أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - التهمة: مُزعجٌ مثل -ذبابة الخيل-














المزيد.....

التهمة: مُزعجٌ مثل -ذبابة الخيل-


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 12:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial

تصوّروا مجتمعًا يُدين ويسجنُ ويقتلُ شخصًا ما، فقط لأنه يفكّر ويسأل! رغم أن "السؤال" هو بدايةُ كل اختراع، وعتبةُ كل حضارة وتقدم. فلولا السؤال ما انحنى البرقُ ليغدو كهرباء، وما تحول الحجرُ إلى عجلة، وما سَلّم الليلُ مفاتيحه للمصباح، وما تحول تساؤل "الإخوة رايت" إلى طائرة ومركبة فضائية. لكن المجتمعاتِ الكسولة تكره مَن يفكّر وتصبُّ عليه اللعنات؛ لأنه يفتح الستارة فجأة فيوجع وهجُ الشمس العيونَ الناعسة.
في كتاب: “دفاع سقراط" (Apology of Socrates) الذي كتبه "أفلاطون" عام ٣٩٩ قبل الميلاد ليوثّق ويُخلّد لحظات محاكمة أستاذه وإعدامه، وصف "سقراط" نفسَه بأنه "ذبابةُ الخيل" التي أرسلها اللهُ لتوقظَ مدينة "أثينا" من سُباتها الفكري. وكأن مجتمعه حصانٌ كسول غارقٌ في النعاس ويكره من يوقظه. كان يرى أن وظيفته هي إزعاج الناس بالأسئلة، لا طمعًا في إجاباتٍ، بل ليدفعهم نحو الفضيلة وتدبير شؤون الروح والارتقاء بالنفس والأخلاق، بدلاً من الركض خلف المال والجاه والسلطة. ثم قصَّ عليهم النبوءةَ التي يعرفها الجميعُ سلفًا: حين سُئلت "كاهنة دلفي": “مَن أحكم البشر؟" فأجابت: “سقراط"، فأعادوا سؤالها: “هل هناك مَن هو أحكم من سقراط؟"، أجابت: “لا.” لم يبتهج الفيلسوفُ لسماع تلك النبوءة، بل قال للحكماء في أسًى: “الفارق بيني وبينكم: أنكم تظنون أنكم تعلمون كل شيء، بينما أنا أعرفُ أن هناك الكثير مما لا أعرفه.” ثم قال عبارته الخالدة: “أنا أحكمُ منكم بهذا القدر فقط: أنني لا أظنُّ أني أعلمُ ما لا أعلم.” وهذي العبارة ليست من تواضع العلماء، بل هي منهجٌ معرفيٌّ كامل.
وجّهت المحكمةُ للفيلسوف الكبير تهمًا ثلاثًا: إفسادُ الشباب، عدمُ الإيمان بآلهة أثينا، استحداثُ آلهة جديدة. وأنكر "سقراط" جميع التهم، ورفض التوسل للمحكمة أو استدرار عطف القضاة، إذ رأى أن الخوف من الموت نوعٌ من "ادعاء المعرفة"، فالموت قد يكون خيرًا عظيمًا، ولا ينبغي للإنسان أن يخشى ما لا يعرفه. لم يقف "سقراط" في المحكمة بصفته متهمًا يرنو للبراءة ويطلب النجاة، بل كحكيم اكتشف، وكشف للناس، أن السؤال أخطرُ من السيف لأنه يزعجُ النيام، وأن التفكير "جريمةٌ" في مجتمع يسير بالعادة ويكره التأمل. دافع "سقراط" عن "الفكرة والمبدأ" لا عن نفسه. فلم يكن دفاعُه نصًّا قانونيًّا، بل كان بيانًا وجوديًّا ودرسًا خالدًا في احترام التأمل والتفكير والعلم، إذ أعلن الفيلسوفُ أن الحياة التي لا تُفحَص لا تستحق أن تُعاش، وأن الصمتَ عن الزيف خيانةٌ للروح. دفع "سقراط" عن نفسه تهمة "إفساد الشباب"، قائلا: "بل أنا أجولُ في الشوارع، لا همَّ لي إلا إقناع الناس، شبابًا وشيوخًا، بألا يهتموا بأجسادهم أو أموالهم، بل بكيف يجعلون نفوسهم فاضلةً ومجتمعهم صالحًا متماسكًا". ثم هتف في وجه الجميع: “أيها الأثينيون، أنا أحبكم وأحترمكم، ولكني سأطيع اللهَ لا أنتم، وما دام فِيَّ عرقٌ ينبض وقوةٌ تسعفني، فلن أكف عن الفلسفة.” وحين انتهت المحاكمةُ بالإدانة وحُكم عليه بالموت، قال: “أما وقد حانت ساعةُ الرحيل، فليذهب كلٌّ منا في سبيله: أنا إلى الموت، وأنتم إلى الحياة. وأيّنا يمضي إلى المصير الأفضل؟ ذلك غيبٌ لا يعلمه إلا الله". حاول تلامذته إقناعه بالهروب، لكنّه رفض بكل حسم، احترامًا لمبادئه واحترامًا لقوانين مدينته، مهما كانت ظالمة وغير منطقية، ليصير بهذا: أول "شهداء الفكر" في التاريخ. ومازال الشهداءُ يتساقطون في كل عصر حتى اليوم.
لم يدافع "سقراط" عن براءته، بل عن حقّ العقل في أن يكون شوكةً في خاصرة الطمأنينة الكاذبة. لكن المدينة "المطمئنة" رأت في أسئلته خرقًا للأمن الرمزي، لا لأن الرجل كان كافرًا، بل لأنه كان يقظًا. واليقظةُ في مجتمعات النعاس ضربٌ من العصيان. "سقراط"، ككلّ مفكر، في جوهره، صوفيّ بلا محراب. لم يعتزل الناس، بل نزل إليهم، ليمارس "رياضة السؤال" في السوق، حيث الضجيج أعلى من التأمل. كان يؤمن بأن الجهل ليس في عدم المعرفة، بل في الادّعاء الكذوب بالمعرفة. وهذه وحدها كافية لأن تجعل منه خطرًا على السائد، لأن كل نظامٍ يقوم على وهم الكفاية، يخشى من يفضح هشاشته.
وتظلُّ تهمةُ "الكفر"، أقدمَ حيلةٍ في تاريخ قمع الفكر. كل من يخالف التصوّر الجمعي عن فكرة راكدة تناقض العقل، يُرمى بالكفر. "سقراط" لم يحارب الدين، بل رفض توظيفه لجني المغانم، وظلم الناس. آمن بأن العلاقة بين الإنسان والخالق، لا تمر عبر الطقوس وحدها، بل عبر الضمير ابتداءً. وهنا يلتقي بالفكر الصوفي، حيث يصبح الإيمانُ تجربة إنسانية رفيعة تتجلى في صلاح السلوك ونقاء الروح، لا زيفًا شكليًا للفوز بمغانم الحياة. مات "سقراط" وعاش "السؤال"، وما زال الجلادون يخشون الأفكارَ التي تنجبها الأسئلة.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- “سنووايت-… سنتيمتراتُ تسبقُ ظِلَّها
- ليتكَ شقيقي يا -إبراهيم”!
- في معرض الكتاب… الروايةُ تفتحُ لي بابَها
- ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ!
- العقلُ …. والثوب!
- “بسمة موسى-… المقاتلةُ بابتسامة
- في سيكولوجيا عقلٍ … يرى الموتَ عقابًا!
- -الفيلسوفة الطفلة- … بقلم الدكتور -مراد وهبة-
- عزاءٌ أسطوريّ ل -سيدة المحبة-
- “ميري كريسماس-… بأمر الحب!
- الأمهاتُ…. ساكباتُ الطِيْب
- وأخيرًا… -الملحدُ- يواجه الجمهور
- الظهير الشعبي للعظماء
- “الشيخ والفيلسوف-… حوارٌ على الحافّة
- -يسرا اللوزي-… درسٌ هادئٌ في الحضارة
- -محمد صبحي-… والمُخرِصون!
- المعلّمة الجميلة!
- على هامش -الدهشة-!
- -صبحي-… المايسترو يشرقُ في -الأمم المتحدة-
- -أم كلثوم-… المسرحُ في أَوجِه


المزيد.....




- المتحدث باسم كتائب القسام: نعتبر أي عدوانٍ على إيران وشعبِها ...
- مليونيات انتصار الثورة الإسلامية.. الرسائل والدلالات
- أبو عبيدة: -متضامنون مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، و أي ...
- أبو عبيدة: أي عدوان على إيران اعتداء على الأمة الإسلامية جمع ...
- السيد الحوثي: الجمهورية الاسلامية الإيرانية مثال للإستقلال ب ...
- مصادر فلسطينية: 314 مغتصباً اقتحموا المسجد الأقصى المبارك ال ...
- حراك دبلوماسي عربي..تهاني خليجية لذكرى انتصار الثورة الإسلام ...
- عراقجي: سرّ قوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو صمود الشعب ...
- درويش: نجدد تضامننا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ونؤكد أ ...
- الضفة الغربية: حين تستهدف إعتداءات المستوطنين القرى المسيحية ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - التهمة: مُزعجٌ مثل -ذبابة الخيل-