|
|
الحواضر العربية الشمالية
عصام حافظ الزند
الحوار المتمدن-العدد: 8617 - 2026 / 2 / 13 - 20:16
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
(ننشر على حلقات بعضا من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن)
الدِراساتُ التارِيخِيَّةُ فِي غالِبِيَّتِها تُؤَكِّدُ أَنَّ هٰذِهِ المَدَنِيّاتِ، أَوْ كَما يُطْلَقُ عَلَيْها الدُكْتُورُ عَلَي مُصْطَلَحَ "مَشايِخَ " أَوْ" أمارات بِحَسَبِ مُصْطَلَحاتِنا السِياسِيَّةِ فِي الزَمَنِ الحالِيِّ، تَخْتَلِفُ عَن الحَواضِرِ فِي الجَنُوبِ فِي أَنَّ أعمارها فِي الغالِبِ قَصِيرَةٌ، وأنها تَعْتَمِدُ عَلَى قُوَّةِ الحاكِمِ، فَكُلَّما كانَ الحاكِمُ قَوِيّاً كانَت قَوِيَّةً، وَكُلَّما ضَعُفَ الحاكِمُ أَوْ توفي ضَعَفَت أَوْ اِنْهارَت هذه الإمارة، أن هٰذِهِ الإمارات تَكَوَّنَت مِن قَبائِلَ عَرَبِيَّةٍ هاجَرَت مُنْذُ أزمان بَعِيدَةٍ مِن الجَزِيرَةِ لأسباب مُخْتَلِفَةٍ مِنها الحُرُوبُ وَالغَزَواتُ، وَمِنها مَوْجاتُ الجَفافِ الطَوِيلَةُ، فَمَن أجل الحِفاظِ عَلَى حَياتِهِم تَوَجَّهُوا إِلَى الهِلالِ الخَصِيبِ وأطراف الجَزِيرَةِ؛ لأنها كانَت فِي الغالِبِ دائِمَةَ المِياهِ وَالخُضْرَةِ، وَاِسْتَوْطَنُوا عَلَى مَقْرُبَةٍ مِن السُهُولِ، وَمِن الحَضَرِ وَمُدُنِهِم، فإن كانَت السُلُطاتُ فِي تِلْكَ المُدُنِ قَوِيَّةً شَدِيدَةً خافَت تِلْكَ القَبائِلَ، وَاِلْتَزَمَت بِاِحْتِرامِ تِلْكَ المُدُنِ وَالخَشْيَةِ مِنها وَتَقْدِيمِ الخَدَماتِ لَها وَلٰكِنْ أَنْ وَجَدَتها ضَعِيفَةٌ مُفَكَّكَةٌ اِسْتَغَلَّت ذٰلِكَ مِن أجل فَرَضَ سَيْطَرَتَها عَلَيْها بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ تَصِلُ إِلَى حَدِّ الإتاوات وَفَرَضَ الهَيْمَنَةَ، وَهٰذِهِ الصِفَةُ نَجِدُها فِي القَبائِلِ البَدَوِيَّةِ التي توطنت حَتَّى يَوْمِنا هٰذا، فَكُلَّما كانَت الحُكُومَةُ المَرْكَزِيَّةُ قَوِيَّةً خَضَعَت القَبائِلَ، وَاِسْتَكانَت وَقَبِلَت بِالوَضْعِ السائِدِ وَبِالعَكْسِ كُلَّما كانَت الحُكُومَةُ ضَعِيفَةً وَمُفَكَّكَةً كلما تَمَرَّدَت تِلْكَ القَبائِلُ، وَفَرَضَت شُرُوطَها عَلَى المِنْطَقَةِ وَالحُكُومَةِ والأهالي، بَلْ أَنَّ قُوَّةَ الحُكُومَةِ وَالمَرْكَزِ يَجْعَلُ مِن تِلْكَ القَبائِلِ قَسْراً أَوْ مُداهَنَتاً وَقُوداً وَمموُْل لِطُمُوحاتِهِ وَحُرُوبِهِ، وَكانَ لِلمُدُنِ التَدَخُّلُ حَتَّى فِي تَعَيُّنِ شُيُوخِها وَحَياتِها الداخِلِيَّةِ وَالشَواهِدِ لَيْسَ التارِيخِيَّةَ، بَلْ وَالحالِيَّةَ تُؤَكِّدُ ذٰلِكَ فِي كُلِّ بُلْدانِ المَدِّ العَشائِرِيِّ، بَلْ أَنَّ الحُكُوماتِ القَوِيَّةَ وَضَعَت مَنْدُوبِيها فِي مَضارِبِ القَبائِلِ، وَكانَ هٰؤُلاءِ المَنْدُوبُونَ بِمَثابَةِ (المَنْدُوبِ السامِيِّ) يُوَجِّهُ تِلْكَ القَبِيلَةَ فِي سِياسَتِها وَسُمُوِّ آنذاك (قيبو بِاللُغَةِ الآشورية) وَلَمْ يَكُنْ مِن الصَعْبِ عَلَى الحُكُوماتِ المَرْكَزِيَّةِ القَوِيَّةِ تَنْحِيَةُ الشَيْخِ وَاسْتبِدالِهِ إِذا وُجِدَت فِيهِ ضَعْفٌ فِي تَحْقِيقِ أهدافها، وَفِي أيامنا هٰذِهِ عَلَى سَبِيلِ المِثالِ عَيْنٌ حاكِمُ العِراقِ القَوِيِّ صَدّام حُسَيْن شُيُوخ عَشائِرَ اِخْتارَهُم فِي أَحْيانٍ كَثِيرَةٍ مِن حِزْبِهِ مِن البَعْثِيِّينَ وَساكِنِي المُدُنِ، وأجرى لَهُم الرَواتِبَ وَالاِمْتِيازاتِ مِنْ أجل تَسِيرُ القَبائِلُ وَفْقَ تَصَوُّراتِهِ وأهدافه. إن ضَعْفُ وَتَهَوُّرُ مَكانَةُ السُلُوقِيِّينَ آنذاك أدى إِلَى أَنْ تَسْتَغِلَّ تِلْكَ القَبائِلُ الوَضْعَ لِكَيْ تَنْفُذَ إِلَى أجزاء مُهِمَّةٍ مِن الشَمالِ، بَلْ وَفَرَضُوا سَيْطَرَتَهُم عَلَى شَواطِئِ الفُراتِ، وَنُصْبِ ساداتِهِم أنفسهم عُمّالاً ( فيلاركا) عَلَى تِلْكَ الشَواطِئِ فِي مُنْتَصَفِ القَرْنِ الثانِي قَبْلَ المِيلادِ، بَلْ إنهم فَرَضُوا سَيْطَرَتَهُم عَلَى مُدُنٍ مِثْلِ إمارة حِمْص (الرِستن) وإمارة الرَها وإمارة الحَضَرِ وَحُكُومَةَ تُدَمِّرُ وَالغَساسِنَةِ وَالمَناذِرَةِ، وسنأتي عَلَى شُرُوحاتٍ أَكْثَرَ عَن تِلْكَ الإمارات وَالحَواضِرِ عَلَى أننا يَجِبُ أَنْ نَذْكُرَ مُقَدِّماً أَنَّ تِلْكَ الحَواضِرَ كانَت فِيها سُكّانٌ حَضَرِ عَرَبٍ وَغالِبِيَّةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ خَضَعَت فِي النِهايَةِ إِلَى تِلْكَ الأسر العَرَبِيَّةِ الَّتِي سَيْطَرَت عَلَى تِلْكَ المُدُنِ وأن تِلْكَ الحَواضِرِ أَوْ المَمالِكُ كانُوا تابِعِينَ أَوْ مُشايِعِينَ إما لِلرُومانِ أَوْ الفُرْسِ، وَذٰلِكَ حَسَبَ مَناطِقِ تَواجُدِهِم، وأنهم فِي الغالِبِ مِن السِكِّينِيَّتِهِ أَيْ سُكّانِ الخِيّامِ، وإن كانَ مِنهُم جَماعاتٌ شِبْهُ مُسْتَقِرَّةٌ أَوْ مُسْتَقِرَّيْنِ تَماماً فِي مَنازِلَ، بَلْ وَلَهُم نِظامٌ سِياسِيٌّ شِبْهُ حُكُومِيٍّ وَمِن أَعْمالِهِم الشائِعَةُ حِمايَةُ القَوافِلِ الَّتِي تَمُرُّ بأراضيهم وَتَقْدِيمُ الخَدَماتِ لَها فَهِيَ العارِفُ بِمَصادِرِ المِياهِ الضَرُورِيَّةِ لِلقَوافِلِ وَغَيْرِها مِن الخَدَماتِ، ولا يمكننا القَوْلُ إنها إمارات عَرَبِيَّةً خالِصَةً، بَلْ نَسْتَطِيعُ القَوْلَ إن العَوائِلَ العَرَبِيَّةَ هِيَ المُسَيْطِرَةُ (لِمَزِيدٍ مِن المَعْلُوماتِ يُراجِعُ الدُكْتُورُ جَواد عَلَى الجُزْءِ الثانِي ص 600 وما بعدها) لٰكِنْ كانَ إِلَى جانِبِهِم السُكّانُ الأَصْلِيِّينَ وَهُم فِي الغالِبِ مِن غَيْرِ العَرَبِ، أَوْ مِن الأَعْرابِ الَّذِينَ تواجدوا فِي هٰذِهِ البِقاعِ مُنْذُ فَتَراتٍ طَوِيلَةٍ جِدّاً، وَكانَت سِياساتُ البِيزَنْطِينِيُّونَ وَالساسانِيُّونَ التَعامُلَ مَعَهُم، بَلْ وَالاِسْتِفادَةُ مِنهُم فِي دَرْءِ الهَجَماتِ البَدَوِيَّةِ لِذٰلِكَ عَمِلَت عَلَى اِسْتِمالَتِهِم بِالبِعْثاتِ التَبْشِيرِيَّةِ، وَاِتَّخَذَت سِياسِيّاتِ الدَعْمِ المالِيِّ وَساعَدَت فِي بِناءِ الكَنائِسِ وَدَوْرِ العِبادَةِ بِبَذَخٍ مِن أجل جَذَبَ السُكّانَ إِلَى النَصْرانِيَّةِ، وَلٰكِنَّ دِينَ هٰؤُلاءِ النَصارَى العَرَبِ اُخْتُلَفَ فِي قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ عَن الدِينِ المَسِيحِيِّ لَدَى اليُونانِ الَّذِي كانَ قَدْ تأثر بانقسامه، فَكانَت البِيزَنْطِيَّةُ وأن الغالِبِيَّةُ مِن النَصارَى العَرَبِ هُم مِن النَسْطُورَيْنِ (سُمِّيَت نساطرة على اِسْمِ نَسْطُورِ بِطْرِيرِكِ القُسْطَنْطِينِيَّةِ ) وَهُوَ المَذْهَبُ الَّذِي يُؤْمِنُ بأن يَسُوعُ المَسِيحَ مُكَوَّنٌ مِن جَوْهَرَيْنِ جَوْهَرَ إلهي وَهُوَ الكَلِمَةُ وَجَوْهَرُ إنساني، وَهُوَ يَسُوعُ، أَيْ لا يوجد اِتِّحادٌ بَيْنَ الطَبْعَتَيْنِ الإلهية وَالبَشَرِيَّةِ، بَلْ مُجَرَّدُ صِلَةٍ بَيْنَ الطَبْعَتَيْنِ، وَهٰذا طَبْعاً يُخالِفُ الاِعْتِقادَ لَدَى اليُعاقَبَةِ بانَ أقنوم الكَلِمَةِ المُتَجَسِّدِ الواحِدِ ذِي الطَبْعَتَيْنِ الإلهية وَالبَشَرِيَّةِ. عَلَى أَنَّ تِلْكَ العَلاقاتِ لَمْ تَكُنْ عَلَى وَتِيرَةٍ واحدة، فإن هٰذِهِ القَبائِلُ البَدَوِيَّةُ كانَت تَتَحَيَّنُ الفُرَصَ الَّتِي تُوَفِّرُها ضَعْفُ الدَوْلَةِ أَوْ اِرْتِباكُها أَوْ اِنْشِغالُها فِي جَبْهاتٍ أُخْرَى، فَتَقُومُ بِالتَمَرُّدِ أَوْ خَلْقِ المَتاعِبِ، بَلْ وَالاِسْتِقْلالِ عَنْ إرادة السَيِّدِ وإنشاء دُوَلٍ وَمَحْمِيّاتٍ تَتَمَتَّعُ بِهٰذا القَدْرِ، أَوْ ذاكَ مَكِنَ الاِسْتِقْلالُ.
دَوْلَةُ الأَنْباطِ لَيْسَ هُناكَ اِتِّفاقٌ حَوْلَ عَرَبِيَّةِ هٰذِهِ الدَوْلَةِ (أو المَمْلَكَةِ) وَلٰكِنَّ الكَثِيرَ مِنْ الباحِثِينَ العَرَبِ يَعْتَبِرُونَها عَرَبِيَّةً (وَهُم قَوْمٌ مِنْ جَبَلَةِ العَرَبِ، وأن تَبِرّا العَرَبَ مِنهُم عَلَى حَدِّ قَوْلِ الدكتورِ جَواد عَلَى (المَفْصَلِ ص الجُزْءُ الثالِثُ ص 5) بَلْ إنه يَقُولُ فِي مَكانٍ آخر أنهم أقرب إِلَى قُرَيْشٍ مِن عَرَبِ الجَنُوبِ، وَيَقْصِدُ اليَمَنَ وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذٰلِكَ بِجُمْلَةٍ مِن البَراهِينِ مِنها أَنَّ أسماء مُلُوكِهِم وأسمائهم بصورة عامة عَرَبِيَّةٍ (الحارِثِ،زَيْد، عِبادَةٌ، "مَلِكُو"مالِكَ"، عَلِيَّ، حَبِيبٌ، وَسَعِيدٌ) والأصنام المُشْتَرَكَةُ وَغَيْرُها، كَما أَنَّ اليُونانَ الَّذِينَ عاصَرُوهُم كانُوا يُسَمُّونَهُم عَرَباً ثُمَّ أَنَّ لُغَةَ التَخاطُبِ بَيْنَهُمْ كانَتْ عَرَبِيَّةً (وَلا نَدْرِي كَيْفَ أثبت ذٰلِكَ) بِالرَغْمِ مِن أَنَّ لُغَةَ الكِتابَةِ، وَالَّتِي وُجِدَت عَلَى المَنْقُوشاتِ كانَت ارامِيَّةً كَما أَنَّ الأصنام الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها هِيَ نَفْسُها الَّتِي كانُوا أَهْلَ الحِجازِ مَثَلاً يَعْبُدُونَها، وَهُنا نُضِيفُ إِلَى المَعْلُوماتِ التارِيخِيَّةِ الَّتِي أَشَرْنا إليها مَعْلُوماتٍ أَكْثَرَ مُعاصَرَةً، أَوْ أَنَّ شُيُوعَها قَرِيبُ العَهْدِ جِدّاً نَتِيجَةَ الاِكْتِشافاتِ الأخيرة، وَتِلْكَ الحَقائِقِ تَتَمَثَّلُ فِي أَنَّ هُناكَ الكَثِيرَ مِنْ الكَلِماتِ النَبَطِيَّةِ فِي القُرْآنِ، بَلْ إن دِراسَةً عِلْمِيَّةً شَدِيدَةَ الجِدِّيَّةِ وَدَقِيقَةً وَمَبْنِيَّةً عَلَى وَثائِقَ تارِيخِيَّةٍ صَدَرَت فِي كِتابٍ تَقُولُ إن اللُغَةَ الأَصْلِيَّةَ القُرْآنِ كانَت نَبْطِيَّةً؛ وَمِن ثَمَّ تُرْجِمَ مِن هٰذِهِ اللُغَةِ إِلَى لُغَتِنا العَرَبِيَّةِ المَعْرُوفَةِ لَدَيْنا، وَلٰكِنْ عَبْرَ الخَطِّ الكُوفِيِّ وَكانَ غَيْرَ مُنَقَّطٍ وَطَبْعاً هٰذا لا يَتَعارَضُ وَمَقُولَةُ القُرْآنِ العَرَبِيِّ؛ لأن حَسَبَ الكَثِيرِ مِن العُلَماءِ أَنَّ النَبَطِيَّةَ أَوْ المَحْكِيَّةَ النَبَطِيَّةَ هِيَ مِنْ صُلْبِ اللُغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَلٰكِنَّ لَهْجَتَها إن صَحَّ التَعْبِيرُ تَخْتَلِفُ عَن اللَهَجاتِ الأُخْرَى، وَمِنْها لَهْجَتُنا اليَوْمَ (Luxenberg Christoph THE SYRO- ARAMAIC READING OF THE KORAN Verlag Hans Schiler Berlin 1 Edition200)) (وَجَدْنا مقالاً يشِيرُ إِلَى أَنَّ كرستوف لوكسنبرج هُوَ اِسْمٌ مُسْتَعارٌ لِعالَمِ ألماني هُوَ جيرد بوين ترأس لَجْنَةٍ لِدِراسَةِ وَتَرْمِيمِ النُسْخَةِ القَدِيمَةِ مِن القُرْآنِ الَّتِي عُثَرَ عَلَيْها عِنْدَ تَرْمِيمِ أحد الجَوامِعِ القَدِيمَةِ الأثرية فِي صنعاء 1972وسنورد مُقْتَطَفاتٍ مِنْ كِتابِهِ) وَيَنْسِبُهُمْ البَعْضُ(أي الانباط) إِلَى "العَمالِقَةِ أَوْ قِسْمٍ مِنْهُمْ "كَما يُذْكَرُ جَرْجِي زيدان"أو هُم مِن عَمالِقَةِ العِراقِ وَهُناكَ عَدَدٌ غَيْرُ قَلِيلٍ مِن الآراءِ حَوْلَ أصل الأَنْباطِ، فَمِنهُم مَنْ يُرْجِعُهُم إِلَى قَبائِلَ بَدَوِيَّةٍ هاجَرَت مِن اليَمامَةِ فِي قَدِيمِ الزَمانِ، أَوْ قِيلَ إن هُناكَ قَبِيلَةً نَبْطِيَّةً بَدَوِيَّةً كانَت تَتَواجَدُ فِي صَحْراءِ سِيناءَ وَالنَقَبِ مُنْذُ القَرْنِ السادِسِ قَبْلَ المِيلادِ، وَفِي القَرْنِ الثانِي قامُوا بِاِحْتِلالِ مَناطِقِ الادومِيِّينَ فِي الاُرْدُنِّ، وأخضعوهم لِسُلْطانِهِم فَقامَت مَمْلَكَةُ الأَنْباطِ، وَاِتَّخَذُوا مِن البَطْرا (أو البَتْرا أَوْ الرَقِيمِ) عاصِمَةً لَهُم، بَلْ أَنَّ الدكتورَ برو يَقُولُ أَنَّ عَرَبَ الحُوَيْطاتِ هُم مِن نَسْلِ الأَنْباطِ وَهُم مَنْ يُمَثِّلُونهُم اليَوْمَ (عَرَبُ الحُوَيْطاتِ لَعِبُوا دَوْراً مُهِمّاً فِي الثَوْرَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي تَحَدَّثَ عَنها، وَشارَكَ فِي إدارتها لورنس العَرَبَ وَشَيْخُ الحُوَيْطاتِ المَشْهُورانَذاكَ عَوْدَةَ أبو تايه يَحْتَلُّ فَقَراتٍ مُهِمَّةً فِي مُذَكِّراتِ لورنس أعمدة الحِكْمَةُ السَبْعَةُ) وَيُورِد الباحِثُ الوِيس موسيل مَعْلُوماتٍ عَن النَبَطِ حَيْثُ يَقُولُ " جاءَ سِنَحارِيب مِن بِلادِ بابِلَ إِلَى واحَةِ ادومو (Adumu) وَهِيَ اليَوْمَ الجُوفُ أَوْ دُومَةُ الجَنْدَلِ – وَفَتَحَها وَكانَ لِلعَرَبِ مَرْكَزُهُمْ الدِينِيُّ هُناكَ وَكانُوا يُقَدِّسُونَ كاهِناتِهِ كَمَلَكاتِهِمْ، عَلَى الأقل اِسْمِيّاً. كانَ الزُعَماءُ الأقوياء المختلفون الأسياد الحَقِيقِيِّينَ الَّذِينَ تابَعُوا مناوأة المَلِكِ الاشوري بِالرَغْمِ مِن أنه كَسْبِ كاهِناتٍ أَوْ مَلِكاتِ واحَةِ ادمو. كانَتْ قَبِيلَتا قِيدار (Kedar) وَنيبايوت (Nebayot) المَعْرُوفَتانِ فِي التَوْراةِ أَيْضاً – أَقْوَى القَبائِلِ العَرَبِيَّةِ، كانَ مَرْكَزُ قَبِيلَةِ كِيدار قَرِيباً مِنْ حُورانِ وَمَرْكَزِ النَبْطِيِّينَ فِي الجُزْءِ الجَنُوبِيِّ مِنْ وادِي السَرَحانِ. فِي نِهايَةِ الألفية الأولى قَبْلَ المِيلادِ فَتَحَ النَبَطِيُّونَ واحَةَ الجُوفِ وَدَخَلُوا إِلَى الغَرْبِ مِنْ مِنْطَقَةِ ايدوم (Edom) وأصبحوا أسياد المِنْطَقَةِ المُجاوِرَةِ لِمَوْقِعٍ قادِشٍ (Kadesh) القَدِيمِ. وَلَمّا كانُوا يَمْلِكُونَ طَرِيقَ التِجارَةِ الهامَّةِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى وادِي السَرَحانِ؛ وَكَذٰلِكَ إِلَى قِسْمٍ مِمّا كانَ يَرْبِطُ بَيْنَ الجُزْءِ الجَنُوبِيِّ الغَرْبِيِّ مِنْ العَرَبِيَّةِ وَفَنِيقِيّاً وَمِصْرَ، فَقَدْ كانَت التِجارَةُ مِهْنَتَهُمْ الرَئِيسِيَّةَ. أسسوا مَرْكَزَهُم التِجارِيَّ الخاصَّ المَعْرُوفَ بِاِسْمِ (بِتْرا) عِنْدَ الإغريق وَوادِي مُوسَى عِنْدَ العَرَبِ (الوِيس موسيل فِي الصَحْراءِ العَرَبِيَّةِ دارَ الوَرّاقِ ص 231) وَلٰكِنْ وَبِالمُقابِلِ فإن الأَغْلَبُ يَتَّفِقُ أنهم أَصْلاً مِن شِبْهِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، وَلٰكِنْ يَخْتَلِفُ مِن أَيِّ جُزْءٍ مِنها، وَلَسْنا فِي مَعْرِضِ دِراسَةِ أصلهم، فَذٰلِكَ يَكادُ يَكُونُ خارِجَ هَدَفِنا. فَقَطْ بَقِيَ أَنْ نُشِيرَ إِلَى الدِراسَةِ المُفَصَّلَةِ لِلدكتورِ جَواد عَلِي فِي الجُزْءِ الثالِثِ مِنْ سَفَرِهِ المُفَصَّلِ. وَهٰكَذا نَرَى أَنَّ العَرَبَ القُدَماءَ وَالمُسْلِمُونَ مِنهُم اِعْتَبَرُوا النَبَطَ شَتِيمَةً حَتَّى أَنَّ جَوادَ عَلِي يُورد أحاديث لِعُمْرِ اِبْنِ الخِطابِ عَنْ النَبَطِ تَنُمُّ عَنْ ظَنٍّ سَيِّئٍ بِهِمْ "مِنْها "تَمَعْدَدُوا، وَلا تَسْتَنْبِطُوا" (المَفْصِلُ الدكتورُ جَواد عَلِي الجُزْءُ الثالِثُ ص 5-75) الدَوْلَةُ النَبَطِيَّةُ حَكَمَت وَمُنْذُ القَرْنِ الخامِسِ قَبْلَ المِيلادِ (عُمُوماً لَيْسَ هُناكَ اِتِّفاقٌ عَلَى تارِيخِ نشأة دَوْلَتِهِم، وَقَدْ شاهَدْنا أَنَّ موسيل يَضَعُ تَوارِيخَ أقدم مِن ذٰلِكَ بِقُرُونٍ) وَإِلَى حُدُودِ مُنْتَصَفِ القَرْنِ السابع قبل المِيلادِ، وَشَمِلَت دَوْلَتُهُم وَفِي أوقات مُعَيَّنَةٍ مِساحَةً واسِعَةٌ اِمْتَدَّت مِن فِلَسْطِينَ شَمالاً إِلَى الحِجازِ جَنُوباً، وَمِن بادِيَةِ الشامِ شَرْقاً إِلَى شِبْهِ جَزِيرَةِ سِيناءَ غَرْباً عَلَى أَنَّ مَرْكَزَها كانَ فِي وادِي مُوسَى مَدِينَةَ بَتْرا أو "بَطَراً " كَما يُسَمِّيها جَرْجِي زيدان" (اُنْظُرْ جَرْجَي زيدان العَرَب قَبْلَ الإِسْلامِ فِي الحَدِيثِ عَن ثَمُودَ ص 65 وَفِي غَيْرِها مِن الفَقَراتِ مِثْلَ فَقْرَةِ دَوْلَةِ الأَنْباطِ )وَ بَتْراً وَتَعْنِي الحَجَرَ وَهِيَ فِعْلاً مَدِينَةٌ مَحْفُورَةٌ بِالحَجَرِ الأحمر اليُونانِ وَالرُومانِ يُسَمُّونَها" العَرَبِيَّةَ الحَجَرِيَّةَ" وَهٰذا الأَمْرُ أعطاها تَحْصِيناً وَحِمايَةً ضِدَّ الغَزَواتِ وَالحُرُوبِ،ويقول موسيل" كل الاخبار تشير الى أن الأنباط في عهد الآشوريين هم أنفسهم النبيوت(Nebajot) في التورات والآخيرون هؤلاء ينحدرون من إسماعيل" ( صحراء شمالي الجزيرة العربية حدودها وسكانها ومستوطناتها دراسة تاريخية الويس موسيل ص 50) عَلَى أننا لا نَجِدُ تَقْرِيباً أَيْ ذِكْرٍ لَها مِن جانِبِ البِحاثَةِ العَرَبِ فِي الإِسْلامِ، وَكُلُّ ما جاءنا هُوَ مِن الكِتاباتِ اليُونانِيَّةِ أَوْ بَعْضِ أسفار الكِتّابِ المُقَدَّسِ وَخاصَّةً مِن مُؤَلَّفاتِ المُؤَرِّخِ اليَهُودِيِّ يوسفوس فلافيوس(37-100 بَعْدَ المِيلادِ) عَلَى أَنْ أقدم مِن سَكَنِ العَرَبِيَّةِ الحَجَرِيَّةِ هُم الحُورِيُّونَ وَهُم سُكّانُ الكُهُوفِ القُدَماءِ، ثُمَّ جاءَ الاِدْمِيُّونَ ثُمَّ جاءَ النَبْطِيُّونَ إِلَى أَنْ قَضَى الإسرائيليون عَلَيْهِم، وأخضعوهم إلا أنهم اِسْتَعادُوا سُلْطَتَهُم بِتَعاوُنِهِم مَعَ نَبُوخِذ نَصْرٍ فِي حَمْلَتِهِ عَلَى أورشليم، فكافأهم بان أيد سُلْطَتِهِم عَلَى اِدوِم أنشأ الأَنْباطِ ذٰلِكَ قُبَيْلَ القَرْنِ الرابِعِ قَبْلَ المِيلادِ، وَهٰكَذا فإن بَطْراً لَيْسَت مِن بِناءِ الأَنْباطِ، بَلْ إنها مَدِينَةٌ ادومِيَّة وَجاءَ ذِكْرُها فِي سَفَرِ المُلُوكِ الثانِي وَالتَوْراةِ سَمَّتها سِلاعُ "الحَجَرِ" وَالمُسْلِمُونَ المتأخرون سَمُّوْها الرَقِيمُ وَهُوَ تَحْرِيفٌ لا أحد أسمائها اليُونانِيَّةِ؛ وَنَظَراً لِما شاهَدُوا فِي المَكانِ مِن نُقُوشٍ وَ وَنَحْتٍ أخذوا يَزْعُمُونَ عَنها بَعْضَ الخُرافاتِ مِنها أنه المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ أَهْلُ الكَهْفِ فِي القِصَّةِ القرآنية المَشْهُورَةِ. وَلَقَدْ كانَت هٰذِهِ المَمْلَكَةُ عُرْضَةً مُسْتَمِرَّةً لِهَجَماتٍ مِن قِبَلِ الرُومانِ، وَلٰكِنَّ بِناءَها وَمَوْقِعَها الحَصِينَ حَماها كَما أَشَرنا لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ. وَقَدْ حَكَمَها عِدَّةَ مُلُوكٍ أشهرهم الحارِثُ الثالِثُ، فَقَدْ تَمَكَّنَ هٰذا الحارِثُ مِن اِحْتِلالِ دِمَشْقَ، وَحاصَرَ القُدْسَ وَاِسْتَطاعَ الصُمُودَ وَرَدَّ الرُومانُ وَالاِحْتِفاظَ بِسِيادَتِهِ وَنُفُوذِهِ عَلَى جَنُوبِ فِلَسْطِينَ وَشَرْقِيِّ الأردن وَجَنُوبِ شَرْقِ سُورِيَّةَ وَشَمالِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، إلا أنها فِي نِهايَةِ المَطافِ خَضَعَت لِلرُومانِ، بَلْ وَساعَدَتْهُم فِي حُرُوبِهِم وَأَصْبَحَت مَمْلَكَةُ الأَنْباطِ عِبارَةً عَن إمارة تابِعَةٍ لِلرومِ، وتألفت مِنها قَبائِلُ نَبْطِيَّةٌ جَدِيدَةٌ وَهِيَ تَنُوخُ، وَالَّتِي اِنْحَدَرَ مِنها اللخميون وَهُم المَناذِرَةُ فِي الحَيْرَةِ وَالغَساسْنَةِ فِي الأردن وَجَنُوبِ سُورْيا، وَسَنَتَحَدَّثُ عَنهُم فِي فَقَراتٍ مُنْفَصِلَةٍ، وَبِالعَوْدَةِ إِلَى الحارِثِ فَيُنْسَبُ إليه بِناءَ جَيْشٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي المَعارِكِ مَبْنِيٌّ عَلَى بَعْضِ الأسس وَالتَدْرِيبِ، وَجَرَى إصلاحات بَعْدَ أَنْ كانَ النَبَطُ عِبارَةً عَن جَماعاتِ غَزْوٍ غَيْرِ مُنَظَّمَةٍ وَلا (مُنَسِّقَةٍ تُهاجِمُ عَدُوَّها وَتُباغِتُهُ عَلَى طَرِيقَةِ الأَعْرابِ، ثُمَّ تَتَراجَعُ يُسَيِّرُها العُرْفُ القَبَلِيُّ (كَما يَصِفُ ذٰلِكَ الدكتورُ جَواد عَلِي) وَلٰكِنْ ما يُعابُ عَلَى ذٰلِكَ الجَيْشِ بَقاءُ الرُوحِ البَدَوِيَّةِ فِيهِ فَهِيَ كَثِيراً ما تَعْصِي الأوامر، وَتَهْتَمُّ، وَتَسْعَى لِلغَنائِمِ أَكْثَرَ مِن أي شَيْءٍ آخر، وَلٰكِنْ مَعَ ذٰلِكَ اِسْتَطاعَ غَزْوٌ أرض يَهُوداً وَاِنْتَصَرَ عَلَيْهِم فِي مَعْرَكَةِ اديدا وَفَرَضَ عَلَيْهِ الصُلْحُ وَهٰذا ما ذَكَرَهُ يُوسْفُوس، بَلْ إنه تجرأ عَلَى مُجابَهَةِ الرُومانِ، وَالَّتِي كانَت لَها جُيُوشٌ مُنَظَّمَةٌ وَمُدَرِّبَةٌ، عَلَى الرَغْمِ مِن عَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِن النَصْرِ عَلَيْهِم وَسِجالِ الحارِثِ الثالِثِ وَمَمْلَكَةِ يَهُوداً وَاِنْخِراطِهِ فِي الصِراعِ بَيْنَ الأخوين ارسطوبولس وَهركانوس عَلَى زَعامَةٍ يَهُوذا سِجالٌ طَوِيلٌ وَمُشَوِّقٌ، وَكَيْفَ تَطَوَّرَ وَما آل إليه وَدَوْرُ الحارِثِ فِيهِ قِصَّةً مُمْتِعَةً لا كُنَّنا، وأن أَشَرْنا إِلَى مُقْتَطَفاتٍ مِنها لا ننوي التَوَسُّعَ فِيها لِعَدَمِ الإطالة، وَيُمْكِنُ الاِطِّلاعُ عَلَيْها فِي عِدَّةِ مَصادِرَ مِنها الجُزْءُ الثالِثُ مِن المَفْصَلِ لِلدُكْتُورِ جَواد عَلِي وَعُمُوماً، فَقَدْ شَهِدَت حِقْبَةُ حُكْمِ النَبَطِيِّ الحارِثِ الثالِثِ، وَمَن بَعْدِهِ اِبْنُهُ عِباد الثانِي، سِجالاتٍ وَتَطَوُّراتٌ وَحُرُوبٌ كَثِيرَةٌ شارَكَ فِيها النَبَطُ مَعَ أَوْ ضِدَّ الرُومانِ وَالفَرَثِ وَشارَكَت فِيها شَخْصِيّاتٍ وأسماء تارِيخِيَّةً كَبِيرَةً مِثْلَ هيرودس مَلِكِ يَهُوداً وَكليوبِطَرِهِ مَلِكَةَ مِصْرَ وانطونيوس الرومانِيِّ وَهٰذا إن دَلَّ عَلَى شَيْءٍ فإنه يَدُلُّ عَلَى مَكانَةِ وَدَوْرِ النَبَطِ فِي ذٰلِكَ الزَمانِ. إن مَوْقِعَ الأَنْباطِ أتاح لَها أَنْ تَكُونَ مَمَرّاً تِجارِيّاً مَهْمّاً فَقَدْ اِشْتَغَلَ أَهْلُها فِي البِدايَةِ بِحِمايَةِ القَوافِلِ التِجارِيَّةِ، ثُمَّ بدأوا يَقُومُونَ بِالوَساطَةِ التِجارِيَّةِ وَبِالتَدْرِيجِ أصبحوا هُم أصحاب التِجارَةِ فَقَوافِلُهُم سارَت مِن عَمّانَ وَاليَمَنِ وَمُرُوراً بِمَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، ووصلت إِلَى الشامِ وَمِصْرَ حامِلَةً التَوابِلَ وَالعُطُورَ وَاللُبانَ وَالمُرَّ وَالقارَّ الَّذِي اِسْتَخْدَمَهُ المِصْرِيُّونَ فِي التَحْنِيطِ، وَكانَ مِيناءُ (غَزَّةَ) مِيناءَ النَبَطِ المُفَضَّلِ عَلَى البَحْرِ المُتَوَسِّطِ، وَذٰلِكَ أَيْضاً لِقُرْبِهِ عَلَيْهِم، بَلْ أَنَّ آثار تِجارَتَهُم وَجَدَت نُقُوشَها فِي إيطاليا وَحَتَّى بَعْدَ سُقُوطِ دَوْلَةِ النَمَطِ، وَتَفَرُّقِهِم فِي البُلْدانِ المُجاوِرَةِ بَقُوا يُمارِسُونَ التِجارَةَ، وَكَتَبُوا مُعامَلاتِهِم بِاللُغَةِ النَبَطِيَّةِ إِلَى جانِبِ اليُونانِيَّةِ أَوْ الآرامية، وَلَمْ تَكُنْ الزِراعَةُ مُتَوَسِّعَةً عِنْدَهُم، وَلٰكِنْ كانَ هُناكَ نِظامٌ لِلرَيِّ وَالقَنَواتِ وَخَزْنُ المِياهِ يَدُلُّ عَلَى مُسْتَوىً مُتَطَوِّرٍ مِن العَمَلِ فِي هٰذا القِطاعِ، فَقَدْ ذُكِرَ عَنهُم أنهم كانُوا يَجْمَعُونَ ماءَ المَطَرِ وَيُخَزِّنُونَهُ فِي الصَهارِيجِ، وَالَّتِي لا يَعْرِفُ مَواقِعَها أحد غَيْرِهِمْ، وأنهم كانُوا لا يَسْقُونَ ماشِيَتَهُمْ الماءَ إلا فِي كُلِّ ثلاثة أيام حَتَّى تَتَحَمَّلَ عَطَشَ البادِيَةِ وَقِلَّةَ مائِها وَهِيَ عِنْدَ ذاكَ تَتَعَوَّدُ عَلَى هٰذِهِ البَوادِي القاسِيَةِ التَصَحُّرُ. أما غذاؤهُمْ فَيَتَكَوَّنُ مِنْ اللُحُومِ وَالحَلِيبِ وَالفُلْفُلِ، وَلَمْ تَكُنْ زِراعَتُهُم واسِعَةً نَتِيجَةً لِطَبِيعَةِ الأراضي الصَحْراوِيَّةِ، وَيُقالُ إنهم كانُوا فِي البِدايَةِ رُعاةً لِلماشِيَةِ، ثُمَّ تَحَوَّلُوا تَدَرُّجِيّاً إِلَى التِجارَةِ، وَمِن تِجاراتِهِم الرائِجَةِ أنداك الأسفلت الَّذِي يَسْتَخْرِجُونَهُ مِن قُرْبِ السَواحِلِ، وَيُصْدِرُوهُ خاصَّةً إِلَى مِصْرَ حَيْثُ يَسْتَخْدِمُونَهُ فِي تَحْنِيطِ المَوْتَى. وَيَتَحَدَّثُ الدكتور جَواد عَلِي (وَالَّذِي يُؤَكِّدُ أَنَّ مَصْدَرَ أَغْلَبِ مَعْلُوماتِهِ جاءَتْ مِنْ كِتاباتِ المُؤَرِّخِ يوسيفوس) عَن وَضْعِ المرأة فِي المُجْتَمَعِ النَبَطِيِّ، وَيَقُولُ إنه كانَ للمرأة مَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ عِنْدَ النَبَطِ بِدَلِيلِ ما نَجِدُهُ فِي كِتاباتِهِم وَنُقُودِهِم المَسْكُوكَةِ، وَمَنْ ذَكَرِ اِسْمَ المَلِكاتِ مَعَ المُلُوكِ كَما وَرَدَ مَثَلاً، عَنْ (شَقِيلَت أخته مَلَكَتْ نَبْطُو) أَيُّ شَقِيلَةٍ أخته مَلِكَةُ النَبَطِ. أما أشهر مُدُنَ النَبَطِ، فَقَدْ كانَت بِالطَبْعِ بَتْراً أَوْ البَتْراءُ أَوْ بَطْراً كَما يُسَمِّيها البَعْضُ وَتَعْنِي بِاليونانيةِ الصَخْرِ أما اِسْمُها القَدِيمُ فَهُوَ سِلَعٌ، وَهُوَ يَعْنِي أَيْضاً الصَخْرَ فِي لُغَةِ الادومِيِّينَ وَلَمّا اِفْتَتَحَها (اِمْصِيّاً) كَما يَقُولُ د عَلِيّ سَمّاها (يَقْتَئِيلُ ) أَيْ الخاضِعُ لِلّٰهِ وَهِيَ مَدِينَةٌ قَدِيمَةٌ، وَكانَت مِن قِبَلُ عاصِمَةِ ادوَمْ وَيَذْكُرُها ياقُوت الحَمَوِي بِاِسْمِ سِلَعٍ وَتَقَعُ آثار المَدِينَةِ اليَوْمَ فِي وادِي مُوسَى (وَسُمِّيَ وادِي مُوسَى لِمّا زَعَمَ فِي الأَساطِيرِ مِن أَنَّ مُوسَى فِي هٰذِهِ المِنْطَقَةِ ضَرَبَ بِعَصاهُ فِي الصَخْرِ، فَتَفَجَّرَ الماءُ وَكانَ يَنْبُوعٌ جَرَى حَتَّى إِلَى النَهْرِ، فَسُمِّيَت بِعَيْنِ مُوسَى وَيَلْحَظُ فِي بَعْضِ الطُرُقِ فِي بَتْراً مُبَلَّطٍ، وَلَعَلَّ مَنْ أشهر مَعالِمَ البَتْرا الماثِلَةِ حَتَّى اليَوْمِ ما يُعْرَفُ بِخَزْنَةٍ فِرْعَوْنَ وَهِيَ في واقع الأمر ضَرِيحٌ مَلَكِيٌّ مَنْحُوتٌ فِي الصَخْرِ مُكَوَّنٌ مِن بِناءٍ ضَخْمٍ وَغُرَفٍ وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهِ بِخَزْنَةِ فِرْعَوْنَ لانَ فِي أَعْلَى الواجِهَةِ المَنْحُوتَةِ تُوجَدُ جَرَّةٌ مَنْحُوتَةٌ اِعْتَقَدَ البَدْوُ أنها جَرَّةً تَحْتَوِي عَلَى كَنْزٍ وَهُناكَ أَيْضاً قَوْسُ النَصْرِ وَهَياكِلُ قُبُورٍ وَغَيْرُها. أما المَدِينَةُ الأُخْرَى فَهِيَ حَجَرٌ وَهُناكَ نِقاشاتٌ حَوْلَ هٰذِهِ المَدِينَةِ وأصلها وَهَلْ هِيَ نَفْسُ مَدائِنَ صالِحٍ، وَلَعَلَّ مَنْ أشهر الرِواياتِ هِيَ الَّتِي تَرْبِطُ هٰذِهِ المَدِينَةَ بِالثُمُودِيِّينَ وَقَدْ جاءَ ذِكْرُها فِي القُرْآنِ {وَقَدْ كَذَبَ أصحاب الحَجَرَ المُرْسَلِينَ (80) } (55/6 سُورَةَ الحَجَرِ مَكِّيَّةَ عَدَدِ الآيات 165 عَدا آيات 20،23 ، 91-93،114، 141،151-153 الآية 80 )وَقَدْ لَعِبَت هٰذِهِ المَدِينَةُ دَوْراً مُهِمّاً فِي مَمْلَكَةِ النَبَطِ وَخاصَّةً فِي الحِقْبَةِ الأخيرة مِن هٰذِهِ المَمْلَكَةِ وَقَدْ أشار إليها البَرْفُسُورُ الوِيس موسيل إليها، وَإِلَى مَعْبَدِ الغَرّافَةِ القَرِيبِ مِنها، وَذٰلِكَ فِي دِراسَتِهِ شَمالَ الحِجازِ، وَقالَ إن هٰذِهِ الأماكن كانَت مَعْرُوفَةً لِلمُؤَلِّفِينَ الأقدمين مِن اليُونانِ وَالرُومانِ، وَقَدْ أورد ذٰلِكَ فِي العَدِيدِ مِن الإشارات فِي دِراسَتِهِ تِلْكَ (اُنْظُرْ الوِيس موسيل شَمالَ الحِجازِ نَقْلَها إِلَى العَرَبِيَّةِ الدُكْتُورُ عَبْدُ المُحْسِن الحُسْنِي مُؤَسَّسَةُ الثَقافَةِ الجامِعِيَّةِ الاِسْكَنْدَرِيَّةِ لِلطَبْعِ وَالنَشْرِ وَالتَوْزِيعِ ص 26 ،30،92، 128،140، وَغَيْرُها مِن الصَفَحاتِ الكَثِيرَةِ) وَهُناكَ مُدُنٌ نَبْطِيَّةٌ أُخْرَى مِنها مَدِينَةُ الكُورَةِ العَرَبِيَّةِ (المُقاطَعَةُ العَرَبِيَّةُ) وَجَعَلَت تَحْتَ حُكْمِ حاكِمِ بِلادِ الشامِ المَدْعُوِّ ( كورنليوس بالما )وَمِن المُدُنِ التابِعَةِ لَها أذرعات وَهِيَ دَرْعا الحالِيَّةُ وَبَصَرِيٌّ أَوْ بَصَرِيُّ الشامِ، وَقَدْ عَرَفَت هٰذِ المَدِينَةُ فِي التُراثِ العَرَبِيِّ الإِسْلامِيِّ أنها مَدِينَةُ الراهِب بُحَيْراً وأن النَبِيُّ مُحَمَّد فِي إحدى سَفَراتِهِ التِجارِيَّةِ نَزَلَ فِيها، وَاِلْتَقَى الراهِبُ بُحَيْراً وَهٰذِهِ المَدِينَةُ القَرِيبَةُ مِن دَرْعاً كانَت مَحَطَّةً تِجارِيَّةً مُهِمَّةً فِي طَرِيقِ الحَرِيرِ وَمَشْهُورَةً فِي صِناعَةِ السُيُوفِ إلى يومنا هذا، فإنها تَضُمُّ الكَثِيرَ مِن الآثار الرُومانِيَّةِ المُهِمَّةِ، وَمِن المُدُنِ الأُخْرَى باشان (الجَوْلانِ) وَجَرَشُ، وَالَّتِي كانَت مَرْكَزاً لِعِبادَةِ الإله اِرْتَمِيسَ وَكَذٰلِكَ مَدِينَةُ مادْبا ( مَيْدَبا) وأخيرا، وَلَيْسَ اخْراً فِيلادْلِيفْياً أَوْ رَبَّةَ عُمُونِ أَوْ عَمّانَ الحالِيَّةِ (وَمَنْ يَرْغَبُ فِي التَوَسُّعِ فِي هٰذِهِ المَواضِيعِ نَحِيلَةً إِلَى كُتّابِ الدُكْتُورِ جَواد عَلِي المَفْصِل، وَفِي جُزْئِهِ الثالِثِ وَكَذٰلِكَ إِلَى كِتابِ الوِيس موسيل شَمالَ الحِجازِ، وَإِلَى فَقَراتٍ مُشابِهَةٍ فِي الأنترنيت وَهِيَ عُمُوماً دِراساتٌ مُمْتِعَةٌ، وَفِيها الكَثِيرُ مِنْ الأَحْداثِ وَالمَعْلُوماتِ) أما فِيما يتعلق بِالدِينِ، فَقَدْ كانَ الأَنْباطُ وَثَنِيِّينَ مِثْلَ الغالِبِيَّةِ مِنْ العَرَبِ (فَتْرَةُ تَواجُدِهِم كانَ الدِينُ اليَهُودِيَّ قَدْ بدأ الانتشار فِي هٰذِهِ الأماكن، وَأَشَرنا إِلَى حُرُوبٍ بَيْنَهُم وَبَيْنَ اليَهُودِ ثُمَّ، وَفِي أثناء حُكْمِهِم جاءَت المَسِيحِيَّةُ) وَهٰذِهِ المَعْلُوماتُ عَن الدِينِ وَمَعَها اللُغَةُ مُهِمَّةٌ لِبَحَثُونا اللاحِقَةِ فِي مَدَى تأثير الأَنْباطِ فِي المُجْتَمَعِ النَجْدِيِّ عُمُوماً وَالقَرِيشِي خاصَّةً وَالإِسْلامَ فِيما بَعْدُ ولا بد مِن الإشارة إلى أَنَّ الباحِثِينَ يَعْتَرِفُونَ بِنَقْصِ الوَثائِقِ الكِتابِيَّةِ عَن الدِياناتِ قَبْلَ الإِسْلامِ عُمُوماً وَمِنها النَبَطِيَّةُ أَوْ عُمُومُ عَرَبِ الشَمالِ خاصَّةً أَنَّ كُلَّ شَواهِدِهِم الَّتِي تَدُلُّنا عَلَى حَياتِهِم الدِينِيَّةِ قَدْ تَمَّ تَدْمِيرُها عَلَى يَدِ المُسْلِمِينَ ( وَهٰذِهِ الظَواهِرُ نُشاهِدُها حَتَّى فِي عَصْرِنا الراهِنِ كَما فِي الدَمارِ الَّذِي أحدثه الأفغان فِي التَماثِيلِ الضَخْمَةِ فِي الجِبالِ وَالتَدْمِيرِ الَّذِي أحدثه داعِش فِي الجَوامِعِ وَالكَنائِسِ والأديرة وَالمَخْطُوطاتِ وَالوَثائِقِ وَغَيْرِها) كانَ للأنباط أصنامهم الَّتِي يَعْبُدُونَها وَأَهَمُّها " ذُو الشَرَى وَيَعْنِي اِسْمُهُ "رَبُّ الجَبَلِ" وَهُوَ أهم إله، بَلْ وَيُشارُ إليه "ذُو الشَرَى وَكُلُّ الإله"وَالَّذِي كانَ يَرْمُزُ إليه بِالحَجَرِ الأسود وَهِيَ كُتْلَةٌ سَوْداءُ غَيْرُ مَنْحُوتَةٍ اِرْتِفاعُها أربع أقدام وَعَرْضُها قَدَمانِ وَهُناكَ أصنام "اللّات" وَيُشارُ إليها بأنها الالٰهُ العَظِيمَةَ المَوْجُودَةَ فِي اِرْمِ وَهِيَ الأُخْرَى صَخْرَةٌ مُرَبَّعَةٌ تَرْمُزُ إليها، وَمِن هٰذا جاءت تَسْمِيَتُها أَيْضابُ"كَعْبُو" وَهُوَ شَكْلُ الصخرة"العُزَّى" وَالَّتِي تَعْنِي الاِعْتَى وَمَوْقِعَها فِي البَتْراءِ وَهِيَ واحِدَةٌ مِن بَناتِ اللّٰهِ مَعَ "اللّاتِ" وَمُناةٍ وَهِيَ أَيْضاً عَرُوسٌ ذُو الشَرَى وَ"مُناةٌ"وَهُوَ إله القَدَرُ، وَكانَت تَعْبُدُ مِنْ أجل هُطُولَ المَطَرِ أَوْ اِبْتِغاءَ النَصْرِ فِي الحُرُوبِ وَهِيَ زَوْجَةُ هَبَل وَ"هَبَل" وهو من أشهر الأصنام فِي الكَعْبَةِ وَكَوْنِهِ المَسْؤُولَ عَنْ المَوْتِ وَالنَسَبِ وَيَعْتَقِدُ أنه الإله(الصنم) الَّذِي ذَهَبَ إليه عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنِ هاشِم أثناء مِحْنَةِ الوَفاءِ بِالنَذْرِ (بِذَبْحِ أحد أبنائه) حِينَ لَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ ما لقي عِنْدَ حَفْرِ زَمْزَمَ وَكانَتْ القُرْعَةُ تَقَعُ دائِماً عَلَى عَبْدِ االلّٰه"وَهُوَ والِدُ النَبِيِّ مُحَمَّدٌ" وَكانَ عَبْدُ اللّٰه هٰذا أصغر أبنائه وأقربهم إِلَى قَلْبِهِ (وَإِلَى بَقِيَّةِ القِصَّةِ. المُفَصَّلَةِ فِي الجُزْءِ الأول فِي السِيرَةِ النَبَوِيَّةِ لِاِبْنِ هِشام) (وَهُناكَ آلهة أُخْرَى أقل دَرَجَةً مِثْلَ "الكُتُبِي" وَ"بَعْلِ شَمِين "و"قَوْسٍ" وَ"منتو"و"ايْزِيس" وَ"اُتُّرُعا "وَ"شِيِّعُ القَوْمِ" وَ"عَبْدَةً" وَ"تِيكة" وَطَبْعاً أَنَّ هٰذا الكَمَّ مِن الآلهة جاءَ بتأثير عَلاقاتِ وَاِرْتِباطاتِ النَبْطَيْنِ، وَما فُرِضَ عَلَيْهِم عَبْرَ مَراحِلَ مُخْتَلِفَةٍ مِن تارِيخِهِم وَمُخالَطَتِهِم الأقوام المُخْتَلِفَةَ وَخاصَّةً مِنها الآلهة اليُونانِيَّةَ الرُومانِيَّةَ وَهُم فِي الغالِبِ لا ايْقُونِين (أي لا يجسدون الإله بِصُوَرٍ وَتَماثِيلَ، بَلْ أحيانا بأحجار كَما فِي الحَجَرِ الأسود، وَلٰكِنَّ هٰذا لَمْ يَسْتَمِرَّ بِفِعْلِ التأثيرات اليُونانِيَّةِ، فأخذت الآلهة تُجَسِّدُ بِالجُلُوسِ عَلَى العَرْشِ مُحاطَةً بِحَيَواناتٍ مِنها الأسود أَوْ الثِيرانِ)، وَبَعْضِ الآلهة كانَت تَفْرِضُ طقوساً خاصَّةً بِها أو محرمات كَما فِي تَحْرِيمِ شُرْبِ الخَمْرُ أَوْ اِسْتِخْدامُ البَخُورِ وَالزُيُوتُ العِطْرِيَّةُ أَوْ وَضْعُ بَعْضِ المُقْتَنَياتِ فِي القُبُورِ وَغَيْرِها؛ مِمّا نَراها حَتَّى اليَوْمِ مُسْتَخْدَمَةً مِنْ قِبَلِ بَعْضِ الطَوائِفِ الإِسْلامِيَّةِ فِيما بَعْدَ دَخَلَ قِسْمٍ مِنْهُمْ الدِيانَةَ اليَهُودِيَّةَ ثُمَّ المَسِيحِيَّةَ إِلَى أَنْ جاءَ الإِسْلامُ، فَمَنْ تَبَقَّى مِنْ هٰذِهِ الأَقْوامِ فِي الغالِبِ أَسْلَمَ. أبن غَنام في تأريخه يقول" كانْت الطَوَاغِيتُ الكِبارُ التي تُشَّدُ اليها الرِحَالُ ثلاثة: اللات والعزى ومناة وكل واحْدٌ لمصر من أمْصار العَرَب فكانت اللات لاهل الطائف، وذكروا أنَهُ في الأَصلُ رَجُلاً صالحَاً يَلُتُّ السَوِيق للحاج، فَلما مات عَكفوا على قَبْرِهِ وأما العزي فكانت لأهل مكة قريبا من عرفات، وكانت شجرة يذبحون عندَها ويَدْعون، وأما مناة فكانت لأهل المدينة" (تأريخ أبن غنام للشيخ حسين بن غنام الجزء الأول ص700) أَمّا فِيما يَخُصُّ اللُغَةَ الَّتِي كانَتْ سائِدَةً لَدَى الأَنْباطِ أَوْ "لِسانِهِمْ كَما يُسَمِّيهِ جَرْجَي زيدان وَأَخَذَ مِثْلُهُ أَوْ مِنْهُ أَغْلَبُ الباحِثِينَ وَخاصَّةً العَرَبَ المُسْلِمِينَ "فَهِيَ العَرَبِيَّةُ، وَيُؤَكِّدُ أَنْ لا عِبْرَةَ بِما وَجَدُوهُ مَنْقُوشاً عَلَى آثارِهِمْ بالِغَةَ الآرامِيَّةِ، فَإِنَّها كانَت لُغَةَ الكِتابَةِ فِي ذٰلِكَ العَهْدِ مِثْلَ الفُصْحَى فِي أَيّامِنا فَهُوَ يَقُولُ لَنا أَنَّ " اللَهَجاتِ" كانَت مُخْتَلِفٌ عَن لُغَةِ المُخاطَباتِ الرَسْمِيَّةِ وَالتَدْوِينِ، وَهِيَ اِنْتَقَلَت مِن المِسْمارِيَّةِ إِلَى الآرامية، وَتَنَوَّعَت هٰذِهِ الأقلام بِتَوالِي الأجيال، فَتَفَرَّعَت إِلَى عِدَّةِ فُرُوعٍ عُرِفَت بالأقلام الآرامية وأشهرها عِنْدَ السامِيِّينَ القَلَمِ التَدَمُّرِيَّ فِي تَدَمُّرٍ وَالقَلَمُ النَبَطِيُّ فِي بَطْراً، وَهِيَ فِي كُلِّ الأحوال غَيْرُ لُغَةِ التَكَلُّمِ، وانْ تَقارَبَتا فِي أَكْثَرِ التَراكِيبِ والألفاظ. (كُتّابُ العَرَبِ قَبْلَ الإِسْلامِ جَرْجِي زيدان الجُزْءُ الأول دَوْلَةُ الأَنْباطِ ص 68-83) وَلِمِثْلِ هٰذا السَبَبِ اُضْطُرَّ الجِرْمانِيُّونَ الَّذِينَ هَبَطُوا عَلَى المَمْلَكَةِ الرُومانِيَّةِ إِلَى تَعَلُّمِ اللُغَةِ اللاتِينِيَّةِ وَجَعَلُوها لُغَتَهُم الرَسْمِيَّةَ وَكُلَّ طائِفَةٍ مِنهُم تَتَكَلَّمُ لُغَتَهُم الخاصَّةَ،وَظَلَّت اللُغَةُ اللاتِينِيَّةُ لُغَةَ العِلْمِ وَالنَقْشِ عَلَى الآثار فِي أوربا أجيالا بَعْدَ ذَهابِ دَوْلَتِها وَلِكُلِّ أمة مِن الأمم لِسانٌ خاصٌّ بِها تَتَفاهَمُ بِهِ، وَلَمْ تُهْمِلْ اللاتِينِيَّةَ وَتُدَوِّنُ اللُغاتِ العامِّيَّةَ لَمْ يبدأ إلا فِي نَهْضَةِ هٰذا التَمَدُّنِ. (يُراجِعُ جَرْجِي زيدان كُتّابَ العَرَبِ قَبْلَ الإِسْلامِ مَطْبَعَةَ الهِلالِ سَنَةَ 1922) فَاللُغَةُ الَّتِي نقرأها عَلَى آثار بَطْراً(بَتْراً) وَغَيْرِها مِن آثار الأَنْباطِ آرامية. وأما لُغَةَ الكَلامِ فَكانَت عَرَبِيَّةً وَالاِثْنانِ مرتبطتين بأمهما القَدِيمَةُ لُغَةَ بَدُوِ الآراميين أَوْ اللُغَةِ البابِلِيَّةِ القَدِيمَةِ. وَعَلَى ذٰلِكَ وَبَعْدَ شُرُوحٍ وَمُقارَناتٍ أُخْرَى يُؤَكِّدُ أَنَّ الأَنْباطَ عَرَبٌ، وَيَتَكَلَّمُونَ العَرَبِيَّةَ وَلُغَتَهُم مَعَ كَوْنِها آرامية، إلا أنها تَنُمُّ عَن أصحابها العَرَبَ، وَهٰذا ما سَوْفَ نَعُودُ للإشارة إليه فِي لاحِقِ البَحْثِ
#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الجزء الثالث المدنيات العربية
-
الجزء الثاني من المدنيات العربية
-
المدنيات العربية
-
العرب قبل الاسلام (2)
-
العرب قبل الاسلام الحواضرالعربية
-
من يحكمنا
-
الاسلام والبداوة
-
الأمن الوطني العراقي يصادر كتابي -البدو والإسلام جذور التطرف
...
-
أخسر صفقة من أبي غبشان
-
كُتُبَنا كَثِيرَة مَعأرِفُنا قَلِيلَة
-
مربط الفرس
-
ألويس موسيل
-
جذور المشكل العراقي
-
الأحابيش من قريش الى فارس
-
تكملة القسم الثالث. النصولي والدولة الاموية
-
القسم الثالث. النصولي والدولة الاموية
-
القسم الثاني. النصولي والدولة الاموية
-
النصولي والدولة الاموية
-
أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟
-
كالذبال في السراج إذا فني زيته
المزيد.....
-
رسالة قائد الثورة الإسلامية إلى مؤتمر -شهداء الأسر الغرباء-
...
-
بسبب تضامنها مع فلسطين.. إقالة عضوة في لجنة الحرية الدينية ب
...
-
بأمر المحكمة.. ناشطة معادية للإسلام تموّل أكبر منظمة إسلامية
...
-
السيد الحوثي: العدو الإسرائيلي مستمر في انتهاكاته بحق المس
...
-
السيد الحوثي: العدو الإسرائيلي يسعى إلى إزالة المعالم الإسل
...
-
السيد الحوثي: العدو الإسرائيلي مستمر في انتهاكاته بحق المسج
...
-
اغتيال سيف الإسلام القذافي، قراءة في سيناريوهات “التصفية الغ
...
-
تنوير وتحرير.. قراءة تونسية جديدة تستنطق النص القرآني بمناهج
...
-
خطيب صلاة الجمعة بطهران : ملايين الأشخاص الذين حضروا في مراس
...
-
الانتخابات التشريعية في بنغلادش: الحزب الوطني يحقق فوزا واسع
...
المزيد.....
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|