|
|
كيف يفكر الكاوبوي؟!
سامي عبد العال
الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 02:49
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
حدثَ أنْ كشفت وثائق الويكليكس" العقل الأمريكي الحربي" متلبساً بالتجسس وحياكة المؤامرات التي مُورست في أغلب أرجاء المعمورة. إذْ حرص على أنْ يُبقي ثروات العالم تحت سيطرته متطلعاً إلى المصالح والصفقات الاقتصادية. عقل الكاوبوي" عقل قنّاص " للفرص مصوّباً خداعه لخطف الأرباح وإنْ لم يكن له أيُّ حق فيها.
التاريخ لا يكذب ولا يتجمّل، ولكنه قد يتواطأ إلى حد اللعنة بحكم غلبة المرويات المنتصرة وتزييف الأحبار السرية التي يُكتب بها. ومن جانبٍ آخر، حين يريد التاريخ الافضاء، فقد يمثل أزمنةً حادةً من التعرية المتواصلة. التاريخ كتابٌ مفتوح على مصراعيه، ليقرأ المتابع ما يشاء من خفايا، وكيف يكون التراث الحربي للقوى الكبرى فاضحاً.
أسلوب الهيمنة الأمريكية واحد رغم مرور العصور السياسية المتعاقبة، حتى باتت أمريكا نموذجاً للقوى المنتهكة للقوانين والعلاقات الدولية. ولم يعد أمام العالم إلاَّ التكتل في محاور وعلاقات تحفظ عليه بقايا سيادته. أخطر ما في النموذج الأمريكي هو البحث المتواصل عن الاستقطاب، لم يترك دولة وشأنها الحر، فهو يرسم خرائط النفوذ طوال الوقت. يضع الكرة الأرضية تحت مجساته العسكرية وأسلحته بعيدة المدى. فلا يوجد حدث عالمي خارج اهتماماته، لأنه يعتني بكل صغيرةٍ و كبيرةٍ على الكوكب طبقاً لمؤشرات قوته القصوى. وأعطى لنفسه حق التدخل بحسب مصالحه دون إذن الهيئات الدولية. لم تخطئ له مصلحةٌ يوماً ما في تحريك الاحداث كما يُريد.
أمريكا سياسياً هي الذروة التي وصل إليها الغرب الكولونيالي بكل عتاده المعرفي والحربي. ليس هذا وحسب، ولكنها لم ترضَّ بما يُشبع الاستعمار من ابتلاع مناطق النفوذ على الكرة الأرضية، إنما وصل بها نهم الهيمنة إلى الهوس بصناعة الحروب والصراعات. المؤشر على ذلك أن ترامب غيّر اسم "وزارة الدفاع " الأمريكية إلى" وزارة الحرب" وكأنه جاء لهذا الهدف تحديداً.
التغيير يقول إنَّ الحرب ليست احتمالاً من بين احتمالات الصراع، ولكنها ستمثل واقعاً لا محالة. وسيتم جر كرة الاحداث إلى درجة الانفجار العسكري. أي من النهاية ستكون الحرب محتومةً من جانب القوة الأمريكية وما يرافقها من سياسات واستراتيجيات. منذ نقطة البداية، سيصبح كل صراع أو تنافس حربياً.
ليس بعيداً عن ذلك ما جرى من" ميتافزيقا الخراب البشري " في جزيرة جيفري ابستين، حيث عرّت مجتمعاً للنُخب الدولية مازال يعيش مع الاساطير والأشباح ويقدّس الشيطان ويأكل لحوم البشر. ليست جزيرة ابستين أرضاً مترامية الأطراف بين أمواج البحر، ولكنها "عقل دموي " يعيش في ظلام السياسة ممسكاً بيده خيوط" عرائس الماريونيت" فوق منصات السلطة هنا أو هناك. كل موقف وكل رئيس وكل مسئول زار جزيرة إبستين كان لمهمة سياسيةٍ معينةٍ. وتصب المهام في النهاية لخدمة المصالح الاسرائيلية الامريكية. جزيرة ابستين هي عقل الكاوبوي المتصهين والذي يجيد نصب الفخاخ وإدارة الاحداث بالفضائح وتدبير المكائد والدسائس. لا انفصال بين تاريخ الصهيونية وتاريخ الكهوف الدموية على غرار جزيرة ابستين.
لم تكُّن مشاهد جيفري إبستين خبط عشواء، لقد جمعت بين رموز السياسة ولصوص الاقتصاد وهياكل الدين وخدّام الآلهة وتجّار الموت ومصاصي الدماء. كل ذلك نقل الممارسات الشاذة التي تطايرت أخبارها إلى جميع أصقاع الأرض. وتبين أنها ممارسات أخذت شكل الطقوس والاعمال المقدسة لأغراض وقحة. طبقاً للوثائق التي زادت عن ثلاث ملايين وثيقة تركها جيفري ابستين، بدت الجزيرة معبداً للشرور في العالم. لا قانون، لا اخلاقيات، لا حدود بين الواقع والخيال، الأسرار فضائحية أكثر من الوقائع. جاءت الجزيرة عنواناً للغموض بدءاً من وجودها المجهول مروراً بالطقوس التي يمارسها رواد الجزيرة وليس انتهاءً بصاحبها الذي صعد نجمه كأنه جاء من سماوات سحرية!!
أما خلال الأوقات الراهنة، فالحرب " الأمريكية – الاسرائيلية " على ايران دليل أنَّ كل ما سبق ليس مصادفةً، ولكنه عمل مقصود للحفاظ على اسرائيل. هذه " المحمية الصهيونية الأمريكية " وسط الرمال السياسية المتحركة العاصفة بالشرق الأوسط. مشهد الحرب بين الغرب الصهيوني وبلاد فارس بعث خريطة العالم السياسي اللاهوتي مرة أخرى. كان ترامب الاسرائيلي يرى في نظام الحكم الايراني القائم على عقيدة التشيُّع أخطر أصناف الأنظمة السياسية. لأنه جعل من الحروب عقيدةً. أي كان ترامب يدرك أن حروب العقائد المسيّسة لا يوازيها إلاَّ عقائد مسيسة بالمثل. فلم يستطع ترامب اختراق جدار امبراطورية فارس العازل، ولم يتمكن من فرض سطوته عليها.
كل حروب آتية إلى حتف اصحابها إذا كانت لاهوتية بهذه الطريقة. الحروب في أساسها لاهوت ضل طريقه إلى السياسة وهي سياسة استقرت في أضابير اللاهوت. إراد ترامب أن يضيف لاهوتاً حربياً أمريكياً مقابل لاهوت فارس الحربي. أما اسرائيل، فلا ينقصها لاهوت حربي، فهي مستعمرة لاهوتية حتى النخاع، كل تفاصيل وجودها غارقة ومنقوعة في قاع لاهوت الحروب منذ عقود طويلة. الدولة الوحيدة التي تطاول أمريكا في لاهوت الصراع هي اسرائيل رغم المؤسسات العسكرية والسياسية الحداثية التي تتحصن فيها. جميع رؤساء اسرائيل عبارة عن أشباح لملوك بني اسرائيل. الطقوس الحربية والسياسية ذاتها هي ما يقفون عليها طوال الوقت، حتى الخطابات السياسية وشكل المشاهد للكيان الصهيوني إنما هي موروثات لاهوتية فات أوانها. وليست الصراعات الحربية التي ينغمس فيها العالم العربي بسبب اسرائيل إلا حفريات يهودية وصهونية قديمة.
ليس صحيحاً أن العلمانية مازالت تحمل الأنظمة الحربية الراهنة في عصر معلمن حتى النخاع. لكن الحروب لاهوتية بالضرورة بصرف النظر عن القوى التي تنخرط فيها. فهي عقيدة تحمل من يقوم بها على اسطرة وجوده. على الأقل أمام نفسه و تجاه مناصريه لكون الحرب تحتاج إلى مركزية القرار وإلى قدرة على الاعتقاد فيما نملك تجاه الآخرين. واللاهوت صبغة حربية تحتوي كل صراع داخلها لتعيد انتاجه بصورة شرسة. من هنا كان على أمريكا وقائدها الراهن ترامب أن يعلنا عن لاهوت الحرب تجاه إيران. أليست ايران تتحصن داخل لاهوت التشيع السياسي والثورة التي تصدرها للدول المجاورة وتحمل لواء محاربة الاستعمار. فلتكن أمريكا هي عقل الكاوبوي الذي يوازي لاهوتاً من نوع معاصر.
المشهد لم يكن يعوزه للتدليل على لا هوت الحروب إلاّ قساوسة انجيليون في البيت الأبيض لاقامة صلاة وقداس من أجل ترامب للانتصار في الحرب على ايران. حيث ظهر المشهد بمثابة شعيرة مقدسة وخليط بين السياسة والدين، كأنه أحد المشاهد المتأخرة للعصور الوسطى. دونالد ترامب يجلس إلى مكتبه في البيت الأبيض وهو مكتب قيادة العالم وادارة الصراعات ومناورات الحروب وعقد الصفقات على نطاق واسع. ترامب ينظر إلى المكتب الماثل أمامه كأنه ينتظر نزول الرب في المكان بينما يضع القساوسة العشرون أيديهم على كتفه. ومن لم يطل جسم ترامب يضع يده على أقرب قسيس إليه.
وفي صوت واحد يرددون عقب سماع صوت كبير القساوسة مناشداً الرب: " أُصلي من أن تحيط الرئيس بنعمتك وحمايتك. وأصلي من أجل أنْ تشمل نعمتك وحمايتك كل قواتنا ورجالنا ونسائنا الذين يخدمون في قواتنا المسلحة. يا آبانا نصلي من أجل أن تواصل منح رئيسنا القوة التي يحتاجها لقيادة أمتنا العظيمة وأن نعود أمة واحدة تحت راية الله، أمة غير قابلة للانقسام تنعم بالحرية والعدالة للجميع، ونصلي من أجل أن تفيض علينا من بركاتك".
السؤال: أي رب يصلون إليه هؤلاء القساوسة؟ هل هو رب خاص يطلبون منه النعمة والبركة للرئيس دونالد ترامب؟ الحرب بين فارس وأمريكا واسرائيل على أشدها عبر شاشات الاحداث في كل انحاء العالم. والأدق كيف وبأية ثقة يضعون كل آمالهم السياسية في سلة الرب الذي يناشدونه الاستجابه؟ هل الرب هو رب حربي يوزع هباته على قوات أمريكا فقط؟
مشهد القساوسة يعمد الرئيس ترامب كامبراطور لاهوتي سياسي في أكثر العصور تطوراً. وليس هناك من معنى لكون الرئيس في مؤسسة علمانية تمسح عليه الأيادي المقدسة طلباً للبركة والنعمة. إن شرور أمريكا الحربية قتلت آلاف البشر، حتى وإن واجهها تواجد عسكري فارسي أو غيره. والحماية والصيانة اللتان يطلبهما القساوسة لترامب ورجاله ونسائه إنما يحلان باللعنات على بشر آخرين. فهل قساوسة ترامب يطلبون اللعنات لغيرهم؟ ليس الرب هنا سوى الطائرات المسيرة التي تحلق بالموت في أجواء الشرق الأوسط. وجديدة هي مناشدة الرب الانجيلي مع الرب اليهودي فوق سماء ايران.
أية رايةٍ لله تلك التي يطلب القساوسة أن تكون تحتها أمريكا أمة واحدةً؟ أمريكا كقوى عظمى لم تحمل إلاَّ راية الاستعمار الغربي المبكر، ولم ترفع راية إلاَّ وبجانبها راية اسرائيل، يبدو أن رايات الرب توحدت عند خطوط الموروثات الحربية اللاهوتية الراهنة. والجديد أن الرب الانجيلي والرب التوراتي قد إجتمعا تحت سقف البيت الأبيض، وإلاَّ ما الذي يفسّر الحروب الأمريكية الاسرائيلية التي تعصف بكافة القيم والحقوق؟!
#سامي_عبد_العال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الاستعارات القاتلة (4)
-
الاستعارات القاتلة (3)
-
الاستعارات القاتلة (2)
-
الاستعارات القاتلة (1)
-
سلة مهملات كولونيالية
-
خبز ٌبدماء الإنسانية
-
إضاءة فلسفية .. ما الذي يجعل الجميل جميلاً؟
-
صوت فيروز .. الفناء والبقاء
-
اللغة... لحمُ الشُعراءِ
-
العقل والسلطة في الثقافة العربية
-
الكتابة ... الرؤية والزمن
-
تأويل النعال (8)
-
تأويل النعال (7)
-
تأويل النعال (6)
-
فلسفة النعال (5)
-
فلسفة النِعال (4)
-
فلسفة النِعال (3)
-
فلسفة النِعال (2)
-
فلسفة النِعال (1)
-
جنة الملعون
المزيد.....
-
منظمة التعاون الإسلامي تدين وتحذر من استمرار إغلاق الاحتلال
...
-
ماني نجم النصر وزوجته يشاركان في تنظيف المسجد النبوي
-
-الغرب المسيحي اليهودي-.. الأسطورة التي خلقت الدعم الأمريكي
...
-
الإخوان المسلمون بعد خامنئي
-
القضية الفلسطينية والثورة الإسلامية الإيرانية
-
تحالف السلطة والحرب في السودان.. البرهان والإسلاميون وإيران؟
...
-
حرس الثورة الاسلامية: أمن الحدود الغربية والشمالية الغربية ل
...
-
حرس الثورة الاسلامية: أمن الحدود الغربية والشمالية الغربية ل
...
-
تايمز أوف إسرائيل: الملاجئ في إسرائيل لليهود ولا عزاء للعرب
...
-
النيابة العامة الليبية تكشف كواليس اغتيال سيف الإسلام القذاف
...
المزيد.....
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|