|
|
القاعدة الثالثة والعشرون: لم يعد هناك مبرر للحجاب في عصرنا لزوال علته
محمد بركات
الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 17:25
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
وردت كلمة الحجاب فى القرآن الكريم فى سبعة مواضع كالآتي: 1- )وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُ لُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) 2- (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِ يتُمْ فَادْخُ لُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاَّللَّه لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) 3- (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) 4- (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) 5- (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَّللَُّ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيم) 6- (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِيـنَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا) 7- (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا). يتضح من هذا الذكر لكلمة "الحجاب" غي القرآن أنها لا تعني أبدا زيا، كما يتوهم الناس، وانما حجابا، قد يكون أغلفة على القلوب أو حجابا بين المؤمنين والكافرين يوم القيامة أو كناية عن غروب الشمس.. وحتى فى الآية التي تعلق فيها "الحجاب" بنساء الرسول فان الصياغة كلها بدءاً "من" واذا سألتموهن متاعا. فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَا „ب. "تستبعد أن يكون المضمون زيا أنهم لن يسألونهن "من وراء زى"، ولكن من وراء ستر. من نوع ما يحجب السائل عن نساء الرسول. من هذا يتضح أن القرآن الكريم لا يستخدم كلمة "حجاب" بمعنى زي، وأن تفسيرها بهذا المعنى تفسير خاطئ وأن تعبير "تحجبت" لا يستقيم. مع المعنى القرآني لكلمة حجاب. على أن الملابسات التي أدت إلى هذا الحجاب الذي فصل ما بين زوجات الرسول، وعامة الناس بقدر ما تؤكد معنى "الستر" بقدر ما توضح وجاهة الاجراء. فقد كانت "حجرات" الرسول فى المسجد. وكان المسجد هو ملتقى النشاط العام ففيه تقام الصلوات وتعلن الأخبار والتوجيهات النبوية، ويحضر الوفود وينشد الشعراء. وعلى حوافيه يقيم فى "صفه" بعض فقراء المسلمين الذين ليس لهم ملاذ خاص ويوجد فيه الكرام البررة من الصحابة كما قد يوجد فيه المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والأعراب الجفاة ، وقد لا يتورع أحد هؤلاء من أن يبول فى المسجد..! فى هذا المسجد بنيت تسع حجرات لزوجات الرسول خمس بنيت بالجريد المغطى بالتراب والأربع الأخرى من الحجر وكان على كل منها ستر., وليس من الصعب أن نتصور سذاجة هذه الحجرات، وخلوها من المتاع المألوف، وأنها فى المسجد، الذى هو الملتقى العام حيث يوجد بتعبير عمر "البر والفاجر" وكان منهم من يجلسون أمام حجرات زوجات الرسول ويكلمونهن أو يظهرون صورا من التطفل. وكان بعض العرب لا يعرف الاستئذان أو يرى فيه ذلة، كما حدث مع عيينة بن حصن عندما دخل على الرسول وكانت عائشة إلى جنبه دون استئذان فلما عاتبه الرسول "أين الاذن يا عيينة " قال هذا ببساطة انه لا يذكر انه استأذن مرة واحدة فى حياته.. ثم سأل الرسول عمن يجانبه فقال له هذه عائشة، فسأل الرسول أن يأخذها ويعطيه زوجته.. وهى لا تقل جمالا. فأفهمه الرسول أن هذا لا يجوز، وعجبت عائشة من جلافة الرجل وسألت الرسول عنه فقال لها انه أمير قومه.. وكان الرسول يطلق عليه "الاحمق المطاع". وهذه الواقعة – وقد تكون هناك وقائع أخرى مثلها – تبرر مطلب عمر بن الخطاب، من الرسول أن يحجب نساءه، واستمر الحال دون حجاب (أي ساتر) حتى حدثت واقعة معينة. قعندما أعرس الرسول بزينب بنت جحش أقام طبقا للتقليد الإسلامى وليمة دعا اليها بعض الناس وكانوا يأتون جماعات يأكلون ثم ينصرفون، ولكن ثلاثة ظلوا يتحدثون بعد أن أكلوا فى الوقت الذي كان الرسول يريد أن يدخل حجرته ولما كان الرسول شديد الحياء فقد تركهم ثم عاد بعد فترة فوجدهم لا يزالون فى حديثهم فتركهم وعاد بعد أن بدءوا فى الانصراف. وكان أنس بن مالك يقوم بخدمته فلم يكد الرسول يدخل حجرته حتى اسدل الستار دون أنس. فقد أنزل الله تعالى تلك الآيات التي اعتبرها الفقهاء "آية الحجاب" واعتبروا نزولها فيصلا بين عهدين وهى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُ لُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُ لُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاَّللَُّ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَّللَّه وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اَّللَّه كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا). كانت الآية 53 من سورة الاحزاب ردا يتناسب مع خصوصية الواقعة، وما اتسم تصرف البعض من فجاجة فنزلت فوراً، قوية، صريحة، تعلم الناس آداب اللياقة والاستئذان وأصول الزيارة. وليست فى حقيقتها الا قطعة من الآداب يمكن أن يتضمنها أى كتاب عن آداب اللياقة والاتيكيت. وهذه الآية التي أطلقوا عليها آية الحجاب واعتبروها نصا قاطعا فى وضع النقاب وعدم الخروج – وهم في هذا إما جهلة أو يخدعون الناس - ليست فى حقيقة الحال الا تعليما للمسلمين آداب الزيارة والاستئذان. وأما الآية 31 من سورة النور (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فهي تنص على أن يضرب النساء بخمرهن على جيوبهن، وهنا نص على تغطية فتحة الصدر (التي يسميها العرب الجيب) فى الثوب، وليس لها علاقة بتغطية شعر الرأس. وقد أمرهن الإسلام بتغطية الجيوب لأنهن كن يرخين الخمار على ظهورهن فتظهر فتحة الصدر حتى جذور أثدائهن. ودل هذا على أن المرأة الجاهلية كانت تسير مكشوفة الوجه )واليدين بالطبع( مبديه فتحة الصدر. وكان هذا ما تمليه طبيعة البادية، شأن المرأة العربية فى هذا كالفلاحة المصرية التى تكشف عن وجهها وتطرح خمارها أو "طرحتها" على ظهرها، ولكنها متأثرة بالتوجيه الإسلامى تجعل ثوبها ساتراً لفتحة الصدر. وبعد فهذه آية موجودة فى صميم آيات الحجاب التي يسوقها الفقهاء والمشايخ، وهى مع هذا توجد مجتمعا مختلطا كأشد وأوثق ما يكون الاختلاط.. اننا عندما نأخذ هذه الآيات على ظاهرها، وما يوحى به سياقها فيمكن القول إنها تفتح ثغرة كبيرة فى سد الحجاب، لأنها ليست فحسب تبيح الاختلاط بل أيضا ابداء الزينة. بل إننا نجد حديثاً فى البخارى 1/259-260 عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " رَأَيْتُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ يَتَوَضَّئُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعًا مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ" ورواه أحمد في مسنده وقال المحقق شعيب الأرناؤوط إسناده صحيح على شرط الشيخين. و فى كتاب عمر بن الخطاب لابن الجوزى عن أبى سلامة قال انتهيت إلى عمر وهو يضرب رجالًا ونساء فى الحرم على حوض يتوضئون منه حتى فرق بينهم ثم قال يا فلان قلت لبيك قال لا لبيـك ألم آمرك أن تتخذ حياضاً للرجال وحياضا للنساء ثم اندفع فلقيه على بن أبى طالب عليه السـلام فقال: أخاف أن أكون قد هلكت قال وما أهلكك قال ضربت رجالًا ونساءً فى حرم الله عز وجل فقال: يــا أميــر المــؤمنين أنــت راع مــن الرعــاة، فــإن كنــت ضــربتهم علــى نصــح وإصــلاح يعاقبــك الله. وإن كنـت ضـربتهم علـى غـش فأنـت الظـالم" تـاريخ عمـر بـن الخطـاب للإمـام جمـال الـدين أبـو الفرج بن الجوزى ص117. فهذا النص يوضح أن ممارسة الوضوء الجماعى ما بين الرجال والنساء من حوض واحد ظلت حتـى آخـر العهـد بالرسـول ومـدة خلافـة أبـى بكـر وشـطراً من خلافة عمر. والمعروف عن عمر كان له رأى سيئ فى المرأة، وقد لطم أخته التى أسلمت قبله لطمة أدمت وجهها، وقد بذل جهده ليتوصل إلى حجب نساء الرسول (وكان محقاً) وحاول أن يثني زوجته عن الصلاة فى المسجد فرفضت على أنه كان وقافاً عند الحق فلم يمنعها. وعندما جبهته المرأة فى المسجد بقول الله (وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) قال أخطأ عمر وأصابت امرأة وإن كان فى هذه نفسها ما ينم عن رأيه فى المرأة.. وكان من رأى عمر أن المرأة لعبة يلعب بها الرجل فى البيت. وقد كان من زوجاته زوجة سماها الرسول "جميلة" وكان عمر يحبها كما كانت تبادله الحب، وكان إذا خرج للصلاة مشت معه من فراشها حتى الباب فإذا أراد الخروج قبلته ورجعت إلى فراشها. ومع هذا فقد طلقها. ومنع الاختلاط عند الوضوء اجتهاد من اجنهادات عمر التي تشدد فيها – لا سيما فيما يخص قضايا المرأة - وأخطأ كما أخطأ في تحريمه لزواج المتعة المعمول به حتى الآن عند الشيعة، وهو تشريع رحمة يحتاج إليه الشباب منذ زمن طويل حيث تعسرت أسباب الزواج ومؤنته، وارتفعت نسبة العوانس وتأخرت سن الزواج، دون أن يترخص فقهاء أهل السنة في إعادة حكم زواج المتعة كما كان قبل عهد عمر. وذهنية التقليد هذه تكاد تكون من خصائص الفقهاء، واجتهاداتهم ميتة منبتة عن نبض الحياة لا تهتم بالتوسعة على الناس ورفع الأغلال والآصار عنهم، لا سيما إذا كانت مسألة تخص المذهب الشيعي (مذهب الإمام جعفر الصادق) حيث يفر منه جهلة فقهاء أهل السنة فرارهم من الأسد ويحرصون على مخالفته كما يخالفون اليهود، وهم في هذا ليسوا إلا ضحايا المكر السياسي الدولي ولعباً في أيدي إسرائيل التي هي أكبر مصدر لتفرقة المسلمين. وأما آيات سورة الأحزاب (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) فكل منصف نزيه لا يحمل فكراً ذاتياً سابقاً، ولا يطوع الآيات أو يتطفل عليها يرى أن الآيات محددة، مغلقة، منحصرة على نساء الرسول اللائى لسن كأحد من النساء. فأى شىء أصرح أو أكثر بيانا فى خصوصية هذه الآيات وأنها مقصورة على نساء الرسول، إلا إذا أردنا أن نتقول على القرآن ما لم يقله.. وقد أكد القرآن بصريح العبارة أن نساء النبى لسن كأحد من النساء وأن لهن خصائص تميزهن تماماً كأن يكن أمهات المؤمنين وكأن لا يتزوج الرسول عليهن وكأن لا يتزوجن بعد الرسول، والأمر بالقرار فى البيوت، والحجاب هو من هذه الخصوصيات ومده على النساء كافة افتيات صريح على القرآن وتطفل عليه ومخالفة لما أراد وقد أساء الذين قاموا بذلك وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وقد كان الصحابة أنفسهم يعلمون أن الحجاب هو من خصوصيات الرسول. وعندما أسرت صفية وآلت إلى الرسول تساءل المسلمون هل يتخذها زوجة أو أمة. فلما حجبها عرفوا أنه تزوجها وحدث ما يوؤكد هذا من الناحية السلبية عندما شك أبو بكر فى امرأة هل تزوجها الرسول أم لا. فقال عمر أنه لم يتزوجها لأنه لم يضرب عليها الحجاب.وعلى أى حال، فإن الشىء الجديد البارز فى الآيات هو "وقرن فى بيوتكن" وهو نوع من تكريم زوجات النبى اللاتى لسن كأحد من النساء، فلا يفترض فيهن السعى فى الأسواق أو الأختلاط بالعامة. وأما آية ( يا أيها النبي قل لأزواجم وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن لا فلا يؤذين) اختلف فى تفسير "الإدناء" فالمفسرون القدامى يفسرونها ستر الوجه بقناع أى أن الإدناء يتجه نحو الوجه والرأس ولكن المفسرين المحدثين يذهبون إلى أنه ما قد يكون أقرب إلى تعبير كلمة الإدناء فيقولون إنه تطويل الثوب. (ذلك أدنى أن يعرفن) أنهن من الحرائر لا من الإماء، فلا يؤذيهن الفساق لظنهم أنهن من الإماء، لأن الإماء كن لا يتحجبن، وكان ها عرف سائد في الجاهلية الإسلام. فالآيات عللت الحكم بعلة احتمال الإيذاء، وأما اليوم فلا توجد إماء يتعرض لهن أحد، وبالتالي فلم يعد هناك مبرر للحجاب ولا تطويل الثوب، لأن الحكم يدور مع علته وإذا زالت العلة زال الحكم، كما يقول الأصوليون. واستعراض كل ما جاء فى القرآن الكريم عن المرأة يوضح أن الحجاب لم يرد إلا بالنسبة لزوجات الرسول وأن هذا الحجاب ليس زياً ولكنه ستار يحول دون الدخول دون استئذان، وهو الأمر الذى يفترض لأقل الناس فضلًا عن زوجات الرسول. وأما الحجاب المعاصر (الإيشارب) الذي يكشف الوجه: فاذا كنا نقبله ولا نرفضه، فان هذا لا يعنى أنه مفروض على النساء بحكم الإسلام، وأن من لا تلبسه تجاوز الإسلام. إن الآية (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) التى اتخذوها دليلا لا يدحض على تغطية الشعر، لا تعطى هذا المعنى لأن الآية أقرت بوجود الخمار عند نساء العرب وأمرتهن بأن يضربن به على جيوبهن. فالآية لم تأمر بالخمار ولم توجبه ولكنها وجدته مستخدما عند المرأة العربية. والإقرار بالوجود يختلف عن الأمر والإيجاب ويمكن للاقرار أن يكون فى إطار "المباح" ولكن ليس فى إطار المفروض. لهذا فان من تفضل زيا آخر مخالفاً، فاننا لا نستطيع أن نشهر عليها دعوى مخالفة الإسلام، ولا ندعى لأنفسنا حقا فى التدخل فى أمر من أخص شئون المرأة، وهى صاحبة الحق المطلق فيه باعتبارها إنساناً. الحجاب، جمال البنا إن شيوخ الوهابية السعوديين يحتجون على وجوب النقاب بزعمهم أن الوجه هو مجمع الفتنة، أي فتنة الجنس، وكشف الوجه عندهم يعد من تعاطي أسباب الزنا،يقولون: ومعلوم ما يترتب على ظهور الوجه والكفين من الفساد والفتنة!!.. هذه هي المرأة بالنسبة لهم. ولا شك أن أي شخص يعيش في مجتمع منفتح حين يسمع هذا الكلام سوف يستنكره ويشمئز منه لأول وهلة ويقول أن قائل هذا الكلام له عقل يعيش في قضيبه كالحيوانات، بل ربما تكون أفكار الحيوانات أرقى وأرحب من هذه النظرة الضيقة. ولا حاجة لنقل فتاواهم حول هذه المسألة، ففتاواهم تغرق الإنترنت، سواء لابن باز أو ابن عثيمين أو ابن جبرين أو غيرهم. كتب ظلهم المصري الشيخ محمد احمد اسماعيل كبير السلفية بالإسكندرية فى كتابه معركة السفور والحجاب: وانخدع كثير من النساء وأوليائهن بتلك الدعاوى المعسولة المسمومة (يعني تحرير المرأة) وأخذت الفتاة المسلمة تتمرد على الحجاب، وتحاول التخلص منه، فبدأت لأول مرة بالقاء البرقع الذي كان على وجهها، ونزع النقاب من الوجه كذلك، فظهرت الوجوه ما يحجبها برقع، ولا يغطيها نقاب، وانا لله وانا إليه راجعون. لقد كانت خطوة جريئة من المرأة يومذاك، صفق لها دعاة السفور، وعباد الشهوات، ورواد الفجور!!. ويقول: معلوم أن المعاصي تزرع أمثالها، ويولد بعضها بعضا، حتى يعز على العبد مفارقتها، والخروج منها، فكلما فرط من العبد معصية، قالت أخرى الى جانبه: أعملنى أيضا، فاذا عملها قالت الثالثة: كذلك، وهلم جرا، حتى تصير المعاصي هيئات راسخة، وصفات لازمة، وملكات ثابتة، إن الذى يسمح لقدمه أن تنزلق خطوة واحدة فى أول الطريق، لا يدري الى أين تسوقه قدماه، وإلى أين ينتهي به السير، لذا كان علينا أن نضع للأشياء حدودا لا نسمح لأنفسنا بتخطيها. لقد تذرع الشيطان الى (الفجور!) الذي نراه اليوم، ونعانى ويلاته بالسفور كخطوه أولى، يستنزل بها المرأة المسلمة من عليائها وعفتها." اهـ. وهي نفس العقلية البدوية هي هي التي يتميز بها شيوخ الوهابية في نجد، فكشف المرأة لوجهها (يستنزلها من عليائها وعفتها) ! فهو يحاول أن يفلسف النقاب كأنه القشة التي ستقصم ظهر البعير، وأن المرأة لو كشفت وجهها ستزني لا محالة، كأنها في شوارع القاهرة أو بغداد أو دمشق أو غيرها من مراكز الحضارة، تسير وسط مجموعات من البدو الذين لم يروا وجه امرأة قط، ولو حدث ذلك فسيزنون بها لا محالة، أو ينزلونها من عليائها وعفتها بالتدريج كما يتخيل الشيخ، وكما يتبين من عنوان كتابه (معركة! السفور والحجاب)، وعلى طول كتابه أخذ يرد على المفكرين الذين يهاجمون النقاب، ولم يذكر هجوم الشيخ محمد الغزالي والشيخ عبد الحليم أبو شقة صاحب كتاب (تحرير المرأة في عصر الرسالة). ولا ندري لماذا لم يقل السفور والنقاب؟ هل لأن النقاب ترفضه الفطر السليمة، فحاول أن يلعب على وتر الخيال فاستبدل النقاب بشيء له قبول عام في البلاد الإسلامية؟ على أية حال نحمد الله تعالى أن أظهر هؤلاء الذئاب البشرية على حقيقتهم للناس، وكشف لهم حقيقة أطماعهم السياسية التي أبانوا عنها إبان توليهم كراسي الحكم في ثورات الربيع العبري. وما كانت كتاباتهم عن النقاب واللحية إلا وسيلة وأو سلماً يكثرون به سوادهم بين الناس، حتى يتيسر لهم الوصول إلى السلطة. وقد رد عليهم الشيخ الألباني السلفي، وبين لهم ضعف الأحاديث التي يستشهدون بها، وأن القول بأن النقاب ورد الأمر به في الكتاب والسنة تعصب أعمى، وأفحمهم في كتابه "الرد المفحم". ولكنهم يسخرون منه ومن نظرائه، ويطلقون عليهم "دعاة السفور". ونقول: أن تغطية الشعر خوف الفتنة لا يقل تفاهة وتخلفاً عن تغطية الوجه خوف الفتنة. وأي فتنة في رؤية الشعر؟! ربما تكون حجة الوهابية في فتنة الوجه أقوى من حجة فتنة الشعر! إن تحجُّب المرأة، ولو حتى بتغطية شعرها - على عكس ما هو متسالم ومتوافق عليه عرفاً من أنه أمر محمود – ليس في حقيقة الأمر إلا تخلف" بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. فالتحجُّب يفترض أنَّ لدى الرجال نهمًا دائمًا إلى النساء، وأنَّ نظرة الرجل إلى المرأة هي نظرة «الذنب»، ومن ثَم فإنَّ من أكثر العبارات تداولًا عند دعوة النساء إلى التحجُّب، مناشدتهن بأن يحفظن أجسامهن من «عيون الذئاب». فالرجل ذئب، وعيونه جسورة مقتحمة طامعة على الدوام، وهي لا ترى في المرأة إلَّا موضوعًا للجنس. وصفة «الذئب» هذه تعمُّ الجميع، ولكن الذئب هو دائمًا «الرجل الآخر». فالزوج يحرص على أن يصون زوجته بالحِجاب من عيون الذئاب الأخرى، ولكنه هو نفسه يتحول إلى ذئب في نظر الأزواج أو الأبناء أو الإخوة الآخرين. وهنا تعود مرةً أخرى فكرة «التشيُّؤ»، والربط بين المرأة وبين الملكية الخاصة، بحيث يحرص الرجل على صَون أعزِّ ممتلكاته، وهو المرأة، وحَجْبها عن عيون الآخرين. فالامتلاك في هذه الحالة يصبح كاملًا، ويحرص عليه صاحبه أكثر ممَّا يحرص على أيِّ شيء آخر يقتنيه؛ ذلك لأنَّ في حياة الإنسان أشياء كثيرة «مرغوبة»، كالسيارة أو البيت الفاخر. وبقدْر ما يحرص الإنسان، في هذه الحالة الأخيرة، على ألَّا يستخدم هذه المقتنيات أحدٌ سواه، فإنَّه لا يمنع نظرة الآخرين إليها، ولا يَعُدُّ هذه النظرة انتقاصًا من ملكيته لها. أمَّا في حالة المرأة وحدها، وعلى خلاف الأشياء الأخرى المرغوبة، فإنَّ الرؤية تُعَدُّ جريمة، ونوعًا من الانتهاك، لأنَّ فيها قدْرًا من المشاركة، ولذلك فإنَّ حَجْب المرأة عن عيون الذئاب الآخرين، يعني ضمان استحواذ المالك وحده على حقِّ الرؤية، إلى جانب حقِّ الاستمتاع. إنَّها بالطبع صورة بشعة لمجتمع يُعَدُّ كل الرجال فيه لصوصًا أو مُعتدين مُحتمَلين على النساء، ولا يكون هناك علاج لهذه العدوانية الجنسية الشاملة سوى الإخفاء والحَجْب، تمامًا كما توضَع الأموال في خزائن مُصفَّحة غير قابلة للكسر حين يخشى صاحبُها من أن تمتدَّ إليها أيدي اللصوص. وأبشع ما في هذه الصورة أنَّها تعزل الرجل والمرأة تمامًا عن كل المشاكل الواقعية التي يعيشان فيها وتختزلهما إلى مجرَّد جنسين يرغب كلٌّ منهما في الآخر، ويُشكِّل في الوقت ذاته خطرًا عليه، وتنسى تمامًا أنَّ كليهما إنسان يعيش في مجتمع، ويكافح في سبيل العيش، ويعاني من أزمات في الحياة اليومية والاقتصادية والسياسية، ويحلم بمستقبل أفضل لأجياله المُقبِلة. ولكن النقد الذي نودُّ أن نركز عليه ها هنا، تمشيًا مع بقية أجزاء هذا البحث، هو أنَّ هذا الموقف ينطوي على ازدواجية في النظرة إلى الرجل، توازي الازدواجيات المناظرة لدى المرأة، وإن كانت تسير في اتجاه عكسي، فالرجل كما رأينا يُتَّهم بأنَّه ذئب، وبأنَّ نظراته وأطماعه الدائمة لا تُصَدُّ إلا بحَجْب موضوع رغبته عنه، ومع ذلك لا يدعو الإسلاميون إلى اتخاذ أيِّ إجراء ضدَّ هذا «الذئب»، وإنَّما يُفترض دائمًا أنَّه ذئب لا علاج له، ومن ثَم فإنَّه يُترك لكي يمارس «ذئبيته» بلا عقاب، ويقع العبء كله على المرأة؛ فهي وحدها التي تُكلَّف بحماية نفسها من أخطاره، وهي وحدها المُلزَمة بارتداء الثياب الثقيلة التي تُغطِّي كل أطراف جسمها في قيظ الصيف (ومعظم البلاد الإسلامية، كما نعلم، ذات صيف طويل شديد الحرارة). وهكذا تنكشف لعبة الرجل في عملية التحجُّب بوضوح قاطع؛ ذلك لأنَّ الرجل هو الذي يُمسك بزمام الأمور، وهو الذي يضع قواعدها لصالحه منذ البداية. إنَّه رجل شرقي يغار على ما يملك ويودُّ أن يستحوذ عليه إلى الحدِّ الذي لا يسمح للآخرين حتى بمجرَّد التطلع إليه. ولكن من أصول اللعبة، قبل أن يعزل المرأة عن كل الوظائف الجادة في الحياة، أن يوجِّه إليها عبارات المديح والتمجيد والتكريم، لكي يقنعها في النهاية بأن تترك له المهام الكبرى وتتفرغ لتربية أطفاله وتغذيته وإمتاعه. ومن أصول اللعبة أيضًا أن يذمَّ نفسه ويتَّهم أبناء جنسه بأنَّهم ذئاب عدوانيون طامعون في نساء الغير، دون أن يوقع على نفسه أيَّ غُرم، بل يترك المرأة وحدها تتحمل تبعة خصاله السيئة، أيْ إنَّ المدح الموجَّه إلى المرأة كان لفظيًّا ظاهريًّا، أمَّا النتيجة العملية فهي خسارة لها على جميع الجبهات، بينما يوجَّه اللوم والذم إلى الرجل على المستوى الكلامي، ويظلُّ على المستوى العملي، هو الرابح على طول الخط، ومن المؤكَّد أنَّ المديح إنَّما وُجِّه إلى المرأة، في الحالة الأولى، لكي يساعدها على «ابتلاع» الخسارة الفادحة التي تلحق بكيانها كإنسانة، على حين أنَّ الذم، في الحالة الثانية، يُوجَّه إلى الرجل للتخفيف ظاهريًّا من حِدَّة المكاسب التي يحرزها على كافة الجبهات. د. فؤاد زكريا، الصحوة الإسلامية في ميزان العقل. يقول الأستاذ جمال البنا: الحجاب كان سبباً في قيام ثورة عاتية في الأفغان. في العقد الثاني في القرن العشرين عصفت بأسرة مالكة، وجاءت بأخرى . فعندما جرؤ الملك أمان الله خان – خلال محاولته تحديث بلده القبلى الجبلى الوعر - على أن يظهر زوجته الملكة ثريا وقد تخلصت من النقاب وبدت مكشوفة الوجه عارية الذراعين ثارت ثائرة الشعب فاقتلعت الملك أمان الله من عرشه وقضت على أولى محاولات تحديث الأفغان وأعادت المرأة الأفغانية مرة أخرى إلى خدرها ونقابها. وعلى مدار ألف عام وقد خضعت المرأة المسلمة لرأى فقهى متزمت يقضى على المرأة بأن تضع نقاباً كثيفاً يغطى وجهها، ويحرمها من التعليم والعمل ويحول بينها وبين الاختلاط أو التعرف على المجتمع، ويجعل مهمتها الوحيدة إرضاء الزوج وإنجاب الأبناء وتربيتهم، ويقصر عالمها ما بين المطبخ وغرفة النوم. ومنذ مائة عام فحسب ظهرت الدعوة لتحرير المرأة فى بعض الدول الإسلامية. مثل مصر وتونس وخاضت معركة مريرة ما بين دعاة السفور ودعاة الحجاب. ونجحت الحركة فى أن تستنقذ المرأة المصرية من عالم القرون الوسطى وتنقلها إلى عالم العصر الحديث، وأن لم تقضى على دعاة النقاب، الذين رزقوا فى بعض الأوقات عوامل شدت أزرهم وأعلت صوتهم. ولكن الأمر الواقع فرض نفسه على هذا السجال ما بين دعاة السفور ودعاة الحجاب، فإن الم أرة المسلمة – على الأقل فى مصر – أخذت زمام المبادرة فظهرت إلى الميدان مكشوفة الوجه واليدين مستورة الشعر فيما أطلق عليه "الحجاب" تمييزاً له على النقاب الذى يغطى الوجه باستثناء فتحة صغيرة أمام إحدى العينين.! إن الحجاب – وبمعنى أدق النقاب الذى كان مستخدماً طوال القرون الماضية ويحجب وجه المرأة – هو المسئول الأول عن تدهور وضع المرأة المسلمة لأنه أغلق الباب فى وجهها وشل كل الحريات التى أعطاها القرآن للمرأة. الحجاب يعود إلى الحضارات الأولى. والبشرية جمعاء – باستثناء الحضارة المصرية القديمة – كانت تفرض على المرأة صوراً ثقيلة من صور الحجاب وأن هذه الحقيقة التى لم تتحرر منها المرأة إلا فى الحقبة الحديثة وبالنسبة للمرأة الأوربية لظروفها الخاصة – كان لها أثرها فى بقاء الحجاب لأن القضاء على هذا التقليد القديم ليس سهلًا وأن الإسلام ليس مسئولًا عنه، فقد كان موجوداً قبله فى كل الحضارات وبصورة أشد مما أراده الإسلام. وقد وجد الحجاب قبل ظهور الإسلام بوقت طويل بحيث يمكن القول إن الحجاب فرض نفسه على الإسلام لا أن الإسلام فرض الحجاب على المرأة. إن الحجاب الذى كان مطبقاً طوال القرون الماضية كان هو النقاب الذى يغطى وجه المرأة، وبالتالى يعزلها عن المجتمع، ويعزل المجتمع عنها وكان لهذه الحقيقة أثار عميقة وشاملة على المجتمع – قلما يُلم بها أو يعنى بها الذين يكتبون عن الحجاب، ويتغنون بمزاياه.. ولم تتوصل المرأة المسلمة الحديثة إلى الحجاب الذى يكشف الوجه واليدين ويسمح بالتالى بوجودها فى المجتمع – إلا أخيراً جداً ويفضل حركة تحرير المرأة التى ينددون بها. إن أزمة الكتاب الإسلاميين الذين عالجوا موضوع المرأة إنما جاءت من أنهم نظروا إليها كأنثى وليس كإنسان ولهذا فإنهم رغم التكرار الذى لا يملونه عن مساواة الإسلام للمرأة بالرجل، وتكريمها إلخ... يأتون بعد هذا الكلام مباشرة بما يهده هدا وينقضه نقضا دون أن يستشعروا حرجاً أو يحسو خجلًا وإنما جاء ذلك لأنهم لا يفهمون مضمون كلمة الإنسان وما يستتبعه من حريات وحقوق. والحقيقة إن جهالتهم تلك تضم النساء والرجال معاً. لأن فكرة الإنسان لديهم باهته تماماً، وقد كاد أن يقضى عليها الفهم القديم للإنسان والالتباس الذى أحاط بتعبير "العبودية لله" وقد اقتحمت فكرة المرأة كإنسان عليهم الباب بتأثير الحضارة الأوربية وعسر عليهم الإيمان بها، ولكنهم بتأثير عوامل عديدة قبلوها اسماً ورفضوها عملًا يرفعونها إلى عنان السماء بألسنتهم وينزلون بها إلى الدرك الأسفل بأعمالهم لتمكن وتأصل الدرجة المتدنية للمرأة المستكنة فى أعماق نفوسهم، وهذا هو سر الازدواجية التى أصبحت من سمات الكتاب الإسلاميين ما بين الإدعاء والحقيقة، القول والعمل. كان الأثر الأول للحجاب على الرجال أنه حرم الرجال من التعرف على النساء والاختلاط بهن ما لم تربطه بهن صله النسب وهكذا وقع الرجل فى شر أعماله عندما أبعد المرأة وسجنها فى بيتها. لقد انقلب السحر على الساحر أصبح السجان "سجينا" تحكمه لوائح السجن، وحرم نفسه من الحرية. فى الوقت الذى ظن أنه استأثر بكل الحرية. حريته وحرية المرأة. وكما أن المرأة قد حرمت رؤية زوجها قبل الزواج، فإن زوجها أيضاً لم يكن ليراها قبل الزواج فتساويا فى الحرمان. أصبح مجتمع الرجال بعد أن أبعد الحجاب المرأة عنه مجتمعاً ذكوريا مقصوراً على الرجال فيما بينهم وهو أمر يخالف مخالفه مباشرة منطق الفطرة لأن الرجال لا يحسون بحقيقة رجولتهم إلا فى مرآة المرأة كما لا تحس المرأة بحقيقة أنوثتها إلا فى مرآة الرجل ومن ثم فإن الفصل بينهما يوهن فى خصائص كل منهما على نقيض ما يتصور، فبالنسبة لمن لم يتمكنوا من الزواج تعد المرأة كتاباً مغلقاً وعالماً مجهولًا. وقد تحدث القرآن عن الرجال والنساء وأنهم "من نفس واحدة" وبعضهم من بعض وأنهم أولياء بعض، وأنه تعالى خلقهم من ذكر وأنثى ليتعارفوا. وقد امتدح القرآن الزينة والجمال، وإذا لم يكن قد أفاض القول فيهما فإن فيما قدمه ما كان يمكن أن يدفع المسلمين لتوفير فنون الزينة ومظاهر الجمال. ولكن هذا ما كان يمكن أن يوجد دون أن يكون له محور يدور عليه وهو المرأة، لأن المرأة هى رمز الجمال الحى، الذى يثير العاطفة الجمالية فى النفوس. وهذا بالذات هو ما هدف الفقهاء إلى طمسه بدعوى مقاومة الفتنة. فلم ير الفقهاء فى المرأة الجميلة سوى أداة لاستثارة الغريزة الجنسية فى حين أن المرأة الجميلة يمكن أن تثير أنبل المشاعر وأرق الأحاسيس وأسمى العواطف، ولو أخذت الفتنة مأخذاً جاد لكان من حق النساء أن يطالبن بحجب الرجال لأنهم يفتنوهن، ولأن الرجل القوى يثير فى المرأة ما تثيره المرأة الجميلة فى الرجل. وقد حال الحجاب دون وجود المجتمع المختلط وأن يستشعر الشباب ذكوراً وإناثاً. تلك المشاعر العذبة، التى تعينهم على قضاء سنوات عزوبتهم وتزودهم بذكريات سعيدة وتجارب بريئة، وتذيقهم طعم الحب الرومانتيكى والأفلاطونى وما يشيعه من عاطفة عذبه دافئة. وكان لابد أن يظهر الانحراف ما لم يسرعوا بالزواج ولكن الزواج غير متاح، وحتى لو تم دون تفاهم فسيكون فاشلًا وبداية لسلسلة من المتاعب والهموم. من هنا يضطر المراهق لتحمل عذاباته أو يتورط فى إنحراف يمكن أن يأخذ شكل الحب المثلى، بمعنى أن تحب الفتاة فتاة مثلها، وأن يحب المراهق مراهقا مثله.. وهو ما لا يمكن أن يتم إلا فى ظل سرية، تكتنفها مشاعر الإثم والتحريم والشذوذ.. ولو أبيح الاختلاط لكان فيه مندوحة عن كل هذه التخبطات لأن الاختلاط الذى نتحدث عنه هو الاختلاط فى النشاط الاجتماعى والعام مما يعد مأمونا، ويحقق الهدف. ولعل أعظم أثار هذا الحجاب هو تغييب المرأة عن المجتمع وحبسها فى عقر بيتها وأن هذا المجتمع أصبح مجتمعاً رجاليا، ذكوريا، خشنا، تنتفى منه لمسة الأنثى التى تشيع الرقة، والحنان، وتهذب من السلوك وتضفى هالة من الجمال. وتهذيب السلوك والإحساس بالجمال. فى شبابى كنت أعرف مراهقين وشباباً كانت كل آمالهم هى التعرف على فتاة والجلوس معها والتحدث إليها.. ولو فى اجتماع أو فى رحلة، كان هذا فى الثلاثينات محالا. ولم يكن هؤلاء يريدون علاقة جنسية من أى نوع، فهم فى سنهم تلك أبعد الناس عنها، ولكنهم كانوا يريدون التعرف فحسب، وقد حال المجتمع القاسى دون ذلك فاضطروا إلى دخول المجال الذى يمكن لهم الاختلاط بالمرأة، وللأسف كان الكباريهات، أو ما هو أسوء دور البغاء، ولم يكونوا سعداء أو مستمتعين بهذا، ولكنها كانت النافذة الوحيدة على عالم المرأة وقتئذ فاضطروا إليها رغم التقزز الذى كان يخالطهم. إن هناك سراً دقيقاً يكمن فى أعماق النفس الإنسانية يجعل الخلطة العامة بين الشباب والشابات تشيع عاطفة عذبة، وتثير ما يشبه الأحلام السعيدة وتضرم طموحاً وتحيى عزائما، وكان الإنسان الذى تكوّن من "نفس واحدة" لا يجد كماله ووحدته إلا فى هذا المجتمع المختلط فيسعد بذلك. ويشعر بهذه العاطفة الطالب المراهق. لقد كان كل واحد من هؤلاء الشباب يرى نفسه فارس زميلته وحاميها والمؤتمن عليها، وما كان يمكن أن يتطرق إلى ذهنه سوء أو شر.. ثم يقرأ فى كتب الحديث أن لمس المرأة جمرة خبيثة وأن النظرة سهم مسموم وأنه ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، فتتمزق نفسه ما بين هذا وذاك وإذا سيطر عليه التقى فأخذ بألفاظ هذه الأحاديث أسودت الدنيا فى عينيه. فلهذا الشاب نقول خذ نصيبك من الدنيا والمتعة البريئة وأعتبر هذه الأحاديث كأن لم تكن، فهى في معظمها ضعيف أو موضوع. إن دهشتى لا تنقضى تجاه مجتمع يحرم على المرأة أن ترى الرجل.. ويحرم على الرجل أن يرى المرأة. ثم يزج بهما معاً، ومرة واحدة، إلى أحضان بعض! وينتظر منهما أن يعيشاً فى سلام ونبات وأن ينجباً أولاد وبنات! فماذا يكون هذا سوى الجنون والحماقة، ومن العسير على الذين يعيشون اليوم فى مجتمع سمح بالاختلاط أن يتصوروا المجتمع الذى ظل من أيام الجاهلية حتى مشارف العصر، يعتبر رؤية المرأة "تابو" محرم لا يجوز. وجناية عدم الاختلاط على المرأة أشد من جنايتها على الرجل. لأنها إذا أفقدت الرجل العاطفة والإحساس بالجمال، فإنها قضت على المرأة بأن تظل سجينة بيتها رهينة زوجها، لا تعرف شيئاً عن العالم الخارجى الذى يحيط بها. كما حرم الحجاب المجتمع من تعليم المرأة، فقد كان الرأى الفقهى السائد هو أن لا تعلم المرأة إلا الفاتحة وخمس أو ست من قصار السور تؤدى بها الصلاة أما ما عدا ذلك فلا يلزم المرأة، وفيم تقرأ وتكتب ودورها أن تلد وترضع وتطبخ وتغسل، وقد كانت سياسة طالبان فى أفغانستان مصداقاً لهذا الفهم، حينما تولت الحكم عام 1996، وخلال فترة التخلف التى شملت العالم الإسلامى قبل عصر النهضة الحديثة لم يفلت من إسار هذا الفهم المظلم السقيم إلا آحاد من كبار القوم وسراتهم فكانوا يعلمون بناتهم القراءة والكتابة فى بيوتهن وطوال ألف سنة لم تفتح مدرسة للبنات ولم يفلت من ظلام الجهل إلا العشرات أو المئات من الملايين. وحتى مشارف العصر الحديث، وفى مصر التى كانت متقدمة على غيرها من الدول العربية كان الفتيات النابهات الطموحات يتعلمن خلسة من إخوانهن حتى يتوصلن إلى "فك الخط" والقراءة والكتابة وعندئذ يواصلن التعليم سراً وعندما يعلم الأب يثور ويحرّم على ابنته مواصلة الدراسة ولا تلين قناته إلا بعد أن "تسوق" عليه الخيلان والأعمام والمعارف وقد سلك هذا المسلك معظم النابهات اللاتى ظهرن فى مطلع القرن العشرين. وعندما دخلت أول دفعة من الفتيات الجامعة المصرية كان ذلك يوماً أسود عند بعض المتعصبين الذين رأوا فيه علامة من علامات القيامة تؤذن بسقوط الإسلام. إن النساء ظلمن على ممر العصور ظلماً شديداً ورضخن لحماقات وإساءات و "رذالات" الرجال، وجردن من إدارة شوونهن بحيث لم يعد لهن من أمرهن شيواً. وأصبحن "عوان" أسيرات كما قال الرسول وهو يدفع عدوان الرجال، ولم تستطع قوة أن تنقذهن حتى مشارف العصر، بما فى ذلك الإسلام رغم آيات القرآن ومحاولات الرسول للأسباب التى سنوضحها فى باب "الإسلام والحجاب" فعشن مقهورات ومتن وفى النفس غصة. هذا المخلوق الكريم الجميل المضحى الذى أعطى الكثير، وكان جديراً بالاحترام والتقدير، ولكنه جوزى بالعقوق والتحقير. من العجيب أننا عندما نستعرض الأحكام والمبررات التى فرضت الحجاب على المرأة، لا نرى فيها قولًا للمرأة نفسها. فقد اتخذها الحكام والمشرعون الرجال، وكأنما لا توجد امرأة، تستشار على الأقل فى أمر يمس أخص خصوصياتها – وهو زيها ويعد التدخل فيه فضلًا على فرضه دون رأى المرأة وموافقتها أمراً نابياً. ولعل هذا يعود إلى أن الذين وضعوا أحكام الحجاب من حمورابى، فأثينا، فروما وبيزنطة، ومن جاء بعد ذلك من الفقهاء المسلمين اعتبروا المرأة أنثى وأن قضية الزى ترتكز على أنوثة المرأة فليس هناك حاجة لكى تستشار لأن الحكم صدر على الأنثى، ولما كانت المرأة أنثى فتسرى عليها – طبقاً لأحكام المنطق الصورى ما يطبق على الأنثى. ولكن هذا لا يمثل الحقيقة كاملة. فالمرأة مع أنها أنثى، فإنها أيضاً، وأهم من ذلك وقبل ذلك، إنسان.. وقد يفسر – دون أن يبرر – إغفال السلف لهذا الجانب الهام فى المرأة أن للأنوثة علامات جسدية ظاهرة ولافتة، ولكن ليس للإنسانية مثل هذه العلامات، ولكن أهم من هذا أن البُعد الإنسانى للفرد، أى النظر إلى كل فرد ذكراً أو أنثى كإنسان له إرادته الخاصة وشخصيته، لم يكتسب اعترافاً أو يكن محلًا للتطبيق إلا فى الفترة الحديثة. وفي المجتمعات الأوربية حتى وإن أوحت الأديان به، ودعت الفلسفات إليه، فهذه الدعوات الدينية والفلسفية ذهبت هدراً أمام الاستبداد السياسى والفاقة المادية. كانت المرأة من الفئات التى هضمتها النظم القديمة حقها، ثم جاء العصر الحديث يعيد إليها هذه الحقوق وإن لم يتم هذا بسهولة ويسر، وأعان عليه أن التحول الإنتاجى إلى الآلة فتح أمام المرأة باباً للعمل لم يكن متاحاً عندما كان العمل يعتمد على العضلات، فضلًا عن أن أصحاب الأعمال والرأسماليين وجدوا أن تشغيل المرأة يتفق مع مصالحهم الرأسمالية، لأن المرأة تأخذ أجراً أقل من الرجل، ولأنها أقل قدرة من الرجل على الدخول فى الإضرابات وصراعات العلاقة بين العمل ورأس المال. فاستفادت المرأة من هذا الوضع الجديد وبدأت للمرة الأولى وبشكل جماعى تدخل مجال العمل المأجور.. وتصبح لها شخصية مستقلة وإن كانت رواسب الماضى من ناحية واستغلال الرأسماليين من ناحية أخرى جعلت المرأة لا تهنأ بهذا الباب الجديد للحرية، واضطرها إلى أن تدخل معارك جديدة لكى تظفر بحقوقها السياسية والاجتماعية حتى نجحت فى النهاية فى أن تهدم الأسوار التى تفصلها عن المجتمع. ويبدو أنه لم يخطر على بال الذين وضعوا الإعلان العالمى لحقوق الإنسان أن قد توجد حتى الآن من الأوضاع أو التقاليد ما يحرم على المرأة أبسط حقوقها كإنسان. كحقها فى الزى وأن تكشف عن شعرها ويديها أو لا تكشف وحقها فى الخروج من البيت وقضاء الحوائج إلخ... فلم يوردوا هذه فى حقوق الإنسان لأنها معروفة بالبداهة ومسلم بها دون حاجة إلى مطالبة. ولكن الحقيقة أن التراث التاريخى/الاجتماعى الذى سنتحدث عنه فى الفصل الثالث، وعدم مرور المجتمع الشرقى بالتطور الاقتصادى والاجتماعى الذى مر به الغرب. وتوظيف الفكر الدينى لخدمة الأوضاع التقليدية أو النصوص الدينية، جعلت هذه الحقوق البديهية محل شد وجذب.. وما نريده أن نقرره هنا، أن مجرد الصفة الإنسانية للمرأة – وهى صفه لا يكابر فيها أحد بالطبع – تعطيها حقا فيما يتعلق بزيها، وسيرها شأنها فى هذا شأن الرجل سواء بسواء، وأن ما قد يرتفق على هذا الحق المتأتى من أن المرأة أنثى كما هى إنسان مرده فى النهاية الإرادة الشخصية، ولا يجوز أن يحيف على الحق الأصيل – أى الإرادة الشخصية – وأن على الطرف الآخر أن يقدر ويحترم هذه الإرادة، ولا يحاول توهينها، أو فرض سيطرته عليها.. فهذا ما يجب على الإنسان المتحضر أن ينأى بنفسه عنه، لأنه دليل الأثرة والأنانية أكثر مما هو دليل دواع أخرى، تجعله يعطى نفسه الحق فى أن يفرض على المرأة شيواً هو من صميم خصوصياتها. وعلى المرأة أن تقوم بنفسها بتحقيق التعادل ما بين صفتها كإنسان وصفتها كأنثى ولا يجوز أن يُفرض هذا بقوانين أو بتقاليد، ولما كان الأمر يتعلق بالملايين من النساء من مختلف الأعمار والثقافات والبيانات فإن الممارسة ستختلف وتتنوع وتخطىء وتصيب. وهو أمر لابد منه ولا مناص عنه فى المجتمع الحر. وبفضل الحرية يمكن إصلاح الشطط أو النزول بسوءاتها إلى الحد الأدنى. بقدر التقدم بقدر ما يزداد صوت الإنسان فى المرأة ارتفاعاً. ومن الممكن تحقيق التعادل ما بين المرأة الإنسان والمرأة الأنثى مع الكشف عن الشعر لأنه لا يحيف على المرأة الإنسان (وهو ما يعنى ما لا يجاوز قواعد الاحتشام) وننصح المرأة المسلمة بأن لا تتصلب فى هذه النقطة، إن هاجس الانزلاق الذى يتملك المرأة المسلمة فى العصر الحديث ويجعلها تتمسك بحجابها، وتحس أنها لو كشفت عن شعرها فربما يكون بداية ترخص ينتهى إلى تحلل، هاجس له ما يبرره، وإن كنا نعتقد أنه القياس مع الفارق وأنه لا يرتبط ضرورة بحجب الشعر. إن التمسح بالدين ضاعف الأحاديث والأحكام عن المرأة أضعافاً مضاعفة بحيث تضخمت وتناولت كل صغيرة وكبيرة ثم أضفت عليها من الأهمية والقداسة ما أعطاها طابعاً جعل الحجاب من "المعلوم من الدين بالضرورة." وهو ما تضمنته فتوى المحكمة السودانية التى حكمت منذ عشرين عاماً على محمود طه بالإعدام. وما كررته حديثاً فتوى أزهرية أنكرت على وزير التربية والتعليم أن يصدر زياً موحداً لمدارس البنات لا يتضمن الحجاب، مع أن الحجاب "من المعلوم من الدين بالضرورة!! وأضافت إحدى فصائل المجاهدين فى الأفغان إلى شعاراتها التى أشبهت شعارات الإخوان المسلمين "الله غايتنا والرسول زعيمنا" "والحجاب رمز عفتنا" َ! كأن العفة ليست شيئاً قلبياً معنوياً، وإنما مجرد شكليات ومظاهر. ومن الواضح أن الفكرة عن الحجاب وصلت الى درجة "التوثين" التى تشل أى فكر. الحجاب، جمال البنا. يشير الدكتور عبد السلام الترمانيني في كتابة القيِّم «الرق، ماضيه وحاضره» ص١٢٥١٢٦ سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، نوفمبر ١٩٧٩م، إلى الأصل الاجتماعي الموقوت بظروف مُعيَّنة لظاهرة حجاب المرأة، فيقول إنَّ الوضع الاجتماعي للجواري كان يستلزم أن تكون مكشوفةً لترغيب الناس في شرائها، ومن ثَم كان الحجاب ضروريًّا للحرائر حتى يتميَّزن عن الجواري، ولا يُصيبهنَّ مكروه من أولئك الذين كانوا يتعرفون على الجارية من ملبسها. وهكذا كان ارتداء الجلباب في الآية (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، كان ذلك دعوةً إلى دفع الأذى عن الحرائر حتى لا يخلط الناس بينهنَّ وبين الجواري. وينبِّهنا المؤلِّف إلى حقيقة هامة، وهي أنَّ عمر بن الخطاب كان يمنع الجواري من التحجُّب بالقوة، حتى لا يتشبَّهن بالحرائر، وينتهي من ذلك إلى القول بأنَّ «حجب المرأة الحرة كان تدبيرًا قضَت به الظروف الطارئة على المجتمع الإسلامي». ويشرح الشيخ يوسف قرضاوي معنى الآية السابقة بقوله: «إن أوامر الإسلام كانت بمخالفة المشركين والمجوس كأوامر للنبي، وأن القرطبي فسر فقال: إن النساء زمنَ النبي كن يغطين رءوسهن بالأخمرة ويُسدِلْنها على الظهر فيبقى النحر مكشوفًا، فأمر بإسدال الخُمر على الجيب؛ أي الصدر، وكان غطاء رأس كالرجال، كجزء من طبيعة البيئة لاتقاء الشمس الحارقة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ (الأحزاب: ٥٩)، وسبب نزولها أن عادة الأعراب التبرز في الصحراء وليس داخل البيوت، فكان بعض الفجار يتعرضون للمؤمنات مظنة أنهن جوارٍ غير عفيفات، فجاءت الآية لتميز لباسًا للحرائر المؤمنات، وكان عمر يضرب الجارية إذا تحجبت محافظةً على تميز الحرة بزيها. وفي زمننا لا توجد جَوَارٍ، والكُنُف داخل البيوت، وانتفى شرط إدناء الجلابيب للتمييز بين الحرة والأمة» (حلقة: الظاهريون الجدد، قناة الجزيرة). وهكذا لم يكُن الحجاب تشريعًا عامًّا للنساء (بدليل منع الجواري منه بالقوة)، وكان مرتبطًا في أصله بظروف خاصة، هي الرغبة في التمييز بين الحرة والجارية، ومن ثَم تثور علامة استفهام كبيرة في هذا الصدد: لمصلحة مَن تُفسَّر الآية المذكورة على أنَّها تشريع غير مُقيَّد بزمن مُعيَّن؟ وما معنى التحجُّب في عصر اختفَت فيه الجواري، ولم تعد المرأة الحرة بحاجة إلى الحجاب لكي تتميز به عن الجارية؟ ولكم بحَّت أصوات المتحاورين مع أنصار هذه الحركات الدينية، مطالبين إياهم بأن يُدلوا بآرائهم في المشكلات الحقيقية التي يتعرض لها الإنسان المسحوق في معظم أرجاء العالم الإسلامي، فهل يقبل الدين ذاته أن نولي موضوع الاختلاط أو الحجاب اهتمامًا يفوق بكثير ما نوليه لموضوع العدالة الاجتماعية أو نوع التحالفات الدولية التي تخدم قضايانا أو أسلوب الحكم في البلاد؟ من خصائص الفكر الصحراوي، مبالغته في تقوية تابو الجنس، وحظر الأمور المتعلقة بالحياة الجنسية بوجه عام، بحجة سد الذرائع المؤدية للزنا والحفاظ على العفة. ولا شكَّ أنَّ حجاب المرأة ينتمي إلى هذه الفئة. ولكنْ من المعروف أنَّ التركيز على منع الاختلاط بين الجنسين يُمثِّل جانبًا رئيسيًّا من جوانب «كفاح» الجماعات الإسلامية، وكل مَن عاش في جوِّ الجامعات ومعاهد العلم العربية يعرف هذه الحقيقة ويلمس لها كل يوم أمثلةً صارخة. هذه التحريمات التي تستهدف إقامة حواجز قاطعة بين نصفَي المجتمع تُقدَّم إلينا على أنَّها تستهدف «العفة» وترمي إلى صون الأخلاق. غير أنَّ حقيقة الأمر هي أنَّ التحريم المفرط لأبسط مظاهر الاختلاط وإعطاء الجنس بوجه عام حجمًا أكبر بكثير من حجمه الحقيقي، وكأنَّه هو المشكلة الكبرى التي تتوارى إلى جانبها مشكلات الخبز والمأوى والإحساس بالعدل والأمان؛ هذا التحريم المفرط هو ذاته شكل من أشكال الاهتمام الزائد بالجنس، وهو الوجه الآخر لنفس العملة، أعني الحرمان، وربما الشبق. ومن المؤكد أنَّ أيَّ محلِّل نفساني قادر على أن يكتشف الكثير من العُقَد وراء هذا التصور المبالَغ فيه لدَور الجنس في حياة الإنسان. ظاهرة التحجُّب، التي يُنظر إليها على أنَّها تُمثِّل بدَورها شَعيرةً من الشعائر. فأصحاب الاتجاهات الدينية المحافظة يدعون إلى التحجُّب استجابةً لنصٍّ دينيٍّ يُردِّدونه على مسامع الجميع، وينشرون دعوتهم بين الفتيات من خلاله. ومع ذلك فإنَّ هذا النَّص يقبل تفسيراتٍ اجتماعيةً تختلف في مرماها اختلافًا كبيرًا عن أهداف هذه الدعوة، وتؤدِّي إلى النظر إلى هذا النَّص على أنَّه لا يتضمن تشريعًا دائمًا، وإنَّما يُعبِّر عن ظرف خاص مؤقت فحسب. ويجد هذا التفسير الشكلي للحجاب قبولًا واسعًا في كثير من المجتمعات الإسلامية التي تسودها ازدواجية الحرمان من الجنس الآخر وتحريمه، والرغبة العارمة في الجنس مستترة وراء قناع من العفة المتطرفة، أو على الأصحِّ مُعبِّرة عن نفسها، عن طريق شكل واضح من أشكال «الإعلاء والتسامي»، من خلال هذه العفة المفرطة. وليس من الصعب أن نضيف تفسيراتٍ نفسيةً واجتماعيةً أخرى لهذا الانتشار الواسع لظاهرة الحجاب؛ فالمرأة المحجَّبة تصبح مُلكًا خاصًّا لرجلها وحده، حتى بالنسبة إلى أعين الآخرين ونظراتهم التي هي في المجتمعات الشرقية نظرات جائعة في أغلب الأحيان. والحجاب يُضفي على المرأة «ضمانة» ترضي غرور الرجل الشرقي وتُهدِّئ مخاوفه الدائمة وعدم ثقته الأزلية في الجنس الآخر. أمَّا بالنسبة إلى المرأة التي ورثَت تاريخًا طويلًا من القهر والاستعباد الرجولي، فإنَّ الحجاب وسيلة لتأكيد نقائها، وهو بالنسبة إلى الفتاة قبل الزواج «ورقة ضمان» تُشجع الراغب في الزواج وتُطمئنه، وبالنسبة إلى المتزوجة وسيلة لتحقيق تلك الازدواجية التي قد تكون أحيانًا ذات نتائج مدمِّرة؛ أعني أن تكون المرأة قديسةً في أعين الآخرين، وتتحوَّل مع زوجها إلى امرأة فائضة بالأنوثة، حتى تعوِّض له خشونة المظهر الخارجي، وتُثبت له أنَّها لا زالت المرأة القادرة على تلبية احتياجاته العاطفة والحسية. وعليها أن تبحث عن الصيغة التي تُتيح لها التوفيق بين هذين النقيضَين. الصحوة الإسلامية في ميزان العقل، د. فؤاد زكريا
حقيقة النقاب وجذوره من المعروف أن النقاب كان موجوداً في الحضارات القديمة والشعوب غير الإسلامية، حتى أنه يجوز لنا أن نقول أن النقاب فرض نفسه على الفقهاء والمحدثين – لا سيما الفرس والأعاجم – وليس أن الإسلام فرض النقاب. ولذلك ليس من الغريب أن تصدر وزارة الأوقاف المصرية كتاباً لمجموعة من كبار العلماء، مثل شيخ الأزهر السابق الشيخ محمد سيد طنطاوي، ومفتي الديار المصرية السابق د. علي جمعة، والشيخ محمد الغزالي وغيرهم بعنوان: النقاب عادة وليس عبادة. لقد ظهر أثر الثقافة اليونانية فى وقت مبكر فى العقيدة نفسها وبالذات فكر أرسطو. وعلى أساس أفكار أرسطو قام علم الكلام وعلى أساس منطقه قام القياس، وقد أفرد الغزالى فى كتابه المستصفى مقدمة طويلة عن منطق أرسطو واعتبر أن من لا يعلمه "لا يوثق بكلامه أصلا" فإذا كان فكر أرسطو قد طال العقيدة فهل يعجز عن أن يؤثر على فكرة المرأة، وأرسطو كما أوضحنا هو زعيم القائلين بدونية المرأة. وأن محلها البيت.. فلماذا لا يكون الفقهاء قد تأثروا بفكر أرسطو عن المرأة كما تأثروا بمنطقه؟ قد لا يكون لدينا شواهد معلنة، وقد تكون هذه الشواهد قد ضاعت فيما ضاع من آثار، على أن التأثر عملية نفسية وهى تشق طريقها كما تسلك الوراثة النفسية طريقها فى أشخاص الأبناء والأحفاد ويحدث هذا دون شعور لأن العرق دساس والتأثير النفسى للحضارات لا يقل عن التأثير البيولوجى للسلالات. وإذا كان طوفان الموالى قد زحم طرقات المدينة أيام عمر بن الخطاب وقامت أكبر حركة تزاوج ما بين العرب والموالى فأى عجب فى أن ينقل هؤلاء الموالى – ومعظمهم من فارس – تقاليد فارس عن المرأة إلى المجتمع الإسلامى. إن عملية تقزيم المرأة وتجريدها من الحقوق التى قررها القرآن والرسول بدأت فى فترة مبكرة، وبدعم من التقاليد الجاهلية القديمة ثم التقاليد اليونانية الفارسية والتركية الوافدة. إن قوى عديدة كانت تزحف على المجتمع الإسلامى وتزحزحه من العهد النبوى وتسير به إلى عهود أخرى تختلف تماماً عما كان عليه الأمر وقت الرسول، وقد عبر عن هذا التغيير الذى لمسه فى وقت مبكر أنس ابن مالك عندما قال "ما أعرف شيئاً اليوم مما كنا عليه على عهد رسول الله قال قلنا فأين الصلاة قال أو لم تصنعوا فى الصلاة ما قد علمتم يعني تأخيرها عن وقتها المختار- وهو أيضاً ما لاحظه أبو الدرداء عندما دخل على زوجته وهو مغضب فقلت من أغضبك قال والله لا أعرف فيهم من أمر محمد شيئاً إلا أنهم يصلون جميعاً- وفى رواية إلا الصلاة. بالإضافة إلى هذا فإن سماحة الإسلام وقوته حملت جماهير عديدة من أهل البلاد المفتوحة فى فارس والشام على الإيمان بالإسلام وحملوا إلى الإسلام رواسب ووراثات حضارتهم وعاداتهم القديمة ومارسوها وكانت أكثر المجالات تأثراً بها البيت، والم أرة وكانت هذه الرواسب، كما أرينا فى الفصل الثالث – الحجاب كميراث تاريخى – تضع الحجاب على المرأة وتبقيها داخل البيت وتحرمها الحقوق المدنية. إن تركز حكم الدولة الأموية فى دمشق التى كانت موئلا للحكم البيزنطي قروناً عديدة كان له تأثير على نمط الحياة العربية. وكانت المرأة فى بيزنطة متخلفة يضرب عليها الحجاب من أيام أثينا وروما ثم جاء الآباء الأول للكنيسة برأيهم السيئ عن المرأة، ولا جدال أن ذلك تسرب بطريقة ما إلى المجتمع الإسلامى الذى أصبحت دمشق عاصمة له.. فتجاور الحضارات لابد أن يحمل تأثيرها. ثم جاءت النقلة الثالثة من دمشق إلى بغداد أشد تأثيراً وأعظم وقعاً وكان الحكم العباسي فارسياً بمعني الكلمة يدين لفارس (خراسان) بالثورة على الخلافة الأموية التى كانت تتشبث بظلال عربية. فزحفت التقاليد الفارسية على الحياة الاجتماعية وظهر طوفان من الجواري والتحلل معهن يقابله "من التشدد مع المرأة الحرة.. وظهر أول توجيه يحض صراحة على حجاب المرأة أوصى به ابن المقفع. وهو فارسي الأصل." "وأكفف عليهن من أبصارهن فإن شده الحجاب خير لك من الارتياب وليس خروجهن بأشد من دخول من لا يوثق به عليهن، فإن استطعت ألا يعرفن غيرك "فأفعل" فهذا نص صريح يوجب الحجاب الكثيف على المرأة ويحبسها وراء أربعة جدران. وكانت النقلة الرابعة مع سيطرة الترك بعد الفرس وتحول الخلافة العباسية والترك بالنسبة للمرأة يماثلون الفرس، وربما أسوأ فى فكرتهم عن المرأة وضرورة حجبها فى البيوت وإبعادها عن الحياة. وأخيراً سقطت الخلافة العباسية تحت سنابك التتار وأنهي هولاكو صفحتها وجاءت أفواج من الترك والديلم والتتار لا يحسنون – بل لا يعرفون – العربية، وفرضوا تقاليد "إلياسا" على المجتمع الإسلامى. وفى النهاية ظهر الحريم. وظهر السلطان الذى يصدر منشوراً "كل امرأة تسير كاشفة وجهها فى الطريق بغير نقاب تعاقب بقص شعرها بالشفرة (الموس) وتمتطى حماراً بالمقلوب وتعرض فى الأسواق العامة بين تصفيق الصبية وصياح المتفرجين...". إذن لم يكن الحجاب نتيجة توجيهات نصوص قرآنية أو أحاديث نبوية (فقد ضعف تلك الأحاديث كلها الشيخ الألباني في كتابيه حجاب المرأة المسلمة والرد المفحم) وإنما ظهر الحجاب في المجتمع الإسلامي نتيجة تفاعل حضارات وثقافات الشعوب الأخرى مع المجتمع الإسلامي بفعل الفتوحات الإسلامية واتساع رقعة الإمبراطورية الإسلامية ودخول تلك الشعوب في الإسلام حاملة معها ثقافتها وفلكلورها وعاداتها زتقاليدها. وقد يكفى هنا أن نقول إن الله تعالى لو أراد حجب الشعر والوجه، وأن لا تخرج المرأة من بيتها أو تختلط بالرجل لما أعجزه تعالى أن ينص على هذا صراحة فى القرآن فيقول للنساء المؤمنات غطوا شعوركن ووجوهكن والزمن بيوتكن ولا تختلطن بالرجال ولا تمارسن الأعمال "إن هذا لم يرد، ولكن وردت توجيهات بألفاظ عامة تحتمل اتجاهات كثيرة أشرنا إلى بعضها من قبل تنهى عن تبرج الجاهلية الأولى فلا داعى للتقول على القرآن ما لم يقل والافتيات عليه بمعان ذاتية من فكر أصحابها. إن التجديد الذى جاء به القرآن والرسول لم يعمر سوى خمسين عاما هى مدة الرسالة النبوية والخلافة الراشدة، ثم توالت بعدها الأحداث. وما كانت هذه المدة القصيرة لتستطيع أن تقتلع جذور الجاهلية الأولى، والحضارات القديمة من عهد حمورابى أو أن تصد موجات التيارات الوافدة من يونانية وفارسية وبيزنطية وتأثيرات الترك والديلم والمماليك الذين لم نعرف حتى الآن بأى لغة كانوا يتكلمون، وكان لا بد أن تمسخ قضية المرأة عما أراده الله ورسوله.. إلى ما كانت عليه العصور القديمة والتيارات الوافدة شأنها فى هذا شأن ما أنتاب المجتمع الإسلامى من نكوص عن عهد الرسول. ولماذا تبقى قضية المرأة بمنجاة عن هذه التطورات وهى أشد القضايا حساسية؟ من أجل هذا فإن التطور الذى انتهت إليه قضية المرأة وخالفت فيه ما كانت عليه أيام الرسول لا يثير الدهشة، ولا يبدوا عجيبا إلا للذين ليس لديهم فكرة عن سنن المجتمع وأن التغيير والتطوير، سواء إلى الأفضل أو الأسوأ أمراً لا مناص عنه للمجتمع البشرى. إن مشايخ اليوم يفرضون على المسلمات شيئًا مزورًا اسمه الحجاب ويضعونه ضمن فروض الدين، وهي الزيادة في الدين التي يتم بها تعريف البدعة المكروهة. وحتى لو ذهبنا مذهب مشايخنا بالفرض الجدلي، نجد أنهم يفرضون على مجتمعنا فضيلة (إن كانت كذلك) تم وضعها لزمن غير زماننا ولبشر يختلفون عنا ولمجتمع مباين بالمرة لمجتمعنا بالكلية، وفي ظروف غير ظروفنا، ومكان لا علاقة لنا به في عاداته وتقاليده ونظمه من قريب أو بعيد. سيد القمني، الحجاب يقول الأستاذ قاسم أمين: أن إلزام النساء بالاحتجاب (يعني النقاب الذي كان سائداً في عصره) هو أقسى وأفظع أشكال الاستعباد؛ ذلك لأن الرجال في أعصر التوحش كانوا يستحوذون على النساء، إما بالشراء كما بيناه، وإما بالاختطاف. وفي كلتا الحالتين كانوا يعتبرون أنفسهم مالكين نساءهم ملكا تاما، وتبع ذلك أن الرجل جرد امرأته عن الصفات الإنسانية خصصها بوظيفة واحدة وهي أن تمتعه بجسمها، فأقرها في مسكنه. وألزمها بأن تلازمه ولا تخرج منه؛ حتى لا يكون لأحد غيره حظ في أن يتمتع بها، ولو بالنظر أو الحديث، شأن المالك الحريص على ملكه الذي يريد أن يستأثر بجميع مزايا المتاع الذي يملكه. ولما كان من المحال ألا تعرض ضرورة تقضي على المرأة بالخروج من منزلها في بعض الأحيان، أراد أن يتبعها بالحجاب، حيث سارت فألزمها بستر وجهها إذا خرجت. هذا الحجاب الذي قرره الرجل في الأصل على زوجته تتعدى بعد ذلك إلى البنات والأمهات والأخوات، وإلى عموم النساء؛ لأن كل امرأة هي زوجة أو كانت زوجة، أو مستعدة لأن تكون زوجة. فالحجاب هو عنوان ذلك الملك القديم، وأثر من آثار تلك الأخلاق المتوحشة التي عاشت بها الإنسانية أجيالا قبل أن تهتدي إلى إدراك أن الذات البشرية لا يجوز أن تكون محلا للملك لمجرد كونها أنثى، كما اهتدت إلى أن تفهم أن سواد البشرة ليس سببا لأن يكون الرجل الأسود عبد الأبيض. وليس من الغريب بقاء الحجاب بعد زوال السبب الذي أوجده، أي بعد خروج المرأة عن ملكية الرجل، فقد جرت سنة الله في خلقه بأن الانتقال من طور إلى طور آخر لا يكون دفعة واحدة.. لما بطل حق ملكية الرجال على النساء اقتضت سنة التدريج أن تعيش النساء في حالة وسط بين الرق والحرية حالة اعتبرت فيها المرأة أنها إنسان، لكنه ناقص غير تام. كبر على الرجل أن يعتبر المرأة - التي كانت ملكا له بالأمس - مساوية له اليوم، فحسن لديه أن يضعها في مرتبة أقل منه في الخلقة، وزعم أن الله لما خلق الرجل وهبه العقل والفضيلة، وحرمها من هذه الهبات، وأنها لضعفها وقلة عقلها وميلها مع الشهوات يلزم أن تعيش غير مستقلة تحت سيطرة الرجل. ذلك هو السر في ضرب الحجاب، وعلة بقائه إلى الآن، فأول عمل يعد خطوة في سبيل حرية المرأة، هو تمزيق الحجاب ومحو آثاره. اهـ هذا هو أصل النقاب، وعلة إخفاء المرأة بالكامل عن أعين الرجال الغرباء. والنقاب يكاد يكون قد اختفى من المجتمعات المتحضرة اليوم، ولكن غطاء الرأس والملابس ذات الأكمام الطويلة في الصيف والحر، هي أثر من آثاره، بحسب سنة التدرج، كما قال قاسم أمين، ويجب القضاء على آخر أثر من آثار النقاب، كما تم القضاء عليه، لأن فكرة الحجاب في أصلها فكرة شهوانية متخلفة لا تليق بالمرأة كإنسان مساو للرجل تماماً. ولا يوجد في شعر المرأة ما يثير شهوة الرجل من قريب أو بعيد. على أن ما قيل من أن حرية النساء تعرضهن للخروج عن حدود العفة، كله كلام لا أصل له، تبطله التجارب وينبذه العقل؛ إذ أن التجارب المؤسسة على الشواهد الصحيحة تدل على أن حرية النساء تزيد في ملكاتهن الأدبية وتبعث فيهن إحساس الاحترام لأنفسهن، وتحمل الرجال على احترامهن. الحجاب، جمال البنا ومع أن النقاب قد انقرض تقريباً، عدا بعض البلدان كعادة من العادات، إلا أن الحجاب، وفكرة حجب المرأة عن العيون لا زالت قائمة، ويجب التخلص منها، لأنها قائمة على وهم من الأوهام (إثارة شهوة الرجل وأن المرأة عورة)، ولم يعد لها مبرر، لأن العادات تغيرت وأعراف الناس قد تبدلت، فهل إذا خرجت سيدة من سكان القاهرة بدون غطاء الرأس، سيكون منظرها مثيراً للشهوة ؟ كلا، على الإطلاق، بل على العكس، فإن شعر المرأة يضفي عليها مسحة من الجمال الذي لا يمت للشهوة البهيمية بصلة، اللهم إلا عند بدو الصحراء والفيافي. يقول الأستاذ جمال البنا: إن تعييرات من نوع الفتنة، والعورة إلخ... التى تمتلئ بها كتب التراث والتى تنسبب إلى بعض الأحاديث، إنما أريد بها عصر انتهى وانقضى وأصبحت هذه التعييرات مفردات غير ذات موضوع فى العصر الحديث، ولهذا فهى تطوى صفحتها ولا تدعها تلوث مجتمعنا وقد يشفع لنا أن نقول ان هاتين الكلمتين – الفتنة والعورة لم يردا فى القرآن الكريم بمعنى الاشتهاء الجنسى، وليعودوا إلى القرآن الكريم وليحكموا بسياق الآيات على مضمون كل كلمة من هذين وقد أمتدح القرآن الزينة، والجمال. )قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَّللَِّ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ). الحجاب، جمال البنا وأما عن السبب الآخر – التاريخي – للحجاب، وهو أن تُعرف المرأة بأنها من الحرائر لا من الإماء والجواري: فلم يعد للرق وجود منذ الستينات، ولا يعدو الحجاب إلا أن يكون أثر من آثاره، ليس له ما يبرر وجوده واستمراره حتى الآن.
#محمد_بركات (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة الثانية والعشرون: ضرورة معر
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة الحادية والعشرون: ضرورة الت
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة العشرون: لا تلُم نفسك، وإيا
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة التاسعة عشر: الخوف من الله
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة الثامنة عشر: إله القرآن ليس
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة السابعة عشر: ضرورة دراسة ال
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة السادسة عشر: ختم النبوة يتع
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة الخامسة عشر: ضرورة الإيمان
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة الرابعة عشر: المنهج التجريب
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة الثالثة عشر: الإنسان هو الذ
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة الثانية عشر: ضرورة معرفة تط
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة الحادية عشر: ضرورة معرفة تا
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة العاشرة: ضرورة التخلص من سل
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة التاسعة: ضرورة فهم معنى الف
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة الثامنة: ضرورة معرفة معنى ا
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة السابعة: خطورة الإعجاز العل
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة السادسة: ضرورة معرفة تاريخ
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة الخامسة: العلاقة بالآخر ومش
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة الرابعة: تاريخية النص الدين
...
-
قواعد التنوير الأربعون | القاعدة الثالثة: الكهنوت العدو الأخ
...
المزيد.....
-
مصادر: مهاجم الكنيس اليهودي في ميشيغان كان له صلة بحزب الله
...
-
بابا الفاتيكان: على المسيحيين الذين يشعلون الحروب الذهاب لكر
...
-
قرى وبلدات مسيحية حدودية في جنوب لبنان... إصرار على البقاء
-
المقاومة الإسلامية في العراق تخصص مكافأة مالية لمن يدلي بمعل
...
-
المقاومة الإسلامية تستهدف -ضمن إطار عمليّات يوم القدس- موقع
...
-
الولايات المتحدة: هجوم على كنيس يهودي وجامعة وسط توتر حرب إي
...
-
المسألة الطائفية في تونس: بين إرث البورقيبية وصراع الهوية ال
...
-
بعد هجمات على معابد يهودية في أوروبا.. تقرير إسرائيلي يكشف ل
...
-
مخطط استيطاني جديد لقضم أراضي سلوان وعزلها عن المسجد الأقصى
...
-
العقيد -ذوالفقاري-: الوقواعد الأميركية في المنامة وأربيل تت
...
المزيد.....
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|