياة للكون.
هنا نفهم الرمز العميق الذي يقول بأن عشتار هي الإرادة الكونية للحياة، وهي القوة التي تقول: "حتى الموت ليس نهائيًا". أما في أكيتو فنجد التجسيد الطقسي الذي فيه:
• يُعاد تثبيت النظام (مردوخ)
• يُعاد خلق العالم (إينوما إيليش)
أما في أسطورة عشتار وتموز:
• تُعاد الحياة داخل هذا العالم وتُعاد دورة الطبيعة
وهنا يدخل مصطلح الكوسمولوجيا كطريقة يمكننا بواسطتها فهم الكون:
• علميًا: كيف يعمل
• فلسفيًا/دينيًا: لماذا وُجد وما معناه
في الفكر الرافديني: الفوضى ليست شرًا مطلقًا بل شرط للحياة ومصدر للطاقة. بينما يبقى النظام غير ثابت، بل:يحتاج إلى تجديد وقد يتحول إلى جمود بدون عشتار. لذلك نجد:
• مردوخ بدون عشتار يعني نظام ميت
• عشتار بدون مردوخ تعني فوضى مدمرة
وهنا علينا أن نفهم أن أكيتو عبارة عن تنظيم حسِّي لتصوّر شعب أو حضارة عن كيفية خلق الكون وتنظيمه. هذا الكون الذي نشأ من صراع الفوضى والنظام كما في ملحمة إينوما إيليش. حيث أنها ليست علماً بل رؤية رمزية للعالم تفسِّر لماذا يوجد الموت؟ ولماذا تتغير الفصول؟ ومن أين تأتي الحياة؟
في حضارة بلاد الرافدين لا يُحتَفَل بالعيد فقط كسنة جديدة، بل يُعاد فيه تمثيل خلق الكون، فيكون انتصار مردوخ يعني نشوء النظام، ودور عشتار يجعل استمرار الحياة داخل هذا النظام ممكناً.
وبالرغم من التغيُّر الذي حصل بالمعنى الديني الذي كان يحمله هذا العيد، بعد التطور الكبير الذي حققته الحياة البشرية بمفاهيمها المعرفية طوال آلاف السنين، لا يزال يُحتفل به بشكل رمزي لدى السريان الكلدان الآشوريين في العصر الحديث كعيد ثقافي وقومي،يذكرهم بعظمة أجدادهم والحضارة التي بنوها في موطنهم ما بين النهرين، كأول حضارة نشأت في التاريخ البشري. ولم يعد طقسًا دينيًا وثنيًا كما كان سابقاً بل أصبح هوية قومية تتميز بالاحتفال بالتراث الموروث ورمزاً للاستمراية الثقافية وتأكيداً على الوجودية التاريخية.
#سعيد_لحدو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟