أميمة البقالي
(Oumaima Elbakkali)
الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 09:14
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
يأتي شهر رمضان كل عام حاملاً معه معاني السكينة والروحانية والتقرب إلى الله. إنه شهر الصيام والقيام والقرآن والتكافل الاجتماعي. غير أن المتأمل في واقع المجتمعات الإسلامية اليوم يلاحظ مفارقة واضحة بين المعنى الحقيقي لهذا الشهر الكريم وبين الممارسات اليومية التي أصبحت تميزه في كثير من الأحيان.
ففي الوقت الذي شُرع فيه الصيام ليكون مدرسة لتربية النفس وضبط الشهوات، تحوّل رمضان عند فئات واسعة من الناس إلى موسم استهلاكي بامتياز. تشير العديد من الإحصاءات في عدد من الدول الإسلامية إلى ارتفاع كبير في نسب الاستهلاك الغذائي خلال هذا الشهر، وكأن الصيام أصبح مقدمة لولائم كبيرة بدل أن يكون تدريباً على الاعتدال.
إن المفارقة هنا تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف لشهر يُفترض أن يعلّم الإنسان الصبر والزهد أن يتحول إلى موسم للإفراط والتبذير؟
تزدحم الأسواق قبل رمضان وخلاله بشكل غير مسبوق، وتكثر العروض التجارية التي تستغل هذا الشهر لتحقيق أرباح أكبر. ويجد كثير من الناس أنفسهم ينفقون أموالاً أكثر مما يفعلون في باقي أشهر السنة، رغم أن الصيام يفترض أن يقلل الاستهلاك لا أن يضاعفه.
ولا يقتصر الأمر على الطعام فقط، بل يمتد إلى نمط الحياة بشكل عام. فبدل أن يكون رمضان موسماً للقراءة والتأمل والعبادة، أصبح لدى البعض موسماً للسهر الطويل أمام الشاشات ومتابعة المسلسلات والبرامج الترفيهية التي تُعرض خصيصاً في هذا الشهر. وتتحول ساعات الليل أحياناً إلى امتداد للنهار في الاستهلاك والترفيه، بينما تضيع فرصة استثمار هذا الوقت في ما هو أسمى وأعمق.
ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن الجانب الاجتماعي في رمضان ما زال يحتفظ بجزء من روحه الأصيلة. فموائد الإفطار الجماعية، ومبادرات التضامن مع الفقراء، وحملات التبرع والمساعدة، كلها مظاهر إيجابية تعكس روح التكافل التي يرسخها هذا الشهر. غير أن هذه المبادرات تحتاج إلى أن تكون أكثر استدامة، بحيث لا تقتصر على رمضان فقط بل تمتد طوال العام.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمعات الإسلامية اليوم هو إعادة التوازن إلى مفهوم رمضان. فليس المطلوب إلغاء مظاهر الفرح أو التجمع العائلي، بل إعادة الاعتبار للجوهر الروحي للشهر. الصيام في حقيقته ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تجربة أخلاقية وإنسانية عميقة تهدف إلى تهذيب النفس وتعزيز قيم التعاطف مع الآخرين.
ولعل أول خطوة في هذا الاتجاه هي الوعي بأن رمضان ليس موسماً للاستهلاك بل فرصة للمراجعة الذاتية. فالمجتمع الذي ينجح في استعادة المعنى الحقيقي للصيام سيكون قادراً على تحويل هذا الشهر إلى محطة تربوية تعيد ترتيب الأولويات وتمنح الإنسان فرصة حقيقية للتغيير.
#أميمة_البقالي (هاشتاغ)
Oumaima_Elbakkali#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟