أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان














المزيد.....

غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 14:49
المحور: قضايا ثقافية
    


ثمّة أرواحٌ تُولد وهي تحمل في صدرها ثقلَ الماضي وجلاله، تسير بين السطور كما يسير الزاهد بين معابده، لا يعبأ بالضجيج ولا يلتفت إلى البهرجة. غانم نجيب عبّاس واحدٌ من هؤلاء الندرة الذين يمشون على أرض التاريخ بخطى العارف المتأنّي، يستنطقون الوثيقة كما يستنطق الصوفيُّ حرفَ القصيدة، يُصغون إلى صوت الأجداد في ثنايا الأرشيف، ويُعيدون بناءَ ما انهدم بأمانة الجرّاح وحِرفة النحّات. وُلد غانم نجيب عبّاس في بغداد، تلك المدينة التي تتناثر في أزقّتها ذاكرةُ العالمين. لم تكن بغداد بالنسبة إليه مجرّد مسقط رأس، بل كانت النصَّ الأوّل الذي قرأه قبل أن يُصبح مؤرّخاً. في بساتينها وفي ضوضاء أسواقها وفي صمت دورها القديمة، تشكّلت بصيرته التاريخية. نشأ وهو يسمع حكاياتٍ تتراكم كطبقات الأرض الخصبة، فغدا لاحقاً ذلك الأستاذ البارع الذي يُفسّر هذه الطبقات بمشرط المنهج وفراسة المؤمن بقدسية الحقيقة.
يؤمن عبّاس، في أعماق وعيه المعرفي، بأنّ التاريخ ليس مجرّد تتابعٍ للأحداث وتسلسلٍ للتواريخ، بل هو نسيجٌ من الإرادات والمظالم والأحلام المكسورة والطموحات التي لم تكتمل. من هنا جاء اهتمامه العميق بالخلفية التاريخية للعراق منذ الحكم الاستعماري وصولاً إلى مراحل الدكتاتورية والحرب، يتناولها لا بالوصف السطحي بل بالحفر المضني في جذور الظاهرة وجذور الجذور. ما يُميّز غانم نجيب عبّاس عن سائر المشتغلين بالحقل التاريخي هو ذلك المزيج النادر بين الصرامة المنهجية والحساسية الإنسانية العالية. إنّه لا يكتفي بالبحث الأرشيفي وحده، وإن كان يُتقنه بمهارة المحقّق الذي لا تفوته شاهدة واحدة. بل يُغنيه بمقابلات التاريخ الشفوي، تلك الطريقة التي تعيد إلى الإنسان العادي حقّه في أن يكون شاهداً على عصره، لا مجرّد إحصاءٍ في جدول أو تفصيلةٍ في هامش كتاب. والتحليل المقارن عنده ليس تقنيةً باردة تُطبَّق على الوثائق بمعزل عن روحها، بل هو عمليّةٌ حيّة يُجري فيها حواراً بين الحوادث والسياقات، بين المحلّي والإقليمي، بين ما جرى وما كان ممكناً أن يجري. هذا النهج متعدّد الأوجه يُتيح له رسم صورة شاملة للعراق المعاصر لا تُختزل في طرفٍ دون آخر، ولا في صوتٍ واحد يدّعي امتلاك الحقيقة جملةً وتفصيلاً.
لا يُنكر ذو بصيرة أنّ غانم نجيب عبّاس قد أضاف إلى السرد التاريخي العراقي ما لم يكن فيه من قبل. اهتمامه الدقيق بالتفاصيل التي يُغفلها غيره، والتزامه بتقديم وجهات نظر متعدّدة بدلاً من الانحياز الأعمى لرواية بعينها، جعلا من كتاباته مرجعاً يصعب الاستغناء عنه لكلّ باحث يريد أن يفهم العراق المعاصر فهماً حقيقياً، لا مجرّد قراءةٍ سياسية عابرة. إنّ التفاعل العميق الذي يُقيمه بين الفلسفي والسوسيولوجي، وبين النظريات التاريخية الحديثة ومقتضيات البياء العراقي الخاص، هو ما يجعل قراءة عبّاس تجربةً فكريّة كاملة لا مجرّد استهلاكٍ للمعلومة. ثمّة أسئلةٌ تخرج بها من كتاباته لم تكن تعرف أنّك تحملها في داخلك، وثمّة يقينٌ يتزعزع ويتشكّل من جديد على أسسٍ أكثر رسوخاً.
لا يُعدّ المؤرّخ حقيقياً إن لم تُصوَّب إليه سهامُ الاعتراض. وغانم نجيب عبّاس ليس استثناءً من هذه القاعدة الأبديّة. ثمّة من العلماء من شكّك في تفسيراته لأحداث بعينها، ومن رأى في بعض مواقفه ميلاً تفسيرياً قد يُخلّ بتلك الموضوعية المُعلنة. غير أنّ هذا النقد، متى جاء بريئاً من الغرض وبعيداً عن التحامل، إنّما يؤكّد أنّ كتابات عبّاس حيّةٌ تُغيظ وتُحرّك وتستفزّ السائد، ولا شيء أدلّ على الحياة من استقطاب الجدل. إنّ الباحث الذي لا تنقده المدرسة المقابلة له هو الباحث الذي لم يقل شيئاً يستحقّ النقد. عبّاس يقول الكثير، ومن ثمّ يُنتقد الكثير، وهذا شرفٌ من نوعٍ خاص لا تُسبغه إلّا مجازفة الفكرة الجريئة والموقف الصريح.
مهما تقلّبت آراء الأكاديميين وتجاذبتهم مدارس التفسير المتنافسة، يظلّ إرث غانم نجيب عبّاس راسخاً في تربة التأريخ العراقي كالنخلة في أرضها. بحثه الرائد لا يزال يُشكّل فهمَنا للعراق المعاصر ويُلهم الأجيال القادمة من المؤرّخين على التعمّق أكثر في هذا الموضوع الذي لا تنضب أسراره ولا تنتهي وجوه قراءته. هو قاريءٌ بامتياز، كما يُحبّ أن يُعرَّف عن نفسه، لا تغرّه ألقاب الاختصاص ولا تُبهره الرتب الأكاديمية ما دامت الصفحةُ أمامه بيضاء تنتظر ما يمنحها من روحٍ وما يُودعها من معنى. في هذا القاريء الحصيف تجد مؤرّخاً يعمل لا ينشد سوى الاتقان، كاتباً لا يُغويه سهلُ الكلام ولا يطمئنّ إلى معلّب الأفكار. وفيّ لبغداد وفاءَ من يعرف أنّ للأوطان حكاياتٍ لم تُروَ بعد، وأنّ للتاريخ حقّاً على أبنائه أن يُنصفوه ويُنصفوا أنفسهم فيه.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...


المزيد.....




- الكويت: مقتل ضابطين أثناء تأدية واجبهما
- كلامٌ أسيئ تفسيره.. الرئيس الإيراني يتهم -العدو- بتحريف تصري ...
- -مطرٌ أسود- فوق طهران.. سماء العاصمة الإيرانية تهطل نفطاً بع ...
- أنباء عن توصل مجلس خبراء القيادة الإيراني إلى توافق بين الأغ ...
- بعد إعلان إيران قصفها مرتين.. أين تقف حاملة الطائرات أبراهام ...
- رواية طفلة من تحت الأنقاض.. ماذا حدث بقصف مدرسة -شجرة طيبة- ...
- هل أصبحت الساحة اللبنانية جبهة رئيسية في الحرب؟
- معركة -الأعلى مشاهدة- في دراما رمضان.. من يحسمها حقا؟
- مدير أوبن إيه آي: لا نتحكم في استخدام البنتاغون للذكاء الاصط ...
- لقطات لإعصار يدمر مبان في ميشيغان الأمريكية.. وسائق يوثق الم ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان