|
|
محمد عابد الجابري عصبية ابن خلدون الجزء الثاني
عصام حافظ الزند
الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 16:13
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن) وَفِي الدِراسَةِ الأَخِيرَةِ فِي هٰذا الفَصْلِ يُناقِشُ الجابرِي مسألة عَلاقَةِ الدِينِ بِالعَصَبِيَّةِ، وَكَيْفَ أَنَّ اِبْنَ خَلْدُونَ قَسَّمَها في واقع الأمر إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ، فَفِي المَرْحَلَةِ الأولى مِن الإِسْلامِ الخِلافَةُ عَلَى الشَكْلِ الَّذِي قامَت عَلَيْهِ مِن النَصْفَةِ وَالعَدْلِ إنما كانَ بتأييد مِن الجُنُودِ المَلائِكَةِ وَالمُعْجِزاتِ، وَلٰكِنَّ المَرْحَلَةَ اللاحِقَةَ شَهِدَت عَوْدَةَ العَصَبِيَّةِ مُتَمَثِّلَةً فِي ضَرُورَةِ أَنْ تَكُونَ الخِلافَةُ فِي قُرَيْشٍ، وَهِيَ كانَت آنذاك أَقْوَى القَبائِلِ وأن النَبِيِّ مُحَمَّد بَعْث وَسَطَ قُرَيْشٍ (وَهُنا يُسْتَشْهَدُ فِي مَكانٍ آخر بِالحَدِيثِ الَّذِي شَكَّكْنا فِي نَسَبِهِ لِلنَبِيِّ (ما بعث اللّٰه نَبِيّاً إِلّا فِي مَنَعَةٍ مِن قَوْمِهِ) وَيُناقِشُ الجابِرِي اِبْنَ خَلْدُونَ وَيَرَى أَنَّ هُناكَ تناقضاً فِي تِلْكَ التَفْسِيراتِ المُتَعارِضَةِ، إن اِخْتِيارِ أبي بَكْر الَّذِي هُوَ مِنْ تِيمٍ أضعف فُرُوعَ العَصَبِيَّةِ القَرِيشِيَّةِ وَلَيْسَ فِي فُرُوعِ بَنِي هاشِمٍ أَوْ بَنِي أمية. مِن الطَبِيعِيِّ أَنْ لا تتفق التَحْلِيلاتُ في التارِيخُ وَخاصَّةً مِنْهُ الشِفاهِيَّ وَالمُؤَدْلِجَ وَأَيْضاً مِن الطَبِيعِيِّ أَنْ يُفَسِّرَ، وَيُؤَيِّدَ اِبْنَ خَلْدُونَ نَظَرِيَّتَهُ فِي العَصَبِيَّةِ وَالاِسْتِثْناءاتِ الَّتِي تَجْرِي فِيها، وَقَدْ وَجَدَتْ أَنَّ حُجَّةَ الجابْرِي فِي هٰذا المَجالِ أَضْعَفُ، فإن اِخْتِيارَ أبي بِكْرٍ لَمْ يَكُنْ بَعِيداً عَن العَصَبِيَّةِ القُرَشِيَّةِ وَنُسُوقِ الأسباب التالِيَة المستمدة من التراث والكتابات الإسلامية نفسها: • إن أَبُو بَكْرٍ قُرَيْشِي، وَمِنْ الأعيان فِي قُرَيْشٍ وَتاجِرٍ لَهُ مَكانَتُهُ قَبْلَ وَبَعْدَ الإِسْلامِ، وَيَتَّفِقُ اِخْتِيارُهُ وَشُرُوطُ الرِئاسَةِ، وإن كانَ مِن الفُرُوعِ القَرِيشِيَّةِ الأَضْعَفُ، لٰكِنَّ العَصَبِيَّةَ الدِينِيَّةَ هُنا لَعِبَت دَوْرَها، وَلَوْ مُؤَقَّتاً والِدَهُ اِبْنُ عَمِّ عبد الله بْنِ جُدْعانَ سَيِّدُ كنانة، وَمِن الأَثْرِياءِ وَباذِخِي الكَرَمِ، وَفِي بَيْتِهِ عُقِدَ حَلْفُ الفُضُول(اوردنا الروايات حوله في مكان آخر) وهذا بحد ذاته تعبير عن العصبية الى قريش • إنه كانَ مِنْ أقرب الناسِ إِلَى النَبِيِّ قَبْلَ وَبَعْدَ الدَعْوَةِ، بَلْ هُوَ أول مِنْ آمن بِالرِسالَةِ مِنْ خارِجِ بَيْتِ النَبِيِّ، كَما أنه كانَ لَهُ الشَرَفُ فِي مُرافَقَةِ النَبِيِّ فِي هِجْرَتِهِ السِرِّيَّةِ إِلَى المَدِينَةِ، وَما كانَ يُحِفُّها مِنْ أخطار حَقِيقِيَّةً فِي عَزْمِ قُرَيْشٍ قَتَلَ النَبِيَّ، كَما أنه شَهِدَ كُلُّ الحُرُوبِ الإِسْلامِيَّةِ مَعَ النَبِيِّ وَهُوَ الَّذِي أَمَرَهُ النَبِيُّ أَنْ يَؤُمَّ الصَلاةَ عَلَيْهِ وَالنَبِيُّ مِنْ لَقَبِهِ بِالصَدِيقِ، وهنا أيضا تعبير العصبية الدينية • إن العصبيتين الكبيرتين فِي صِراعِهِما عَلَى السُلْطَةِ شِعْراً أَنَّ اِسْتِيلاءَ أَحَدِهِما عَلَى السُلْطَةِ رُبَّما سَيَجُرُّ المَشْهَدَ إِلَى تَطَوُّراتٍ وَحُرُوبٍ خَطِيرَةٍ عَلَى العَصَبِيّاتِ وَالإِسْلامِ لِذٰلِكَ لا بد مِن الاِتِّفاقِ عَلَى حَلٍّ وَسَطٍ مَقْبُولٍ وَمُلائِمٍ لِلعَصَبِيَّةِ (بَقاءَ العَصَبِيَّةِ فِي قُرَيْشٍ) • تَوافُرُ شُرُوطِ الرِئاسَةِ الأُخْرَى إِلَى حُدُودِ مَقْبُولَةِ العِلْمِ وَالعَدالَةِ وَالكِفايَةِ وَسَلامَةِ الحَواسِّ وَالأَعْضاءِ. وَعَلَى هٰذا نَرَى أَنَّ اِخْتِيارَ أبي بِكْرٍ (وَدُونَ أَنْ نَدْخُلَ فِي مَتاهاتٍ فِقْهِيَّةٍ أَوْ فَلْسَفِيَّةٍ بِجَوازِ اِخْتِيارِ المَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الأَفْضَلِ وَغَيْرِها) لا يَتَعارَضُ مَعَ العَصَبِيَّةِ القَبَلِيَّةِ، بَلْ يَتَوافَقُ وَشُرُوطُها، وَحتى في تَحَوُّلاتُها إِلَى عَصَبِيَّةٍ دِينِيَّةٍ، وإن وُجِدَ ضَعْفٍ فِي تَوَلِّي الرِئاسَةِ، وَنَعْتَقِدُ أَنَّ الجابْرِي يُقْصِدُ أَنَّ نَسَبَهُ لَمْ يَكُنْ بِحَجْمِ أنساب الهاشِمِيِّينَ أَوْ الأُمَوِيِّينَ مَثَلاً، يَضْعُفُ أَمامَ الصِفاتِ وَالمَزايا الأُخْرَى وَالشَواهِدِ التارِيخِيَّةِ وَالحاضِرَةِ كَثِيرَةٌ فِي تَجاوُزِ الرِئاسَةِ القَبَلِيَّةِ هٰذا، أَوْ ذاكَ مِن الشُرُوطِ الخَلْدُونِيَّةِ دُونَ أَنْ يُقَلِّلَ مِن قِيمَتِها. وَأَمّا مسألة الكَهّانَةِ وَالمُعْجِزاتِ، فإننا نَرَى أَنَّ الغالِبِيَّةَ الغالِبَةَ مِن الفُقَهاءِ وَالعُلَماءِ وَالباحِثِينَ المُسْلِمِينَ وَحَتَّى عَصْرِنا الراهِنِ. أما مؤمنون بِالمُعْجِزاتِ وَالقَراراتِ الإلهية، أَوْ يَخافُونَ المِساسَ بِها، وَفِي أحسن الأحوال يَقِفُونَ مِنها مَوْقِفَ المُتَهَرِّبِ أَوْ الصامِتِ فَكَيْفَ نُرِيدُ مِن اِبْنِ خَلْدُونَ وَهُوَ الَّذِي كُتَبَ فِي الكَهّانَةِ وَالمُعْجِزاتِ أَنَّ لا يطبقها عَلَى بَعْضِ تَفْسِيراتِهِ. وَنَتَجاوَزُ بَقِيَّةَ الفَصْلِ بِما فِيها ما أورده عَن المَهْدِي المُنْتَظَرِ وَالغَزالِيِّ مِن آراء فَلَنّا فِيها رأي اخْرُ رَغْمَ أننا لَسْنا مِن الغَزّالِينَ ولا من المَهْدِيِّينَ فِي الفَصْلِ الثالِثَ عَشَرَ يَدْرُسُ الدَوْلَةَ وَتَطَوُّرَها وَالدَوْرَةُ العَصَبِيَّةُ مُنْطَلِقاً مِن الاِمْتِدادِ المَكانِيِّ وَالزَمانِيِّ لِحُكْمِ العَصَبِيَّةِ لَدَى اِبْنِ خَلْدُونَ أَنَّ كلا المَفْهُومِينَ مُرْتَبِطانِ بِالعَصَبِيَّةِ وَمَدَى قُوَّتِها وَمَتانَتِها وَتَحالُفاتِها، فَفِي اِمْتِدادِها فِي المَكانِ يَتَوَقَّفُ الأَمْرُ عَلَى شِدَّةِ عَصَبِيَّتِها مِن ناحِيَةٍ وَحالِ العَصَبِيَّةِ فِي المَكانِ الَّذِي تَتَوَسَّعُ فِيهِ أَيُّ مَعْنىً آخر كُلَّما كانَت عَصَبِيَّتُها قَوِيَّةً وَشَدِيدَةً، وَكُلَّما كانَ المَكانُ الَّذِي تَتَوَسَّعُ فِيهِ ذُو عَصَبِيَّةٍ ضَعِيفَةٍ وَمُفَكَّكَةٍ كُلَّما كانَت قابِلَةً لِلتَوَسُّعِ وَالسَيْطَرَةِ وَقِيادَةِ عَصَبِيّاتٍ أُخْرَى تُقاسِمُها الأوطان كُلَّ حَسَبِ مَكانَتِهِ وَقُوَّتِهِ وَالعَكْسِ يَحْدُثُ عِنْدَما تَكُونُ عَصَبِيَّتُها غَيْرَ قَوِيَّةٍ وَالعَصَبِيّاتُ فِي المَكانِ صَعْبَةً وَقَوِيَّةً كُلَّما اِنْحَسَرَ، أَوْ انكفأ تَوَسُّعُها، وَاِنْحَسَرَت، وَرُبَّما أَصْبَحَت خاضِعَةً لِعَصَبِيَّةٍ أُخْرَى أما مِن حَيْثُ الزَمانُ، فَهُوَ يَقُولُ مِن حَيْثُ الزَمانُ أَنَّ الدَوْلَةَ وَالمَلِكَ وَعَصَبِيَّتَها لَها أَعْمارٌ "طَبِيعِيَّةٌ مِثْلُ الأَشْخاصِ"(المُقَدِّمَةُ البابُ الثالِثُ الفَصْلُ الرابِعَ عَشَرَ) وَالمَقْصُودُ طَبْعاً هُنا المَراحِلُ الَّتِي يَمُرُّ بِها الشَخْصُ مِن طُفُولَتِهِ وَشَبابِهِ وَشَيْخُوخَتِهِ، وَيَعْنِي الوِلادَةَ والإنشاء ثُمَّ الشَبابَ حَيْثُ الحَيَوِيَّةُ وَالقُوَّةُ وَالنَشاطُ وأخيرا الشَيْخُوخَةَ وَالهَرَمُ فَالمَوْتُ فَالزَمَنُ يَعْنِي عَمُودِي الانتقال داخِلَ العَصَبِيَّةِ العامَّةِ المُؤَلَّفَةِ مِن عِدَّةِ فُرُوعٍ، وَقَدْ حَدَّدَ اِبْنُ خَلْدُونَ ذٰلِكَ العُمْرَ بِثَلاثَةِ أَجْيالٍ وَبِما أَنَّ الجِيلَ بِالنِسْبَةِ لَهُ 40 عاماً إذن فإن عُمْرُ الدَوْرَةِ 120 عاماً وَيَعْتَبِرُها الجابْرِي "الدَوْرَةُ عَصَبِيَّةً" أَيْ اِنْتِقالِ الحُكْمِ وَالسُلْطَةِ مِن عَصَبِيَّةٍ خاصَّةٍ إِلَى أُخْرَى مُماثِلَةٍ داخِلَ العَصَبِيَّةِ العامَّةِ وَأَخِيراً يُلَخِّصُ ذٰلِكَ وَيُؤَكِّدُ " أَنَّ نَظَرِيَّةَ اِبْنِ خَلْدُونَ فِي أَطْوارِ الدَوْلَةِ، يَجِبُ أَنْ نَحْصُرَها فِي إطارها الَّذِي وَضَعَها فِيهِ، إطار اِنْتِقالَ الرِئاسَةِ وَالمَلِكِ، مِن عَصَبِيَّةٍ خاصَّةٍ إِلَى أُخْرَى مُماثِلَةٍ لَها داخِلَ تَجَمُّعٍ عَصَبِيٍّ واسِعٍ. وَبِعِبارَةٍ أُخْرَى، ان المَضْمُونُ الواقِعِيِّ وَالتارِيخِيُّ لِنَظَرِيَّةِ اِبْنِ خَلْدُونَ فِي أطوار الدَوْلَةِ، هُوَ الدَوْلَةُ الإِسْلامِيَّةُ فِي تَعاقُبِها وَتَزاحُمِها وَاِخْتِلافِ العَصَبِيّاتِ المُؤَسَّسَةِ لَها مُنْذُ التارِيخِ الإِسْلامِيِّ إِلَى عَصْرِ اِبْنِ خَلْدُون (الجابِرِي ص 217) أما الفَصْلُ الرابِعَ عَشَرَ، فَيَتَناوَلُ فِيهِ الدَوْلَةَ وَتَطَوُّرَها مِن خُشُونَةِ البِداوَةِ إِلَى رِقَّةِ الحَضارَةِ فَهُوَ مِن عُنْوانِهِ يُعالِجُ الفُصُولَ الخاصَّةَ بِاِنْتِقالِ الدَوْلَةِ مِن البِداوَةِ إِلَى الحَضارَةِ فِي الفَصْلِ الخامِسَ عَشَرَ مِن الطَبْعَةِ الَّتِي بَيْنَ أيدينا البابَ الثالِثِ، وما بعده عَلَى أَنَّ أُسْلُوبَ الجابِرِي فِي التَحْلِيلِ كُلِّي أَيْ أنه لا يؤخذ المَوْضُوعَةِ مِن فِقْرَةٍ واحِدَةٍ أَوْ فَقَراتٍ مُتَتالِيَةٍ، بَلْ يَدْرُسُ الحالَةَ وَيَجْمَعُها أينما وَرَدَت فِي مُجْمَلِ دِراسَةِ اِبْنِ خَلْدُونَ مِمّا يُعْطِي لِلفِكْرَةِ وُضُوحَ أكبر وَتَسَلْسُلٍ مَنْطِقِيٍّ مُتَرابِطٍ؛ لأنه يَحْكِي مُجْمَلَ الفِكْرَةِ، وَالَّتِي غالِباً ما تَراها مشتتة لَدَى اِبْنِ خَلْدُونَ وَهُوَ بِذٰلِكَ يُقْسِمُ هٰذا الانتقال إِلَى ثَلاثِ مَراحِلَ أَوْ أطوار، وَيُغَطِّي الطَوْرَ الأول مَرْحَلَةَ التأسيس وَالبِناءِ، وتبدأ بِاِسْتِحْواذِ العَصَبِيَّةِ عَلَى الدولة وَالمَلِكِ؛ وَفِي هٰذا الطَوْرِ لا يزال البَدْوُ عَلَى طَبِيعَتِهِم الأولى رَئِيسُها أحدهُم لا يَنْفَرِدُ دُونَهُم بشيء وَالعَلاقاتُ تَقُومُ عَلَى أَساسِ المُساهَمَةِ وَالمُشارَكَةِ. أما المالُ وَالغَنائِمُ، فإنها تُوَزَّعُ عَلَيْهِم فَلا يَطِيرُ فِي سَهْمانِهِ (أي لا ينال هُوَ شَخْصِيّاً، مِنْ ذٰلِكَ إلا القَلِيلِ آثارا لِقَوْمِهِ عَلَى نَفْسِهِ) عَلَى أَنَّ العَصَبِيَّةَ فِي هٰذِهِ المَرْحَلَةِ وَنَتِيجَةَ عِيشَتِها السابِقَةِ البَسِيطَةِ لا تزال تَجْهَلُ الكَثِيرَ مِن أسلوب الحَضَرِ وَعَيْشِهِم فَيَقُولُ اِبْنُ خَلْدُونَ " عِنْدَما عَثَرُوا عَلَى الكافُورِ فِي خَزائِنِ كِسْرَى اِسْتَعْمَلُوهُ مُلْحّاً لِعَجِينِهِم إذن هُم فِي هٰذِهِ المَرْحَلَةِ لا يَزالُونَ عَلَى فِطْرَةِ البِداوَةِ، وَيُلَخِّصُها الجابِرِي "نِظامُ المُشارَكَةِ وَالمُساهَمَةِ" وَالتَسَيُّرِ الجَماعِيِّ فِي إِطارِ العَصَبِيَّةِ الحاكِمَةِ، وَهٰذا مُهِمٌّ وَأَساسِيٌّ فِي الحِفاظِ عَلَى الوَحْدَةِ وَالاِلْتِحامِ داخِلَ الجَماعَةِ الغالِبَةِ الحاكِمَةِ، سُلُوكُ سِياسَةِ كَسْبِ القُلُوبِ وإنزال الناسُ مَنازِلَهُم، وَهٰذا ما يَضْمَنُ لِلدَوْلَةِ وَلاءَ مُخْتَلِفِ الفِئاتِ الَّتِي يَسْرِي عَلَيْها حُكْمُها وأخيرا الاِقْتِصادُ فِي النَفَقاتِ وَعَدَمُ الغُلُوِّ فِي فَرْضِ الضَرائِبِ وَالجِباياتِ، وَهٰذا يُؤَدِّي بِطَبِيعَةِ الحالِ إِلَى خَلْقِ جَوٍّ مِن الاِطْمِئْنانِ وَالاِزْدِهارِ، فَيَزْدادُ وَلاءُ الرَعِيَّةِ لِلدَوْلَةِ وَتَمَسُّكُهُمْ بِعَصَبَتِها" (الجابْرِي ص 224) أما الطَوْرُ الثانِي، فَيَتَمَثَّلُ بِالعَظَمَةِ وَالمَجْدِ وَمِمّا يُمَيِّزُ هٰذا الطَوْرَ أَوْ المَرْحَلَةَ أنه يَشْهَدُ التَغَيُّرَ التَدْرِيجِيَّ لِلعاداتِ البَدَوِيَّةِ، وَيَبْدَأُ تأثير الحَياةِ الحَضَرِيَّةِ وَالدَعَةِ وَالَّتِي يُوصِفُها الجابْرِي "عوضا عن خُشُونَةِ البِداوَةِ تبدأ "رِقَّةُ الحَضارَةِ" وَبَدَلاً مِن المُساهَمَةِ وَالمُشارَكَةِ يبدأ الاِسْتِبْدادَ والانفراد بِالمَجْدِ وَعِوَضاً مِن اِعْتِمادِ صاحِبِ الدَوْلَةِ عَلَى عَصَبِيَّتِهِ وَعَشِيرَتِهِ يلجأ إِلَى المَوالِي وَالمُصْطَنِعِينَ الَّذِينَ يأخذ الاِعْتِمادَ عَلَيْهِم يَتَزايَدُ وَبِالمُقابِلِ تَناقُصٌ أَوْ الاستغناء عن عَصَبِيَّتُهُ" وَلِشَرْحِ ذٰلِكَ يُقَدِّمُ الجابْرِي كَما فَعَلَ فِي الطَوْرِ الأول ثَلاثَ خَواصٍّ تَمَيَّزَ هٰذا الطَوْرَ فِي الأولى الانتقال مِن حَياةِ البَساطَةِ وَالاِقْتِصارِ عَلَى الضَرُورِيِّ مِن العَيْشِ إِلَى حَياةِ الرَفاهِيَةِ وَالتَفَنُّنِ فِي التَرَفِ، هٰذا التَحَوُّلُ راجِعٌ إِلَى كَثْرَةِ دَخْلِ الدَوْلَةِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ العائِداتِ.. وَلٰكِنَّ تَراكُمَ المالِ يُغْرِي بِالأَنْفاقِ وَالتَمَتُّعِ، وَهٰكَذا "فالأمة إِذا تَغَلَّبَت وَمَلَكَت ما بأيدي أَهْلَ المَلِكِ قَبْلَها كَثُرَ رِياشُها وَنِعْمَتُها، فَتَكْثُرُ عَوائِدُهُم وَيَتَجاوَزُونَ ضَرُوراتِ العَيْشِ وَخُشُونَتَهُ إِلَى نَوافِلِهِ وَرِقَّتِهِ وَزِينَتِهِ، وَيَذْهَبُونَ إِلَى اِتِّباعٍ مِنْ قِبَلِهِم فِي عَوائِدِهِم وأحوالهم، وَتَصِيرُ تِلْكَ النَوافِلُ عَوائِدَ ضَرُورِيَّةً فِي تَحْصِيلِها، وَهٰكَذا تَنْقَلِبُ أَحْوالُ العَصْبَةِ الحاكِمَةِ رأسا عَلَى عَقِبٍ وَالخاصِّيَّةِ الثانِيَةِ المُرْتَبِطَةِ بالأولى أنها تَتَمَيَّزُ بِظُهُورِ المَصالِحِ الخاصَّةِ، فَالَّتِي كانَت بالأمس تَقُومُ عَلَى المُشارَكَةِ وَالعَمَلِ لِلصالِحِ العامِّ تَنْقَلِبُ اليَوْمَ إِلَى أرستقراطية حاكِمَةٍ مُتَنافِسَةٍ، فَيَتَطَوَّرُ الأَمْرُ هٰكَذا مِن الاِشْتِراكِ فِي المَجْدِ إِلَى الانفراد بِهِ وَيُفْضِي التَنازُعَ إِلَى الصِراعِ وَالقَتْلِ المُتَبادَلِ؛ مِمّا يضطر السُلْطانَ إِلَى كَبْحِهِم وَقَتْلِ أكابرهم، وَلٰكِنْ لَيْسَ مِن أجل المَصْلَحَةِ العامَّةِ، بَلْ مِن أجل مَصْلَحَتِهِ هُوَ (اُنْظُرْ الجابْرِي ص 225)." فَهُوَ نَفْسُهُ يَدْخُلُ هٰذا الصِراعَ، وَيُصْبِحُ طَرَفاً فِيهِ، فَيَعْمَدُ إِلَى الاِسْتِبْدادِ بِالأَمْرِ دُونَ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ "وَهٰذا بِالتالِي يُؤَدِّي إِلَى اِنْفِصامٍ تامٍّ بَيْنَ أَفْرادِ الأُسْرَةِ المالِكَةِ، وَيَقَوّمُ السُلْطانُ بِالاِسْتِعانَةِ بِغَيْرِ جِلْدَتِهِ فَيَصْنَعُ فِئَةً خاصَّةً بِهِ، وَقَدْ دَرَسْنا وَقَبْلَ ما يقارب مِن نِصْفِ قَرْنٍ، وَفِي الدُرُوسِ الجامِعِيَّةِ وَمادَّةِ العُلُومِ السِياسِيَّةِ أَنَّ السُلْطانَ يَقُومُ بِخَلْقِ طَبَقَةٍ جَدِيدَةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِهِ مَصالِحُها تَرْتَفِعُ بِاِرْتِفاعِ السُلْطانِ، وَتَسْتَقِرُّ بِاِسْتِقْرارِهِ وَتَشْعُرُ بِالخَطَرِ إِذا شَعَرَ السُلْطانُ بِالخَطَرِ، فَتَقُومُ هِيَ مَقامُ العَصَبِيَّةِ فِي حِمايَةِ السُلْطانِ لَيْسَ حُبّاً بِهِ وَلٰكِنَّ حِفاظاً عَلَى مَصالِحِها هِيَ فِي هٰذِهِ المَرْحَلَةِ تَحْتاجُ السُلْطَةَ إِلَى مَزِيدٍ مِن الأَمْوالِ لِسَدِّ حاجاتِ الوَلاءاتِ الجَدِيدَةِ وَشَراهَتِها. وَهٰكَذا تَنْقَلِبُ العَلاقاتُ وَتَزْدادُ النِفقاتُ (السَرِقاتُ) وَتَفَكُّكُ عُرَى الدَوْلَةِ وَهُوَ المُؤَشِّرُ عَلَى دُخُولِ الدَوْلَةِ الهَرَمِ وَالاِضْمِحْلالِ. أَنَّ هٰذا الدَوْرَ وَهُوَ الدَوْرُ الأخير مِن حَياتِها يَتَمَيَّزُ بِكَوْنِ العَصَبِيَّةِ فِي أَضْعَفِ حالاتِها، وأن المالُ وَهُوَ العُنْصُرُ المُهِمُّ الثانِي فِي قُوَّةِ الدولي يَكُونُ غَيْرَ كافٍ لِسَدِّ مُتَطَلَّباتِها، وَهٰذا ما يتحدث عَنهُ اِبْنُ خَلْدُونَ فِي فَصْلِ كَيْفِيَّةِ طُرُوقِ الخَلَلِ إِلَى الدَوْلَةِ (المُقَدِّمَةِ البابَ الثالِثَ الفَصْلِ السابِعَ والأربعون ص 279) يَقُولُ اِبْنُ خَلْدُونَ "اِعْلَمْ أَنَّ مَبْنَى المَلِكِ عَلَى أَساسَيْنَ لابُدَّ مِنْهُما فالأول الشَوْكَةِ وَالعَصَبِيَّةُ وَهُوَ المُعَبِّرُ عَنْهُ بِالجُنْدِ، وَالثانِي المالُ الَّذِي هُوَ قَوامُ أولئك الجُنْدِ وإقامة ما يَحْتاجُ إليه المَلِكَ مِن الأَحْوالِ وَالخَلَلِ إِذا طَرَقَ الدَوْلَةُ طَرُقُها فِي هٰذَيْنِ الأَساسَيْنِ "ثُمَّ يَشْرَحُ اِبْنَ خَلْدُونِ العُنْصُرِ أَوْ الأَساسِ الأول وَهِيَ العَصَبِيَّةُ، وَكَيْفَ يَتَسَلَّلُ إليها الضَعْفُ نتيجة الترف، وأن صاحِبِ الدَوْلَةِ يَذْهَبُ إِلَى الاِسْتِبْدادِ وَغَيْرِها مِن الإجراءات الَّتِي تَزِيدُ مِن تَفَكُّكِ العَصَبِيَّةِ، ويبدأ تَذَمُّرُ السُكّانِ وَتَقاعُسُهُم عَن الدِفاعِ عَن عَصَبِيَّةِ الحاكِمِ عَلَى اِضْمِحْلالِها لا يأتي بِشَكْلٍ واحِدٍ وَبِسُرْعَةٍ، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى عَوامِلَ كَثِيرَةٍ وَخاصَّةٍ المُحِيطَ الَّذِي تَعْمَلُ فِيهِ وَعَدَدِ العَصائِبِ المُنْضَوِيَةِ تَحْتَ العَصَبِيَّةِ الكُبْرَى فَتَعَظمُ حاجَتِهِ إِلَى الأَمْوالِ قُوَّةِ تِلْكَ العَصائِبِ وَدَوْرِها فَالسُلْطَةُ الكَثِيرَةُ العَصائِبُ وَالمُتَباعِدُ قَدْ تَشْهَدُ اِنْفِصالَ بَعْضِ العَصائِبِ؛ وَبِذٰلِكَ "رُبَّما تَنْقَسِمُ الدَوْلَةُ عِنْدَ ذٰلِكَ إِلَى دَوْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاثِ" (المُقَدِّمَةُ ابن خلدون ص 280 ) ويأتي بأمثلة مِن التارِيخِ الإِسْلامِيِّ. وأما الخَلَلِ الَّذِي يَتَطَرَّقُ مِن جِهَةِ المالِ، فإن الدَوْلَةِ حِينَ تَكُونُ فِي طَوْرِ البِداوَةِ كانَت تَعِيشُ عَلَى القَصْدِ فِي النَفَقاتِ وَالتَعَفُّفِ عَن الأَمْوالِ، وَلٰكِنَّ التَرَفَ فِيما بَعْدُ يُؤَدِّي إِلَى زِيادَةِ الإنفاق وَيُكْثِرُ الإسراف وَنَفَقاتِ الجُنْدِ، "وَيُعَظَّمُ الهَرَمَ بِالدَوْلَةِ وَيَتَجاسَرُ عَلَيْها أَهْلُ النَواحِي، وَالدَوْلَةُ تَنْحَلُّ عُراها فِي كُلِّ طَوْرٍ مِنْ هٰذِهِ إِلَى أَنْ تُفْضِيَ إِلَى الهَلاكِ وَتَتَعَرَّضَ لِاِسْتِيلاءِ الطُلّابِ، فانَ قَصْدُها طالِبٌ اِنْتَزَعَها مِنْ أيدي القائِمِيْنَ بِها وإلا بَقِيَتْ وَهِيَ تَتَلاشَى إِلَى أَنْ تَضْمَحِلَّ كَالذَبْالِ فِي السِرّاجِ إِذا فَنِيَ زَيْتُهُ وَطِفْئٌ" (المُقَدِّمَةُ اِبْنُ خَلْدُونَ ص 282). وَنَحْنُ نَتَّفِقُ مَعَ الجابْرِي الَّذِي يُوصَفُ "لا شك أننا هُنا أَمامَ تَشْبِيهَيْنِ جَمِيلِينَ: فَالحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ فِي التَشْبِيهِ الأول هِيَ العَصَبِيَّةُ. وأما الزَيْتُ فِي التَشْبِيهِ الثانِي فَهُوَ المالُ وَبِالتالِي فإن الدَوْلَةُ تَتَلاشَى فِي ذاتِها حَتْماً بِتَلاشِي عَصَبِيَّتِها، أَوْ بِاِنْقِضاءِ مالِها" (الجابْرِي ص 228) وَيَسْتَمِرُّ الجابِرِي فِي الفَصْلِ الخامِسَ عَشَرَ حَيْثُ يَبْحَثُ الدَوْلَةَ وَتَطَوُّرُها الحَضارَةُ المُفْسِدَةُ لِلعُمْرانِ بِدايَةُ هٰذا الفَصْلِ يُخَصِّصُهُ الجابِرِي لِشَرْحِ ماذا كانَ يَقْصِدُ اِبْنَ خَلْدُونَ بِالحَضارَةِ، وَيَقُومُ عَلَى ذٰلِكَ لِفَكِّ اللِبْسِ بأن اِبْنُ خَلْدُونَ لا يقصد الحَضارَةَ الَّتِي نَعْرِفُها الآن، فَهُوَ لَيْسَ ضِدَّ الحَضارَةِ وَالجابْرِي يُرِيدُ أَنْ يُوَضِّحَ أَنَّ اِبْنَ خَلْدُونَ لَمْ يَقْصِدْ القِيَمَ الفِكْرِيَّةَ وَالاِجْتِماعِيَّةَ وَالثَقافِيَّةَ لِما نَعْرِفُهُ بِالحَضارَةِ اليَوْمَ، بَلْ كانَ يَقْصِدُ ما يمكن أَنْ نُطْلِقَ عَلَيْهِ اليَوْمَ قُشُورَ الحَضارَةِ أَوْ إحدى أبرز مظاهرها الخارِجِيَّةَ "التَفَنُّنُ فِي التَرَفِ وَاِسْتِجادَةَ أحواله، وَالكَلَفَ فِي الصَنائِعِ الَّتِي توثق مِن أَصْنافِهِ وَسائِرِ فُنُونِهِ، مِن الصَنائِعِ المُهَيِّئَةِ لِلمَطابِخِ أَوْ المَلابِسِ أَوْ المَبانِي أَوْ الفَرْشِ أَوْ الآنية وَلِسائِرِ أحوال المَنْزِلِ، وَما يُنْجَمُ عَن ذٰلِكَ مِن تَغْيِيرٍ فِي طَبِيعَةِ العَلاقاتِ العَصَبِيَّةِ لِلقَبِيلَةِ وَهُوَ فِي رأينا ما يجعل الإنسان البَدَوِيُّ إنساناً تائهاً أَوْ عَلَى وَصْفِ الوَرْدِيِّ حائِرِ أَيْ إنه يَقِفُ فِي مُنْتَصَفِ الطَرِيقِ لا عائدا إِلَى بَداوَتِهِ وَقِيَمِها الَّتِي اُسْتُحْكِمَت فِيهِ وَلا هُوَ قادِرٌ عَلَى إكمال المَسِيرَةِ وَاِسْتِيفاءِ مُتَطَلَّباتِ المَدَنِيَّةِ، وَهٰذا ما نشهده حَتَّى يَوْمِنا هٰذا فِي عُمُومِ المُجْتَمَعاتِ البَدَوِيَّةِ أَوْ ذاتِ الأَصْلِ البَدَوِيِّ أَوْ المتأثرة بِهِ بِحُكْمِ المُعايَشَةِ الطَوِيلَةِ" (المُقَدِّمَةِ البابُ الرُبْعَ الفَصْلِ الثامِنَ عَشَرَ ص 353) عَلَى أَنَّ اِبْنَ خلدون تَحَدَّثَ عَن الحَضارَةِ بِهٰذا المَعْنَى فِي أَكْثَرَ مِن مَوْقِعٍ فِي مُقَدِّمَتِهِ وَالجابِرِي مُحِقٌّ فِي هٰذا الرأي فَنَحْنُ وَحَتَّى اليَوْمِ نَرَى أَنَّ البَدَوِيَّ لا تهمه مِن الحَضارَةِ سِوَى مَظاهِرِها وَرِياشِها دُونَ يُوجِعٍ رأسه بِمَوْضُوعاتِ البِناءِ الفِكْرِيِّ وَالعِلْمِيِّ لِلحَضارَةِ إنه يَفْهَمُها كَما يَقُولُ الجابِرِي "أنها نَمَطٌ مِن العَيْشِ وَأُسْلُوبٌ فِي الاِسْتِهْلاكِ" "إنها أُسْلُوبُ حَياةِ أولئك الَّذِينَ يَعِيشُونَ مِنْ "الجاهِ" فَقَطْ أولئك الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ وَلا يُنْتِجُونَ، فِي الوَقْتِ الَّذِي يَسْتَهْلِكُونَ بِغَيْرِ حِسابٍ" (الجابْرِي ص 234) إن هٰذا النَمَطُ مِنْ الحَياةِ مُفْسِدٌ لِلعُمْرانِ فِي نَظَرِ اِبْنِ خَلْدُونَ" يُرَكِّزُ الجابِرِي فِي هٰذا الفَصْلِ أَيْضاً عَلَى العَصَبِيَّةِ القَبَلِيَّةِ، وَكَيْفَ أنها وَبِفِعْلِ الحَضارَةِ (التَرَفِ المادِّيِّ) تَخْلُقُ أَجْواءً مِن التَباعُدِ، وَيُصْبِحُ الوَلاءُ للجاه المُجَلَّبِ لِلمالِ مَحَلَّ الوَلاءِ القَبَلِيِّ، فَفِي هٰذِهِ المَرْحَلَةِ يُصْبِحُ هُمُ الفَرْدِ، بَلْ وَرُؤَساءَ القَوْمِ يعملون مِن أَجْلِ جَمْعِ مزيد مِن المالِ وَبِالتالِي المَزِيدِ مِن الرَفاهِيَةِ، وَيَخْلُقُ طَبَقَةً خاصَّةً بِهِ لا تعتمد عَلَى الوَلاءِ القَبَلِيِّ، وَلٰكِنَّ وَلاءاتٍ، وَلٰكِنَّ هٰذِهِ الطَبَقَةَ تبدأ بِالتَوَسُّعِ، وَلَمْ تَعُدْ الاِمْتِيازاتُ الَّتِي تَمْلِكُها تُكَيِّفُها، بَلْ تَتُوقُ إِلَى تَوْسِيعِ تِلْكَ الاِمْتِيازاتِ، وَلَوْ في آخر المطاف اُضْطُرَّت إِلَى التَمَرُّدِ والانفصال وَنَتِيجَةً لِذٰلِكَ، فإن المَوارِدُ الَّتِي اِسْتَحْوَذَت عَلَيْها العَصَبِيَّةُ كَمَجْمُوعَةٍ مُوَحَّدَةٍ فِي البِدايَةِ لَمْ تَعُدْ تَكْفِي لِسَدادِ المُتَطَلَّباتِ المُتَزايِدَةِ، وَهٰذا ما يَحْدُو بِها إِلَى الاِسْتِحْواذِ عَلَى مَصادِرَ أُخْرَى مِثْلَ السُوقِ وَالضَرائِبِ وَالسَرِقَةِ وَالاِحْتِيالِ وَتَسْخِيرِ المَصالِحِ العامَّةِ لِصالِحِها، وَهٰكَذا يَغْدُو شِعارُ الحَضارَةِ مَفْسِدَةً لِلعُمْرانِ مَعْبَرٌ حَقِيقِيٌّ لَيْسَ لأن جَوْهَرُ الحَضارَةِ هٰكَذا بَلْ الفَهْمُ الخاطِئُ البَدَوِيُّ لِلحَضارَةِ وَمَيْلُهُ لِلتَعْوِيضِ عَن الحِرْمانِ الَّذِي عاناهُ فِي حَياتِهِ البَدَوِيَّةِ. الوَرْدِيُّ فِي دِراساتِهِ يَشْرَحُ ذٰلِكَ بِعِباراتٍ أوضح وأسهل وأقرب لِلواقِعِ، فَيَقُولُ" أَنَّ العَصَبِيَّةَ القَبَلِيَّةَ فِي البِداوَةِ تَحُلُّ مَحَلَّ الدَوْلَةِ وَتَقُومُ بِوَظِيفَتِها، فَالفَرْدُ البَدَوِيُّ يَعْتَزُّ بِقَبِيلَتِهِ كُلَّ الاِعْتِزازِ، فَهِيَ سَبَبُ بَقائِهِ وَمَوْئِلِ كَرامَتِهِ، وَمِن جانِبٍ آخر وَكَما ذَكَرْنا سابِقاً، فإن الوَرْدِيُّ يُعْتَبَرُ (وَهُوَ الأصح عَلَى رأينا) مُجْتَمَعاً مُرْتَبِطاً بِالصَحْراءِ يَظَلُّ مُحافِظاً عَلَى قِيمَةِ ما دام فِيها، وَلٰكِنْ ما أَنْ يَخْرُجَ مِن صَحَرائِهِ، حَتَّى تبدأ عَوامِلُ التَفَكُّكِ فِيهِ نَتِيجَةَ الصِراعِ مَعَ الحَضارَةِ، وَلٰكِنَّهُ وَكَما يَبْدُو لا يَسْتَطِيعُ التَخَلُّصَ نِهائِيّاً مِنْ تِلْكَ القِيَمِ، فَتَبْقَى الكَثِيرُ مِنْها ضِمْنَ شَخْصِيَّتِهِ المُزْدَوَجَةِ خاصَّةً منها الفكرية أَوْ النَفْسِيَّةِ. فِي الفَصْلِ السادِسَ عَشَرَ وَهُوَ الأَخِيرُ قَبْلَ الخاتِمَةِ يَبْحَثُ الجابِرِي وِحْدَةَ الفِكْرِ الخَلْدُونِيِّ وَالعامِلِ الاِقْتِصادِيِّ لِمَ يأت الجابِرِي فِي هٰذا الفَصْلِ بشيء جَدِيدٍ، بَلْ عَمَدَ إِلَى تَكْرارِ ما كان قَدْ بَحَثَهُ فِي الفُصُولِ السابِقَةِ مُرَكِّزاً عَلَى العَصَبِيَّةِ القَبَلِيَّةِ بِاِعْتِبارِها الحَجَرَ الأَساسَ فِي نَظَرِيَّةِ اِبْنِ خَلْدُونَ كَما أنه لَمْ يُحَدِّثْنا كَثِيراً عَمّا خَطُّهُ مِن عُنْوانٍ لِهٰذا الفَصْلِ حَوْلَ وِحْدَةِ الفِكْرِ الخَلْدُونِيِّ وَالعامِلِ الاِقْتِصادِيِّ، وَمَرَّ فِي بِدايَةِ البَحْثِ حَوْلَ بَعْضِ البُحُوثِ الَّتِي تُرَكِّزُ عَلَى الجانِبِ الاِقْتِصادِيِّ أَوْ التَرْبَوِيِّ فِي نَظَرِيَّةِ اِبْنِ خَلْدُونَ وَنَقْدِها كَوْنُها تَجْزِيئِيَّةً تُفَصِلُ أَفْكارَ اِبْنِ خَلْدُونَ أنني أَعْتَقِدُ أَنَّ عَدَدَ الدِراساتِ الَّتِي عُنِيَت بِنَظَرِيَّةِ اِبْنِ خَلْدُونَ مِن الكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ حَصْرُها، فَيَكْفِي أَنْ نُلْقِيَ نَظْرَةً عَلَى دِراسَةِ عَبْدِ الرَحْمٰن بَدَوِي، وَالَّتِي أَعَدَّها لِاِحْتِفالِيَّةِ اِبْنِ خَلْدُونَ فِي بِدايَةِ سِتِّينِيّاتِ القَرْنِ المُنْصَرِمِ نَرَى حَجْمَ الكَمِّ الهائِلِ الَّتِي عَدَّدَها بَدَوِيٌّ ناهِيكَ عَن الدِراساتِ الَّتِي لَمْ يُشِرْ إليها وَالدِراساتِ الَّتِي ظَهَرَت فِي السِتِّينَ سَنَةَ الأخيرة، وَبِالتالِي فإن مِنْ الطَبِيعِيِّ أَنْ تُرَكِّزَ تِلْكَ الدِراساتِ عَلَى هٰذا الجانِبِ، أَوْ ذاكَ كَما تَخَصَّصَ الجابِرِي فِي دِراسَتِهِ لِذٰلِكَ لا نرى أَيَّ ضَيْرٍ أَوْ مِنْقَصَةٍ فِي ذٰلِكَ. وَلِذا فإننا لا نرى فِي هٰذا الفَصْلِ غَيْرِ التأكيد عَلَى كَوْنِ العَصَبِيَّةِ المِحَوَرِ الرَئِيسِيِّ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ القَبِيلَةُ البَدَوِيَّةُ، وَهٰذا هُوَ أَحَدُ أَهَمِّ الأَسْبابِ الَّذِي نَسْتَنِدُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِنا أَنَّ البَداوَةَ سِيرَةُ الإِسْلامِ وَفْقَ حَياتِها، بَلْ أَنْ تَسِيرَ حَياتُها وِفْقَ الإِسْلامِ الدِينِ الجَدِيدِ. فِي خاتِمَةِ بَحْثِهِ يُثَبِّتُ الجابرِي ما توصل إِلَيْهِ نَتِيجَةً لِكُلِّ ذٰلِكَ العَرْضِ مِن أَنَّ اِبْنَ خَلْدُون صاغَ نَظَرِيَّةٌ تَطْرَحُ مُشْكِلَةَ الحَضارَةِ الإِسْلامِيَّةِ ولم إذا اِنْهارَتْ هٰذِهِ الحَضارَةُ (فِي القُرُونِ السَبْعَةِ الَّتِي سَبَقَتْهُ مِنْ الحَضارَةِ الإِسْلامِيَّةِ) بَعْدَ أَنْ بَلَغَتْ شأو بَعِيداً، وَلٰكِنْ هُنا نسأل هَلْ بإمكاننا أَنْ نُعَمِّمَ نَظَرِيَّةَ اِبْنِ خَلْدُونَ عَلَى كُلِّ بِقاعِ اِنْتِشارِ العالَمِ الإِسْلامِيِّ خاصَّةً، وأنه لَمْ يَطْلِعْ وَأَحْياناً حَتَّى بِالحَدِّ الأَدْنَى عَلَى المَشْرِقِ الإِسْلامِيِّ، بَلْ كانَت كُلُّ تَجارِبِهِ مُسْتَمَدَّةً مِن المَغْرِبِ، وَهُنا نُخالِفُ الجابْرِي وَالَّذِي يُؤَكِّدُ أَنَّ اِبْنَ خَلْدُونَ كانَ مُطَّلِعاً عَلَى تارِيخِ الإِسْلامِ فِي عُهُودِهِ الرَئِيسِيَّةِ، بَلْ إنه بِاِعْتِقادِنا يُبالِغُ فِي مَدَى اِطِّلاعِ اِبْنِ خَلْدُونَ عَلَى لَيْسَ تَجْرِبَةَ الشَرْقِ الإِسْلامِيِّ، بَلْ أَيْضاً مُلُوكَ العَجَمِ وَدُوَلِ التُرْكِ، وَنَقُولُ وَالرُجُوعِ إِلَى ما كتبه مِن مَعْلُوماتٍ سَطْحِيَّةٍ وَأَحْياناً مَغْلُوطَةً مَثَلاً عَن الشِيعَةِ والإمامة وَمَكانِ اِخْتِفاءِ مُحَمَّد المَهْدِي (المَهْدِي المُنْتَظَرِ) وَغَيْرِها هٰذا، عَلَى الرَغْمِ مِن اِعْتِرافِهِ إنه أجرى بَعْضَ التَصْلِيحاتِ والإضافات عَلَى كِتابَتِهِ السابِقَةِ بَعْدَ زِيارَتِهِ لِلمَشْرِقِ، وَلٰكِنْ نَعْتَقِدُ مَعَ ذٰلِكَ لَمْ تَكُنْ بِالدَرَجَةِ الكافِيَةِ وَالمَعْرُوفِ أنه تارِيخِيّاً وَبِشَكْلٍ عامٍّ يُمْكِنُنا القَوْلُ أَنَّ ظُهُورَ وَذُرْوَةَ وَقُوَّةَ الإِسْلامِ فِكْراً وَمُمارَسَةً وَمَدارِسَ فِكْرِيَّةً وَفِقْهِيَّةً وَمَذْهَبِيَّةً، وَكُلَّ ما يتصل بِذٰلِكَ مَشْرَقِيّاً، وإن كانَ لِلمَغْرِبِ مُساهَماتُهُ المُهِمَّةُ، وَلٰكِنَّها بالتأكيد لا تُدانِي المَشْرِقَ، كَما أَنَّ لُبَّ البِداوَةِ وَقُوَّتَها ومخزنها مَشْرِقِيَّةٌ، عَلَى الرَغْمِ مِن تَشْخِيصاتِهِ لِقِيَمِ البِداوَةِ كانَت صائِبَةً في عمومها الاغلب وخاصة في عصرها آنذاك .، وَهٰذا ما يهمنا فِي بَحْثِهِ. وَرُبَّما هُنا أشار الجابْرِي إِلَى أمر تُحَدِّثُنا عَنهُ، وَسَنبْحَثُهُ لاحِقاً أَيْضاً فِي مَواقِعَ أُخْرَى، وَهُوَ يُوصَفُ تَحَرُّكاتِ البَدْوِ وَقَبائِلَ بَنِي هِلال وَبَنِي سَلِيمٍ وَقَبائِلِ المُلَثَّمِينَ وَزَناتِهِ "وَهِيَ تَحَرُّكاتٌ مُشابِهَةٌ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ لِتَحَرُّكاتِ القَبائِلِ العَرَبِيَّةِ (والأصح الأَعْرابِيَّةِ) فِي عَهْدِ الفُتُوحِ، عَصْرِ الخُلَفاءِ وَالأُمَوِيِّينَ وَبِالجُمْلَةِ يُمْكِنُ القَوْلُ إن الدَوْرَ الَّذِي لَعِبَهُ البَدْوُ، فِي أيام اِبْنِ خَلْدُونَ، هُوَ نَفْسُ الدَوْرِ الَّذِي قامُوا بِهِ خِلالَ العُصُورِ الإِسْلامِيَّةِ كُلِّها، لَقَدْ كانَ هٰؤُلاءِ هُم العُنْصُرُ الأَكْثَرُ فَعّالِيَّةً فِي التارِيخِ العَرَبِيِّ مُنْذُ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ إِلَى عَصْرِ الانحطاط" (الجابْرِي ص 253) وبالتأكيد لا يمكننا أَنْ نَعْتَبِرَ دِراسَةَ نَظَرِيَّةَ اِبْنِ خَلْدُونَ عَلَى أنها تَشْمَلُ نِطاقَ أوسع مِن الأَعْرابِ العَرَبِ وَالحَضارَةِ الإِسْلامِيَّةِ وانْ ساهَمَت، كَما يُشِيرُ غالِبِيَّةَ الباحِثِينَ إِلَى مُساهَمَتِها الأَساسِيَّةِ فِي إنشاء عِلْمِ الاِجْتِماعِ. وَيُخَلِصُ الجابرِي إِلَى أَنَّ اِبْنَ خَلْدُونَ يَرَى أَنَّ التَجْرِبَةَ الحَضارِيَّةَ الإِسْلامِيَّةَ جاءَت نَتِيجَةً لِثلاثة عَوامِلَ مُجْتَمِعَةٍ العامِلِ الأيديولوجي وَالعامِلِ الاِجْتِماعِيِّ وَالعامِلِ الاِقْتِصادِيِّ وَالمَقْصُودِ بِالعامِلِ الأيديولوجي "الدِينُ بِمَعْناهُ الواسِعِ، سَواءٌ كانَت نُبُوَّةً أَوْ دَعْوَةً إصلاحية تَعْتَمِدُ عَلَى الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَهْيِ عَن المُنْكَرِ بِما فِيها الخِلافاتُ المَذْهَبِيَّةُ، أَوْ الَّتِي تَتَّخِذُ مِن الدِينِ سِتاراً لَها" وَهٰذا الأَمْرُ الأخير ما نُسَمِّيهِ نَحْنُ شَرْعَنَةَ القِيَمِ الاِجْتِماعِيَّةِ السائِدَةِ، وَالَّتِي جُبِلَت عَلَيْها بَدا الدِينُ بِبَثِّ دَعْوَتِهِ بَيْنَ الأَقْرَبِ فَالأَقْرَبُ، وأخذ يَنْتَشِرُ بَيْنَ المَعارِفِ وَالأَصْدِقاءِ، ثُمَّ أخذت الدَعْوَةُ بالانتشار سِرّاً ثُمَّ عَلانِيَةً مُعْتَمَدَةً عَلَى العَصَبِيَّةِ الهاشِمِيَّةِ ثُمَّ القَرِيشِيَّةِ (لَقَدْ حَمَّت العَصَبِيَّةُ الإِسْلامَ فِي وِلادَتِهِ عَبْرَ البُيُوتاتِ الَّتِي كانَت تَحْمِي أفرادها الَّذِينَ أسلموا، بِالرَغْمِ مِن كُلِّ شيء، بَلْ كُفّارَ قُرَيْشٍ، رَغْمَ كَثْرَتِهِم عَجَزُوا عَلَى الوُقُوفِ بِوَجْهِ العَصَبِيّاتِ الأُخْرَى خَوْفاً مِن الاِقْتِتالِ الداخِلِيِّ) وَلٰكِنْ بَعْدَ الهِجْرَةِ خَلَقَ وَضْعَ آخر وَتَوافُرَ تَلاحُمِ الأَعْرابِ فِي الأَنْحاءِ الأُخْرَى فِي نَجْدٍ، وَكانَ لِهٰذا الدِينِ سُلْطَةٌ مَرْكَزِيَّةٌ وَالسُلْطَةُ ومركز ثابِتٌ وَمُؤَسَّساتٌ لا حياة بَدَوِيَّةٍ مُتَنَقِّلَةٍ وَمُتَفَرِّقَةٍ، وَاِسْتَقَرَّت السُلْطَةُ فِي يَثْرِبَ (المَدِينَةُ) وَلٰكِنَّ السُلْطَةَ بِحاجَةٍ إِلَى الدَعْمِ المادِّيِّ لِتَسِيرَ الأُمُورُ المُخْتَلِفَةُ، فبدأت الغَزَواتِ وَالَّتِي بَلَغَت وَحَسْبَ الكَثِيرِ مِنْ المَصادِرِ أَكْثَرَ مِن 90 غَزْوَةٌ لأسباب مُخْتَلِفَةٌ مُبَرَّرَةٌ وَغَيْرُ مُبَرِّرَةٍ، فَنَجَمَ عَن تِلْكَ الغَزَواتِ تَوَسُّعُ رُقْعَةِ الإِسْلامِ بانضمام بَعْضِ القَبائِلِ والأهم فِي ذٰلِكَ زِيادَةٌ كَبِيرَةٌ فِي عَدَدِ القَبائِلِ البَدَوِيَّةِ المُوغِلَةِ فِي القَفْرِ بَعْدَ أَنْ كانَت الغالِبِيَّةُ مِن بَدْوِ قُرَيْشٍ وَالمَدِينَةِ، وَالَّذِينَ كانُوا إِلَى هٰذا الحَدِّ، أَوْ ذاكَ مِن المُسْتَقِرِّينَ العامِلِينَ فِي التِجارَةِ أَوْ رِعايَةِ مَصالِحِ القَبائِلِ الأُخْرَى وَخاصَّةً أَصْنامَها فِي الكَعْبَةِ وَنَجْمَ عَن ذٰلِكَ أَيْضاً زِيادَةً فِي المَوارِدِ المالِيَّةِ أَوْ كَما ذَكَرنا يُعَلِّلُها البَعْضُ عَلَى أنها تَعْوِيضٌ عَمّا فَقَدَهُ المُهاجِرُونَ مِن أموالهم وأملاكهم فِي مَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَتِهِم وَهِيَ كَما نَرَى تَعْلِيلاتٍ ضَعِيفَةً جِدّاً ولا تستقيم مَعَ الواقِعِ، بَلْ وَالتَعالِيمِ الجَدِيدَةِ. أما البَعْضِ الآخَرِ، فَيَعْتَبِرُها مَشْرُوعَةً لِنَشْرِ الدِينِ الجَدِيدِ الَّذِي يُفْتَرَضُ أنه جاءَ بِقِيَمٍ جديدة بَعِيدَةٍ عَن تَقالِيدِ القَبائِلِ البَدَوِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ وَهُنا نُؤَكِّدُ عَلَى المبدأ الَّذِي ذَكَرْناهُ وَالمُتَمَثِّلُ بِشَرْعَنَةِ تِلْكَ القِيَمِ البَدَوِيَّةِ، وَهٰكَذا فإن الدِينُ بِاِعْتِمادِهِ عَلَى العَصَبِيَّةِ أخذ يَتَقَدَّمُ، وَيَقْوَى بِاِنْضِمامٍ عَصَبِيّاتٍ أُخْرَى، فِي حِينِ أَنَّ قُرَيْش تَتَراجَعُ أَمامَ تِلْكَ القُوَّةِ، فَبَدا زعماؤها يَنْخَرِطُونَ فِي الدِينِ الجَدِيدِ واحِداً تِلْوَ الآخَرِ مِن أجل اِسْتِرْدادِ مَكانَتِهِم القَدِيمَةِ، ثُمَّ يَقُومُ الجابِرِي فِي إِطارِ شَرْحِهِ لِما يُسَمِّيهِ، أسلوب الإنتاج القائِمِ عَلَى الغَزْوِ حَيْثُ يُعْقَدُ مُقارَنَةً بَيْنَ أسلوب الإنتاج الخَلْدُونِي وأسلوب الإنتاج الَّذِي تَحَدَّثَ عَنهُ مارْكْس وأنماط التَشَكُّيلاتِ الاِجْتِماعِيَّةِ المارْكِسِيَّةِ الخَمْسَةِ وَهُوَ مَوْضُوعٌ لا نَوَدُّ الخَوْضَ فيه؛ لأنه يُخْرِجُنا بَعْضُ الشيء عَن مَوْضُوعِنا مَعَ أننا نُمْسِكُ بِمُصْطَلَحِ اِقْتِصادِ الغَزْوِ، وَالَّذِي نَجِدُ لَهُ وَحَتَّى عَصْرِنا الراهِنِ تَطْبِيقاتٍ مُخْتَلِفَةً وبأشكال وَتَبْرِيراتٍ مُخْتَلِفَةً، أَنَّ تَبْرِيرَ الجابْرِي بِفَقْرِ المَناطِقِ الصَحْراوِيَّةِ وَبُخْلَ سَمائِها بالأمطار وأرضها بِالعُشْبِ والكلأ هُوَ الَّذِي جَعَلَ أَهْلَها يلجأون إِلَى الغزو للحصول عَلَى ما يَحْفَظُونَ حَياتَهُمْ (الجابْرِي 265) لا نَراهُ كافِياً خاصَّةً، وَإِذا رَبَطْناهُ بِقِيَمِ البَداوَةِ الأُخْرَى الَّتِي تُحَدِّثُنا عَنها، وَلَعَلَّ جزءاً كَبِيرٌاً مِنْ تِلْكَ الحَقِيقِيَّةِ البَدَوِيَّةِ الطَبِيعِيَّةِ يَعْكِسُها تُونبِي حِينَ يَقُولُ (وَأَشَرْنا إليها فِي مَكانٍ آخر) "فَالبَدَوِيُّ عِنْدَما يَخْرُجُ مِن بادِيَتِهِ، وَيَغْزُو بُسْتانَ الزارِعِ لَمْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ عن قصد وَتَدْبِيرٍ، أنه لَمْ يَخْرُجْ عَمّا اِعْتادَ عَلَيْهِ مِن دَوْرَةِ العَيْشِ وَالحَياةِ بِقَصْدٍ مِنْهُ، بَلْ إنه اِسْتِجابَةُ استجابة مِيكانِيكِيَّةٍ إِلَى قُوىً خارِجَةٍ عَنْ سَيْطَرَتِهِ" ( تونبي بَحْثٍ فِي التارِيخِ التَرْجَمَةُ العربية ص 312) When the Nomad has issued from the Steppe and trespassed on the cultivator s garden he has not been moved by a deliberate intention to depart from his customary cycle . He has responded mechanically to forces beyond his control (TOYNBEE str.169) وَيَرْبِطُ تُونِبِي تِلْكَ الحَقِيقَةَ أَنَّ ثَمَنَ الجَزاءِ الَّذِي تَحَتَّمَ عَلَى البَدَوِيِّ أَنْ يَدْفَعَهُ كانَ نَفْسَ الجَزاءِ الَّذِي وَقَعَ عَلَى الإسكيمو، فإن البِيئَةِ الطَبِيعِيَّةَ الَّتِي نَجَحَ فِي قَهْرِها قَدْ اِسْتَعْبَدَتْهُ استعبادا ماكِراً" ويثيرُ الجابْرِي أمرا آخر مَهْماً يُشِيرُ فِيهِ إِلَى أَنَّ خُشُونَةَ البِداوَةِ تَبْقَى مَعالِمَها الأَساسِيَّةَ فِي فَتْرَةِ " رِقَّةِ الحَضارَةِ" وَهِيَ الفَتْرَةُ الَّتِي تُعَقَّبُ تَمَكُّنَ إحدى القَبائِلِ الغازِيَّةِ بِدافِعِ هٰذا العامِلِ، أَوْ ذاكَ مِن إقامة المَلِكِ وتأسيس الدَوْلَةِ، ثُمَّ يُكَمِلُ، وَيَقُولُ أَنَّ التارِيخَ يُؤَكِّدُ أَنَّ ثَرْوَةَ الدَوْلَةِ الإِسْلامِيَّةِ، الثَرْوَةَ الَّتِي أقام عَلَيْها العَرَبُ دَوْلَتَهُم وَحَضارَتَهُمْ كانَت فِي مُعْظَمِها، تَتَكَوَّنُ مِن مَوارِدَ حَرْبِيَّةٍ، وَلَعَلَّ مِمّا لَهُ دَلالَةٌ خاصَّةٌ فِي هٰذا الصَدَدِ، أَنَّ كُتُبَ الفِقْهِ تَحْصُرُ مَوارِدَ الدَوْلَةِ، أَوْ مَصادِرَ مِيزانِيَّتِها فِي الفَيْءِ، الغَنائِمَ، الجِزْيَةَ، الخُرّاجَ، العُشُورَ.....الخُ وَهِيَ تُعْطِي أهمية خاصَّةً لا لِاِسْتِثْمارِها، فَذٰلِكَ ما يَنْعَدِمُ الاِهْتِمامُ بِهِ، بَلْ تَهْتَمُّ أولا وأخيرا بِكَيْفِيَّةِ تَوْزِيعِها. إن الأَمْوالُ تَجْمَعُ لِتَسْتَهْلِكَ لا لِتَسْتَثْمِرَ. أَنَّ اِقْتِصادَ الغَزْوِ ثَرْوَةً جاهِزَةً تُؤْخَذُ لِتُوَزِّعَ عَلَى المُحارِبِينَ وَرِجالِ الدَوْلَةِ، أنه "اِقْتِصادُ دَوْلَةٍ " بِمَعْنَى أنه ثَرْوَةٍ تَتَصَرَّفُ بِها الجَماعَةُ الحاكِمَةُ. وَلَمّا كانَتْ هٰذِهِ الجَماعَةُ بَدَوِيَّةً، قَبْلِيَّةً فإنها بِحُكْمِ تَكْوِينِها وَعاداتِها، تَوَجَّهَ هٰذِهِ الثَرْوَةُ وِجْهَةَ الاِقْتِسامِ وَالاِسْتِهْلاكِ"(نحيل القارئ الى الفصل العاشر الأخير حيث القصة التي يرويها محمد اسد عن عبد العزيز) إن هٰذا النَوْعُ مِنْ "الكَسْبِ" أَوْ الإنتاج القائِمِ عَلَى الغَزْوِ، كانَ مسؤولا، فِي نَظَرِ اِبْنِ خَلْدُونَ، عَن النَمَطِ العامِّ لِلحَضارَةِ العَرَبِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ، سِياسِيّاً وَاِجْتِماعِيّاً وَعِمْرانِيّاً وَثَقافِيّاً (الجابْرِيّ ص 265-266) لَقَدْ أسهبنا فِي طَرْحِ وَمُناقَشَةِ دِراسَةِ الجابْرِي عَن اِبْنِ خَلْدُونَ نَظَراً لأهميتها فِي مَوْضُوعِنا، بَلْ وَجَعَلناها مَدْخَلٌ آخر لِمُناقَشَةِ أفكار اِبْنِ خَلْدُونَ خاصَّةً فِيما يَتَعَلَّقُ بِالعَصَبِيَّةِ، وانْ بَيَّنَت أَحْياناً عَدَمَ الاِتِّفاقِ مَعَ وُجْهاتِ نَظَرِهِ وَتَحْلِيلاتِ الجابْرِي، وَاِسْتَخْدَمنا الفَقْرَةَ فِي إثارة الكَثِيرِ مِن المَوْضُوعاتِ ذاتِ العَلاقَةِ، إلا أَنَّ دِراسَةَ الجابْرِي تَبْقَى واحِدَةً مِن الدِراساتِ المُعاصِرَةِ المهمة عن فِكْرَ اِبْنِ خَلْدُونَ خاصَّةً، وأنها كَما شاهَدْنا تَتَناوَلُ العَصَبِيَّةَ الَّتِي تُعَدُّ الحَجَرَ الأَساسَ فِي دِراساتِ اِبْنِ خَلْدُونَ لِلبِداوَةِ فِي عَلاقَتِها وتأثيرها عَلَى الدَوْلَةِ، وَهُوَ ما يعيننا اليَوْمَ لِفَهْمِ وَتَفْسِيرِ طَبِيعَةِ السُلْطَةِ خاصَّةً فِي البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ
#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
محمد عابد الجابري عصبية ابن خلدون الجزء الاول
-
ساطع الحصري وابن خلدون
-
العصبية القبلية عند البدو
-
أبن خلدون ومقدمته الجزء الثاني
-
ابن خلدون ومقدمته الجزء الاول
-
البدو
-
الحواضر اليمنية الشمالية الجزء الاخير
-
الغساسنة آل جفنة
-
المناذرة والغساسنه الجزء الاول
-
دولة تدمر
-
الحواضر العربية الشمالية
-
الجزء الثالث المدنيات العربية
-
الجزء الثاني من المدنيات العربية
-
المدنيات العربية
-
العرب قبل الاسلام (2)
-
العرب قبل الاسلام الحواضرالعربية
-
من يحكمنا
-
الاسلام والبداوة
-
الأمن الوطني العراقي يصادر كتابي -البدو والإسلام جذور التطرف
...
-
أخسر صفقة من أبي غبشان
المزيد.....
-
منظمة التعاون الإسلامي تدين وتحذر من استمرار إغلاق الاحتلال
...
-
ماني نجم النصر وزوجته يشاركان في تنظيف المسجد النبوي
-
-الغرب المسيحي اليهودي-.. الأسطورة التي خلقت الدعم الأمريكي
...
-
الإخوان المسلمون بعد خامنئي
-
القضية الفلسطينية والثورة الإسلامية الإيرانية
-
تحالف السلطة والحرب في السودان.. البرهان والإسلاميون وإيران؟
...
-
حرس الثورة الاسلامية: أمن الحدود الغربية والشمالية الغربية ل
...
-
حرس الثورة الاسلامية: أمن الحدود الغربية والشمالية الغربية ل
...
-
تايمز أوف إسرائيل: الملاجئ في إسرائيل لليهود ولا عزاء للعرب
...
-
النيابة العامة الليبية تكشف كواليس اغتيال سيف الإسلام القذاف
...
المزيد.....
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|