أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العراق بين رايتين… حين يصبح حب الوطن تهمة.














المزيد.....

العراق بين رايتين… حين يصبح حب الوطن تهمة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 03:45
المحور: قضايا ثقافية
    


في الأزمنة المكسورة تختلط المعاني حتى يفقد الوطن اسمه، ويصبح الانتماء إليه جريمة تستوجب الاتهام، وكأن العراق الذي كان يوماً مهد الحضارات، صار فجأة ساحة محاكمة لكل من يرفع علمه فوق كتفيه. فالغريب في هذه الأرض أن من يحب العراق يُتهم بأنه عميل وصهيوني وإرهابي،بينما يُمنح صك البراءة والولاء لمن يسبّح بحمد إيران ويقدّس عمائم الملالي. هكذا تنقلب المقاييس في زمن التيه، ويصبح الوطن مجرد تهمة ثقيلة يحملها من بقي وفياً لترابه، فيما يتحول المتعلقون بحبال الخارج إلى أوصياء على ضمائر الناس وتاريخ البلاد.إن المأساة العراقية ليست مجرد صراع سياسي عابر، بل هي مأساة في تعريف الوطن نفسه. فمنذ أن تمددت الأيدي القادمة من خلف الحدود، لم يعد العراق يُدار بوصفه وطناً لجميع أبنائه، بل صار أشبه برقعة شطرنج تتحرك فوقها القطع وفق حسابات لا علاقة لها بوجع العراقيين ولا بتاريخهم ولا بدموع أمهاتهم. وهنا تبدأ الحكاية المؤلمة،حكاية بلدٍ يتعرض للتشويه كل يوم باسم الدفاع عنه، ويُنهب كل يوم باسم حمايته، ويُقسّم كل يوم باسم إنقاذه.لم يكن العراق يوماً أرضاً للعبيد ولا تابعاً لأحد، فهذه البلاد التي ولدت فيها أولى الشرائع وارتفعت فيها أولى المدن لم تكن بحاجة إلى وصيّ يعلّم أبناءها معنى الانتماء. لكن الزمن الرديء صنع طبقة من الأصوات التي تعيش على فكرة أن العراق لا يستطيع الوقوف إلا تحت ظل دولة أخرى، وكأن حضارة عمرها آلاف السنين تحتاج إلى وصاية فكرية وعسكرية من نظامٍ غارقٍ في أزماته الداخلية. وهكذا بدأ التزييف الكبير، حين قُدِّم التدخل الخارجي بوصفه خلاصاً، وجرى تسويق الهيمنة على أنها حماية.وفي مدن العراق التي حملت على كتفيها أثقال الحروب والاحتلالات، بقيت الذاكرة تنزف.الموصل التي كانت بوابة الشمال تحولت إلى مدينة تعبر فوقها الجيوش والشعارات المتناقضة، والأنبار التي كانت صحراء للكرامة أصبحت مسرحاً لصراعات لا تشبه أبناءها، وديالى التي عاشت قروناً من التنوع تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات، وكركوك التي كانت مرآة العراق صارت عقدة تتجاذبها الأجندات، أما بغداد، تلك المدينة التي علمت العالم معنى الدولة، فقد وجدت نفسها محاصرة بأصوات تتحدث باسمها بينما تسرق روحها.وفي كل تلك المدن،لم يكن الخراب مجرد نتيجة للحروب، بل نتيجة لعقيدة سياسية تقوم على تحويل العراق إلى ساحة نفوذ. فعندما تدخل العقائد السياسية إلى البلدان عبر فوهات البنادق لا تحمل معها إلا الخراب، وعندما تتحول الطائفية إلى مشروع حكم فإن أول ضحاياها هو الإنسان. وما جرى في مدن العراق لم يكن مجرد أخطاء عابرة،بل كان جزءاً من مشروع أكبر يقوم على إعادة تشكيل الهوية العراقية بحيث تصبح الهوية الوطنية ضعيفة أمام الولاءات العابرة للحدود.لكن الأخطر من التدخل نفسه هو أولئك الذين يبررونه. فالتاريخ يعلمنا أن الغزاة لا ينتصرون بقوتهم فقط، بل بأصوات المدافعين عنهم من داخل البلاد. وهؤلاء هم المأساة الحقيقية، لأنهم لا يكتفون بالصمت، بل يحاولون تحويل الكارثة إلى فضيلة، ويحاولون إقناع الناس بأن الخراب قدرٌ لا مفر منه، وأن الولاء للخارج هو الطريق الوحيد للبقاء.إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس سياسياً فقط، بل أخلاقي أيضاً: لماذا يدافع بعض الناس عن مشروعٍ لا يخدم وطنهم؟ ولماذا يتحول العراق في خطابهم إلى مجرد أرضٍ قابلة للمقايضة؟ ولو كان حب إيران فضيلة كما يدّعون، فلماذا لا يذهبون إليها ويعيشون في ظلها؟ لماذا يبقى العراق هو المكان الذي يأكلون من خيراته بينما يهاجمون أبناءه ويشككون في وطنيتهم؟ أليس هذا تناقضاً يكشف أن القضية ليست حب دولة أخرى، بل كراهية فكرة الوطن نفسه؟
إن الوطن ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هو عقد أخلاقي بين الإنسان وأرضه. ومن يخون هذا العقد لا يستطيع أن يختبئ طويلاً خلف الشعارات. فالعراق، رغم كل ما مرّ به،ما زال يحمل في داخله روحاً لا تموت.هذه الروح هي التي جعلت العراقيين يصمدون في وجه الحروب والاحتلالات والديكتاتوريات، وهي نفسها التي ستجعلهم يوماً ما ينهضون من تحت ركام الطائفية.فالعراق لم يكن يوماً تابعاً ولن يكون، لأن التاريخ لا يكتب بأقلام الميليشيات ولا ببيانات الولاء للخارج، بل يكتبه أولئك الذين يدافعون عن فكرة الوطن حتى وهم مطاردون ومتهمون. وهؤلاء هم الحقيقة التي يخشاها الجميع، لأنهم يذكرون العالم بأن العراق ليس ساحة نفوذ، بل وطنٌ حيٌّ ما زال يقاوم.وسيأتي يوم يُعاد فيه تعريف الأشياء بأسمائها الحقيقية، يوم يصبح حب العراق فضيلة لا تهمة، ويوم يفهم الجميع أن الأوطان لا تُدار من خلف الحدود، وأن التاريخ لا يرحم الذين باعوا بلادهم مقابل وهمٍ سياسي عابر. ففي النهاية،كل الإمبراطوريات التي حاولت ابتلاع العراق ذابت في رماله، وبقي العراق واقفاً، جريحاً نعم، لكنه حيّ، لأن الأرض التي أنجبت الحضارة لا يمكن أن تموت.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يتعب الطغيان من حمل بندقيته.
- سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.
- العالم على حافة نظام دولي جديد .
- العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟
- وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .
- سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .
- حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة
- جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس
- أنا غائب عن النفوس
- مكبُّ القلوب
- نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى
- على تخوم الغياب


المزيد.....




- حرب إيران ترفع أسعار الوقود بأمريكا لأعلى مستوى في 11 شهرًا. ...
- ترامب يعلق على تقارير حول تسليح قوات كردية للقتال في إيران
- ترامب يحمل إيران مسؤولية استهداف مدرسة البنات بسبب -ذخائرها ...
- حرب إيران وأوروبا الحائرة.. بين ضغوط واشنطن ومخاوف من تداعيا ...
- احتجاجات في لندن رفضا لانخراط بريطانيا في الحرب على إيران
- إسرائيل تستهدف خزانات وقود بطهران والحرس الثوري يقصف مصفاة ح ...
- الحرس الثوري: مستعدون لحرب واسعة لستة أشهر بالوتيرة ذاتها
- تناقض وصراع داخل هرم السلطة في إيران
- ترامب: لا توجد أي مؤشرات على أن روسيا تساعد إيران
- السعودية تعلن إسقاط 8 مسيّرات إيرانية


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العراق بين رايتين… حين يصبح حب الوطن تهمة.