|
|
علي الوردي والبدو
عصام حافظ الزند
الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 16:11
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن)
يُعَدُّ الدُكْتُورُ عَلِي الوَرْدِي واحِداً مِن الباحِثِينَ المُهِمِّينَ الَّذِينَ دَرَسُوا، وكتبوا عَن البَدْوِ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ أَوْ غَيْرِ مُباشِرٍ مُعْتَمِداً عَلَى أهم الدِراساتِ العالَمِيَّةِ وَالمُعايَشَةِ المَيْدانِيَّةِ وَكَما يَظْهَرُ مِن كِتاباتِهِ أنه قرأ كَثِيراً فِي التارِيخِ العَرَبِيِّ وَالإِسْلامِيِّ، كما تابع الكثير من اهم الدراسات العالمية في مجالات مختلفة خاصة التاريخ وعلم الاجتماع والفلسفة وغيرها واستفاد منها وأدخلها فِي دِراساتِهِ بِكَثْرَةٍ وأن أستخدمه َأَحْياناً دُونَ تَمْحِيصٍ، أَوْ تأكد مُوَضِّحاً الكَثِيرَ مِن الجَوانِبِ السَلْبِيَّةِ أَوْ لِتَبْرِيرِ رأي فِي المُجْتَمَعِ، كَما أنه رُبَّما الأَكْثَرُ جرأة فِي تَناوُلِ قيم البَدْوِ وَطَبائِعِهِم وَخاصَّةً كِتابَهُ دِراساتٍ فِي طَبِيعَةِ المُجْتَمَعِ العِراقِيِّ إضافة إِلَى بَعْضِ كُتُبِهِ وَدِراساتِهِ الكَثِيرَةِ الأُخْرَى، وَبَدا بأن أصدر عامَ 1951، أَيْ بَعْدَ عامٍ عَلَى حُصُولِهِ عَلَى الدكتوراه مِن جامِعَةِ تِكْساس الأَمْرِيكِيَّةِ دِراسَةٌ صَغِيرَةً وَكانَ عُنْوانُها شَخْصِيَّةَ الفَرْدِ العِراقِيِّ، وَعَلَى العُمُومِ، فإنها كَما يُذْكَرُ هُوَ بأنها أَشْبَهَ بِمَقالِ كُتِبَ عَلَى عَجَلٍ لإلقائها فِي حَفْلٍ عامٍّ، وقد كانت حقا مَقالَةً بَسِيطَةً، وَفِيها الكَثِيرُ مِن الأَفْكارِ غَيْرِ الناضِجَةِ، وَالَّتِي بَحَثَها فِيما بَعْدُ فِي مُؤَلَّفاتٍ أُخْرَى، وَرَغْمَ تَسْمِيَتِها كِتابٌ إِلّا أنها فِي الواقِعِ يُمْكِنُ أَنْ تُعَدَّ كْرّاساً صغيرا، وأنه أخيرا وَصَفَها فِي كِتابِهِ طَبِيعَةُ المُجْتَمَعِ العِراقِيِّ بأنها كِتابٌ صَغِيرٌ؛ وَمَعَ ذٰلِكَ فَقَدْ أَفادَتنا مِنها فِكْرَةٌ أَساسِيَّةٌ أَصْبَحَت مَعْرُوفَةً فِي السَنَواتِ اللاحِقَةِ تَقُولُ بانَ لِلشَخْصِيَّةِ مَفْهُوماً فِي عِلْمِ النَفْسِ يَخْتَلِفُ عَن مَفْهُومِها فِي عِلْمِ الاِجْتِماعِ أَوْ عِلْمِ الحَضارَةِ فَعِلْمُ النَفْسِ يَنْظُرُ إِلَى الإنسان كَفَرْدٍ قائِمٍ بِذاتِهِ، وَلِذا يَدْرُسُ شَخْصِيَّةَ الإنسان مِنْ حَيْثُ كَوْنُها مَجْمُوعَةٌ مِنْ الصِفاتِ الخاصَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُهُ عَنْ باقِي الأَفْرادِ، وَلٰكِنَّ عِلْمَ الاِجْتِماعِ يَدْرُسُ تِلْكَ الشَخْصِيَّةَ بِاِعْتِبارِها مُنْبَثِقَةً وَمُمَثِّلَةً لِلمُجْتَمَعِ فِي كَثِيرٍ مِن وُجُوهِها أَوْ كَما يَقُولُ الفَرْدُ وَالمُجْتَمَعُ توأمان يُولَدانِ مَعاً فَشَخْصِيَّةُ الإنسان يُسَبِّكُهُ المُجْتَمَعُ فِي قَوالِبَ مُحَدَّدَةٍ لِذا، فإن أفراد المُجْتَمَعِ الواحِدِ لَهُم صِفاتٍ عامَّةً مُشْتَرَكَةً وإن اِخْتَلَفَت شَخْصِيّاتُهُم الفَرْدِيَّةُ فَالفَرْدُ هُوَ صَنِيعَةٌ اِجْتِماعِيَّةٌ أَيْ أنها مُمَثِّلَةٌ لِلحَضارَةِ الَّتِي نَشَأَت فِيها. وَهٰكَذا نَرَى أَنَّ القِيَمَ الاِجْتِماعِيَّةَ البَدَوِيَّةَ تَنْعَكِسُ بِهٰذا الشَكْلِ تَجِدُ لَها صَدىً فِي كُلِّ بَدَوِيٍّ أَوْ ذُو أصل بَدَوِيٍّ وَيُضافُ إِلَى تِلْكَ الشَخْصِيَّةِ أَنَّ أولئك الأفراد فِي الغالِبِ مِن الطَبَقاتِ الفَقِيرَةِ مادِّيّاً وَرُوحِيّاً، وَفِي الحُدُودِ الدُنْيا مِن التَعْلِيمِ وَبِالتالِي فإن التَمَسُّكُ بِتِلْكَ التَقالِيدِ وَالقِيَمِ يَكُونُ فِي الغالِبِ الأَعَمِّ السُلُوكُ الطَبِيعِيُّ لَهُم يَدُورُونَ فِيهِ دَوْرَةَ الحَلْقَةِ مِن جِيلٍ إِلَى جِيلٍ تَقْرِيباً، بَلْ إن مَنْ يَخْرُجُ مِنهُم مِن تِلْكَ الحَلْقَةِ يَبْقَى قَرِيبٌ مِنها فِكْرِيّاً وَسُلُوكِيّاً فِي غالِبِ الأَحْيانِ، وَهٰكَذا نَرَى فِيَّ عِراقِ اليَوْمِ وَفِي بُلْدانٍ عَرَبِيَّةٍ أُخْرَى مَثَلاً، إن مَسْؤُولِينَ كِبارٌ وَبَرْلَمانَيْنُ وآخرين يُعَدُّونَ أنفسهم مِن المُثَقَّفِينَ وَالحاصِلِينَ عَلَى تَعْلِيمٍ عالٍ، بَلْ وَيَعِيشُونَ أَوْ عاشُوا لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ فِي الغَرْبِ يُدافِعُونَ عَن أنفسهم، وَيَتَصَرَّفُونَ بِغَرائِزَ بَدَوِيَّةٍ، وَيَحْتَمُّونَ بِالتَوَجُّهِ نَحْوَ القَبِيلَةِ وَلَيْسَ إِلَى المُؤَسَّساتِ المَدَنِيَّةِ وَالقَضائِيَّةِ، بَلْ أَنَّ أَفْراداً أنهوا جامِعاتٍ وَدِراساتٍ عُلِيا وَفِي بُلْدانٍ أوربية وَيُقِيمُونَ بِها، وَيُعَدُّونَ أنفسهم ضِمْنَ اليَسارِ أَوْ التَقَدُّمِيِّينَ، وَلٰكِنْ لا تزال صَداقاتُهُم وَتَكَتُّلاتُهُم مَناطِقِيَّةٌ وَعَشائِرِيَّةٌ، وَبَقَوْا إِلَى حُدُودٍ كَبِيرَةٍ مَعْزُولِينَ عَن المُجْتَمَعِ الَّذِي يُحِيطُهُم وَطَبِيعَةِ تَفْكِيرِهِم تَعُودُ إِلَى القَبِيلَةِ فِي كَثِيرٍ مِن جَوانِبِها، رَغْمَ تَسَتُّرِهِم بِغِطاءِ الثَقافَةِ تارَةً أَوْ المَوْضُوعِيَّةِ أَوْ الواقِعِ أحيانا أخرى. وفي هذا السياق نشير الى تشخيص مونتسكيو حول تأثير الطبيعة على الانسان وتشكيل الخصال الاجتماعية ،وهكذا نرى ان الغالبية من الناس في الشكوى والمطالبة والثناء تتجه مباشرة الى الرئيس أو اعلى هرم ولا تتجه الى المؤسسة او المسؤول المحدد أما الفِكْرَةُ الأُخْرَى الَّتِي يُورِدُها الدكتورُ، وَوَجَدتُها فِي بَعْضِ الدِراساتِ التاريخية، وأن الواقِعِ أَيْضاً يُؤَكِّدُها مُفادُها أَنَّ كُلَّ مَدِينَةٍ أَوْ مُجْتَمَعٍ يَكْثُرُ فِيهِ رِجالُ الدِينِ تَنْتَشِرُ فِيهِ أَيْضاً اِزْدِواجُ الشَخْصِيَّةِ إِلَى دَرَجَةِ كبيرة، لأن الإنسان فِي هٰذا المُجْتَمَعِ يَكُونُ دِينِيّاً مِن ناحِيَةِ (التَمَسُّكُ بِمَظاهِرِ الدِينِ) وَدُنْيَوِيّا مِن ناحِيَةٍ أُخْرَى. وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ هٰذا وَخاصَّةً مَعَ المُجْتَمَعاتِ مِثْلَ المُجْتَمَعِ العِراقِيِّ بل والعربي عموما يَسِيرُ مَعَ الظاهِرَةِ الأَساسِيَّةِ وَهُوَ في الواقع وجه من اوجه الصِراعُ بَيْنَ البِداوَةِ وَالحَضارَةِ، وَمِنْ الأَمْثِلَةِ عَلَى ذٰلِكَ أنه فِي كِتابِهِ وَعاظَ السَلاطِينَ وَهُوَ مِنْ الكُتُبِ الَّتِي يَعْتَزُّ بِها وَأَحْدَثَ ضَجَّةً بَيْنَ الأوساط الثقافية وَبَقِيَ مُتَمَسِّكاً بِهِ يَقُولُ" وَقَدْ لاحَظْتُ بَعْدَ دِراسَةٍ طَوِيلَةٍ، أَنَّ العَرَبَ مُصابُونَ بِداءِ اِزْدِواجِ الشَخْصِيَّةِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الأُمَمِ، وَلَعَلَّ السَبَبَ فِي ذٰلِكَ ناشِئٌ عَنْ كَوْنِهِمْ وَقَعُوا أثناء تَطَوُّرِهِمْ الحَضارِيِّ تَحْتَ تَأْثِيرِ عامِلَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ: هُما البِداوَةُ وَالإِسْلامُ ثُمَّ يُرَكِّزُ فِي ذٰلِكَ عَلَى العِراقِيِّ وَيُسْهِبُ فِي شَرْحِ ذٰلِكَ، فَهُمْ بَدْوٌ عاشُوا فِي الصَحْراءِ، ثُمَّ جاءَهُم الإِسْلامُ بَعْدَ ذٰلِكَ يَحْمِلُ مِن التَعالِيمِ ما يُخالِفُ قِيَمَ البَداوَةِ القَدِيمَةِ ناقِلاً العِبارَةَ مِن فَجْرِ الإِسْلامِ لِأَحْمَد أمين، على اننا نرى انه يسهب وَيَدْخُلُ كَثِيراً فِي التارِيخِ وَيَرْوِي مُخْتَلِفَ الأَحْداثِ وَالأَحادِيثِ مَوْثُوقَها وَضَعِيفَها دُونَ تَحْقِيقٍ لَها وَدُونَ ذِكْرٍ لِمَصادِرِها أَحْياناً ولابد هنا من الاشارة أننا عِنْدَما نُناقِشُ أَوْ نَخْتَلِفُ مَعَ الوَرْدِيِّ، فِي بَعْضِ الآراءِ لا يَعْنِي أبدا التَقْلِيلَ مِن قِيمَةِ بُحُوثِهِ وَسَعَةِ اطْلاعِهِ، وانه احد اعمدت علم الاجتماع وان دِراساتِهِ العديدة نَعُدُّها مِن المَصادِرِ المُهِمَّةِ الجَلِيلَةِ فِي الدِراساتِ الاِجْتِماعِيَّةِ. ( د/ علي الوردي وعاظ السلاطين مؤسسة الصادق ص 19 ومابعدها) مّا فِي كِتابِهِ المُهِمِّ الآخر "دِراسَةٌ فِي طَبِيعَةِ المُجْتَمَعِ العِراقِيِّ "وَالَّذِي صَدَرَ عامَ 1965، أَيْ بَعْدَ حَوالَيْ عَشْرِ سَنَواتٍ عَلَى كِتابِ وَعاظِ السَلاطِينِ، وَفِي مُقَدِّمَتِهِ يُذْكُرُ أَنَّ الكِتابَ الَّذِي يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ القارِئِ هُوَ"خُلاصَةُ دِراسَةٍ طَوِيلَةٍ وَشاقَّةٍ، وَفِي فَصْلِهِ الأول وَفِقَرَتُهُ الأولى يَقُولُ" خِلالَ دِراسَتِي لِلمُجْتَمَعِ العِراقِيِّ وَجَدتُ فِيهِ ظاهِرَةً اِجْتِماعِيَّةً أَلْمَحُها فِيهِ أينما تَوَجَّهَت فِي نَواحِيهِ المُخْتَلِفَةِ عَبْرَ الزَمانِ وَالمَكانِ، وَهِيَ الَّتِي أَسْمَيتُها بِظاهِرَةِ الصِراعِ بَيْنَ البِداوَةِ وَالحَضارَةِ. وَيُسْهِبُ فِي شَرْحِ ذٰلِكَ مُناقِضاً بصورة مباشرة وَغَيْرِ مُباشِرٍ ما قالَهُ فِي الكِتابِ الأول، وَفِي المُقَدِّمَةِ يَذْكُرُ اِهْتِماماتِهِ بِالمُجْتَمَعِ العِراقِيِّ مُنْذُ كِتابِهِ الصَغِيرِ الأول مُرُوراً بِكِتّابِ وَعاظَ السَلاطِينَ وَغَيْرُها وُصُولاً إِلَى الكِتابِ الأخير، ولا يكفينا طَبْعاً بأنه قالَ أَنَّ آراءه لَمْ تَكُنْ نِهائِيَّةً، فَقَدْ غَيَّرَت البَعْضَ وأبقيت عَلَى البَعْضِ الآخَرِ، بَلْ نَعْتَقِدُ أنه مِن المُفْتَرَضِ وَهُوَ الجريء جِدّاً أَنْ يَقُولَ إن الصِراعَ البَدَوِيَّ فِي الواقِعِ لَمْ يَكُنْ مَعَ الإِسْلامِ وَحَسْبُ، بَلْ كانَ مَعَ الحَضارَةِ فإننا نَعْتَقِدُ أَنَّ البَدَوِيَّ حَمَلَ إِسْلامَهُ مَعَهُ عَن طَرِيقِ " الفَتْحِ العَسْكَرِيِّ" كَما يُسَمِّيهِ فَالمُهِمُّ فِي عِلْمِ الاِجْتِماعِ كَما هُوَ فِي الطِبِّ التَشْخِيصِ الدَقِيقِ لِلمُشْكِّلِ إِذا أَرَدْنا عِلاجاً يُساهِمُ فِي الشِفاءِ. أَيْ أنه يُرَكِّزُ فِي كِتابِهِ الأخير عَلَى الرأي الأَصْوَبِ وَهُوَ الصِراعُ بَيْنَ البِداوَةِ وَالحَضارَةِ عِلْماً بأن هٰذا التَشْخِيصُ أقدم مِن الخَمْسِينِيّاتِ، بَلْ وَرَكَّزَ عَلَيْهِ تُونِبِي فِي دِراسَتِهِ لِلتارِيخِ (تونبي دِراسَةً فِي التارِيخِ يَشْرَحُها فِي ص 48-49 فِي الأَصْلِ الإنكليزي وَالصَفَحاتِ 111-113 فِي التَرْجَمَةِ العَرَبِيَّةِ لِطٰهٰ باقِر، وَقَدْ ناقَشْناها فِي مَكانٍ آخر). نَعْلَمُ أَنَّ العامِلَ الأَساسِيَّ لِلصِراعِ كانَ اِجْتِماعِيّاً واقتصاديا، وَلَعِبَت العَصَبِيَّةُ القبلية دَوْراً فِيها كَما أَشَرنا، بَلْ أَنَّ التَعالِيمَ الإِسْلامِيَّةَ، وَفِي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ دَعَمَت القِيَمَ البَدَوِيَّةَ، وشرعنة عَمَلَها تَحْتَ تَسْمِياتٍ أُخْرَى مِثْلَ الغَزْوِ تَحَوَّلَ إِلَى جِهادٍ، ثُمَّ فُتِحَ وَنُشِرَ لِلدَينِ الجَدِيدِ وَالعَصَبِيَّةِ إِلَى أخوة وَتَقْسِيمِ الغَنائِمِ أَصْبَحَت مِن مُبِيحاتِ المنتصر أو حَتَّى الطُقُوسِ الوَثَنِيَّةِ اِتَّخَذَت لَبُوسَ إِسْلامِيَّةِ (الطَوافِ وَالتَسْبِيحَ وَنَحْرَ الذَبائِحِ، بَلْ وَحَتَّى طُقُوسِ الصَلاةِ، بَلْ وَالكَلِماتِ الَّتِي تَرَدَّدَ فِيها حَوَّرَت لِتَكُونَ إِسْلامِيَّةً) وَكَثِيرٍ مِمّا بَحَثْناهُ فِي مَواضِعَ أُخْرَى، الدكتور فليب حَتِّي فِي تارِيخِهِ المُطَوَّلِ، وَقَدْ اِعْتَمَدَ الدُكْتُورُ الوَرْدِيُّ عَلَيْهِ فِي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ ،يَقُولُ "جاءَ الإِسْلامُ، فَاِسْتَفادَ مِن النِظامِ القَبَلِيِّ فِي أغراضه الحَرْبِيَّةِ، فَقَسَّمَ الجَيْشُ إِلَى وَحَداتٍ عَلَى أَساسِ القَبائِلِ، وَاُسْكُنْ المُسْتَعْمِرِينَ فِي الأراضي المفتوحة على أَساسِ القَبائِلِ أَيْضاً، وَكَذٰلِكَ أصبح الداخِلُونَ فِي الإِسْلامِ مِن الشُعُوبِ المَغْلُوبَةِ مُوالِي لِأَبْناءِ هٰذِهِ القَبِيلَةِ، أَوْ تِلْكَ وَلَمْ تَقْضِ الأيام عَلَى هٰذِهِ الصِفاتِ الَّتِي ظَهَرَت فِيها الرُوحُ الفَرْدِيَّةُ وَالعَصَبِيَّةُ فِي اِبْنِ القَبِيلَةِ، بَلْ اِنْعِدامِ الشُعُورِ الاِجْتِماعِيِّ ظَلَّ مُتَأَصِّلاً فِي الخُلْقِ العَرَبِيِّ طِيلَةَ القُرُونِ الَّتِي تُقَدَّمُ فِيها العَرَبِيُّ، وَاِرْتَقَى فِيها بَعْدَ بُزُوغِ الإِسْلامِ، وَكانَ ذٰلِكَ مِن العَوامِلِ الهَدّامَةِ الَّتِي آلت إِلَى اِنْحِلالِ الدُوَلِ الإِسْلامِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ وَسُقُوطِها" (الدكتورُ فليب حَتِّي تارِيخِ العَرَبِ مطول الجزء الأول ص 35) (حَتَّى يَوْمِنا هٰذا نَرَى تَوْزِيعَ اِسْتِقْرارِ القَبائِلِ البَدَوِيَّةِ فِي العِراقِ، أطراف سُورْيا والأردن هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي تَحَدَّثَ عَنهُ الباحِثُ حَتِّي، بَلْ أَنَّ هٰذِهِ القَبائِلَ تَناسَت، أَوْ نَسِيَت أنها فِي الواقِعِ لَيْسُوا مِن السُكّانِ الأَصْلِيِّينَ، بَلْ إنهم يَتَصَرَّفُونَ بِاِعْتِبارِهِم الأَصْلاءَ، وأن الآخرين هم الدُخَلاءُ وَالحَدِيثُ أَصْبَحَ إلى الآن، بَلْ والآن بِكَثْرَةٍ عَنْ "القَبائِلُ وَالعَشائِرُ العِراقِيَّةُ، وَلَيْسَ القَبائِلَ وَالعَشائِرَ البَدَوِيَّةَ النَجْدِيَّةَ وَالحِجازِيَّةَ") "العَرَبِيُّ بَدَوِيٌّ فِي عَقْلِهِ الباطِنِ مُسْلِمٌ فِي عَقْلِهِ الظاهِرِ "تَشْخِيصٌ صَحِيحٌ لأستاذنا الوَرْدِيِّ، (وعاظ السلاطين ص 20 ) وَهُوَ يَقْتَرِبُ أَوْ يُشابِهُ راي الوِيس موسيل الَّذِي أَشَرنا إليه فِي مَكانٍ آخر مِن أَنَّ "البَدْوَ مُسْلِمُونَ بِالاِسْمِ فَقَط، فَهُم في واقع الأمر لا يؤدون تَعالِيمِ الإِسْلامِ" (الوِيس موسيل آل سُعُود دِراسَةِ فِي تارِيخِ الدَوْلَةِ السَعُودِيَّةِ الدارُ العَرَبِيَّةَ لِلمَوْسُوعاتِ ص 55) وَهٰذا التَشْخِيصُ نَلْمِسُهُ حَتَّى اليَوْمِ. وَصَحِيحٌ تَماماً حِينَ يُشْخِّصُ "وَلَسْتُ أَقْصِدُ بِذٰلِكَ أَنَّ جَمِيعَ العَرَبِ فِي هٰذِهِ الحالَةِ سَواءٌ، إلا أَنَّ الاِزْدِواجَ يَظْهَرُ جَلِيّاً فِي تِلْكَ المَناطِقِ مِنْ بِلادِ العَرَبِ الَّتِي هِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ البِداوَةِ، فَهُوَ يَقُولُ فِي ص 20 مِن وَعاظِ السَلاطِينِ" فَالعِراقِيُّ مَثَلاً، أَكْثَرُ اِزْدِواجاً مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَبْناءِ الأمة العَرَبِيَّةِ الأُخْرَى وَذٰلِكَ لِسَبَبَيْنِ: السَبَبُ الأول: أَنَّ العِراقَ كانَ، وَلا يَزالُ، يَتَلَقَّى مِنْ المَوْجاتِ البَدَوِيَّةِ قِسْطاً يَفُوقُ ما تَتَلَقَّى البُلْدانَ العَرَبِيَّةَ الأُخْرَى. فَهُوَ سَهْلٌ مُنْبَسِطٌ كَثِيرُ الخَيْراتِ، وَقَدْ أدى هٰذا إِلَى اِنْثِيالِ البَدْوِ عَلَيْهِ مُنْذُ قَدِيمِ الزَمانِ، وَلا يَزالُونَ حَتَّى يَوْمِنا هٰذا يَفْدُونَ عَلَيْهِ وَيَسْتَقِرُّونَ فِيهِ تَدْرِيجِيّاً، فَالمُجْتَمَعُ العِراقِيُّ إذن قَدْ وَقَعَ تَحْتَ تأثير القِيَمِ البَدَوِيَّةِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ البِلادِ الأُخْرَى- بِاِسْتِثْناءِ المُجْتَمَعِ النَجْدِيِّ طَبْعاً التي هي مخزن او حاضن البداوة". وَطَبْعاً هٰذا صَحِيحٌ تَماماً ولا نختلف عَلَيْهِ. وَالسَبَبُ الثانِي: هُوَ أَنَّ العِراقَ كانَ مُنْذُ صَدَرِ الإِسْلامِ مَنْبَعاً مِن مَنابِعِ الفِرَقِ الدِينِيَّةِ وَمُهْبِطاً لِكَثِيرٍ مِن مَبادِئِ الإِسْلامِ وَأَفْكارِهِ (طبعا وذلك أيضا بتأثير القيم البدوية واساسها العصبية) وَفِيهِ نَشأ المُناطَقَةِ وأرباب العِلْمِ وَالفَلْسَفَةِ، وَفِي أرجائه بَحْت أصوات الواعِظِينَ وَالمُرْشِدِينَ. وأن كان هذا غير دقيق تماما فَالصَحِيحُ أَنَّ العِراقَ كانَ قَبْلَ الإِسْلامِ مَهْدٌ لِلحَضارَةِ وَالمَدَنِيَّةِ وليس البدوية عموما، فَكانَت القَوانِينُ وَالدَواوِينُ وَالزِراعَةُ وَالصِناعَةُ قَبْلَ الغَزْوِ الإِسْلامِيِّ بِعِدَّةِ آلاف مِن السِنِينَ وَبِالتالِي فإن مِن الطَبِيعِيِّ أَنْ تَظْهَرَ فِيهِ الفِرَقُ وَالجَماعاتُ وَالمُحْدِثِينَ وَرِجالُ الفِقْهِ وَالأَدَبِ وَالتَيّاراتِ الفِكْرِيَّةِ وَالفَلْسَفِيَّةُ وَالدِينِيَّةُ وَالوَرْدِيُّ نَفْسُهُ يُورِدُ مَقُولَةَ الجاحِظِ "أن أَهْلُ العِراقِ أَهْلُ نَظَرٍ وَذُو نَظْرَةِ ثاقبة، وَمَعَ الفِطْنَةِ وَالنَظَرِ يَكُونُ التَنْقِيبَ وَالبَحْثَ وَمَعَ التَنْقِيبِ وَالبَحْثِ يَكُونُ الطَعْنُ وَالقَدْحُ وَالتَرْجِيحُ بَيْنَ الرِجالِ وَالتَمْيِيزِ بَيْنَ الرُؤَساءِ وإظهار عُيُوبِ الأُمَراءِ..." (وَعاظَ السَلاطِينُ ص 30 الجاحِظُ البَيانُ وَالتَبَيُّنُ ج 2 ص 94 فِي الكِتابِ الَّذِي بَيْنَ أيدينا) (كَذٰلِكَ اُنْظُرْ شَرْحَ نَهْجِ البَلاغَةِ لأبي حامِد عِزِّ الدِين اِبْنِ أبي الحَدِيدِ المَدائِنِيِّ المُجَلَّدِ الأول ص 20) وَمِمّا قالَهُ الجاحِظُ اسْتَكمِالاً وَتَوْضِيحاً لِلعَرَبِ وَالمَقْصُودُ حَسَبَ رأينا (الأَعْرابِ، وَلَيْسَ العَرَبُ عُمُوماً) "العَرَبُ لَمْ يَكُونُوا تُجّاراً وَلا صُناعاً، وَلا أطباء، ولا حِساباً وَلا أصحاب فَلّاحَةً، فَيَكُونُوا مِهْنَةً. وَلا أصحاب زَرْعٌ لِخَوْفِهِمْ مِنْ صِغارِ الجِزْيَةِ، وَلا طَلَبُوا المَعاشَ مِنْ ألسنة المَكايِيلِ، وَرُؤُوسِ المَوازِينِ وَلا عَرَفُوا الدَوّاقِينَ وَالقَرايِطَ فَحِينَ حَمَلُوا حَدَّهُمْ، وَوَجَّهُوا قُواهُمْ إِلَى قَوْلِ الشَعْرِ، وَبَلاغَةِ المَنْطِقِ وَتَشْقِيقِ اللُغَةِ وَتَصارِيفِ الكَلامِ وَقِيافَةِ البَشَرِ؛ بَعْدَ قِيافَةِ الأثر؛ وحفظ النَسَبِ وَالاِهْتِداءِ بِالنُجُومِ وَالاِسْتِدْلالِ بالآثار، وَتَعْرِفُ الأَنْواءَ؛ وَالبَصَرِ بِالخَيْلِ، وَالسِلاحِ، وآلة الحَرْبِ؛ وَالحِفْظِ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ، وَالاِعْتِبارُ بِكُلِّ مَحْسُوسٍ، أحكام شأن المَناقِبِ، وَالمَثالِبِ. بَلَغُوا فِي ذٰلِكَ الغايَةِ (مَنْقُولٌ مِنْ ضُحَى الإِسْلامِ لِأَحْمَد أمين ص 16 وقد تحققنا من ذلك في كتاب الرسائل لابي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في الجزء الأول الرسالة الأولى مناقب الترك ص 14 من الانترنيت) (وَاِذْلِكَ الوَصْفَ يَنْطَبِقُ عَلَى الأَعْرابِ لا العَرَبَ كَما نَعْتَقِدُ أنه قَصْدَ هٰذِهِ الفِئَةِ) إننا نَعْتَقِدُ، وَرَغْمَ أَنَّ الدكتورَ الوَرْدِيَّ اُشْتُهِرَ بأنه جَرِيءٌ وَ" عَلْمانِيٌّ" وَمِن الباحِثِينَ الَّذِينَ مَعَ دِراسَتِهِ لِلتارِيخِ بصورة دقيقة وَجَيِّدٍ وأنه أَحَدُ رُوّادِ النَظَرِيّاتِ الحَدِيثَةِ، إلا أننا نَعْتَقِدُ أَنَّ تأثير وَلَبُوسَ الدِينِ وَالطائِفَةَ بَقِيَت هاجِسَهُ مِثْلَ الغالِبِيَّةِ مِن المُفَكِّرِينَ العَرَبِ المُسْلِمِينَ خاصَّةً" (الدُكْتُورُ عَلِي الوَرْدِي وُلِدَ ونشأ فِي مِنْطَقَةِ الكاظِمِيَّةِ وَهِيَ مِنْطَقَةٌ شِيعِيَّةٌ مُحافِظَةٌ تَقَعُ فِي جانِبِ الكَرْخِ فِي بَغْدادَ) (فِي بِدايَةِ أَمْرِها كانَ المَنْصُورُ قَدْ جَعَلَ مِنها مَقْبَرَةً عُرِفَت بِمَقْبَرَةِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ سُمِّيَت لاحقا بِاِسْمِ الإمام السابِعِ للاثني عَشَرِيَّةَ الإمام مُوسَى الكاظِم (128-183 ﮪ) وَهُوَ اِبْنُ الإمام الأشهر وَالفَقِيهُ الإِسْلامِيُّ الكَبِيرُ جَعْفَر الصادِق (83-148ﮪ) وَيُوجَدُ فِي الكاظمية أيضا مَرْقَدُ الإمام التاسِعِ مُحَمَّد الجَواد (195-220ﮪ) وَتُعَدُّ مَقْبَرَةُ قُرَيْشٍ مِن أشهر مَقابِرَ التارِيخِ الإِسْلامِيِّ مُنْذُ أَنْ خَصَّصَها أبو جَعْفَر المَنْصُور وأول مَنْ دُفِنَ فِيها اِبْنُهُ جَعْفَر، وَفِيها إضافة إِلَى الإمام مُوسَى الكاظِمِ حَفِيدَةُ مُحَمَّد الجَواد، وَالشَرِيفُ المُرْتَضَى وَالقاضِي أبو يُوسُف وَمُحَمَّد الأمين وَزُبَيْدَة وَعَدَدٌ كَبِيرٌ مِن الفُقَهاءِ وَالعُلَماءِ وَهُناكَ قِصَّةٌ وَدِراساتٌ عَن غَرَقِ مَقابِرِ قُرَيْشٍ عامَ 633ﮬ، وَنَقْلَ جُثْمانُ الإمام السابِعِ وَدُفِنَ فِي مَكانٍ آخر، وَقِيلَ فِي أرض قُرْبَ ساحَةِ المَيْدانِ فِي بَغْدادَ فِي أَرْضٍ أقيمت عَلَيْها وِزارَةُ الدِفاعِ في وقت لاحق، وَهٰذِهِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ لَيْسَ مِن مَوْضُوعِنا الحَدِيثُ فِيها يَنْتِجُ مِنها أَنَّ المَرْقَدَ الحالِيَّ فِي الكاظِمِيَّةِ هُوَ فِي الواقِعِ رَمْزِيٌّ) وَطَبْعاً نَحْنُ نَحْتَرِمُ، وَنُقَدِّرُ الانتماء الدِينِيَّ وَالفِكْرِيَّ وَنُؤْمِنُ أنه قَضِيَّةً شَخْصِيَّةً، وَلٰكِنَّ ذٰلِكَ يَجِبُ أَنْ لا يؤثر عَلَى مَوْضُوعِيَّةِ وَدِقَّةِ البَحْثِ) ومن هنا، فإن تَشْخِيصُهُ صَحِيحٌ تَماماً "وَلا غَرْوَ بَعْدَ هٰذا إِذا وَجَدنا داءَ اِزْدِواجِ الشَخْصِيَّةِ ظاهِراً فِي العِراقِ يَتَحَلَّى بِهِ الغالِبِيَّةَ مِن أبنائه.،" وَلٰكِنْ مَعَ كُلِّ تِلْكَ التأكيدات تَظْهَرُ الكروموسوماتُ الإِسْلامِيَّةُ وَالمُجْتَمَعُ الضاغِطُ فِي طَرِيقَةِ التَحْلِيلِ المُتَناقِضِ أَحْياناً وَالضَعِيفُ أحيانا أخرى. وَمَنْ يُتابِعُ التارِيخَ يَرَى أَنَّ الهِجْراتِ البَدَوِيَّةَ قَبْلَ الإِسْلامِ فِيها الكَثِيرَ مِن الاِخْتِلافِ عَن غالِبِيَّةِ الهِجْراتِ بَعْدَ الإِسْلامِ خاصَّةً مِنها المُرافَقَةَ أَوْ الناجِمَةَ عَن الغَزْوِ فأولى الهِجْراتِ كانَت إما لِقَبائِلَ نَزَحَت نَتِيجَةَ الصِراعاتِ القَبَلِيَّةِ وَخاصَّةً صَحْراءَ نَجِدُ، وما يحيطها وَبِالتالِي كانَت بِهٰذا الشَكْلِ، أَوْ ذاكَ مَكْسُورَةً وَتُرِيدُ مُجَرَّدَ أرض آمنة، وَخَيَّمَت فِي السُهُولِ قُرْبَ المُدُنِ، وَتَعاوَنَت أَحْياناً، وَقَدَّمَت خَدَماتٍ لِلمَدِينَةِ أَوْ قامَت بِتَرْبِيَةِ بَعْضِ الماشِيَةِ المُخْتَلِفَةِ عَمّا كانَت تُرَبِّي، وتستخدم وَهُم عُرِفُوا بِالشاوِيَةِ وَتَدَرُّجِيّاً اِنْدَمَجُوا مَعَ المُزارِعِينَ السابِقِينَ وَهُم لَمْ يُسَيْطِرُوا عَلَى المُدُنِ، أَوْ يَفْرِضُوا نَمَطَهُم الاِجْتِماعِيَّ عَلَى السُكّانِ الأَصْلِيِّينَ بَلْ إنهم أخذوا يَتَبَنَّوْنَ بَعْضَ طِباعِ المَدِينَةِ، أَوْ أَنَّ تِلْكَ الهِجْراتِ نَجَمَت عَن القَحْطِ وَالجَفافِ وَبِالتالِي كانَ وَضْعُها مِثْلَ الأولى، وإن كانَ هُناكَ بَعْضُ الشَواذِّ مِن الوَقائِعِ التارِيخِيَّةِ مِثْلَ مَمْلَكَةِ كِنْدَة، وَكانُوا يَنْشُطُونَ خاصَّةً إِذا كانَت المَدَنِيَّةُ ضَعِيفَةً أَوْ مُنْقَسِمَةً، أما الهِجْراتُ بَعْدَ الإِسْلامِ، فَقَدْ اِخْتَلَفَت أنها كانَت قاصِدَةً الغَزْوِ، وَالَّتِي اِتَّخَذَت مِنهُ شِعاراً عُرِفَ بِالجِهادِ أَوْ نَشْرِ الدِينِ، فَقَدْ جاءَت مِن أَجْلِ الغَنائِمِ وَالسِيادَةِ، وبدأت بِالقَهْرِ وَالجِزْيَةِ واستعباد السُكّانِ الأَصْلِيِّينَ غَزَواتٍ سُمِّيَتْ بَعْدَ قَرْونٍ "بالفُتُوحات"، وقد كانَتْ عَنِيفَةً وَقاسِيَةً مَهْما حاوَلُوا تَبْرِيرَها. وَفِي نَفْسِ السِياقِ يَذْكُرُ الوَرْدِيُّ أَنَّ البِداوَةَ حَضارَةُ مُجَمَّدُهِ، وَناقَشْنا هٰذا المَفْهُومَ فِي مَكانٍ آخر بِالاِعْتِمادِ عَلَى ما أورده تُونِبِي نَفْسِهِ. وَالدكتورُ الوَرْدِيُّ وَفِي ذٰلِكَ السِياقِ يُورد "أن قِيَمُ الإِسْلامِ وَقِيَمُ البِداوَةِ مُتَناقِضَةٌ بِطَبِيعَتِها- كَما قُلْنا- وَلٰكِنَّ التَناقُضَ لَمْ يَظْهَرْ فِي عَهْدِ النَبِيِّ وَفِي عَهْدِ أبي بِكْرٍ وَعُمْرَ وَمَنْ بَعْدِهِ. وَذٰلِكَ لأن الكِفاحُ المُتَواصِلُ ضِدَّ الأجانب وَحَدَّ الهَدَفِ، اِشْغَلْ النُفُوسَ بمآثر الغَزْوِ وَالفَتْحِ وتأسيس الدَوْلَةِ. مِن قِراءَةِ التارِيخِ نَرَى أَنَّ ذٰلِكَ غَيْرُ دَقِيقٍ أَيْضاً، فإن الأَحْداثِ فِي الَّتِي جَرَت أثناء إعلان الدَعْوَةِ وَالهِجْراتِ إِلَى الحَبَشَةِ ثُمَّ إِلَى المدينة مِن اِغْتِيالاتٍ وَتَعْذِيبٍ وَأَكْثَرَ مِن ثَلاثِينَ غَزْوَةً وَسَبْعِينَ مِن السَرايا كَما سَنُشِيرُ وَالوُفُودِ القَبَلِيَّةِ وَنَتائِجُها؛ وَمِن ثَمَّ السَقِيفَةُ نَفْسُها وَالعَصَبِيَّةُ القَرِيشِيَّةُ وَحُرُوبُ الرِدَّةِ وَالغَزَواتُ نَفْسُها وَبِدايَةُ ظُهُورِ الانقسامات الدِينِيَّةِ وَالمَذْهَبِيَّةِ، وَالَّتِي تَناوَلْنا الكَثِيرَ مِن تِلْكَ الأُمُورِ فِي نِقاطٍ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصِراعاتِ كانَت مَوْجُودَةً مُنْذُ البِدايَةِ وبكثرة وَهِيَ صِراعاتٌ عَصَبِيَّةٌ أَيُّ صِراعاتٍ بَدَوِيَّةٍ، لَقَدْ ظَهَرَ أنبياء لِبَعْضِ القَبائِلِ؛ لأنهم رَفَضُوا أَنْ يَكُونَ لَهُم نَبِيٌّ مِن قُرَيْشٍ، أَنَّ الدُكتورَ الوَرْدِيَّ نَفْسَهُ يَقَعُ فِي التَناقُضِ فِي كَثِيرٍ مِن المَواقِعِ خَشْيَةَ الاِصْطِدامِ بِما هُوَ مُحَرَّمُ النِقاشِ فِيهِ فَهُوَ يَقُولُ فِي الفِقْرَةِ اللاحِقَةِ أَنَّ الطَبِيعَةَ البَدَوِيَّةَ هِيَ طَبِيعَةُ الحَرْبِ فَالبَدَوِيُّ لا يُفْهَمُ مِن دُنْياهُ غَيْرَ التَفاخُرِ بِالقُوَّةِ وَالشَجاعَةِ وَالغَلَبَةِ، وَهٰذِهِ تُؤَدِّي إِلَى حُبِّ التَعالِي وَالرِئاسَةِ وَالكِبْرِياءِ وَقَدْ اُشْتُهِرَ البَدَوِيُّ إنه مُشاغِبٌ حَسُودٌ مَيّال لِلنِزاعِ، فَإِذا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُنازِعُهُ مِن الغُرَباءِ مالٌ إِلَى النِزاعِ مَعَ اِبْنِ عَمِّهِ أَوْ اِخِيهِ فَقَدْ قالَ القَطّامِي الشاعِرُ الجاهلي. فَمَنْ تَكُنْ الحَضارَةُ أعجبته فأي رِجالٍ بادِيَةٌ تَرانا
قَدْ يَتَّضِحُ مِنْ هٰذا أَنَّ البَدَوِيَّ مَرِنٌ عَلَى الغَزْوِ، وأصبح جَبَلَةً فِيهِ لا يستطيع مِنْها خَلاصاً" وأنا فَقَط اُذْكُرْ تَعْقِيباً بَلْ اِسْتِكْمالاً لرأي الدُكْتُور أَنَّ القِرِيشِيِّينَ المُسْلِمِينَ وَمُنْذُ اِنْتِقالِهِم إِلَى المَدِينَةِ، وَفِي حُدُودِ حَوالَيْ عَشْرِ سَنَواتٍ أَوْ بَعْضِ المَصادِرِ تَذَكَّرَ ثَمانِيَ سَنَواتٍ مِنها فَقَط قامُوا، وقد اشرنا الى عدد الغزوات والسرايا عندما انتقل الإسلام الى المدينة في فترة عشر سنوات وحسب ، بَلْ فِي مَوْضُوعاتٍ أُخْرَى تُبْرِزُ التَناقُضاتُ وَالمُشْكِلاتُ، وَعَلَى سَبِيلِ المِثالِ يَكْفِي العَوْدَةَ إِلَى المَصادِرِ اَشْهَرِ لِلسَيْرِ النَبَوِيَّةِ، أَوْ ما عرفت بِالمَغازِي أو السِيرَةِ النَبَوِيَّةِ ، لِاِبْنِ إسحاق أَوْ السِيرَةِ النَبَوِيَّةِ لِاِبْنِ هِشام سِيرَةِ الواقِدِيّ وَشَرَفِ المُصْطَفَى لِاِبْنِ الجَوْزِيِ وَالسِيرَةِ الحَلَبِيَّةِ، بَلْ وَعَشَراتِ كُتُبِ التُراثِ وَالسِيرَةِ وَالفِقْهِ الأولى ، كَما أَنَّ مِن المَعْرُوفِ أَنَّ الغَزْوَ لَمْ يَأْتِ بِاِعْتِبارِهِ كِفاحٌ ضِدَّ الأجانب، بَلْ تَلْبِيَةً لِلنَزْعَةِ البَدَوِيَّةِ فِي الغَزْوِ وانَ البَدْءُ الفِعْلِيُّ للغزو خارج الجزيرة العربية بدأ فِي عَهْدِ أبي بِكْرٍ، وَبَعْدَ حُرُوبِ الرِدَّةِ لأسباب شَرَحْناها سابِقاً، فَلَيْسَ هُناكَ مَجالٌ لِلحَدِيثِ عَن تَوْحِيدِ الصُفُوفِ قَبْلَ ذٰلِكَ، وأن التَوْحِيدُ هٰذا بِحَدِّ ذاتِهِ جَرَى؛ لأن القَبائِلُ كانَت أَمامَها غَزَواتُ غَنائِمِها أدسم أولا ولأنها كانَت مَهْزُومَةً ثانِياً فَلا يُمْكِنُ هُنا الحَدِيثُ عَن أَنَّ المَبادِئَ الجَدِيدَةَ هِيَ الَّتِي وَحَّدَتْ البدو وهنا فأن َراي عبد الله بن عامِر إِلَى الخَلِيفَةِ عُثْمانَ واضِحاً فِي ذٰلِكَ، وَالَّذِي يَقُولُهُ لَهُ ما مَعْناهُ لَوْ اِسْتَمْرِّيتَ بأشغال الأَعْرابِ فِي "الفُتُوحِ" لاِنْشَغَلُوا عَنْكَ، وَلَمْ يَثُورُوا ثُمَّ أَنَّ تَقْسِيمَ الجُيُوشِ كانَ عَلَى أَساسٍ قَبْلِي كَما أَشَرْنا إِلَى ما قاله فليب حَتِّي عَدَى القَبائِلِ الوَضِيعَةَ أَوْ الصَغِيرَةُ في حقيقة الأمر كانَت الغَزَواتُ مِنْ أجل السَرِقَةِ، وَهٰذا ما يشير إليه حَتَّى اِبْنِ خَلْدُونَ أَيْضاً فِي مَعْرِضٍ وصفه لِتِلْكَ الغَزَواتِ وَهَمَجِيَّةِ الغازِينَ حِينَ يَقُولُ إنهم حِينَ دَخَلُوا قُصُورَ كِسْرَى،وقد أشرنا عندما عَثَرُوا هُناكَ عَلَى الكافُورِ ظَنُّوهُ مُلِحّاً أخذوا يَسْتَخْدِمُونهُ فِي عَجِينَةِ الخُبْزِ (اِبْنِ خَلْدُونَ المُقَدِّمَةِ البابَ الثالِثَ الفَصْلِ الخامِسَ عَشَرَ ص 173) لقد ولد الإسلام في رحم البداوة وبقي بدويا رغم أن محمد بذل جهودا كبيرة من اجل نقله من بعض تلك القيم على أقل تقدير(سَنَتَناوَلُ هٰذِهِ المَواضِيعَ بِتَفاصِيلِ أوسع فِي فُصُولٍ لاحِقَةٍ) وَيَقُولُ الوَرْدِيُّ فِي كِتابِ مَهْزَلَةِ العَقْلِ البَشَرِيِّ الفَصْلِ العاشِرِ الدِيمُقراطِيَّةِ فِي الإِسْلامِ أَنَّ الحُكُومَةَ الإِسْلامِيَّةَ صارَت طاغِيَةً مُسْتَبِدَّةً تَدُوسُ بِأَقْدامِها حُقُوقَ الشَعْبِ، وَتَنْهَبُ أمواله وَهِيَ مُؤْمِنَةٌ بأنها ظَلَّ اللّٰهُ فِي أرضه وَهِيَ إذن لا تَخْتَلِفُ عَن أَيِّ حُكُومَةٍ أُخْرَى مِن حُكُوماتِ العُصُورِ القَدِيمَةِ (مَهْزَلَةُ العَقْلِ البَشَرِيِّ ص 171). وَيَقُولُ الوَرْدِيُّ فِي ص 43 فِي خَوارِقِ اللاشُعُورِ "كُلَّما كانَ الإنسان أَكْثَرَ اِنْعِزالاً كانَ أَكْثَرَ تَعَصُّباً وأضيق ذِهْناً" فَالَّذِي لا يُفارِقُ بِيئَتَهُ الَّتِي نشأ فِيها، وَلا يقرأ غَيْرَ الكُتُبِ الَّتِي تَدْعَمُ مُعْتَقَداتِهِ المَوْرُوثَةَ لا نَنْتَظِرُ مِنهُ أَنْ يَكُونَ مُحايِداً فِي الحُكْمِ عَلَى الأُمُورِ. أَنَّ مُعْتَقَداتِهِ تُلَوِّنُ تَفْكِيرَهُ حَتْماً، وَتُبْعِدُهُ عَنْ جادَّةِ البَحْثِ الصَحِيحِ" (خَوارِقُ اللاشُعُورِ ص 43) وَيُؤَكِّدُ فِي ص 182(فِي مَهْزَلَةِ العَقْلِ البَشَرِيِّ) وَقَدْ حَدَّثَنا التارِيخُ أَنَّ مُحَمَّداً ظَلَّ فِي مَكَّةَ يَدْعُو إِلَى دِينِهِ بِالطَرِيقَةِ السِلْمِيَّةِ زَمَناً طَوِيلاً، فَلَمْ يَنْجَذِبْ إليه إلا نَفَراً قَلِيلاً. (بِمِثْلِ هٰذا الرأي قالَ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، وَقَدْ ناقَشْناهُ في مكان آخر) وَكانَ هٰؤُلاءِ مِن أَهْلِ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ وَهُم اللذان أطلق عَلَيْهِم فِيما بَعْدُ" المُهاجِرُونَ وَالأَنْصارُ" أما عَرَبَ الصَحْراءِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الإِسْلامِ مِنهُم آنذاك إلا رَجُلٌ واحِدٌ هُوَ أبو ذَرٍّ الغِفارِيُّ، وأمر هٰذا الرَجُلِ عَجِيبٌ ولكن الوردي لم يبين هنا وجه العجب (مَهْزَلَةُ العَقْلِ البَشَرِيِّ ص 182) ثُمَّ يُكْمِلُ، وَيُشِيرُ إِلَى إشارة نيكلسون فِي أَنَّ مَعْرَكَةَ بَدْرٍ هِيَ الَّتِي لَفَتَت نَظَرَ القَبائِلِ البَدَوِيَّةِ إِلَى مُحَمَّدٍ، وأثارت إعجابهم. وَعِنْدَما نُتابِعُ الدُكْتُورَ الوَرْدِيَّ فِيما سَجَّلَهُ عَن البِداوَةِ لا بد أن نَذْكُرُ رأياً مُهِمَّ ناقِشْهُ، وَسَبَقَ وأن أَشَرْنا إليه وهو تشخيص دَقِيقٌ وَصَحِيحٌ في حدود معينة وَهُوَ أَنَّ البَداوَةَ نِظامٌ اِجْتِماعِيٌّ مُرْتَبِطٌ بِالصَحْراءِ (وَلَيْسَ تَشْكِيلَةً اِجْتِماعِيَّةً مَرَحَّلِيَّةً تَمُرُّ بِها كُلُّ التَجَمُّعاتِ البَشَرِيَّةِ) لا يتغير ولا يتطور ما دام باقِياً فِيها "يَقُولُ فليب حَتِّي فِي مُطَوَّلِهِ " وَالبَدَوِيُّ بِاِعْتِبارِهِ جِنْساً مِن أجناس البَشَرِ لا يزال عَلَى حالَتِهِ إِلَى اليَوْمِ وَكَما كانَ بِالأَمْسِ وَكَما سَيَكُونُ فِي الغَدِ بِحَيْثُ أَنَّ نَمَطَ ثَقافَتِهِ لا يَتَغَيَّرُ أبدا" (فليب حَتِّي تارِيخِ العَرَبِ مُطَوَّلٌ الجُزْءُ الأول 1949 ص 29) وَما أَنْ يُغادِرَها بَدّاً بِالتَغَيُّرِ التَدْرِيجِيِّ، وَهُوَ يَقُولُ إن "الصَحْراءَ وَالبَداوَةَ مُتَراَدِّفانِ فالأمة الَّتِي لا تسكن الصَحْراءَ يَصْعُبُ عَلَيْها أَنْ تَتَّخِذَ مَعاشَها نِظامَ البِداوَةِ، وَلٰكِنَّنا نُضِيفُ وَحَسْبَ ما نراه بَعْدَ أَكْثَرَ مِن نِصْفِ قَرْنٍ عَلَى رأي الوَرْدِيِّ أَنَّ ذٰلِكَ قَدْ يَنْطَبِقُ عَلَى نَمَطِ الحَياةِ اليَوْمِيَّةِ. أما المَنْظُومَةِ الفِكْرِيَّةِ لِلبَدَوِيِّ أَيْ طَرِيقَةِ تَفْكِيرِهِ وَقِيمَةٍ تَبْقَى فِيهِ إِلَى حُدُودٍ بَعِيدَةٍ، بَلْ إنه يُفاخِرُ فِي التَمَسُّكِ بِها وَمِثالِ ذٰلِكَ نَجِدُهُ فِي بَدْوِ نَجْدٍ وَالأَحْساءِ وَعَسِيرِ وَأَبْناءِ العَشائِرِ البَدَوِيَّةِ الأَصْلِ العِراقِيَّةِ، كَما أنه يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الكَثِيرَ مِن الباحِثِينَ، وَالَّذِينَ يميلون إِلَى الإسفاف فِي اِسْتِخْدامِ النَظَرِيَّةِ الدارُونِيَّةِ يذهبون إِلَى اِعْتِبارِ البَداوَةِ مَرْحَلَةً مَرَّت بِها كُلُّ الشُعُوبِ، وَهٰذا قِطْعاً غَيْرَ صَحِيحٍ، كَما أَنَّ الدُكْتُورَ الوَرْدِيَّ يشير الى مَسْأَلَةَ أَنَّ البَعْضَ يُشْبِهُ البَدْوَ مِثْلَ الإسكيمو أَوْ الغَجَرِ آخذين مِن صِفَةِ التَنَقُّلِ التَشابُهَ، وَهٰذا طَبْعاً غَيْرُ صَحِيحٍ حَسَبَ الوَرْدِيِّ وَهُوَ أَيْضاً مَوْقِفٌ صحيح تَماماً لِما مِن فُرُوقاتٍ بَيْنَ البَدْوِ وَبَيْنَ تِلْكَ الجَماعاتِ، ثُمَّ يَقُومُ بِتَصْنِيفِ البَدْوِ إِلَى ثَلاثِ دَرَجاتٍ، وَهٰذا الأَمْرُ سَبَقَهُ إليه الكَثِيرُ، وَلَعَلَّ أَشْهَرَهُم وأقدمهم اِبْنَ خَلْدُونَ حِينَ تَحَدَّثَ عَن ذٰلِكَ وَقَدْ ذَكَرْناها فِي أماكن أُخْرَى البَدْوِ الأَكْثَرَ قَفْراً وَالشاوِيَةُ ( نعتقد ان إشارة الوردي كانت موجه الى تونبي إذ يُناقِشُ تُونِبِي البَدُوِ والإسكيمو وَغَيْرِهِم فِي بَعْضِ الفَقَراتِ، لٰكِنَّ هٰذا لا يعني تُماثُلُهُمْ، لٰكِنْ هُناكَ بَعْضُ المُشْتَرَكاتِ فِي مِثْلِ هٰذِهِ التَجَمُّعاتِ) والبدو المستقرين وَيُثِيرُ الدُكْتُورُ الوَرْدِيُّ فِي كِتابِهِ طَبِيعَةَ المُجْتَمَعِ العِراقِيِّ الكَثِيرَ مِن المَوْضُوعاتِ المُهِمَّةِ عَن البَدْوِ وَطَبائِعِهِم وَطُرُقِ مَعِيشَتِهِم بِالاِعْتِمادِ عَلَى كَثِيرٍ مِن الدِراساتِ السابِقَةِ، وَمِنها دِراساتُ اِبْنِ خَلْدُونَ وَتُونْبِي وُولكُوكْس وَبِما أننا ناقَشْنا وَالاِعْتِمادُ عَلَى الكَثِيرِ مِن تِلْكَ الدِراساتِ الكَثِيرَ مِن تِلْكَ المَوْضُوعاتِ سَوْفَ نَكْتَفِي بالإشارة إِلَى بَعْضِ تِلْكَ التَوْصِيفاتِ، فَهُوَ مثلا يَصِفُ البَدْوَ بأنهم أمة "ولا ندري مَدَى دِقَّةِ هٰذا التَحْدِيدِ" مِن أَكْثَرِ أمم العالَمِ اِنْدِفاعاً فِي سَبِيلِ التَنازُعِ وَالتَباغُضِ وَالقِتالِ كَما يُبَيِّنُ أَنَّ البَدْوَ مِنْ أَكْثَرِ الأمم اِهْتِماماً بِالأَنْسابِ، وَيَذْكُرُ مَقُولَةَ حتى " وَلَيْسَ بَيْنَ الشُعُوبِ غَيْرِ العَرَبِ مِنْ رَفْعِ مَعْرِفَةِ الأَنْسابِ إِلَى مَرْتَبَةِ العُلُومِ العالِيَةِ" (فليب حَتِّيَ المُطَوَّلِ ص 36) عِبارَةُ الوَرْدِيِّ تَخْتَلِفُ قَلِيلاً" وَلِكُلِّ قَبِيلَةٍ أَوْ عَشِيرَةٍ بَدَوِيَّةٍ شاعِرُها أَوْ شُعَرائِها، وَيَحْظَى بِمَكانَةٍ خاصَّةٍ بَيْنَ أفراد القَبِيلَةِ، وَيَصِفُ فليب حَتِّيَ الشاعِرِ بِصَحَفِيِّ ذٰلِكَ الزَمانِ. وَفِي مَعْرِضِ وَصْفِهِ لِبَعْضِ قِيَمِ البَدْوِ يَتَحَدَّثُ عَن قَبائِلَ أَوْ قَبِيلَةِ الصُلْبَةِ، وَعَلَى الرَغْمِ مِن أنه يَنْقُلُ مَعْلُوماتِهِ عَلَى ما يَبْدُو مِن نَقْلِها مِن كُتّابٍ فاضِل الجَمالِي العِراقِ الحَدِيثِ، وَالَّذِي نَقَلَها بِدَوْرِهِ مِن مُؤَلِّفِ عَشائِرِ العِراقِ الفَصْلِ الأول لِعَبّاس العَزّاوِي وَبِالتالِي جاءَ النَقْلُ غَيْرَ دَقِيقٍ، بَلْ وَغَيْرَ مُنْصِفٍ كَما فِي سُخْرِيَةِ الوَرْدِيِّ مِن قَوْلَهُ عَن نِساءِ الصُلْبَةِ " وَرُبَّما البِغاءُ أَيْضاً، أَوْ فِي إرجاع أصلهم إِلَى الصَلِيبَيْنِ، وَكانَ يَكْفِي لِلوَرْدِيِّ أَنْ يَعُودَ إِلَى عَبّاس العَزّاوِي، وَالَّذِي كانَ مُتَوَفِّراً مُنْذُ 1937، وَالَّذِي كُتَبَ عَنهُم ما يقارب الست عشرة صَفْحَةً (مِن أهم المُلاحَظاتِ عَن الدكتورِ الوَرْدِيِّ أنه لا يضع فَهْرَسَةً بِالمَصادِرِ تُبَيِّنُ المَصْدَرَ وَالناشِرَ وَسُنَّةَ الطَبْعِ وَغَيْرَها مِن مَعْلُوماتٍ عَن المَصْدَرِ، بَلْ يَذْكُرُ مَعْلُوماتٍ فِي الهامِشِ غَيْرَ كافِيَةٍ وَمُقْتَضَبَةٍ عَن المَصْدَرِ، أَوْ أنه يَذْكُرُ بَعْضَ الآراءِ الَّتِي أشار إليها قَبْلَهُ بِسَنَواتِ كِتابٍ آخرين؛ مِمّا يَتَعَذَّرُ فِي بَعْضِ الأَحْيانِ مِن صُعُوبَةِ التَحَقُّقِ مِن النَقْلِ أَوْ الإشارة وَهِيَ مِن مبادئ البَحْثِ العِلْمِيِّ، وَمِن الأصول الَّتِي اِسْتَطَعنا الحُصُولَ عَلَيْها وَجَدنا غَيْرَ مَرَّةٍ عَدَمَ دِقَّةٍ فِي النَقْلِ أَوْ التَرْجَمَةِ) كَما أنه عَلَى ما يبدو لَمْ يَطَّلِعْ فِي كَثِيرٍ مِن المَواضِيعِ عَلَى أَعْمالِ المُسْتَشْرِقِ الوِيس موسيل الَّذِي يُعَدُّ بِحَسَبِ الكَثِيرِ مِن الباحِثِينَ الكِبارِ مِن أَفْضَلِ الباحِثِينَ الَّذِينَ كَتَبُوا عَن البَدْوِ وَالصَحْراءِ، فَقَدْ أَشارَ موسيل فِي الكَثِيرِ مِن المَواضِعِ عَنْ الصُلْبِيِّينَ. وَمِن صِفاتِ البَدْوِ الَّتِي يَذْكُرُها الوَرْدِيُّ وهو على حق أَنَّ البَدَوِيَّ يَحْتَقِرُ صاحِبَ المِهْنَةِ أَوْ الصَنْعَةِ كَالحَدّادِ وَالنَسّاجِ وَالدِبّاغِ إِلَى غَيْرِها، بَلْ إن مَنْ يُرِيدُ إِهانَةَ أحد يَنْعَتُهُ "اِبْنُ الصانِعِ" وَنَذْكُرُ ما أورده حافِظٌ وَهْبَةٌ ، لنأكد صحة ذلك الرأي، وَنَحْنُ نُورِدُها هُنا مِنْ مَصْدَرِها الأَصْلِيِّ وَبِتَفاصِيلِها" وَبِهٰذِهِ المُناسَبَةِ نَذْكُرُ أَنَّ المَلِكَ اِبْنَ سُعُودٍ فِي مُجَمَّعٍ كَبِيرٍ (وَكانَ حانِقاً عَلَى آل عايِص حُكّامُ أبها السابِقِينَ لِما تَكَرَّرَ مِنْ خِيانَتِهِمْ لَهُ) قالَ لأحدهم هٰذِهِ الكَلِمَةَ، فَعِنْدَما اِنْصَرَفُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ اِبْتَدَرَتْهُ زَوْجَتُهُ وَقالَتْ لَهُ: لا يُمْكِنُ أَنْ أُعاشِرَكَ بَعْدَ الآن؛ لا نَكَ مِنْ أَبْناءِ الصُنّاعِ لا مِنْ أَبْناءِ القَبائِلِ وَاِبْنِ سُعُودٍ لا يَكْذِبُ؛ وَلَوْلا أَنْ أفهمت فِيما بَعْدُ أَنَّ ذٰلِكَ كانَ عَنْ بادِرَةِ غَضَبٍ ما أمكن أَنْ تَقْتَنِعَ بِالرُجُوعِ إِلَى بَيْتِها" (حافِظْ وَهْبَةَ جَزِيرَةِ العَرَبِ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ ص 152) بَلْ إن مُصْطَلَحَ المِهْنَةِ فِي العَرَبِيَّةِ كَما يَقُولُ الوَرْدِيُّ أَتَى مِنْ لَفْظِ المَهانَةِ (قِلَّةُ القَدَرِ كَما وَيَقُولُ الوَرْدِيُّ عِنْدَما يسألك البَدَوِيُّ عَنْ عَمَلِكَ لا يقول لَكَ كَيْفَ أنت فِي عَمَلِكَ، بَلْ كَيْفَ أنت بِذِراعِكَ" وَالغَزْوُ مِنْ الأَفْعالِ المَحْمُودَةِ وَالمَلَكِيَّةِ هِيَ ما بيدك. وأكبر ما يتباهى بِهِ البَدَوِيُّ هِيَ كَثْرَةُ الغَنائِمِ مِن الغَزْوِ، وَعَلَى سَبِيلِ المِثالِ، فَقَدْ قالَ عُثْمان بْنُ بَشَرٍ النَجْدِيُّ وَهُوَ مَنْ أشهر المُؤَرِّخِينَ السَعُودِيِّينَ فِي كِتابِهِ الَّذِي أَشَرْنا إليه عُنْوانَ المَجْدِ فِي تارِيخِ نَجِدُ واصِفاً غَزْوَةَ آل سَعُود إِلَى كَرْبَلاءَ "سارَ سُعُودٌ بِالجُيُوشِ المَنْصُورَةِ وَالخَيْلِ العَتاقِ المَشْهُورَةِ مِن جَمِيعِ حاضِرَةِ نَجِدٍ وَبادَيَتْها..... وَقَصَدَ أرض كَرْبَلاءَ وَنازَلَ أَهْلَ بَلَدِ الحُسَيْنِ..... وَدَخَلُوها عُنْوَةً وَقَتَلُوا غالِبَ أَهْلِها فِي الأسواق وَالبُيُوتِ وَهَدَمُوا القُبَّةَ، وأخذوا ما في القُبَّةِ، وَما حَوْلَها وأخذوا النَصِيبَةَ الَّتِي وَضَعُوها عَلَى القَبْرِ، وَكانَت مَرْصُوفَةً بِالزُمُرُّدِ وَالياقُوتِ وَالجَواهِرِ، وأخذوا جَمِيعَ ما وجدوا فِي البَلَدِ مِن أنواع الأَمْوالِ وَالسِلاحِ وَاللِباسِ وَالفَرْشِ وَالذَهَبِ وَالفِضَّةِ وَالمَصاحِفِ الثَمِينَةِ وَغَيْرِ ذٰلِكَ ما يَعْجَزُ عَنْهُ الحُصْرُ... ثُمَّ أَنَّ سُعُود اِرْتَحَلَ مِنها.... فَجَمَعَ الغَنائِمَ وَعَزَلَ أخماسها وَقَسَّمَ باقِيَها فِي المُسْلِمِينَ غَنِيمَةً لِلراجِلِ سَهْمٌ وَلِلفارِسِ سَهْمانُ..." (عُثْمانُ بْنُ بَشَرٍ النَجْدِيُّ عُنْوانُ المَجْدِ فِي تارِيخِ نَجْدٍ الجُزْءُ الأول ص 154). وَفِي فَصْلِهِ الرابِعِ أعماق الثَقافَةِ البَدَوِيَّةِ يَنْتَقِدُ الوَرْدِيُّ بشدة المستشرقين وَالسَواحِ عَلَى آرائهم فِي البَدْوِ وَيُورَدُ لِذٰلِكَ رأيين لِلباحِثِ اوْلِير فِي كِتابِهِ العَرَبِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ، نَعَم، بَعْضُ المُسْتَشْرِقِينَ لَمْ يفهموا أعماق الثَقافَةِ البَدَوِيَّةِ، وَذَكَّرُوا، وَفَسَّرُوا بَعْضَ الأُمُورِ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ دَقِيقٍ، وَلٰكِنْ مُقابِلَ ذٰلِكَ لَدَيْنا عَشَراتُ المُسْتَشْرِقِينَ الَّذِينَ دَرَسُوا، وَكَتَبُوا عَن البَدْوِ بُحُوثَ لا يزال أكبر الباحِثِينَ العَرَبَ يأخذون مِنهُم، وَيَتَشَهَّدُونَ بِهِم ولا ننسى أَنَّ شَيْخَ الباحِثِينَ فِي هٰذا المَجالِ البارُونِ اوبِنْهايم الَّذِي قَدَّمَ أفضل المَسائِلِ عَن أَبْناءِ الصَحْراءِ فِي مُؤَلِّفِهِ الضَخْمِ ذُو الأجزاء الاربعة وبعنوان البَدْوِ، ولا ننسى الكُتّابَ القِيِّمَ جِدّاً، وَالَّذِي لَمْ يَكْتُبْ حَتَّى العَرَبِ أفضل مِنهُ وَهُوَ كُتّابُ عَرَبِ الصَحْراءِ لِدَكْسُونَ وَكَذٰلِكَ فَلَبِّي والويس موسيل وَنُولِدُكَهُ وَتُونْبِي وَغَيْرُهُم مِمَّن أوْرَدناهُم فِي مُخْتَلِفِ المَواضِعِ هٰذا لا يعني أننا نَتَّفِقُ مَعَ كُلِّ ما كتبوه، بَلْ إننا لا نتفق مَعَ كُلِّ ما كتبه اِبْنِ خَلْدُون نَفْسِهِ وَمَحْدِثِينَ وَباحثون وَفَلاسِفَةِ عَرَبٍ وَمُسْلِمِينَ نَتَعَلَّمُ مِنهُم، وَنَسْتَمِدُّ كُلَّ ما نملك مِنهُم، وَهٰذا أمر مُعْتادٌ فِي الكِتاباتِ الاِجْتِماعِيَّةِ وَالتارِخِيَّة لِذا نَعْتَقِدُ أَنَّ هٰذِهِ الفِقْرَةَ كانَت مُجْتَزءاِ وَغَيْرَ عادِلَةٍ، بَلْ أَنَّ دكتورنا يُورِدُ الكَثِيرَ الصِفاتِ المَذْمُومَةَ أَوْ التَفْسِيراتِ غَيْرَ المُقَنِّعَةِ عَن البَدْوِ، كَما فِي مَوْقِفِهِ مِن الرأي الَّذِي يَذْكُرُهُ الكَثِيرُ مِن الباحِثِينَ، وَلَيْسَ المُسْتَشْرِقِينَ فَقَطْ، بَلْ وَحَتَّى العَرَبُ مِنهُم قَدِيمُهُمْ وَحَدِيثُهُمْ. وَبَودنا فِي نِهاياتِ هٰذِهِ الفَقْرَةِ أَنْ نُناقِشَ رأياً مُهِمَّ أورده الوَرْدِيَّ وَهُوَ عَلَى عَلاقَةِ مباشرة مَعَ مَوْضُوعِنا إلا وَهُوَ النَزْعَةُ الدِينِيَّةُ لِلبِداوَةِ وَسَبَقَ، أن أَشَرْنا إليها وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ أَغْلَبَ الباحِثِينَ وَالمُسْتَشْرِقِينَ أشاروا إِلَى ضَعْفِ النَزْعَةِ الدِينِيَّةِ لِلبَدْوِ، فَهُوَ يَخُوضُ فِي شَرْحِ ما يسميه أركان التَدَيُّنَ، وَفِي الواقِعِ فإنه وأن يَنْتَهِي إِلَى أَنَّ الأَمْرَ نِسْبِيٌّ، إلا أنه يَقَعُ فِي تَناقُضٍ فِي وُقُوفِهِ ضِدَّ هٰذِهِ الحَقِيقَةِ تِلْكَ عِنْدَما يَقُولُ فِي الفِقْرَةِ اللاحِقَةِ "أَشَرْنا مِنْ قَبْلُ إِلَى طَبِيعَةِ" النِفاقِ " الَّذِي اِتَّصَفَ بِهِ البَدْوُ إثر دُخُولَهُمْ فِي الإِسْلامِ، وَقُلْنا إنه قَدْ زالَ عَنْهُمْ رويدا رويدا، لاسِيَّما بَعْدَ أَنْ اِشْتَرَكُوا فِي الفُتُوحِ الإِسْلامِيَّةِ، وَنالُوا النَصْرَ وَالغُنِيمَ" وَلٰكِنْ بماذا يُفَسِّرُ الوَرْدِيُّ الرَدَّةَ بَعْدَ وَفاةِ الرَسُولِ وَهَلْ اِشْتَرَكُوا فِي" "الفُتُوحِ" حُبّاً بِالإِسْلامِ ام الغَنِيمَةِ، بل أن الغالبية من أفراد القبائل البدوية التي شاركت في تلك الغزوات لم يكن يعرفون ولو آية من القرآن ناهيك عن الحديث وقد أوردنا خلال البحث أمثلة على ذلك. أننا نَعْتَقِدُ أَنَّ الدكتورَ لَمْ يُصِبْ الحَقِيقَةَ عِنْدَما عارَضَ وَمُعارَضَتَهُ يَقِفُ أَمامَها كَثِيرٌ مِن الحَقائِقِ أولها أَنَّ القُرْآنَ نَفْسَهُ، وَفِي سُورَةِ التَوْبَةِ وَهِيَ واحدة مِنْ أواخر السُورِ بَعْدَ السَنَةِ التاسِعَةِ لِلهِجْرَةِ، وَفِي الآية 97 {الأَعْرابُ أشد كُفْراً وَنِفاقاً، وأجدر ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنزل اللّٰهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (113/9 سُورَةُ التَوْبَةِ عَدَدُ الآيات 129 الآية 97) وَفِي شَرْحِ الطَبَرِيِّ " قالَ أبو جَعْفَر: يَقُولُ تعالى ذِكْرَهُ الأَعْرابَ أشد جُحُوداً لِتَوْحِيدِ اللّٰهِ، أشد نِفاقاً، مِنْ أَهْلِ الحَضَرِ فِي القُرَى والأمصار "إِلَى آخره مِن الشُرُوحاتِ (تَفْسِيرُ الطَبَرِيِّ الجُزْءُ 14 ص 429) وَالمَقْصُودُ هُم البَدْوُ، وَذٰلِكَ فَقَدْ قالَ ذٰلِكَ عَشَراتُ الباحِثِينَ العَرَبِ وَالمُسْلِمِينَ وَالمُسْتَشْرِقِينَ، وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ حتى إيمانهم يَقْتَرِبُ مِنْ الكَرامِيَةِ، وَالَّتِي تَقُولُ إن الإيمان هُوَ القَوْلُ بِاللِسانِ دُونَ المَعْرِفَةِ بِالقَلْبِ، فَمَنْ نَطَقَ بِلِسانِهِ وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَيَكْفِي أَنْ نُورِدَ هُنا ما قاله ماكِس اوبِنْهايم الباحِثُ الأَكْثَرُ شُهْرَةً عَنْ دِراساتِ البَدْوِ حَيْثُ يَقُولُ " البَدْوُ مُسْلِمُونَ، وَهُمْ يُلْهَجُونَ عَلَى الدَوامِ بِذِكْرِ اللّٰهِ، الَّذِي لا يفارق اِسْمَهُ أفواههم، لٰكِنَّهُ بِالكادِ تَجِدُ بَيْنَ بِضْعَةِ آلاف مِنْهُمْ واحدا يَعْرِفُ شَعائِرَ الصَلاةِ الَّتِي أقرها الإِسْلامُ- يَنْطَبِقُ هٰذا بِصُورَةٍ خاصَّةٍ عَلَى المَناطِقِ الَّتِي لَمْ تَنْتَشِرْ فِيها الوَهّابِيَّةُ، كَما لا تزال تُوجَدُ ذِكْرَياتٌ وَثَنِيَّةٌ فِي أساطيرهم، وَمَعَ أنهم يَمِيلُونَ إِلَى اِلْتَزَمِت الدِينِيِّ، إلا أنهم متساهلون بِوَجْهٍ عامٍّ حِيالَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ، لٰكِنِّي عايَشْتُ بِنَفْسِي اِنْفِجاراتِ غَضَبٍ تَعَصُّبِيٍّ لَدَى قَبائِلَ شَمالِ بِلادِ الرافِدَيْنِ ضِدَّ اليَزِيدِيِّنَ أَوْ مَنْ يُسَمَّونَ عَبْدَةَ الشَيْطانِ" حتى الوهابيون يعترفون أنهم كانوا يحاربون غير المسلمين وبحوث آنذاك تؤكد الجهل بتعاليم الإسلام . (النص بين الاقواس ماكْس اوبنهايم البَدْوُ الجُزْءُ الأول ما بين النَهْرَيْنِ العِراقُ الشَمالِيُّ وَسُورْيا تَحْقِيقُ وَتَقْدِيمُ ماجِد شِبْرِ دارِ الوَرّاقِ ص 86) وَبَودنا فِي خِتامِ هٰذِهِ الفَقْرَةِ أَنْ نُشِيرَ إِلَى رأي مُتَقَدِّمٍ وَصَحِيحٍ حَتَّى يَوْمِنا الراهِنِ أورده الوَرْدِيُّ فِي الفَصْلِ السابِعِ مِن كِتابِهِ وَتَحْتَ عُنْوانِ الحَرْبُ الدائِمَةُ فِي العِراقِ، إذ يَقُولُ: "قُلْنا فِي فَصْلٍ سابِقٍ أَنْ أهم مَعالِمِ الثَقافَةِ البَدَوِيَّةِ فِي الصحراء" الحَرْبُ الدائِمَةَ، فَالحَرْبُ فِي الحَياةِ الصَحْراوِيَّةِ هِيَ الأَصْلُ، وَالسَلامُ فِيها عَرْضُ طارئ ثُمَّ يَدْرُسُ سِتَّةَ أشكال القِتالِ بَيْنَ القَبائِلِ بَعْضِها مَعَ البَعْضِ، وَهٰذا ما نراه حَتَّى يَوْمِنا هٰذا خاصَّةً فِي جَنُوبِ العِراقِ وَلِيبْيا، القِتالُ بَيْنَ الحُكُومَةِ وَالقَبائِلِ، وَهٰذا أَيْضاً نعيشه اليَوْمِ القِتالُ بَيْنَ المَحَلّاتِ فِي المَدِينَةِ الواحِدَةِ، وَهٰذا ما شهدناه إِلَى وَقْتٍ قَرِيبٍ، بل وحتى الآن فِي العِراقِ أَيْضاً؛ وَكَذٰلِكَ القِتالُ بَيْنَ القَبائِلِ وَالمُدُنِ وَبَيْنَ المُدُنِ وَالحُكُومَةِ وَهُوَ فِي ذٰلِكَ يُورِدُ الكَثِيرَ مِن الأمثلة التارِيخِيَّةِ حَتَّى مِن التارِيخِ المُعاصِرِ، ولا شك أَنَّ ذٰلِكَ مِن أهم قِيَمِ البَدْوِ، فَهُم يتخاصمون لأتفه الأسباب ولا تزال حَتَّى يَوْمِنا هٰذا مُشْكِلَةُ السِلاحِ فِي أيدي العَشائِرِ (وَهِيَ طَبْعاً مِن أصل بَدَوِي) حَتَّى اليَوْمِ، بَلْ إنها وَحَسْبَ التَصْرِيحاتِ الرَسْمِيَّةِ تَمْتَلِكُ أسلحة مُتَوَسِّطَةً وَثَقِيلَةً ، وَمِن التارِيخِ، فإن المَلِكُ فَيْصَل الأول فِي العِراقِ قالَ "قُبَيْلَ وَفاتِهِ فِي عامِ 1933:" أَنَّ القَبائِلَ أقوى مِن الحُكُومَةِ، فَهِيَ تَمْتَلِكُ أَكْثَرَ مِن مِائَةِ الفَ بُنْدُقِيَّةٍ، بَيْنَما الحُكُومَةُ لا تمتلك سِوَى خَمْسَةَ عَشَرَ الفَ بُنْدُقِيَّةً"،" بَلْ أَنَّ قائداً عَسْكَرِيٍّاً عِراقِيٍّ مَشْهُورٌ وَهُوَ بِكْرٌ صِدْقِيٌّ، وَالَّذِي قادَ اِنْقِلاباً عَسْكَرِيّاً يَفْخَرُ العِراقِيِّينَ بانَ صَدْرُهُ مُتَوَشِّحٌ بِكَثِيرٍ مِن الأوسمة وأنواط الشَجاعَةِ والإخلاص الَّتِي كَرِّمَ بِها وَحِينَ تسأل عَن تِلْكَ الأدوار الَّتِي نالَ بِسَبَبِها ذٰلِكَ التَقْدِيرُ تَجِدُها أَنَّ الحُرُوبَ الَّتِي قادَها ضِدَّ القَبائِلِ وَالعَشائِرِ العِراقِيَّةِ.، أَنَّ الوَرْدِيَّ فِي مَعْرِضِ رأيه ذٰلِكَ يُعَدُّ حَتَّى ما عُرِفَ فِي العِراقِ بِثَوْرَةِ العِشْرِينَ، وَالَّتِي يُعِدُّها العِراقِيُّونَ وَحَتَّى اليَسارُ مِنهُم ثَوْرَةٌ عَلَى الاِسْتِعْمارِ والإنكليز المُحْتَلِّينَ، رَغْمَ أنها فِي حَقِيقَةِ أمرها لَيْسَت سِوَى اِمْتِدادٍ لِلمَعارِكِ الَّتِي قامَت بِها القَبائِلُ، وأن الشِعاراتُ الَّتِي ألصقت بِها لَمْ تَكُنْ سِوَى مَظْهَرٍ خارِجِيٍّ" وَبِصَراحَةٍ وَنَحْنُ، وإن كُنّا نؤيد تِلْكَ الهِبَةَ، وإنها ساهَمَت فِي تَغَيُّرِ سِياسَةِ الاِسْتِعْمارِ البَرِيطانِيِّ وإرغامه عَلَى إيجاد حُكُومَةٍ عراقية، ونثق أنها كانَت وَطَنِيَّةَ إلا أننا، وَفِي الغالِبِ نَتَّفِقُ مَعَ ذٰلِكَ الرأي مَعَ أنه يَغْضَبُ الكَثِيرَ مِمَّنْ تدفئ قُلُوبُهُمْ الثَوْرَةُ (دراسات في طبيعة المجتمع العراقي ص 173) وَكَما أَشَرنا فإن الدكتورُ الوَرْدِيُّ فِي هٰذا الكِتابِ، وَالَّذِي نعده أحد أهم كُتُبِهِ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ دِراسَتِهِ عَن اِبْنِ خَلْدُونَ بِالقِطَعِ مِن أفضل ما كتب، عَلَى الرَغْمِ مِن أَنَّ لَنا بَعْضَ المُلاحَظاتِ بِناءً عَلَى ما كتبه الآخرون فِي هٰذا المَجالِ وَهُوَ أَيْضاً يَعْتَرِفُ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ أو غير مُباشِرٍ بِبَعْضِ النَواقِصِ، كَما أنه يَقَعُ كَما فِي غَيْرِهِ مِن كُتُبِهِ فِي إيراد بَعْضِ الأسماء والمعلومات والافكار وَالأَحادِيثِ دُونَ التَحَقُّقِ مِن صِحَّتِها أو دقتها، وَلٰكِنْ مَعَ كُلِّ ذٰلِكَ فَالكِتابُ فِيهِ تَفْصِيلٌ دَقِيقٌ لِكَثِيرٍ مِن المَوْضُوعاتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالتَرْكِيبِ القَبائِلِيِّ البَدَوِيِّ لِلعِراقِ وَلِلصَراعِات المُخْتَلِفَةِ الناجِمَةِ عَن ذٰلِكَ وَالتَصَرُّفاتِ والأخلاق وَالعاداتِ المُلازِمَةِ، وَقَدْ بَحَثْنا فِي مَواضِعَ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَشَرْنا إِلَى الكَثِيرِ سَواءٌ عَبْرَ دِراسَةِ اِبْنِ خَلْدُونَ أَوْ غَيْرِها مِن المَوْضُوعاتِ، وَمِن أهمية هٰذا الكُتّابِ وآراء الوَرْدِيِّ فِيهِ أَنْ كَشَفَ، أَوْ ثَبَّتَ بَعْضَ الخَصائِصِ المُرْتَبِطَةِ بِالشَخْصِيَّةِ البَدَوِيَّةِ العِراقِيَّةِ نَرَى وَحَتَّى بَعْدَ أَكْثَرَ مِن نِصْفِ قَرْنٍ تَتَمَتَّعُ بِمِصْداقِيَّةٍ عليه، وَتَشْرَحُ ظَواهِرَ نَرَى تَفاقُمَها فِي يَوْمِنا هٰذا. وَقَبْلَ أَنْ نُنْهِيَ هٰذا الفَصْلَ وَالذَي قَدَّمْنا فيه للدكتور عَلِي الوَرْدِيِّ بعد أن راجعنا ودرسنا كل كتبه التي أصدرها اضافةً الى الكثير مما كتب عنه أيمانا منا بأنه أحد أهم الباحثين، بُودَنا أَنْ نُورِدَ مُقْتَطَفاتٍ مِن تَعْرِيفاتٍ وآراء بَعْضِ أهم الباحِثِينَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالبَدْوِ، بِالرَغْمِ مِمّا قَدْ يَكُونُ تَكْراراً لِبَعْضِ الأَفْكارِ بِما فِيها مِن إيجابيات أَوْ سَلْبِيّاتٍ
#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
محمد عابد الجابري عصبية ابن خلدون الجزء الثاني
-
محمد عابد الجابري عصبية ابن خلدون الجزء الاول
-
ساطع الحصري وابن خلدون
-
العصبية القبلية عند البدو
-
أبن خلدون ومقدمته الجزء الثاني
-
ابن خلدون ومقدمته الجزء الاول
-
البدو
-
الحواضر اليمنية الشمالية الجزء الاخير
-
الغساسنة آل جفنة
-
المناذرة والغساسنه الجزء الاول
-
دولة تدمر
-
الحواضر العربية الشمالية
-
الجزء الثالث المدنيات العربية
-
الجزء الثاني من المدنيات العربية
-
المدنيات العربية
-
العرب قبل الاسلام (2)
-
العرب قبل الاسلام الحواضرالعربية
-
من يحكمنا
-
الاسلام والبداوة
-
الأمن الوطني العراقي يصادر كتابي -البدو والإسلام جذور التطرف
...
المزيد.....
-
وعيد إسرائيلي باغتيال مجتبى خامنئي المرشد الأعلى الجديد لإير
...
-
آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي قائد الثورة الاسلامية
...
-
آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي قائد الثورة الاسلامية
...
-
حزب الله لبنان يبارك للجمهورية الإسلامية في إيران قيادةً وشع
...
-
حزب الله: هذا الانتخاب السريع والحكيم يوجّه رسالة صاعقة إلى
...
-
نجوم مسلمون خاضوا -معركة الصيام- في الملاعب الأوروبية
-
مجتبى يخلف والده.. ما هي صلاحيات المرشد الأعلى في إيران؟
-
حزب الله العراق يرحب بانتخاب القائد الجديد لجمهورية ايران ال
...
-
بوتين لقائد الثورة الاسلامية السيد مجتبى خامنئي: أؤكد دعمنا
...
-
مبايعة أهالي ياسوج لقائد الجمهورية الاسلامية أية الله السيد
...
المزيد.....
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|