|
|
صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (5/6)
كمال محمود الطيارة
الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 14:48
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
صراعُ الألوان بين "حمراء" التّوراة و"صفراء" القرآن (5/6)
(ملحوظة: ورد في المقال السّابق "مصْفَرّاً اسم فاعل والصواب طبعاً اسم مفعول وعذراً)
إنّ الإجابة عن هذا السّؤال توجِبُ النّظرَ في عناصر الشّبكة اللّغويّة والمعرفيّة التي كانت تحكم المخيال العربي الجمعي آنذاك ولَزِمَ عنها هذا التّحول الظاهري في لون البقرة
أ ـ التداخل اللوني رأينا في فقرة سابقة أنّ العربيّ استقصى ألوانه من الطّبيعة المحيطة به وفيها الحيوان والنبات والجماد والانسان فكانت الخُلْطَة في هذه الألوان الطَّبيعيّة شائعة والخُلْصَةُ نادرة وسَمَّوْا الأشياء بألوانها لغلبتها فيها أو لِنُدْرَةٍ تميّزُها فصُفْرُ الإبل مثلاً ليست خالصةً الصُّفرةِ في الأغلب وإنّما هي مشربةٌ بسوادٍ أو بحُمرة ولكنّ الصُّفرة فيها غالبة وحُمْرُ النِّعم كذلك فالحُمرةُ فيها غالبة والإبلُ السّود فيها صُفرةٌ خفيفة والسّواد غالب فسمّوا هذه الإبل بألوانٍ غلبت فيها ومن جهة النّدرة في اللون فقد سَمَّوْا "الأُدْمُ" من الظِّباء تلك البيضاءُ في مُجملها ولكن يعلوها جُدُدٌ فيها غُبرة (خطوط دقيقة داكنة) فكان اسمها (الأُدْمُ) إشارة إلى ما فيها من هذه الجُدُدِ تميّزُها رغم صِغّر مساحتها نسبيّاً بالنّسبة إلى اللون الأبيض الطّاغي عليها وهكذا قام نظام الألوان عند العرب على الملموس والمرئي بالعين المجرّدة في بيئتهم وانعكاسات الضّوء عليها وعلى التداخل بين الألوان فلم يتوصّلوا في وصفهم الألوانَ إلى الألوانِ مجرّدة ومحدّدة في ماهيتها كما نراها اليوم في ألوان "الطّيف المرئي" فهم قلّ ما عرفوا الخالص من الألوان فهذه عندهم لم تكن خالصة بل غالباً مَشُوبَة بألوان أخرى وكان أكثر الألوان تقارباً في ما بينها و تداخلاً واقعيّاً في المحسوس لديهم خصوصاً خَلَلَ الأصباغ التي عرفوها الأحمر والأصفر
فقد شاعت الأصباغ الطّبيعيّة الخاصّة بهذين اللونين في أشعارهم ومنها الزعفرانُ مسحوقه أحمر وصِبْغُه أصفر والعِظْلِمُ وهو صِبْغٌ أحمرُ من عصارة شّجر لونه كالنّيل أخضر إلى الكُدرة وماء الصّبغ لونه غير ثابت ومتدرّج بين الأحمر والأصفر يختلف باختلاف كثافة النّقع ومدة الاستعمال والوَرْسُ شيء أصفر مثل اللطخ يخرج على الرّمث بين آخر الصّيف وأوّل الشّتاء إذا أصاب الثّوب لوّنه أصفرَ وارِسٌ أي شديد الصُّفرة والكثرة منه تجعلُ المصبوغ إلى الحُمرة أقرب فهو في الأصل صبغ أصفر مائل إلى الحمرة والعُصفُر هذا الذي يُصبَغُ به منه ريفي ومنه برّيّ وكلاهما نبتٌ بأرض العرب وكلّما اشتدّ زادت حُمرته وهاكم جملة من الشّواهد يرِدُ فيها هذان اللونان الأحمر والأصفر والأصباغ الملحقة بهما متقاربان أو متداخلان (وهذا شائعٌ في الثّقافات السّاميّة القديمة وموثّق في نّصوص ونّقوش) الأعشى كأنّ مشافِرَها صُفرٌ مُصَبَّغّةٌ من الزّعفران أو دُهناً من الذّهبِ (شَفَتا النّاقة صفراوان ولكن ليس صُفرة طبيعيّة باهتة بل صُفرة مُشْبَعَة تقرب من الحُمرة كما لو أنّها صُبغّت بالزّعفران أو طُليَت بماء الذّهب والذّهب هنا نُعِتَ بالأصفر)
الأعشى وراحٍ كأنّ لونها وَرْسُ كقرن الشّمس في الصّحْوِ (خمر أصفر بلون الورْس كلون قُرص الشمس في سماء صافية الورْسُ يُحْملُ غالباً على الأصفر)
الأعشى توقِدُ بالنارِ طيبَ اللّبانِ فيفوحُ اَحمَرَ مثل الشُّعاع (المُرّ واللبان من أصناف البخور الغالية الثّمن ولونهما الطبيعي أصفر باهت ولكن عند الاحتراق يتحوّل لونهما إلى أحمر متوهّج فالشطر الأوّل ساد فيه اللون الأصفر والشطر الثاني ساده اللون الأحمر وكأنّ هذا مكمّل لذاك والشعاع هنا نُعِتَ بالأحمر وسنراه لاحقاً أصفر مُشرب حُمرة)
امرؤ القيس وأصفر مجدولٍ من القدِّ مارِنٍ كأنَّ على المتنَينِ منهُ نِصالا (عنى بالأصفر المجدول زمام النّاقة وقَدْ قُدُّ من جلدٍ وصفرته في إشعاعها ولمعانها تضاهي حدّ السيوف)
امرؤ القيس مُشَعشعةٌ كأنّ الحُصّ فيها إذا ما الماءُ خالطها سَخينُ (الخمرُ هنا مُشَعشعةٌ أي الصفراءُ المشربةُ حمرةً تترقرقُ وتهتزُّ فتعكس الضّوء والشّعاع هنا عند أمرئ أصفر وقد ورد عند الأعشى كما رأينا بمعنى الأحمر)
النّابغة الذّبياني كأنّ رحالهم جُددٌ عليها نُقوعُ العِظْلِمِ من صُفرٍ وحُمرِ (صُفر وحُمر هنا نعت للأديم الواحد المتموّج اللون أو متدرجه بين أصفر وأحمر تِبعاَ لشدة الصبغة أي العِظْلِمِ)
أبن منظور (لسان العرب/ ذ.ه.ب) فرسٌ مُذْهَبٌ إذا عَلَتْ حُمرته صُفرة ويُقال كُمَيْتٌ مُذْهَب للذي تعلو حُمرته صُفرة (كما في شعر النّابغة أعلاه يجتمع الأحمر والأصفر في تدرّجٍ على الشّيء الواحد)
ابن سيده (المخصّص باب ألوان الإبل) عن ابن دّريد ضَرَّجْتُ الثّوبَ وضَرَجْتُه صبغته بالحُمرةِ خاصّةً وربّما استُعْمِلَ في الصُّفرة والاسم الضّريج والثّوب إضريج وأنشد قول النّابغة تُحيّيهم بيضُ الولائد بينهم وأَكْسِيَةُ الإضريجِ فوقَ المشاجِبِ (الفعل ضرّجَ صبغ ويُستعمل مع الأحمر والأصفر والإضريج ثياب نفيسة يلبسُها الملوك وهي مصبوغة بالأحمر وقد يكون بالأصفر)
أبو عُبيدة معمر بن المثنى (النّقائض بين جرير والفرزدق) *كأنّ بِساعِديْه سوادُ ورْسٍ إذا هو فوق أيدي القومِ سارا (الورْس أسْودُ فإذا سُحِقَ اصْفَرَّ)
**تركتُ بني العُزَيِّلِ غير فَخْرٍ كأنّ لحاهم ثُمِغَتْ بوَرْسِ هرقتُ دماءَهُم فشَرَعْتُ فيها بسيفي شُربَ وارِدَةٍ لِخمْسِ (الثّمغ خلط البياض بالسواد وثمغَ رأسه بالحنَّاء والخَلوق يَثْمَغَه غمسّه فأكثّرَ وثمغ لحيته قي الخضاب أي غمسها وهنا استعمال للورْس للدلالة على الأحمر أو الأصفر الضّارب إلى الحمرة الشّديدة فدِماءهُم ثمغت لحاهم أي خَضَبَتْها باللون الأحمر) *** يُزاولُ فيها القيْنُ محبوكةَ القفا كأنَّ بها لوناً من الورْس أصفرا (كما الغالب في كثير من الحالات الورْس هنا يدل على اللون الأصفر وهو نعت للدرع التي يحبكها الصّانع)
فهذه النصوص ومثلها كثير في أدب ما قبل الإسلام (الشّعر والأمثال) يشهدُ على مجاورة طبيعيّة (في نظر العربيّ) بين الأحمر والأصفر وأنّ هذه لا تقومُ على مجاورة بين لونين لكلٍ حدوده وماهيّته الفيزيائيّة المستقلّة بل على قاعدة أنّ الأحمر والأصفر ماهيّة لونيّة واحدة (في النّباتات الصّبغيّة ذاتها كما في الألوان التي تنتج عنها) فيها خُلطة قد يشتدّ فيها الأحمر أحياناً ويخفت الأصفر أو يكون العكس تماماً كما نَبْتَتَيّ الوَرْس والعِظْلِم يُولّدُ منقوعهما أصفرَ ذهبيّاً متدرّجاً في شدّته إلى حُمرةٍ مشرقة أو شديدة وهكذا ضربوا المثل بالورْس في الخمر الصّفراء والحمراء وهي واحدة وجعلوا الاختلاف في شدّة اللون ولمعانه وكانت عندهم الصُّهْبَة حُمرة تضرب إلى البياض أو الصّفرة والكُهبة صفرة تضرب إلى حُمرة (الثّعالبي/فقه اللغة وأسرار العربيّة) فكان التّداخل بين الأحمر والأصفر انتقالاً سَلِساً ومتدرّجاً في المجال اللونيّ الواحد وربّما يزداد الأمر وضوحاً عندما نعرِض الآن للمسألة التّالية وهي "التّرادف اللّفظي"
ب ـ الترادف اللفظي إنّ رؤية العربيّ للألوان إذاً ليست فيزيائيّة محدِّدةً لهوية اللّون بعينه بل رؤية مجاليّة يمْتدّ فيها اللّون من الطرف الأبيض إلى الطرف الأسود والألوان جميعاً تقع ما بينهما وغالباً ما يكون فيها خُلطة تميل بها إلى هذا اللون أو ذاك فتداخلت الألوان في ما بينها كما رأينا وتَوَلّدَتِ عن ذلك المترادفات في الألفاظ التي تُعبّرُ عن هذا الواقع اللونيّ بنظر العربيّ فكان "الأحمر" يشير إلى اللون الأحمر وأحياناً إلى "الأبيض" (كما رأينا وفي العبرية التّوراتيّة كذلك) وقد يعني أيضاً "الأصفر" فلننظُرْ إلى بعض الشّواهد في اللغة العربيّة القديمة ولنرَ مدى التّرادف بين بعض الألفاظ الدّالة على هذين اللونين في المعاجِم وعند اللغويين
المعاجم القديمة (من مثل لسان العرب وغيره) "أهلك النّاس الأحمران الذّهب والزّعفران" أو "أهلك النّاس الأصفران الذّهب والزّعفران" (الأحمر والأصفر لفظان مختلفان من حيث جذرهما يدلاّن على الشيء الواحد اللون في الذّهب وفي الزّعفران فيكون الأحمر والأصفر متساويان بالنسّبة إلى الذّهب والزّعفران)
الجاحظ في "كتاب الحيوان" الجزء 3/ "كما صنع النّاطفُ السّاقط من يد الأجير في مُذاب الصُّفر حتى أعطاه ذاك اللون والصّفر بالضم النّحاس" فلفظ الأصفر على ما يذكر الجاحظ يشير إلى معدن النّحاس الجيّد كما يدلّ على الذّهب
الجزء /5 "والذّهب قد يُقال له أصفر ويُقال له أحمر" إذاً الماهيّة الواحدة تُحدّدُ بلفظين يدلان على لونين ظاهريّاً مختلفين وفي هذا تأكيد لما مرّ معنا
أمرؤ القيس (راجع فقرة "في مفهوم اللون الأحمر") تَضَوّعَ مِسْكاً بُرْدُها وحَديثُها إذا ابتسَمَتْ عن أحمرٍ في اللّثاتِ (في شرح لهذا الشّعر "أحمر" يشير إلى بياض الأسنان المُشرب حُمرة)
المعاجم القديمة (من مثل لسان العرب وغيره ـ راجع أيضاً أعلاه "في مفهوم اللون الأحمر") "أتاني كلُّ أسود منهم وأحمر" ("أحمر" هنا تعني أبيض فالعرب تقول امرأةٌ حمراء ورجُلٌ أحمر أي أبيض وبيضاء البشرة ويروي الجاحظ ـ الحيوان/5 ـ "قال بعض بني مروان لبعض وِلد متمّم بن نويرة [على سبيل الشّتم والتّحقير] "يا أحمر!" قال الذّهب أحمر [في دفاع هذا الأخير عن نفسه وردّه على الشّتيمة] فالأحمر مما يعيبُ به العرب وهم يُسمون العجم الحمراء لبياضهم ولأنّ الشّقرة أغلب الألوان عليهم ويسمون أيضاً الموالي الحمراء)
الثّعالبي في "فقه اللغة وأسرار العربيّة" "يُقالُ ذهب أحمر" وقد رأينا قبلاً أنّه يُقالُ أيضاً "ذهب أصفر"
ففي هذه الشّواهد يقع التّرادف بين لفظيّ الأحمر والأبيض على مسمّى واحدٍ لونُ البشرة أو الأسنان من جهة ولفظيّ الأحمر والأصفر من جهة أخرى على مسمّى واحدٍ لون الذّهب أو النّحاس أو الزّعفران فالأمر هنا ينتقِلُ من المجاورة والتّداخل أو التّدرّج بين اللونين يقعان على الشيء الواحد (الحُمرة والصُّفرة تجتمعان في الخمرة والأديم والفَرَسِ المذهب وغير ذلك) إلى ترادفِ لفظيّن يقعان بالتّساوي على الشّيء الواحد (فالحُمرة والصُّفرة هنا مثلاً صفتان للشيء الواحد الذي قد يكون النحاس أو الذهب أو الزّعفران أو غير ذلك) لكنّ هذا التّرادف محصورٌ في مواضِعَ معيّنة وليس مطلقاً في جميع الحالات فهو محدود في سياق المادة التي يقع عليها اللفظان وإلاّ تعذّرَ حينها الفهم والإفهام ووقع النّاسُ في "حيص بيص" فلفظ "الأحمر" مثلاً مرادفٌ للفظ "الأبيض" ومساوٍ له فقط في مجال الدّلالة على بياض البشرة عند الإنسان أو البياض المشْرَب حُمرة ولا يجاوز ذلك إلى حالاتٍ أُخَر و "الأحمرُ" مساوٍ أيضاً للفظ "الأصفر" ولكن في مجالٍ آخر وهو الدّلالة على المعادن النّفيسة والأشياء الثّمينة ذات القيمة الاجتماعيّة والاقتصاديّة المرتفعة (راجع فقرة "في مفهوم اللون الأصفر") وقد يكون مَرَدُّ هذا التّرادف في بعض ألفاظ الألوان ليس فقط الواقع الماديّ (الفيزيائي) للشيء التي يقع عليه اللون وإنّما أيضاً للدّور الوظيفيّ أو المعرفيّ الذي يلعبه اللّون المعيّن في المجتمعات والثّقافات المختلفة فما نقصد بالدّور الوظيفي للألوان؟
ج ـ الدّور الوظيفي للألوان لا نقصد هنا رمزيّة الألوان في الثّقافات المختلفة بل أنّ ما نشير إليه هو المعنى العام والمعلومة التي يقدّمها اللون المعيّن للمتلقّي كما لو أنّنا اليوم مثلاً أمام إشارة مرور تضيء الأحمر فنفهم بأنّها إشارة بالتّوقّف فالألوان كانت لها معانٍ عامة لا ترتبط مباشرة باللون الذي تدلّ عليه وهذا الدور الوظيفي على ضربين دينيّ من جهة (نراه خصوصاً في النّصوص والطّقوس الدينيّة السّاميّة القديمة) ومعرفي مُكتَسَب بالتجربة من جهة أخرى وهذا الأخير هو ما نودّ بيانه في العربيّة القديمة وهاكم بعض الأمثلة مع شرح مقتضب لكلٍ منها
* اللون الأبيض ابن منظور في "لسان العرب" "أرض بيضاء"/ "وأرض بيضاء [أي] ملساء لا نبات فيها كأنّ النّبات لا يُسَوِّدُها وقيل هي التي لم تُطَأ وكذاك البِيضَة وبياضُ الأرضِ ما لا عمارة فيه " فلفظ "أبيض" هنا لا يدلّ على لون الأرض بل على واقعٍ علاقته باللون الأبيض غير مباشرة فالعرب "تسمّي الأسود أخضر والأخضر أسود" لأنّ "السّواد جماعة النّخل والشّجر والزّرع لخضرته واسوداده وقيل إنّما ذلك لأنّ الخُضرَة الكثيفة أو الشّديدة تُقارب السّواد" فالأرض بيضاء هنا هي على نقيض ذلك بمعنى أنها الأرضُ الخالية من السّواد أي من الشجر والنبات وليس لأنّها بيضاء بالفعل بل أنّ ترابها قد يكون على درجةٍ من الصّفار أو يكون أسودَ ضارباً إلى الحمرة أو ما شابه ومع ذلك يُقال عنها "بيضاء" لانعدام السّواد (أي الخُضرةِ فيها) ويتبع ذلك طبعاً " ما لا عمارة فيه " فلفظ "أبيض" ومشتقّاته هنا لا يدلّ بتاتاً على اللون الأبيض بذاته بل له وظيفة معرفيّة بعيدة كل البعد عن الألوان تفيد أن هذه الأرض غير مزروعة أو غير مأهولة مع أنّ الأبيض في أصله لا يحمل هذا المعنى البتّة
** اللون الأسود ابن منظور في "لسان العرب" (س.و.د) / "سواد القوم"/ "ويُقالُ رأيتُ سواد القوم أي معظمهم وسواد العسكر وما يشتمل عليه من المضارب والآلات والدّواب وغيرها ويُقالُ مرّت بنا أسْوِداتٌ من النّاس وأساوِدُ أي جماعاتٌ والسّوادُ الأعظمُ من النّاس هم الجمهورُ الأعظم" مرّة أخرى نرى أنّ اللفظ الذي يدل في العادة على اللون يُحمّلُ هنا قيمة معرفيّة مغايرة لا علاقة لها مباشرة بالمعنى الأصلي أي اللون الأسود فالمقصود هنا التّجمع البشري الذي قد يبدو لطخاً حالكاً في مساحة لونيّة مباينة أي "كنقطة عنبر في صحن مرمر" كما يقول الشّاعر فاللون الأسود والحال هذه صار يحمل قيمة معرفيّة إضافيّة ويدلّ على كثافة التّجمّع البشري وآلاتِه
*** الأبيضان والأسودان الجاحظ "كتاب الحيوان"/ الجزء 3 "الأبيضان الماء واللبن والأسودان الماء والتمر"
ابن منظور في "لسان العرب" (س.و.د) جاء في لسان العرب الأسودان" الحرّةُ والليل لاسْودادهما [... وكذلك] الأسودان الماء والتّمر فالحرّةُ الأرضُ البركانيّة السّوداء والليل الحالك فقيل "الأسودان" للونهما الطّبيعي وهذا أمر لا شُرعة فيه ولكن تقول العرب أيضاً "الأسودان" لعنصرين لازمين لاستمرار الحياة التّمرُ وهو أسود والماء وهو صافٍ رقراق بعيدٌ كلّ البعد عن السّواد فكيف يستقيم ذلك؟ الجواب أنً الماء لمّا أُضيف إلى التّمر نُعِتا جميعاً بنعتٍ واحدٍ إتباعاً والعربُ تفعلُ ذلك في الشّيئين يصطحبان يُسَمّيانِ معاً بالاسم الأشهر منهما كما قالوا العُمَران لأبي بكر وعُمر والقمران للشمس والقمر" ويستقيم ذلك بلاغيّاً أيضاً من حيث قاعدة تسمية الكلّ بالجزءِ مجازاً و"الأبيضان الماء واللبن" اللذان ذكرهما الجاحظ فحالهما كالأَسْوَدَين وكما في الشّواهد السّابقة فإنّ لفظيّ "أسود" و"أبيض" في العبارات المتداولة لا يعبّران عن هذين اللونين بذاتهما البتّة بل عن قيمةٍ معرفيّة جديدة لا علاقة لها مباشرة بالألوان المذكورة
وهكذا نرى أن اللفظ الدّال أصلاً على اللون قد يكون له في بعض المواضع وظيفة تجاوز وظيفته الأصليّة الخاصّة باللون بهدف إعطاء المتلقّي معلومة لا علاقة لها مباشرة بالمعنى الأصلي للفظ فالأمر هنا يكاد يشبه الكناية البلاغيّة أو التّضمين (تقول العرب الموتُ الأبيض والموت الأحمر فالأبيض ما يأتي فجأةً ولم يكن قبله مرض يُغَيّرُ لونه والأحمر الموت بالقتل لأجل الدّم) فالوظيفة المعرفيّة غالباً ما لا يكون لها علاقة مباشرة باللون المذكور
(يتبع)
كمال محمود الطّيارة ـ ليون ـ فرنسا ـ 6/3/2025
#كمال_محمود_الطيارة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (5/6)
-
صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (4/6)
-
صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (3/6)
-
صراعُ الألوان بين -حمراء- التّوراة و-صفراء- القرآن (2/6)
-
صراع الألوان بين -حمراء-التّوراة و-صفراء- القرآن 1/6
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
أيكون إبراهيم عربياً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سيرة
...
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
أيكون إبراهيم عربيّاً؟! (في تأثيل بعض المشاهد الغامضة من سير
...
-
-شاهد ما شفش حاجة- أو شرُّ البليّة ما يُضحِكُ (موتُ النّخْوَ
...
-
من إسلام الضّرورة ‘لى إسلام البزنس (تدنيس المقدّسفي المخيال
...
المزيد.....
-
المقاومة الإسلامية في العراق تعلن تنفيذ 24 عملية بالصواريخ و
...
-
منظمة التعاون الإسلامي تدين وتحذر من استمرار إغلاق الاحتلال
...
-
ماني نجم النصر وزوجته يشاركان في تنظيف المسجد النبوي
-
-الغرب المسيحي اليهودي-.. الأسطورة التي خلقت الدعم الأمريكي
...
-
الإخوان المسلمون بعد خامنئي
-
القضية الفلسطينية والثورة الإسلامية الإيرانية
-
تحالف السلطة والحرب في السودان.. البرهان والإسلاميون وإيران؟
...
-
حرس الثورة الاسلامية: أمن الحدود الغربية والشمالية الغربية ل
...
-
حرس الثورة الاسلامية: أمن الحدود الغربية والشمالية الغربية ل
...
-
تايمز أوف إسرائيل: الملاجئ في إسرائيل لليهود ولا عزاء للعرب
...
المزيد.....
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|