أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما يتعب الطغيان من حمل بندقيته.














المزيد.....

عندما يتعب الطغيان من حمل بندقيته.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 10:49
المحور: قضايا ثقافية
    


في الحروب لا تموت الجيوش أولاً، بل تموت الأكاذيب التي كانت تسير أمامها كالرايات. فحين تبدأ المدافع بالصمت، يبدأ التاريخ بالكلام، وحين تتعب الصواريخ من الطيران، تتعب معها الأساطير التي كانت تصنعها الأنظمة حول قوتها التي لا تُهزم. هكذا تبدو اللحظة الراهنة في الشرق المضطرب لحظة تتشقق فيها جدران السرديات الكبرى، وتتساقط فيها الشعارات التي عاشت سنوات طويلة فوق رؤوس الشعوب مثل سقوفٍ من الوهم.فالدولة التي اعتادت أن تتحدث بصوت الإمبراطوريات، تكتشف فجأة أن صوتها ليس أكثر من صدى في وادٍ فارغ. والجيوش التي كانت تُرعب الجغرافيا بخطاباتها، تكتشف أن الجغرافيا نفسها لا تخاف أحداً، وأن الأرض التي تُحمَّل بكل تلك الخطابات العسكرية لا تفعل أكثر من ابتلاع الدبابات بهدوءٍ تام، كما تبتلع الرمال آثار الأقدام.إن أكثر ما يثير السخرية في حروب الشرق ليس الدمار ذاته، بل الفجوة الهائلة بين ما تقوله السلطة وما تراه العيون. فالإعلام الرسمي في هذه المنطقة يشبه شاعراً عجوزاً فقد بصره، لكنه ما زال يكتب قصائد عن جمال الغروب. يصف الانتصارات فيما المدن ترتجف، ويعلن السيطرة بينما الخرائط تعيد رسم نفسها بصمتٍ بارد. وفي تلك اللحظة تحديداً يبدأ المسرح السياسي في فقدان ممثليه، لأن الجمهور اكتشف أخيراً أن الستارة كانت تخفي فراغاً كبيراً.في فلسفة القوة هناك حقيقة بسيطة غالباً ما تُنسى: القوة ليست ما تقوله الدولة عن نفسها، بل ما تستطيع أن تحافظ عليه عندما تبدأ الأشياء بالسقوط. فالدولة التي تعتمد على الضجيج أكثر من اعتمادها على الواقع تشبه طبلاً ضخماً؛ صوته مرتفع لكنه فارغ من الداخل. وحين تأتي اللحظة التي تضرب فيها الريح جدران ذلك الطبل، لا يسمع الناس سوى صدى الخواء.ولعل المفارقة الكبرى أن الأنظمة التي تبني مشروعها على فكرة "الهيبة" تنتهي دائماً إلى فقدانها بطريقة درامية. فالهيبة مثل الزجاج؛ تبدو صلبة لكنها تنكسر بضربة واحدة في اللحظة الخطأ. ولهذا فإن التاريخ مليء بدولٍ كانت تبدو كجبالٍ سياسية، ثم تحولت فجأة إلى تلالٍ من الغبار. لم يكن سقوطها مفاجئاً بقدر ما كان اكتشاف الناس المتأخر أن الجبل كان مصنوعاً من الطين.إن الشرق الأوسط، منذ قرون، يعيش على إيقاع هذه الدراما المتكررة: دولة تتضخم حتى تظن نفسها قدراً، ثم تستيقظ لتجد أن القدر نفسه لا يعترف بها. تتحدث عن مشاريع كبرى، عن خرائط جديدة، عن إمبراطوريات قادمة، لكن الواقع يملك دائماً مزاجاً ساخراً. فهو لا يحب المشاريع التي تُكتب بالدم فقط، ولا يعترف بالقوة التي تتغذى على الخوف وحده.ومن هنا تبدأ المأساة الحقيقية. فحين تتعب الدولة من حمل سلاحها، لا تجد أمامها سوى شعبٍ منهكٍ كان طوال الوقت يدفع ثمن تلك القوة المتخيلة. الشعب الذي كان يُطلب منه أن يصفق للخطابات، أن يحتمل العقوبات، أن يبرر الفوضى باسم المعركة الكبرى. وحين تنتهي تلك المعركة فجأة، يكتشف أن كل تلك السنوات لم تكن سوى انتظار طويل لنهاية لم يفهمها أحد.أما السياسيون في مثل هذه اللحظات فيتحولون إلى فلاسفة هاربين. بالأمس كانوا يتحدثون عن الصمود، واليوم يتحدثون عن الحكمة. بالأمس كانوا يرسمون خرائط النار، واليوم يبحثون عن حدودٍ آمنة يختبئون خلفها. فالسياسة في الشرق تشبه مسرحاً قديماً؛ الممثل نفسه يؤدي دور البطل ودور الضحية، لكن الجمهور أصبح يعرف النص عن ظهر قلب.
وهكذا تتحول الحرب إلى مرآة قاسية تكشف الحقيقة التي حاولت الأنظمة إخفاءها طويلاً: أن القوة التي لا تستند إلى عقل الدولة ولا إلى رضا شعبها تتحول عاجلاً أم آجلاً إلى عبء ثقيل على أصحابها. فالسلطة التي تعيش على الحروب تشبه تاجراً يبيع العواصف؛ يبدو ناجحاً طالما السماء غاضبة، لكنه يفلس فور أن يهدأ الطقس.خإن الشرق اليوم يقف أمام لحظة فلسفية نادرة، لحظة يكتشف فيها أن الخرائط ليست مقدسة كما تصورها الحكام، وأن الأنظمة التي تبدو خالدة قد تكون في الحقيقة مجرد فصول قصيرة في كتاب طويل اسمه التاريخ. فالتاريخ لا يحب المبالغة، ولا يصدق كثيراً خطاب القوة المطلقة. إنه يميل دائماً إلى السخرية من أولئك الذين يظنون أنهم أكبر منه.
ولذلك ربما لا تكون المأساة الكبرى في سقوط الدول، بل في الطريقة التي تسقط بها الأساطير. لأن الأسطورة حين تموت تترك خلفها فراغاً كبيراً، فراغاً يحتاج إلى زمن طويل كي يملأه العقل بدل الشعارات، والحكمة بدل الصواريخ، والإنسان بدل الأيديولوجيا.
أما الشرق، ذلك الكائن العتيق الذي يعيش فوق طبقاتٍ من الدم والقصائد، فسيواصل مراقبة هذه التحولات كما اعتاد دائماً؛ بصبر الجبال وسخرية التاريخ. فهو يعرف أكثر من غيره أن الإمبراطوريات تأتي وتذهب، وأن الضجيج العسكري مهما ارتفع لا يستطيع أن يغطي صوت الحقيقة عندما تقرر أن تتكلم.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.
- العالم على حافة نظام دولي جديد .
- العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟
- وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .
- سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .
- حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة
- جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس
- أنا غائب عن النفوس
- مكبُّ القلوب
- نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى
- على تخوم الغياب
- مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت


المزيد.....




- -إخضاع العالم العربي-.. عمرو موسى يعلق على مخاطر الهجوم الأم ...
- مسؤول إيراني -يفسر- اعتذار بزشكيان وتصريحه بوقف ضرب دول الخل ...
- هذه الحرب تؤكد أن الأقدار تهرول نحو بوتين
- قطر: الداخلية تقبض على شخص من جنسية عربية نشر تغريدات ضد الج ...
- لغز الطيار المفقود.. من هو رون آراد وما علاقته بالإنزال الإس ...
- سكان جنوب لبنان والضاحية: نحو التهجير القسري؟
- أكراد إيران: هل يصبحون رأس حربةٍ في مواجهة النظام؟
- اعتذار أم مناورة.. لماذا شكك محللون خليجيون في نوايا طهران؟ ...
- بين وعود -ماغا- وواقع طهران.. حرب إيران تضع مستقبل ترمب وحزب ...
- رمضان في الشتاء.. كيف يغير الطقس البارد علاقتنا بالطعام والن ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما يتعب الطغيان من حمل بندقيته.