أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق















المزيد.....

عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 14:49
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست سيرةُ بعض العلماء مجردَ سردٍ للدرجات العلمية أو للمناصب الأكاديمية، بل هي قصةُ روحٍ صبورةٍ شقّت طريقها بين المعرفة والوفاء. ومن هذا النمط من السير تبرز شخصية الأستاذ الدكتور عبد الجواد عبد الحسن علي زغير البيضاني، بوصفه نموذجًا للعالم الذي لا يُعرَّف بشهاداته فحسب، بل بما يتركه من أثرٍ أخلاقيٍ ومعرفي في تلامذته وقرائه. فالعلم، في مثل هذه النماذج، لا يُقاس بعدد الكتب فقط، بل بما يصنعه من إنسانٍ متوازنٍ بين العقل والضمير، بين الدرس الأكاديمي والإخلاص الصامت للغة القرآن. ينتمي عبد الجواد البيضاني إلى أسرةٍ يختلط فيها العلم بالتضحية، فقد كان والده الشيخ الشهيد عبد الحسين صغيّر البيضاني واحدًا من أولئك الرجال الذين لم تُثنهم قسوةُ الزمن عن الثبات على المبدأ. وهكذا نشأ الابن في بيتٍ لم يكن العلم فيه مجرد طريقٍ للترقي الاجتماعي، بل رسالةً أخلاقيةً تتصل بفكرة الكرامة والصدق. في مثل هذا المناخ يتشكل الوعي الأول للإنسان، حيث يتعلم منذ طفولته أن المعرفة ليست ترفًا فكريًا، بل موقفٌ من العالم، وأن الكلمة قد تكون أحيانًا أبلغ من أي قوةٍ أخرى. ومن هنا يمكن فهم المسار العلمي الذي اختاره البيضاني، إذ اتجه إلى دراسة اللغة العربية بوصفها ميدانًا يجمع بين التراث والبحث العقلي. فالعربية ليست مجرد أداة تواصل، بل هي وعاءٌ حضاريٌّ تتراكم فيه قرونٌ من الفكر والبلاغة والعلوم. ولذلك فإن التخصص في هذا الحقل يقتضي صبرًا طويلًا، ووفاءً عميقًا للنصوص، وقدرةً على قراءة التراث قراءةً نقديةً لا تخلو من الجرأة العلمية.
بدأت رحلته الجامعية في جامعة الكوفة، حيث حصل على شهادة البكالوريوس، وهناك تفتحت أمامه آفاق الدرس اللغوي الكلاسيكي، بما فيه من عنايةٍ دقيقةٍ بقواعد النحو والصرف والبلاغة. والكوفة، بما تحمله من تاريخٍ علميٍّ عريق، كانت دائمًا بيئةً خصبةً لتكوين الباحثين في علوم العربية، إذ يتجاور فيها الإرث اللغوي القديم مع الأسئلة الحديثة حول اللغة والدلالة والنص. لكن مسار العلم لا يقف عند حدود الشهادة الأولى. فقد شدّ البيضاني رحاله إلى جامعة السابع من أبريل في ليبيا ليكمل دراساته العليا، وهناك نال درجة الماجستير. وكان هذا الانتقال بين البيئات الأكاديمية تجربةً غنيةً أتاحت له أن يطّلع على مدارس مختلفة في البحث اللغوي، وأن يختبر قدرة النص العربي على أن يكون موضوعًا للحوار العلمي عبر الجغرافيا العربية كلها. فالعلم، في جوهره، لا يعرف الحدود الضيقة، بل يتغذى من التنوع الفكري ومن تبادل الخبرات بين الجامعات والباحثين. ثم عاد إلى العراق ليكمل رحلته العلمية في جامعة الكوفة، حيث نال شهادة الدكتوراه في تخصص اللغة العربية. ومع هذه المرحلة اكتمل البناء الأكاديمي الذي يؤهل الباحث لأن يدخل ميدان التدريس الجامعي بوصفه أستاذًا وباحثًا في آنٍ واحد. فالجامعة لا تحتاج إلى ناقلٍ للمعرفة فحسب، بل إلى عقلٍ قادرٍ على إنتاجها وإعادة النظر في مسلماتها.
ولم يكن البيضاني من أولئك الأساتذة الذين يكتفون بالشرح التقليدي للنصوص. فقد انشغل منذ وقتٍ مبكر بالسؤال النقدي حول التراث النحوي، وبخاصةٍ ما يتصل بتفسير النص القرآني. ويتجلى ذلك في كتابه "مآخذ المعربين على قواعد النحويين في تفسير البحر المحيط"، وهو عملٌ يكشف عن حسٍّ نقديٍّ دقيقٍ في التعامل مع التراث اللغوي. ففي هذا الكتاب لا يكتفي الباحث بعرض آراء النحاة، بل يحاول أن يتتبع مواضع الاختلاف بينهم، وأن يدرس أثر هذه الاختلافات في فهم النص التفسيري. والحقيقة أن مثل هذه الدراسات تمثل أحد أهم ميادين البحث في علوم العربية، لأنها تعيد فتح الحوار بين النحو والتفسير، بين القاعدة اللغوية والنص القرآني. فاللغة، في هذا السياق، ليست مجرد نظامٍ شكليٍ للقواعد، بل أداةٌ لفهم المعنى القرآني، وهو ما يفرض على الباحث أن يكون دقيقًا في تحليله، حذرًا في استنتاجاته، وفي الوقت نفسه شجاعًا في طرح الأسئلة. وقد واصل البيضاني عمله الأكاديمي في جامعة أهل البيت عليهم السلام، حيث عمل أستاذًا في قسم اللغة العربية، وأسهم في تدريس أجيالٍ من الطلبة الذين وجدوا في دروسه مثالًا للأستاذ الذي يجمع بين الصرامة العلمية والروح الإنسانية. فالطالب، في كثيرٍ من الأحيان، لا يتذكر كل ما تعلّمه من قواعدٍ أو مصطلحات، لكنه يتذكر دائمًا ذلك الأستاذ الذي كان يزرع في داخله احترام المعرفة.
ومن الصفات التي يذكرها طلابه وزملاؤه عنه صفة الصبر، وهي صفةٌ نادرةٌ في زمن السرعة. فالبحث اللغوي يحتاج إلى نفسٍ طويل، لأن التعامل مع المخطوطات والنصوص القديمة يتطلب دقةً في القراءة وتحقيقًا في المصادر. والصبر هنا ليس مجرد فضيلةٍ أخلاقية، بل شرطٌ معرفيٌّ لا غنى عنه لأي باحثٍ جاد. أما الصفة الثانية فهي الاجتهاد، وهو اجتهادٌ يتجلى في الاستمرار في البحث والكتابة حتى بعد سنواتٍ طويلةٍ من العمل الجامعي. فالعالم الحقيقي لا يتقاعد من المعرفة، لأن المعرفة بالنسبة إليه ليست وظيفةً زمنيةً، بل أسلوب حياة. ولذلك فإن مرحلة التقاعد الأكاديمي، في مثل هذه الشخصيات، لا تعني نهاية العطاء، بل قد تكون بدايةً لمرحلةٍ أكثر هدوءًا وتأملًا في الكتابة والبحث. لكن ما يميز شخصية البيضاني، كما يروي المقربون منه، هو المحبة الغامرة للغة العربية. فهذه اللغة ليست بالنسبة إليه موضوعًا للدراسة فحسب، بل فضاءً روحيًا يعيش فيه. ومن يعرف العربية يعرف أنها لغةٌ تتطلب من عاشقها إخلاصًا كبيرًا، لأنها لغةٌ دقيقةٌ في تراكيبها، عميقةٌ في دلالاتها، لا تمنح أسرارها بسهولة. ولعل هذا الإخلاص هو الذي قاده إلى التخصص في الدراسات القرآنية من زاويةٍ لغوية. فالقرآن الكريم يمثل الذروة النصية للعربية، ومن هنا فإن دراسته لغويًا تعني الوقوف أمام نصٍّ تتشابك فيه البلاغة بالنحو، والدلالة بالسياق، والتاريخ بالمعنى. ولا يستطيع الباحث أن يقترب من هذا النص إلا إذا كان مسلحًا بثقافةٍ لغويةٍ واسعة، وبقدرٍ كبيرٍ من الأمانة العلمية.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأسماء الأكاديمية وتتنافس فيه الألقاب، يبقى معيار القيمة الحقيقية للعالم هو الصدق. والصدق هنا لا يعني فقط النزاهة في البحث، بل يعني أيضًا الصدق مع الذات ومع الرسالة العلمية. وقد استطاع البيضاني أن يحافظ على هذا المعنى عبر سنواتٍ طويلةٍ من العمل، فظلّ مثالًا للأستاذ الذي لا يتعامل مع العلم بوصفه سلطةً، بل بوصفه خدمةً للحقيقة. وهكذا يمكن القول إن سيرة عبد الجواد البيضاني ليست مجرد سيرةٍ أكاديميةٍ تقليدية، بل هي قصةُ إنسانٍ جمع بين الأصل الكريم والعلم الرصين. فقد ورث من أبيه روح الثبات، واكتسب من رحلته العلمية صبر الباحث ودقة اللغوي، ثم صاغ من ذلك كله شخصيةً أكاديميةً متوازنة. إن مثل هذه الشخصيات تذكّرنا بأن الجامعة ليست مباني وقاعاتٍ فقط، بل هي قبل ذلك ذاكرة بشرية يصنعها الأساتذة الذين يهبون حياتهم للمعرفة. فالأستاذ الحقيقي لا يكتفي بتعليم القواعد، بل يعلّم طلابه كيف يحبون العلم، وكيف يحترمون اللغة، وكيف يظلون أوفياء للحقيقة حتى في أصعب الظروف. وفي هذا المعنى يمكن النظر إلى عبد الجواد البيضاني بوصفه مثالًا للعالم الذي يمشي بهدوءٍ في طريق المعرفة، دون ضجيجٍ أو ادعاء. فهو من أولئك الذين يتركون أثرهم الحقيقي في النفوس لا في العناوين. وربما لهذا السبب يذكره من عرفوه بعباراتٍ بسيطةٍ لكنها عميقة: رجلٌ جمع بين الصبر والاجتهاد والمحبة. وهذه الثلاثية ليست مجرد صفاتٍ شخصية، بل هي جوهر كل مشروعٍ علميٍ أصيل. فالصبر يفتح باب المعرفة، والاجتهاد يرسّخها، والمحبة تمنحها معناها الإنساني. ومن يجمع هذه الصفات الثلاث يستطيع أن يترك خلفه سيرةً تستحق أن تُروى، لا بوصفها تاريخًا فرديًا فحسب، بل بوصفها درسًا في معنى الوفاء للعلم وللغة وللوطن.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور


المزيد.....




- الكويت: مقتل ضابطين أثناء تأدية واجبهما
- كلامٌ أسيئ تفسيره.. الرئيس الإيراني يتهم -العدو- بتحريف تصري ...
- -مطرٌ أسود- فوق طهران.. سماء العاصمة الإيرانية تهطل نفطاً بع ...
- أنباء عن توصل مجلس خبراء القيادة الإيراني إلى توافق بين الأغ ...
- بعد إعلان إيران قصفها مرتين.. أين تقف حاملة الطائرات أبراهام ...
- رواية طفلة من تحت الأنقاض.. ماذا حدث بقصف مدرسة -شجرة طيبة- ...
- هل أصبحت الساحة اللبنانية جبهة رئيسية في الحرب؟
- معركة -الأعلى مشاهدة- في دراما رمضان.. من يحسمها حقا؟
- مدير أوبن إيه آي: لا نتحكم في استخدام البنتاغون للذكاء الاصط ...
- لقطات لإعصار يدمر مبان في ميشيغان الأمريكية.. وسائق يوثق الم ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق