أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب















المزيد.....

عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 18:45
المحور: قضايا ثقافية
    


في المدن التي أنهكتها الحروب، لا يُقاس الفقد بعدد الضحايا وحده، بل بعدد الأرواح التي كانت تحفظ للمدينة معناها. وبعض الناس، حين يرحلون، لا يتركون فراغًا في الذاكرة فقط، بل يتركون فجوة في روح المكان. هكذا كان عدنان سلمان؛ رجلًا لم يكن مجرد صاحب مكتبة في شارع المتنبي، بل كان جزءًا من المعنى الأخلاقي لذلك الشارع، وصوتًا هادئًا في ضجيج مدينة اعتادت أن تتكلم بالعنف أكثر مما تتكلم بالكتب. في الخامس من آذار عام 2007، حين انفجرت يد الإرهاب في قلب شارع المتنبي، لم يكن ما حدث مجرد تفجير في سوق للكتب، بل كان محاولة لاغتيال فكرةٍ كاملة. فذلك الشارع، منذ عقود، لم يكن مجرد رصيف تتكدّس عليه الكتب، بل كان ذاكرة بغداد الثقافية. وحين سقط عدنان سلمان شهيدًا، لم يسقط بصفته فردًا فقط، بل بوصفه رمزًا من رموز ذلك الفضاء الذي كان يحمي ما تبقى من كرامة الثقافة في زمنٍ تتآكل فيه المعاني.
كان عدنان سلمان واحدًا من أولئك الرجال الذين لا يلفتون الانتباه بالصخب، بل بالحضور الهادئ. فمن عرفه يدرك أنه لم يكن تاجر كتب بالمعنى التجاري البارد، بل كان أقرب إلى حارسٍ للمعرفة. في دار ومكتبة عدنان للطباعة والنشر، التي أسسها في شارع المتنبي، لم تكن الكتب مجرد بضائع مصطفة على الرفوف، بل كانت كائنات حيّة يعتني بها صاحبها كما يعتني الفلاح بحديقته. كان يعرف الكتب كما يعرف أصدقاءه، ويعرف القرّاء كما يعرف أبناء بيته. وإذا كان شارع المتنبي قد عُرف بأنه جمهورية صغيرة للثقافة العراقية، فإن شخصيات مثل عدنان سلمان كانت هي التي تمنحه روحه اليومية. ففي ذلك الشارع تتجاور الكتب القديمة مع الكتب الجديدة، وتتجاور الحكايات مع الذكريات، ويتحول الحوار العابر بين قارئٍ وبائع كتاب إلى لحظة من لحظات الحياة الثقافية. وكان عدنان سلمان أحد أولئك الذين يحافظون على هذا التوازن الدقيق بين السوق والمعنى.
لم يكن الرجل خطيبًا ولا منظّرًا، ولم يكن من أولئك الذين يكتبون كثيرًا عن الثقافة. لكنه كان يمارس الثقافة بطريقة أعمق من الكتابة عنها. كان يؤمن، في بساطة نادرة، بأن الكتاب ليس سلعة فحسب، بل رسالة. وربما لهذا السبب كان كثيرون يشعرون بأن مكتبة عدنان ليست مجرد محلٍ لبيع الكتب، بل مكانٌ يمكن أن يجد فيه القارئ نوعًا من الطمأنينة. كان ذلك المكان أشبه بملاذٍ صغير وسط مدينةٍ كانت تتعلم يومًا بعد يوم كيف تعيش مع الخوف. حين نتذكر عدنان سلمان اليوم، لا نتذكر فقط صورة رجلٍ يقف خلف طاولة الكتب في شارع المتنبي. نتذكر كذلك أخلاقًا نادرة كانت ترافقه. كان دمثًا على نحوٍ يكاد يبدو قديمًا في زمنٍ صار فيه التوتر قاعدةً يومية. وكان كريمًا في تعامله مع الجميع؛ مع الكاتب الشاب الذي يبحث عن أول قارئٍ لكتابه، ومع القارئ الفقير الذي لا يملك ثمن الكتاب لكنه يملك شغفه. وفي تلك التفاصيل الصغيرة تتجلى قيمة الإنسان. فالثقافة، في نهاية الأمر، ليست مؤتمرات ولا بيانات ولا مقالات طويلة، بل هي شبكة من العلاقات الإنسانية التي تُبقي المعنى حيًا. وكان عدنان سلمان واحدًا من أولئك الذين ينسجون هذه الشبكة بصبرٍ يومي، دون أن ينتظروا اعترافًا أو ضجيجًا. لكن الإرهاب، كما نعرف، لا يفرّق بين البشر والأفكار. إنه يعادي كل ما يشبه الحياة. ولذلك لم يكن غريبًا أن يمتدّ العنف إلى شارع المتنبي، كما امتدّ قبل ذلك إلى المدارس والمساجد والأسواق. ففي لحظةٍ واحدة، تحوّل صباح ثقافي اعتيادي إلى مأساة. وتحوّل الشارع الذي اعتاد أن يمتلئ بالكتب والحوارات إلى مكانٍ يغمره الدخان والذهول.
في ذلك اليوم، لم يخسر شارع المتنبي عدنان سلمان وحده. لقد خسر معه جزءًا من ذاكرته. فالمدن لا تُبنى بالحجارة فقط، بل بالأشخاص الذين يمنحونها معنى الاستمرار. وعندما يغيب هؤلاء، يصبح المكان نفسه أقلّ قدرة على الدفاع عن روحه. ربما لهذا السبب، كلما عاد الناس إلى شارع المتنبي في آذار من كل عام، يستعيدون اسم عدنان سلمان كما يستعيدون صفحةً من كتابٍ قديم. ليس بوصفه ذكرى عابرة، بل بوصفه علامةً على زمنٍ كان فيه الإيمان بالكتاب نوعًا من الشجاعة. ففي بلدٍ عاش سنوات طويلة من الخراب، صار الاحتفاظ بمكتبة، أو الدفاع عن مكانٍ للقراءة، فعلًا ثقافيًا وأخلاقيًا في آنٍ واحد. ولأن الذاكرة العراقية مثقلة بالفقد، فإن أسماء كثيرة مرت في حياة الناس ثم غابت. لكن بعض الأسماء تظلّ تقاوم النسيان لأنها ارتبطت بفكرةٍ أكبر من صاحبها. وعدنان سلمان كان واحدًا من هذه الأسماء. فقد ارتبط اسمه بشارع المتنبي كما يرتبط اسم الشارع نفسه بالكتاب.
كان أصدقاؤه يقولون إن ابتسامته كانت جزءًا من المكان. وإن حديثه الهادئ كان يخفف من قسوة الأيام. وكان يعرف كيف يحافظ على تلك المسافة الجميلة بين الجدّ والمزاح، بين العمل اليومي والاهتمام الحقيقي بالناس. لذلك لم يكن مجرد صاحب مكتبة، بل صديقًا لكثيرين ممن اعتادوا المرور بذلك الشارع. وهنا تكمن مأساة الفقد الحقيقية: حين يرحل الإنسان الذي كان يربط بين الناس دون أن يدركوا ذلك. فبعد رحيله، يكتشف الجميع أن وجوده كان خيطًا خفيًا في نسيج المكان. في رثاء عدنان سلمان، لا يمكن للمرء أن يكتفي بالكلمات الكبيرة. فالرجل نفسه لم يكن يحب المبالغة. كان أقرب إلى أولئك الذين يتركون أثرهم بصمت. ولذلك فإن أفضل ما يمكن قوله عنه هو أنه عاش كما يعيش الناس الطيبون: ببساطةٍ نادرة، وبإيمانٍ هادئ بأن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة للحياة.
لقد كان صديقًا عتيدًا، كما يعرفه من اقترب منه. وصديقًا يشبه تلك الفئة النادرة من البشر الذين لا يتركون وراءهم خصومات، بل يتركون محبةً صافية. وربما لهذا السبب تبدو ذكراه، بعد كل هذه السنوات، كأنها جزء من الذاكرة الشخصية لكثيرين، لا مجرد صفحة في تاريخ شارع المتنبي. وما أكثر ما يفقد الإنسان في حياته. لكن بعض الخسارات تبقى أشدّ وقعًا لأنها تأتي من عالمٍ كان يفترض أن يكون ملاذًا. وحين يُقتل رجل كتاب في شارع الكتب، يشعر المرء بأن شيئًا عميقًا قد انكسر في صورة العالم. ومع ذلك، فإن الذاكرة، بطريقتها الخاصة، تقاوم النسيان. ففي كل آذار، حين يستعيد محبو شارع المتنبي ذكرى عدنان سلمان، فإنهم لا يحيون مجرد ذكرى استشهاد. إنهم يحيون فكرةً أبقى من الموت: فكرة أن الكتاب، رغم كل شيء، ما يزال قادرًا على أن يجمع الناس حول معنى الحياة. وهكذا يبقى عدنان سلمان حاضرًا في صورةٍ ربما لم يكن يتوقعها. فالرجل الذي عاش حياته بين الكتب صار اسمه نفسه صفحةً من كتاب الذاكرة العراقية. صفحةً مكتوبة بالحزن، نعم، لكنها مكتوبة أيضًا بالوفاء. وفي رثاء الدماثة والخلق والنبل، لا يبقى أمامنا إلا أن نقول: إن بعض الأصدقاء لا يغادرون تمامًا. إنهم يختفون من الشوارع، لكنهم يظلّون في الكتب، وفي الذاكرة، وفي تلك اللحظات التي يتذكر فيها الإنسان أن الثقافة ليست مجرد كلمات، بل بشرٌ نادرون كانوا يؤمنون بها حتى النهاية. وعدنان سلمان كان واحدًا من هؤلاء. ولهذا يبدو الفقد، كلما مرّ آذار، كأنه يحدث مرةً أخرى.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور
- حين تتحول زلة اللسان إلى محكمة: بلقيس شرارة والسياب وغضب الف ...


المزيد.....




- لقطات لإعصار يدمر مبان في ميشيغان الأمريكية.. وسائق يوثق الم ...
- إيران.. أمطار مسودة اللون تتساقط بطهران وترصدها CNN
- ترامب يرد على تهديد لاريجاني: لا أعلم من هو ولا عمّا يتحدث
- العين على هافانا.. ترامب يعلن عن إنشاء تحالف -درع الأمريكيتي ...
- لماذا يصوم الفقير وهو جائع طوال العام؟
- ترامب يرفض تسوية الحرب مع إيران ويلمح لقتل جميع قادتها
- بزشكيان: العدو حرّف تصريحاتي وسنرد إذا تعرضنا لأي هجوم
- بين الغارات والإنزال البري.. خطط أميركية إسرائيلية لضرب النو ...
- المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: لن نتردد في استهداف كل من يشا ...
- -تصدّع أجنحة النظام-.. ماذا تكشف تصريحات بزشكيان؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب