أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - “سنووايت-… سنتيمتراتُ تسبقُ ظِلَّها














المزيد.....

“سنووايت-… سنتيمتراتُ تسبقُ ظِلَّها


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 12:05
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial

"الجسد" في الفكر الصوفي، ليس إلا حجابًا أو ساترًا تختفي وراءه الروح. لهذا تقول الجميلة "مريم شريف"، بطلة فيلم "سنووايت": “أنا محبوسة في الجسم ده! وعمري ما شوفت نفسي قزمة.”
فيلم جميل، من إخراج "تغريد أبو الحسن"، تعرضُه الآن منصّة "شاهد"، عن قصار القامة، والمرآة الزائفة التي ننظر من خلالها للآخر، فنحكم عليه، ونتنمّر عليه، ونُزيد حياتَه شقاءً فوق شقاء. “سنووايت" المصرية معكوسٌ لشخصية "ديزني" الشهيرة "سنووايت والأقزام السبعة". بطلتُنا الجميلة غادرت الفستان الشهير الأصفر-الأزرق الذي يسكنه جسدُها الممشوق، وسكنت جسدًا صغيرًا "منيون"، بدلا من أصدقائها السبعة. الفيلم لا يقدم لنا سينما ترفيهية أو حكايا أطفال، بل هو وثيقةٌ فلسفية إنسانية رفيعة تحاول تفكيك عقدة "الكمال الجسدي"، وتعيد تعريف مفهوم: "الجمال"، بالمعنى الأعمق. لسنا أمام أميرة تنتظر "قُبلةَ الأمير" لتستيقظ، بل أمام "روح" يقظة تحاول إيقاظ مجتمعٍ غارق في سُبات السطحية والشكلانية.
من المنظور الفلسفي، يطرح الفيلم تساؤلاً وجوديًّا: أين يكمن المركزُ؟ هل المركز في "المرآة" التي تعكس معاييرَ المجتمع الوهمية للجمال؟ أم في "القلب" الذي يرى ما لا تراه الأبصار؟ "الأقزامُ" في هذه الرؤية هم "العمالقةُ" الحقيقيون؛ لأنهم تجاوزوا عقدةَ النقص المفروضة قسرًا؛ ليعيشوا حقيقتهم عاريةً من الزيف. هنا يقول مولانا "جلال الدين الرومي": "النورُ في العين انعكاسٌ لنور القلب، ونورُ القلب مستمدٌ من نور الله.”
يبدأُ الفيلمُ بمعاناة البطلة في صعود السُّلّم، لأن "قائمة" الدَّرج (١٥ سم) مُصّممة لإنسان يجاوز طولُه ال١٦٠ سم. ركز الفيلم في البداية على طرح "بعض" المصاعب والمُعسرات التي تواجه قصارَ القامة في كل تفصيلة من تفاصيل يومهم، يتجاوزونها بكل إصرار وتحدٍّ. لأن مشكلتهم ليست في الصعوبات التي فرضها الجسدُ الصغير، إنما المعاناة الحقيقة في “الآخر”، "الإنسان". الإنسان "قصير الروح" ناقص الوعي الذي لم يتعلم كيف يتعامل مع "الاختلاف"، بوصفه قانونَ الحياة ومشيئة الله في خلقه. فكما خلق الله تعالى الزهورَ بجميع ما يخطر على بالك من ألوان، خلق البشرَ على هذا التنوع المدهش الذي يُثري لوحة الوجود، لكي نتعارف ونتحابّ ونحترم اختلافنا.
نجحت "مريم شريف"، بملامحها التي تمزج بين البراءة والحُسن والصلابة، في أن تكون الجسرَ بين العالمين: “سنووايت، والأقزام السبعة”.
الجميلُ أن الفيلم لم يقدّم "إيمان" كضحية، ولا كبطلة خارقة. بل كفتاة عادية لها أحلامها وخذلانها، ترتبك، وتخطئ وتُخفي وتكذب. ورغم معاناتها مع التنمّر على قصر قامتها، تنمّرت بدورها على زملائها القصار، ورفضت مَن أحبها بشغف. وحين سألها: “لماذا ترفضينني؟" أجابته ببساطة وقسوة: "لأنك قزم!”، ولما ذكّرها بتهذّب بأنها مثله، قالت بهدوء: “أنا مش شايفة نفسي قزمة.” وتركته ومضت، لتلحق بفتى أحلامها: الفنان "كريم فهمي"، والتشات في برامج الانترنت مع الحبيب المسافر الذي أوهمته أنها طويلة.
لجوؤها إلى العالم الافتراضي لم يكن هروبًا من الواقع، بقدر ما كان محاولة للنجاة منه. في الفضاء الرقمي، يمكن للروح أن تتقدّم خطوةً عن الجسد. يمكن للصوت أن يُسمع دون أن يرسم أبعاد الجسد. هنا، يلمس الفيلمُ منطقةً صوفيةً خفيّة: التوقُ إلى التجرّد، إلى أن تُرى الذاتُ دون قشور. وتأتي لحظةُ المواجهة المباشرة بين الحبيبين: الجميلة “مريم شريف"، والجميل "محمد ممدوح". اللحظة التي سيكتشفُ فيها الحبيب أن معشوقته ليس فارعة الطول كما ظلَّ يظن على مدى الشهور. هنا أوقفتُ الفيلمَ وظللتُ أدعو في سِري: “لا تخذلني يا صديقي بحق الله!”، وبعد ربع ساعة أعدتُ تشغيل الفيلم، وكانت الصدمة!
رفضَ الحبيبُ حبيبتَه لأنها أقلُّ بضعة سنتميترات عن الصورة النمطية للموديل الذي تخيّله! هنا غضبتُ. وفي غضبي شهادةُ إقرار بالواقع المرير الذي نعيشه، وشهادةُ أصالة للفيلم الذي لم يحاول مغازلة مشاعرنا وأحلامنا، بل نجح في رفع "مرآة ميدوزا" أمام وجوهنا لكي نرى دمامةَ عقولنا وقِصَرَ نظر عيوننا التي تقفُ عند الخطوط الخارجية للجسد، فتحجبُ عنّا روية الروح. كسر الحبيبُ خاطرَنا وخاطرَ الحبيبة رغم قولها: “أنا هي هي حبيبتك. أنا بس محبوسة في الجسم ده!”، لكنه كان فظًّا غليظَ القلب، كفظاظة وغلاظة قلب مجتمعٍ لم يتعلم بعد ثقافةَ التنوع وثراءَ ألا نشبه بعضنا بعضًا. المأساة ليست في الاختلاف، فهو ثراء، بل في نظرة الجمع إلى الاختلاف بوصفه خللا، لا غِنًى وجمالا.
"سنووايت" لا يستخدمُ "قصارَ القامة" كمفارقة بصرية، والكاميرا لا تنحني لهم، ولا تعلو عليهم، بل تقف في مستوى العين، كأنها تتعلّم بدورها كيف ترى باحترام. الفيلم تمرينٌ روحيٌّ على التثقّف والتحضّر، والتأمّل: مادامت الأقدارُ تُوزَّع على نحو متفاوت، لماذا نُصرُّ نحن البشرَ على مضاعفة المعاناة بدل محوها؟ شكرًا لصنّاع هذا الفيلم الجميل.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليتكَ شقيقي يا -إبراهيم”!
- في معرض الكتاب… الروايةُ تفتحُ لي بابَها
- ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ!
- العقلُ …. والثوب!
- “بسمة موسى-… المقاتلةُ بابتسامة
- في سيكولوجيا عقلٍ … يرى الموتَ عقابًا!
- -الفيلسوفة الطفلة- … بقلم الدكتور -مراد وهبة-
- عزاءٌ أسطوريّ ل -سيدة المحبة-
- “ميري كريسماس-… بأمر الحب!
- الأمهاتُ…. ساكباتُ الطِيْب
- وأخيرًا… -الملحدُ- يواجه الجمهور
- الظهير الشعبي للعظماء
- “الشيخ والفيلسوف-… حوارٌ على الحافّة
- -يسرا اللوزي-… درسٌ هادئٌ في الحضارة
- -محمد صبحي-… والمُخرِصون!
- المعلّمة الجميلة!
- على هامش -الدهشة-!
- -صبحي-… المايسترو يشرقُ في -الأمم المتحدة-
- -أم كلثوم-… المسرحُ في أَوجِه
- أندهشُ … حين لا أندهشُ


المزيد.....




- عملية إسرائيلية في لبنان تسفر عن اختطاف قيادي بالجماعة الإسل ...
- في عملية ليلية بلبنان.. إسرائيل تعتقل عنصرًا بارزًا في -الجم ...
- كتاب -لا تقف مكتوف الأيدي- يوثق قرناً من المقاومة اليهودية ل ...
- رويترز: زيارة هرتسوج تأتي للتضامن مع الجالية اليهودية في است ...
- عاجل | الجماعة الإسلامية في لبنان: قوة إسرائيلية تسللت فجرا ...
- تحريض إسرائيلي متصاعد ضد المنظمات الإسلامية في الغرب تحت مزا ...
- محادثة إبستين.. باراك حذر من انهيار إسرائيل ديموغرافياً وطال ...
- إيران تقر بأخطائها وتعيد تقييم سياستها الخارجية: هناك فجوة ب ...
- مجلس المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية: حكومة -إسرائيل- ...
- دعوات ملتهبة لنصرة فلسطين ومواعظ في تزكية النفوس: خطيب المسج ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - “سنووايت-… سنتيمتراتُ تسبقُ ظِلَّها