حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث
(Hossam Aldin Fayad)
الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 13:52
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
” المنظّر هو عين المجتمع الناقدة، ولسانه المفكر، وذاكرته التي تصوغ المعنى “.
” لا توجد نظرية محايدة، فكل مقولة سوسيولوجية تحمل أثر السياق الاجتماعي وانحيازات المنظّر الفكرية والإيديولوجية “ (الكاتب).
- المقدمة:
يعتبر التنظير في علم الاجتماع أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها البناء المعرفي لهذا الحقل، إذ يشكل الإطار الذي من خلاله تفهم ماهية الظواهر الاجتماعية وتفسر في ضوء مفاهيم ومقولات عامة. فالمنظّر ليس مجرد صاحب رأي أو موقف، بل هو فاعل معرفي يسعى إلى صياغة نسق فكري قادر على تجاوز الجزئي واللحظي نحو الكلي والمجرد. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين التنظير والرأي، لأن الأول يقوم على منهجية علمية وتراكم معرفي، بينما الثاني يظل محدوداً بحدود التجربة الفردية. إن النظرية السوسيولوجية، بهذا المعنى، ليست انعكاساً بسيطاً للواقع، بل هي نتاج جدلية معقدة بين الذات والسياق، بين التجربة الفردية والحدث الجماعي، وبين الفكر والتاريخ.
- المنظّر السوسيولوجي وصناعة المعنى (من الرأي إلى فعل التنظير):
يحتل مفهوم المنظّر في علم الاجتماع المعاصر موقعاً إشكالياً يتجاوز مجرد كونه باحثاً أو مفسراً للظواهر الاجتماعية. فالمنظّر هو ذلك الفاعل الذي ينسج من خيوط التجربة الذاتية، ومنطلقاته الفكرية والإيديولوجية، ومن أحداث السياق الاجتماعي الذي يعيش فيه، مقولات نظرية تتجاوز اللحظة الراهنة لتصبح أدوات لفهم المجتمع وإعادة إنتاجه معرفياً. إن النظرية السوسيولوجية لم تعد مجرد بناء تجريدي منفصل عن حياة أصحابها، بل هي في كثير من الأحيان انعكاس لتجاربهم الشخصية، ومرآة لقلقهم الفكري، وصدى لصراعاتهم مع محيطهم الاجتماعي والسياسي. ولهذا فإن الحديث عن المنظّر هو حديث عن الذات في علاقتها بالبنية، وعن الفكر في تفاعله مع التاريخ (Turner: 2025, p. 12).
إن الحديث عن المنظّر يقتضي بالضرورة التوقف عند مفهوم التنظير ذاته، لأنه يختلف جذرياً عن مجرد إبداء الرأي. فالرأي هو تعبير فردي، غالباً ما يكون انطباعياً أو ذاتياً، لا يتجاوز حدود التجربة الشخصية أو الموقف اللحظي، بينما التنظير هو عملية معرفية منهجية تهدف إلى بناء إطار تفسيري عام للظواهر الاجتماعية. بهذا يقوم التنظير على التجريد، وعلى صياغة مفاهيم ومقولات قابلة للتعميم، ويستند إلى تراكم معرفي سابق وإلى أدوات منهجية دقيقة، في حين أن الرأي يظل محدوداً بحدود صاحبه ولا يملك بالضرورة قوة التفسير أو القدرة على الصمود أمام النقد العلمي (Ritzer: 2011, p. 27).
وهكذا يعتبر التنظير السوسيولوجي بصورة عامة العملية التي يتمكن بواسطتها الأفراد من تفسير بيئتهم الطبيعية والاجتماعية. بحيث تتم تلك العملية (التنظير) في إطار وضع اجتماعي معين، (بمعنى أن التنظير يُعرف على أساس أنه ذو بعد إيديولوجي، وفكري، وتاريخي) وأنه يتضمن تعريفاً للواقع الاجتماعي والطبيعي لهذا الوضع الذي يتم في سياق التنظير. وبهذه الطريقة تشير النظرية إلى تفسير الواقع وتأويله (كينلوش: 2002، ص15-16).
وفي ذات السياق أشار جيدنز إلى أن التنظير في علم الاجتماع ليس مجرد " تأمل فلسفي "، بل هو بناء نسق من المفاهيم المترابطة التي تسمح بفهم المجتمع في كليته، وهو بذلك يختلف عن الرأي الذي يظل جزئياً ومفتقراً إلى الاتساق الداخلي(Giddens, 2013, p. 14). ومن هنا فإن المنظّر السوسيولوجي لا يُعرّف بقدرته على التعبير عن موقف شخصي، بل بقدرته على تحويل هذا الموقف إلى مقولة نظرية، أي إلى صياغة معرفية تتجاوز الذات الفردية لتصبح جزءاً من الحقل العلمي.
إن التمييز بين التنظير والرأي ضروري لوضع القارئ في السياق الصحيح، لأننا حين نتحدث عن المنظّر فإننا نتحدث عن فاعل معرفي يساهم في إنتاج النظرية، لا عن صاحب رأي عابر. فالتنظير هو فعل إبستمولوجي يطمح إلى بناء معرفة منظمة، بينما الرأي هو موقف ذاتي قد يكون محفزاً لكنه لا يرقى إلى مستوى النظرية ما لم يُصغ في إطار علمي متماسك.
بناءً على ما سبق نجد أن المنظّر السوسيولوجي يتميز بقدرة خاصة على تحويل الوقائع اليومية إلى مفاهيم نظرية، فهو لا يكتفي بالوصف بل يسعى إلى التجريد، إلى الإمساك بما هو كامن خلف الظواهر. هذه القدرة على التجريد لا تنفصل عن وعي نقدي يضع المسلمات موضع مساءلة، ويعيد النظر فيما يعتبر بديهياً أو طبيعياً. إن المنظّر، بهذا المعنى، ليس مجرد ناقل للواقع، بل هو منتج للمعنى، يخلق لغة جديدة لفهم العالم الاجتماعي (Johnson: 2008, p. 34). غير أن هذه اللغة لا تأتي من فراغ، بل تتشكل من خلال سيرة ذاتية مليئة بالتحولات، ومن خلال خلفيات فكرية وإيديولوجية تحدد زاوية النظر، ومن خلال أحداث اجتماعية وسياسية تضغط على المنظّر وتدفعه إلى صياغة مقولات بعينها.
لقد أظهرت لنا الدراسات المعاصرة أن كثيراً من المنظّرين الكبار في علم الاجتماع لم تكن نظرياتهم إلا استجابة لتجارب شخصية أو أحداث تاريخية فارقة. فماركس مثلاً لم يكن لينتج نقده للرأسمالية لولا معايشته المباشرة لتحولات أوروبا الصناعية، ودوركهايم لم يكن ليكتب عن الانتحار لولا قلقه من تفكك الروابط الاجتماعية في فرنسا القرن التاسع عشر. وفي السياق المعاصر، نجد أن المنظّرين الذين يكتبون عن العولمة أو عن الهوية الرقمية المعاصرة إنما يفعلون ذلك لأنهم يعيشون في عالم متحول، حيث التكنولوجيا والاتصال يعيدان تشكيل الذات والمجتمع. إن المنظّر، بهذا المعنى، هو ابن عصره، لكنه أيضاً يتجاوزه، إذ يحوّل التجربة إلى نظرية، والحدث إلى مقولة، والذات إلى خطاب نقدي.
إن المنطلقات الفكرية والإيديولوجية تلعب دوراً حاسماً في تشكيل النظرية. فالمنظّر الذي ينطلق من خلفية ماركسية سيقرأ المجتمع من زاوية الصراع الطبقي، بينما المنظّر الذي يتبنى مقاربة نسوية سيعيد صياغة الظواهر من منظور النوع الاجتماعي. هذه الانحيازات ليست عيباً، بل هي جزء من طبيعة النظرية نفسها، إذ لا توجد نظرية محايدة تماماً، بل هناك دوماً أثر للسيرة الذاتية وللسياق الاجتماعي في كل مقولة نظرية. ولهذا فإن النقد السوسيولوجي المعاصر يركز على ضرورة قراءة النظرية السوسيولوجية في ضوء السيرة الذاتية لصاحبها وظروف عصره، لأن النظرية ليست مجرد بناء عقلي، بل هي أيضاً شهادة على تجربة وجودية وفكرية.
ويظهر ذلك بوضوح في حالة البنائية الوظيفية التي ارتبطت بأسماء مثل " تالكوت بارسونز وروبرت ميرتون ". ومن المعروف لدينا أن بارسونز عاش في الولايات المتحدة في منتصف القرن العشرين، لم يكن تنظيره عن النظام الاجتماعي مجرد بناء تجريدي، بل كان انعكاساً لسياق اجتماعي وسياسي يبحث عن الاستقرار بعد الحرب العالمية الثانية. لقد صاغ بارسونز نظريته حول " النظام الاجتماعي " باعتباره نسقاً متوازناً، حيث تعمل المؤسسات على تحقيق التكامل والاستقرار وضبط التوترات، وهو بذلك كان يعكس الحاجة التاريخية إلى إعادة بناء الثقة في المؤسسات وإرساء النظام في مجتمع شهد تحولات عميقة .(Parsons: 1951, p. 45) أما ميرتون، فقد أدخل تعديلات على هذا الإطار من خلال مفهوم " الوظائف الكامنة والظاهرة "، وهو بذلك لم يكتفِ بالتجريد بل استجاب لتجربة اجتماعية واقعية تتعلق بآثار غير مقصودة للسياسات والمؤسسات (Merton: 1968, p. 73) .
وهكذا نجد أن المنظّر البنائي الوظيفي يوضح لنا كيف أن النظرية السوسيولوجية ليست محايدة، بل هي مشروطة بسياقها التاريخي وبسيرة منظّريها. ويعتبر بارسونز أوضح مثال على ذلك، فهو لم يكن ليكتب عن التوازن الاجتماعي لولا انغماسه في سياق أمريكي يبحث عن الاستقرار، وميرتون لم يكن ليعيد صياغة النظرية لولا احتكاكه المباشر بالظواهر الاجتماعية التي تكشف عن تناقضات داخل النظام نفسه. وهكذا فإن البنائية الوظيفية، مثلها مثل الماركسية أو النسوية، هي شهادة على تجربة وجودية وفكرية، وليست مجرد بناء عقلي منفصل عن الواقع.
وفي النهاية، يمكن القول إن المنظّر في علم الاجتماع المعاصر هو ذلك الفاعل الذي يجمع بين التجريد والالتزام، بين القدرة على بناء نسق فكري وبين الانغماس في سياق اجتماعي محدد. إن النظرية ليست مجرد أداة لفهم المجتمع، بل هي أيضاً فعل وجودي، يعبر عن الذات في علاقتها بالعالم. ومن هنا تأتي أهمية القراءة الإبستمولوجية لمفهوم المنظّر، فهو ليس مجرد منتج للمعرفة، بل هو أيضاً شاهد على عصره، وفاعل في إعادة تشكيله. إن النظرية السوسيولوجية، بهذا المعنى، هي حوار دائم بين الذات والبنية، بين الفكر والتاريخ، بين التجربة الفردية والحدث الجماعي. وهذا الحوار هو ما يمنح النظرية حياتها، ويجعل المنظّر شخصية لا يمكن اختزالها في مجرد باحث، بل في صانع معنى، ومؤسس أفق جديد للفكر الاجتماعي (Giddens: 2013, p. 77).
- الخلاصة:
إن المنظّر السوسيولوجي ليس كائناً محايداً، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الذات والسياق. إن النظرية ليست انعكاساً بسيطاً للواقع، بل هي بناء معرفي يتأثر بالسيرة الذاتية، بالمنطلقات الفكرية والإيديولوجية، وبالأحداث الاجتماعية والسياسية. ومن هنا فإن فهم النظرية يقتضي فهم المنظّر نفسه، لأن النظرية هي في جوهرها شهادة على تجربة وجودية وفكرية، وليست مجرد أداة تفسيرية. بهذا المعنى، يصبح المنظّر في علم الاجتماع المعاصر ليس فقط منتجاً للمعرفة، بل أيضاً شاهداً على عصره، وفاعلاً في إعادة تشكيله.
لكن الأهم ابستمولوجياً هو أن هذا التداخل بين الذات والسياق لا يعد نقصاً أو عيباً في النظرية، بل هو مصدر قوتها وحيويتها. فالمعرفة السوسيولوجية لا تُنتج في فراغ، وإنما في سياق تاريخي واجتماعي محدد، ومن خلال ذات فاعلة تحمل انحيازاتها وأسئلتها الخاصة. إن الاعتراف بهذا البعد الذاتي والسياقي يجعل النظرية أكثر صدقاً، ويمنحها القدرة على أن تكون شاهداً على عصرها، وفاعلاً في إعادة تشكيله. بهذا المعنى، يصبح المنظّر ليس فقط منتجاً للمعرفة، بل أيضاً جزءاً من التاريخ الذي يسعى إلى تفسيره، وصوتاً ضمن الحوار المستمر بين المجتمع وذاته.
إن الخلاصة الإبستمولوجية التي يمكن أن نخرج بها هي أن النظرية السوسيولوجية ليست مجرد نسق عقلي مغلق، بل هي فعل وجودي ومعرفي في آن واحد. فهي شهادة على تجربة فردية، لكنها أيضاً بناء جماعي يطمح إلى تفسير العالم الاجتماعي وإعادة صياغته. ومن هنا فإن قيمة المنظّر لا تُقاس فقط بمدى دقة مفاهيمه أو صرامة منهجيته، بل أيضاً بقدرته على تحويل تجربته الذاتية وسياقه التاريخي إلى مقولات نظرية قادرة على الصمود أمام النقد، وعلى فتح آفاق جديدة للفكر الاجتماعي. إن المنظّر، بهذا المعنى، هو شاهد ومؤسس في الوقت ذاته. شاهد على عصره بما يحمله من أزمات وتحولات، ومؤسس لأفق معرفي جديد يتيح للمجتمع أن يفهم ذاته ويعيد إنتاجها في ضوء تلك التحولات.
--------------------------------
- المراجع المعتمدة:
1. كينلوش، جراهام. (2002). نظرية علم الاجتماع – نماذجها الرئيسية وتطورها. ط1. (ترجمة، فادية عمر الجولاني). الإسكندرية: المكتبة المصرية.
2. Giddens, A. (2013). Sociology. Cambridge: Polity Press.
3. Johnson, D. (2008). Contemporary Sociological Theory: An Introduction. New York: Springer.
4. Parsons, T. (1951). The Social System. Glencoe: Free Press.
5. Turner, J. H. (2025). Theoretical Sociology: 2025 Edition. London: Routledge.
6. Merton, R. K. (1968). Social Theory and Social Structure. New York: Free Press.
#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)
Hossam_Aldin_Fayad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟