أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العالم على حافة نظام دولي جديد .














المزيد.....

العالم على حافة نظام دولي جديد .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 09:51
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يعد العالم كما كان، ولم تعد خرائط القوة تُرسم بالحبر وحده، بل تُخطّ بدم الحروب الصامتة، وبأصوات العملات التي تتصارع في أسواق لا تنام،وبالتحالفات التي تولد في العلن وتموت في الظل. نحن لا نعيش مجرد أزمة عابرة في السياسة الدولية، بل نقف على تخوم تحوّل تاريخي يعيد تعريف معنى القوة، ويهزّ فكرة “النظام العالمي” التي ترسّخت منذ نهاية الحرب الباردة. لقد بدا القرن الحادي والعشرون في بدايته وكأنه قرن القطب الواحد،حيث تمددت إرادة قوة عظمى فوق البحار والقارات، واعتقد كثيرون أن التاريخ قد استقر على صيغة نهائية،وأن العالم قد سلّم مفاتيحه لهيمنة لا ينازعها أحد. غير أن التاريخ لا يعترف بالنهايات، بل يسخر منها.اليوم، تتشقق صورة القطب الواحد تحت ضغط صعود قوى جديدة، تتقدم بخطى محسوبة، وتعيد تشكيل موازين الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا. لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد حاملات الطائرات، بل بعدد براءات الاختراع،بحجم الاحتياطي النقدي، بقدرة الدولة على التحكم بسلاسل الإمداد والطاقة والبيانات. إننا أمام انتقال بطيء من عالم أحادي الإيقاع إلى عالم متعدد النبضات، عالم تتوزع فيه الإرادة الدولية بين عواصم متباعدة، لكل منها رؤيتها ومشروعها وطموحها.لكن السؤال الأعمق ليس: من سيسيطر؟ بل: ماذا يعني أن يتغير النظام الدولي؟ حين يتبدل مركز الثقل، لا تتغير السياسات فحسب، بل تتبدل المفاهيم. يتغير معنى الحليف والخصم، ويتحول الاقتصاد إلى ساحة مواجهة، وتصبح العقوبات سلاحًا لا يقل فتكًا عن الصواريخ. في هذا المناخ، تجد الدول الصغيرة نفسها كزورق في بحر متلاطم، تبحث عن توازن دقيق بين الانحياز والحياد، بين الاستفادة من الصراع وتجنّب الاحتراق بناره. إن النظام الدولي الجديد لا يولد من رحم الاستقرار، بل من مخاض القلق، وكل مخاض يحمل في داخله احتمال الألم واحتمال الولادة معًا.لقد كشفت السنوات الأخيرة هشاشة اليقين العالمي؛ حروب تعود إلى قلب أوروبا، توترات في آسيا، اضطراب في أسواق الطاقة، سباق محموم نحو التكنولوجيا المتقدمة، وذكاء اصطناعي يعيد صياغة مفهوم التفوق ذاته. لم يعد الصراع صدامًا عسكريًا مباشرًا فحسب، بل أصبح صراعًا على الرواية، على العملة، على الممرات البحرية، على الفضاء السيبراني. إننا نشهد إعادة تعريف شاملة لمفهوم “الهيمنة”، حيث تتداخل القوة الصلبة بالقوة الناعمة، ويتحول الاقتصاد إلى جبهة، والإعلام إلى سلاح،والتكنولوجيا إلى خط دفاع أول.
غير أن التحول الأخطر لا يحدث في العواصم الكبرى فقط، بل في وعي الشعوب. فحين يتصدع النظام الدولي،يتصدع معه الشعور بالأمان العالمي. ترتفع أسعار الغذاء في دولة بعيدة بسبب حرب لا شأن لها بها،وتتأثر حياة الملايين بقرار يصدر في غرفة مغلقة على بعد آلاف الكيلومترات. هنا تتجلى حقيقة العولمة التي ربطت المصائر، لكنها لم توزع العدالة بالتساوي. إن النظام العالمي حين يختل، لا يدفع ثمنه الأقوياء وحدهم، بل تتحمل كلفته الشعوب الهشة التي تعيش على هامش القرار الدولي.ربما نحن أمام نهاية مرحلة تاريخية بدأت بسقوط جدار برلين، وربما نحن في بداية تشكّل نظام متعدد الأقطاب لم تتضح معالمه بعد. لكن الثابت أن العالم يدخل زمنًا تتزاحم فيه المشاريع الكبرى، وتتراجع فيه مسلمات الأمس.لم يعد أحد يملك القدرة على فرض إرادته منفردًا دون مقاومة، ولم تعد التحالفات ثابتة كما كانت. إن السياسة الدولية اليوم تشبه رقعة شطرنج تتغير قواعدها أثناء اللعب، ويضطر اللاعبون إلى إعادة حساباتهم في كل حركة.
وفي خضم هذا التحول، يبقى السؤال الفلسفي قائمًا: هل يقود تعدد الأقطاب إلى توازن أكثر عدلًا، أم إلى فوضى أشد تعقيدًا؟ التاريخ يقدم نماذج متناقضة؛ فالتعدد قد يكون رادعًا يمنع الاستفراد، وقد يكون شرارة لصراعات أوسع حين تتقاطع الطموحات. إن العالم لا يسير نحو وضوح أكبر، بل نحو تعقيد أعمق، حيث تختلط المصالح بالمبادئ، ويغدو الخط الفاصل بين الواقعية والمثالية أكثر ضبابية.ما نعيشه اليوم ليس مجرد انتقال في موازين القوى، بل إعادة كتابة لقواعد اللعبة الدولية. ومن لا يدرك طبيعة التحول سيجد نفسه خارج المعادلة، يتلقى نتائج قرارات لم يشارك في صنعها. إن النظام العالمي الجديد، أيا كان شكله، لن يولد كاملًا، بل سيتشكل عبر أزمات وصدمات وتسويات، وربما عبر حروب باردة جديدة بأدوات مختلفة. غير أن الحقيقة الأوضح أن زمن اليقين قد انتهى، وأن العالم يقف على عتبة مرحلة لا تشبه ما قبلها.وهكذا، بينما تنشغل العواصم الكبرى بإعادة ترتيب مواقعها على رقعة القوة، يبقى الإنسان العادي هو المقياس الأصدق لأي نظام دولي. فكل نظام لا يحقق قدرًا من العدالة والاستقرار سيظل هشًا مهما بلغت قوته. وربما يكون التحدي الأكبر أمام العالم الجديد ليس في توزيع القوة، بل في إعادة تعريفها بحيث تصبح أداة توازن لا أداة هيمنة، وجسر تعاون لا ساحة صراع. فالتحولات الكبرى لا تختبر قوة الدول وحدها، بل تختبر حكمة البشر في إدارة اختلافهم قبل أن يتحول إلى مواجهة لا رابح فيها.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟
- وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .
- سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .
- حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة
- جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس
- أنا غائب عن النفوس
- مكبُّ القلوب
- نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى
- على تخوم الغياب
- مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت
- لعنةُ عيدِ الحُبّ
- نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار


المزيد.....




- الجسر الثقافي العالمي
- انفجار استهدف السفارة الأمريكية في أوسلو دون اصابات
- ألسنة لهب هائلة في طهران.. CNN تحدد المنطقة؟
- الكويت.. استهداف مبنى حكومي و-حريق هائل- بمستودع وقود بالمطا ...
- نيويورك تايمز: إيران قد تستعيد اليورانيوم من موقع قصفته واشن ...
- الصين تدعو لوقف الحرب وتشدد على احترام سيادة وأمن إيران ودول ...
- بعد إيران وفنزويلا.. كيف يمكن لكيم جونغ أون التعامل مع ترامب ...
- هل تكشف التصريحات -المتضاربة- للمسؤولين الإيرانيين عن انقسام ...
- مسيرات في عدة دول حول العالم بين مؤيدين لإيران ومعارضين للحر ...
- غارة إسرائيلية على فندق في منطقة الروشة وسط بيروت توقع 4 قتل ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العالم على حافة نظام دولي جديد .