|
|
مقارنة بين آلهة ألأديان ألإبراهيمية ( صفاتهم ومراحل تطورهم)-2- إله إبراهيم
كامل علي
الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 10:35
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
إله إبراهيم: في هذا القسم من بحثنا سنتطرق إلى نشوء اليهودية ومسارها وكيف تطور الإله اليهودي من أيل إلى يهوه. يبتديء تاريخ التوحيد بوحدانية العبادة ، أو التفريد وهو مصطلح يدل على قيام مجموعة بشرية ( قبيلة، عشيرة، أو حتى أسرة واحدة) بعبادة إله واحد من الآلهة المعروفة في الثقافة التي تنتمي إليها تلك الجماعة، ولكن دون إنكار وجود آلهة أخرى معبودة من قبل الجماعات الأخرى أو الآلهة الرسمية للمملكة. ونجد هذه الظاهرة في ثقافة الشرق القديم في مؤسسة "دين العائلة" عندما يقوم رب الأسرة بإختيار أحد الآلهة ليكون شفيعا له وحاميا لإسرته، ويتوقع منه العون والمساعدة لقاءعبادته له. وما أن يتم إختيار هذا الإله مركز التقوى العائلية، إليه تُرفع الصلوات وتُقدم القرابين، ويُدعى إيل- أب، أو ألآباء في اللغات السامية الغربية. وهذه الظاهرة لم تكن وقفا على الشرائح الفلاحية أو الرعوية، لأنّ الوثائق النصية من بلاد الرافدين وبلاد الشام تفيدنا بأنّه كان لكل ملك سومري إله شخصي يحميه ويسدد خطاه ويعينه على إتخاذ ألقرارات. وحدانية العبادة كانت السمة المميزة لدين بني إسرائيل منذ بدايات القصة التوراتية إلى أواخرها، وهي ألقصة التي تبدأ بالأب الأول إبراهيم (أو أبرام) الذي ترك موطنه في مدينة أور بوادي الرافدين وهاجر إلى حران في ألشمال السوري مع أبن أخيه لوط وزوجتيهما، وفي حران خاطبه الرب دون مقدمات قائلا: "إذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى ألأرض التي أريك فأجعل منك أمة عظيمة"... التكوين 12: 1-2. بعد إستقرار إبراهيم في كنعان كلمه الرب وقال له: " أنا الله القدير (إيل شداي بالعبرية)... لا يدعى بعد أبرام بل إبراهيم (= أبرام بالعبرية)... وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك لأكون إلها لك ولنسلك من بعدك، وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا وأكون إلههم".. التكوين17: 1-8. ونلاحظ هنا أنّ الإله المتكلم قدم نفسه لإبراهيم بالأسم " إيل" والكلمة في اللغات السامية الغربية تعني مجرد إله من الآلهة، كما تعني كبير آلهة كنعان، ولا يفهم الفرق بين المعنيين إلا من سياق النص. ولذلك فإنّ معنى " إيل شداي" هنا هو ألإله الشديد أو ألقوي، وليس "الله القدير". وقد أستخدم المحررون التوراتيون إسما آخر لإله إسرائيل هو" إيلوهيم" ويعني " جمع الآلهة"، وذلك لغرض التفخيم والتعظيم. ومع هذا الخطاب الإلهي تبتديء مؤسسة دين العائلة بالظهور في قصص الآباء الأولين إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط من أولاد يعقوب الذي أطلق عليه ربه الأسم إسرائيل. ولكن محرر سفر التكوين قد عكس الآية عندما جعل إيل شداي هو الذي أختار إبراهيم ونسله ليكون إلههم بدلا من قيام إبراهيم بإختيار ذلك الإله. وقد وثق شداي هذا العهد مع إبراهيم ولذلك فقد دُعي في قصص الآباء بإله إبراهيم (ألتكوين 31: 53 و42). وقد كان هذا الإله على مقياس العائلة الصغيرة التي أختارته أو أختارها، وصديقا أنيسا لها يدخل في علاقات شخصية مع افرادها، دون إحساس منهم برهبة الدنو من المقدس، ويُعنى بتفاصيل حياتهم اليومية ويتدخل لحل المشاكل العائلية، وقد ورث إسحاق عهد الرب مع إبراهيم لأنّه أبن الزوجة، ولم يرثه إسماعيل لأنّه أبن الجارية، كما أنّ إله إبراهيم وإسحاق قد جدد عهده مع يعقوب. ولكن ردة فعل يعقوب على قيام إله إبراهيم بتجديد العهد معه، تدلنا على أنّ الأصل في دين العائلة هو قيام الشخص بإختيار إلهه وليس العكس. فعندما اسيقظ يعقوب من نومه نذر نذرا وقال: "إذا كان الله(=إيل) معي وحفظني في هذا الطريق، وأعطاني خبزا لآكل وثيابا لألبس، ورجعت بسلام إلى بيت أبي، يكون الرب لي إلها" ... (الإصحاح 28 من سفر التكوين). تستمر قصة العائلة الإبراهمية في التوراة بحياة يعقوب وإنجابه من زوجتيه وجاريتهما اثني عشر صبيا وتنتهي القصة بالتحاق يعقوب وأولاد وأحفاده بولده يوسف في مصر حيث اسكنهم في أرض جاسان (=الدلتا)، فتكاثروا هناك وأثمروا. ومع قصة يوسف ينتهي الفصل الأول من الرواية التوراتية لتاريخ بني إسرائيل. لا نعثر في قصص الآباء الآولين هذه على تأملات لاهوتية في طبيعة الألوهة وعلاقتها بالإنسان، فعند هذه المرحلة من دين إسرائيل لم يكن الإله قد أنزل شريعة أو أمر بإلتزام وصايا، أو حدد الطقوس التي يتوجب على جماعته ممارستها. فدين هؤلاء لم يكن قد غدا دينا مؤسستيا، فلم يكن لهم مراكز دينية خارج منازلهم، ولا كهنوت منظم، ولا دورة شعائرية سنوية، وعلاقتهم بالألوهة عبارة عن تقوى شخصية وإحساس بوجود قوة خيرة تقدم لهم العون، ولذلك فإنّ البحث عن جذور مفهوم التوحيد لدى هؤلاء هو جهد لا طائل من ورائه. إله إبراهيم تمتع بشخصية غير واضحة المعالم، لأنّ شخصية الإله تتضح من خلال الأساطير التي تقص عن أعماله وتوضح مكانته في مجمع الآلهة وعلاقته بالطبيعة وبعالم الإنسان، كما تتضح من خلال الصلوات والتراتيل المرفوعة إليه، ونحن لا نجد أسطورة واحدة في قصص الآباء ولا صلوات أو تراتيل أو أدعية مثل التي نجدها فيما بعد في سفر المزامير التوراتي وفي آداب بلاد الرافدين. يُعتبر إله الكنعانيين إيل إلها للسماء ورئيسا لمجمع الآلهة وهو ألوهة خالقة وحافظة لخلقها، مهيبة وجليلة، مفارقة للعالم ولكنها في الوقت نفسه رحيمة وحنونة على مخلوقاتها. رغم أن الكنعانيين الفينيقيين عبدوا آلهة مختلفة إلّا أن الإله " إيل " كان أكثر آلهتهم تقديساً ، فقد كان " الشعب الكنعاني يؤمن بإله أكبر، رب الأرباب يدعى إيل خالق السماء والأرض وجميع البشر وهو بنوع خاص " إله الشعب المختار " أو شعب السيد " ولفظة السيد هي لقب من ألقاب الإله إيل وهو أيضاً المتعالي، الذي يحتجب فوق كرسيه في السماء السابعة. وقد انتشرت عبادته بين عشائر الكنعانيين، ابتداء من الألف الثالثة قبل الميلاد. وهناك أيضاً ضمن المجمع الإلهي، الإلهة أشيرة أو عشيرة، وهي الأم الكبرى، وزوجة أيل، وترمز للخصب والعطاء ، والإلهة عناة، التي هي ابنة أيل ، وتلقّب بالعذراء ، وبالخطّابة التي تخطب الفتيان والفتيات بعضهم للبعض الآخر . وهي إلهة الحبّ التي يقوم على أكتافها الحفاظ على الأسرة الكنعانية، وهي التي تحافظ على الأخلاق ، وهناك الإله بعل، الذي هو رب المطر والسحاب والصواعق ، وهو سيّد الزراعة الذي يحارب بضراوة. وإلى جانب هؤلاء هناك آلهات أخرى عديدة. كان لإيل ملائكة ومساعدون منهم: عزرا و إسرا و إسماع و صموء و إسراف و ميكا و جبرا و روفا ..، وهي أسماء كنعانيّة كما يخبرنا المؤرّخون : عزرا ، أو عزرا - إيل ، وتكتب متصّلة ( عزرائيل ) باللغة العربيّة وتعني ( مساعد الإله إيل ) وجبرائيل ( رَجُل الإله إيل ) ومنها أخذت للعبريّة ومنها للقرءان. في المقالة اللاحقة سنتطرق إلى صفات ومراحل تطور إله موسى.
المصادر: -الوحي والنص – قراءة في المشروع المحمدي ... فراس السواح. - العهد القديم. -العهد الجديد. -القرءان. -لاهوت إبليس الملاك الساقط ... فراس السواح. تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية ... ميرسيا إلياد.
#كامل_علي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مقارنة بين آلهة ألأديان ألإبراهيمية ( صفاتهم ومراحل تطورهم)-
...
-
عقائد ما بعد ألموت في أديان أوربا ما قبل ألمسيحية – ألديانة
...
-
عقائد ما بعد ألموت في ألأديان ألرومانية
-
عقائد ما بعد ألموت في ألأديان ألإغريقية
-
عقائد ما بعد ألموت في ديانات ألصين
-
عقائد ما بعد ألموت في ديانات ألهند
-
عقائد ما بعد ألموت في ألحضارة ألمصرية ألفرعونية
-
أسطورة أكل لحم المسيح وشرب دمه
-
مقارنة ألأديان - قصة ولادة المسيح
-
لماذا نموت؟
-
كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم
-
كتاب ثورة الشك
-
كتاب اساطير الأولين
-
ألفرقة ألناجية
-
مقارنة بين ألأديان- ألنبي إيليا (إلياس) - 2
-
مقارنة بين ألأديان- ألنبي إيليا (إلياس) - 1
-
مقارنة بين ألأديان- قصة أيوب- 3- أيوب التوراتي وألقرآني
-
مقارنة بين ألأديان- قصة أيوب -2 - أيوب ألبابلي
-
مقارنة بين ألأديان- قصة أيوب-1- أيوب ألسومري
-
سليمان وألجن
المزيد.....
-
8 دول عربية وإسلامية تدين انتهاكات إسرائيل لوقف النار في غزة
...
-
حرس الثورة الاسلامية: اجراء الاتحاد الاوروبي ونهجه بإدراج قو
...
-
بيان لدول عربية وإسلامية: ندين بشدة انتهاكات إسرائيل المتكرر
...
-
موشي يعلون وزير دفاع إسرائيل السابق يحذّر: -هناك تفوّق يهودي
...
-
قائد الثورة الاسلامية: على امريكا ان تعلم انه اذا بدات حربا
...
-
قائد الثورة الاسلامية: ليس جديدا انهم يتحدثون عن الحرب والطا
...
-
قائد الثورة الاسلامية: أميركا إذا أشعلت حرباً فستكون هذه الم
...
-
مجلس الشورى الإسلامي في ايران يصنف الجيوش الأوروبية على قائم
...
-
زعيمة حركة مسيحية يعتقد أتباعها أنها -المجيء الثاني للمسيح ف
...
-
أكثر من 2600 مستوطن يقتحمون المسجد الأقصى خلال أسبوع
المزيد.....
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|