أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - محسن كريم - ردّ على انتقادات الرفيق مؤيد أحمد للحزبين الشيوعيين العمّاليين في كردستان والعراق















المزيد.....



ردّ على انتقادات الرفيق مؤيد أحمد للحزبين الشيوعيين العمّاليين في كردستان والعراق


محسن كريم

الحوار المتمدن-العدد: 8604 - 2026 / 1 / 31 - 19:23
المحور: مقابلات و حوارات
    


في حوارٍ مع منشوراتهم الخاصة حول تكتيك مشاركة الحزبين في الانتخابات البرلمانية، وتحت عنوان: "لانتخابات البرلمانية، مواقف الطبقات والأحزاب، وبعض الملاحظات النقدية حول تكتيك مشاركة الحزبين الشيوعيين العمّاليين في العراق وإقليم كردستان"،
يطرح الرفيق مؤيد أحمد مجموعة من الأسئلة والآراء المتنوعة التي تدفعنا إلى طرح آرائنا وتوضيحاتنا بشأنها، بهدف إزالة تلك الضبابية التي زرعها في بعض المواضع حول موقفنا السياسي من جهة، وتلك الأحكام الانتقائية التي أعطاها بشأن أحزابنا من جهة أخرى، وكذلك بهدف توضيح بعض الجوانب الخاطئة وغير الدقيقة في آرائه وتصوراته حول البرلمان ومسألة المقاطعة والمشاركة.
تهمة "اليمينية" و"التخلي عن الثورة"!
يوسمنا الرفيق مؤيد، إزاء تكتيك الحزبين بالمشاركة في الانتخابات، بـ"اليمينية" و"التخلي عن الثورة"، ويجعلنا رفقاء وحلفاء للاشتراكيين–البرلمانيين والحزب الشيوعي العراقي، ممن يريدون بأي ثمن كان الوصول إلى بعض الإصلاحات، ويعتبر أن عملنا يقتصر على أن تجعل الجماهير جميع مكتسباتها في حساب البرلمانية وإجهاض إرادتها الثورية!
يكتب الرفيق مؤيد:
"... سياسة المشاركة في البرلمان في الوضع الراهن في العراق وإقليم كردستان … ولا سيما من قبل الأحزاب التي تصف نفسها بالشيوعية، للأسف، هي انزلاق نحو اليمين والانسجام مع المناخ السياسي البرجوازي السائد".
ويذكر أيضاً:
"إن المشاركة في الانتخابات ليست مجرد تكتيك سياسي اتخذته الحزبان، بل هي تنفيذ لاتجاه وأسلوب عمل سياسي نابع من مراجعة قاموا بها لاتجاههم السياسي السابق… وعلى أساس هذا الاتجاه والخط السياسي الجديد، يواصلون التمسك بتكتيك المشاركة ويصرّون على أنه لا يمكن التخلي عنه".
وكذلك:
"...للأسف نرى أن قادة الحزبين الشيوعيين العمّاليين في العراق وإقليم كردستان قد إتخذوا مكانة الحزب الشيوعي العراقي بهذا الخصوص… أي المساهمة في تعزيز الوهم وعقد الامال على البرلمان والانتخابات… وتوسيع نطاق دائرة النفوذ الانتهازي للحزب الشيوعي العراقي… وتقويض الإرادة الثورية للبروليتاريا".
و أيضاً:
"...إن التخلي عن المهام الشيوعية الخاصة بالتحضير للثورة واعتماد سياسة المشاركة في البرلمان بحجة أن الثورة غير مطروحة حالياً، هو من الناحية الفكرية تجريبية، ومن الناحية السياسية راديكالية يسارية تيارات غير بروليتارية، لا تربطها أي صلة بالماركسية ولا بنظرية الصراع الطبقي عند ماركس ولا بالثورة البروليتارية....".
كل هذه التصريحات التي يقدّمها الرفيق مؤيد كأدلة على انحرافنا نحو اليمين، والتخلي عن الشيوعية والثورة، والانجراف نحو البرلمانية، والتخلي عن ماركس والماركسية… إلخ، لا وجود لها إلا في خياله السياسي والفكري، لا في عالم الواقع. فالرفيق، مثل باقي منتقدي الحزبين في ما يخص مسألة الانتخابات، قد رسم في ذهنه صورة عن الحزبين الشيوعيين العمّاليين في العراق وكردستان، ويحاكمنا ويصدر بحقنا أحكاماً سياسية على أساس تلك الصورة! أي مراقب سياسي ضميره حيّ، إذا لم تكن الاختلافات الفكرية والسياسية، بل وحتى الأحقاد السياسية تجاه الحزبين الشيوعيين العمّاليين، قد أعمته، فلن يجد في أي موقع رسمي للحزبين، ولا في البيانات والتصريحات، ولا في الوثائق الرسمية للحزب، ولا حتى في تلك البيانات والمقالات التي نشرناها حول تكتيك المشاركة في الانتخابات، كلمة واحدة تمدح البرلمان أو الانتخابات، أو تقول إننا نشارك في الانتخابات من دون مراعاة الوضع السياسي، والتوازن الطبقي، وحالة الحركة الثورية والسخط العام. ناهيك عن أن نقول إننا سنشارك بأي ثمن وللأبد!
يتهمنا الرفيق بالتخلي عن الثورة وعن الصراع الطبقي وعن العمل داخل صفوف الجماهير البروليتارية، لمجرد أننا – كما يزعم – تبنّينا تكتيك المشاركة في الانتخابات. لكن في صلب بيانات الحزبين حول الانتخابات، تم توضيح موقفنا بدقة شديدة من البرلمانية ومن الصراع الطبقي ومن الثورة العمالية ومن سلطة المجالس ومن هدف المشاركة في هذه الانتخابات بالذات، لا في كل الانتخابات المستقبلية كما يروّج الرفيق، وكذلك استخدام الانتخابات والبرلمان كمنبر لمناهضة البرلمانية ذاتها والسلطة وفضحهما. "... وبالتأكيد، وعلى عكس دعاية الأحزاب البرجوازية التي تقول إن البرلمانية نظام لمشاركة الجماهير في الحكم، فإن البرلمانية من وجهة نظرنا ليست أكثر من بديل برجوازي لإدارة المجتمع في خدمة الطبقة الرأسمالية. لذلك، لا يمكن عبر النظام البرلماني إحداث تغيير جذري وأساسي في المجتمع يؤدي إلى تحول كبير في حياة ومعيشة جماهير العمال والكادحين. إن التغيير الجذري، وإنهاء الاضطهاد والاستغلال، وتوفير الرفاه للجميع، بما في ذلك اقتلاع اضطهاد النساء وكل أشكال القهر والتمييز، لا يمكن إلا عبر الثورة العمالية وإسقاط النظام الرأسمالي. وبديلنا عن السلطة ومشاركة الشعب المباشرة في الحكم هو نظام المجالس".
" قررنا، نحن الحزبان الشيوعيان العمّاليان في كردستان والحزب الشيوعي العمّالي في العراق، المشاركة في هذه الانتخابات، وأن نأخذها بأيدينا كميدان سياسي ضمن مسار نضالنا السياسي. وكان هدف الحزبين من المشاركة في هذه الانتخابات أن نجعل، كما فعلنا في كل الميادين الأخرى دفاعاً ثابتاً عن حقوق العمال وجماهير الكادحين والموظفين والنساء والشباب، من عملية الانتخابات وقاعة البرلمان ميدان آخر للصراع والنضال من أجل حقوقكم، ومن أجل الحرية والخدمات".
إستناداً الى أية وثيقة من وثائق الحزبين توصّل الرفيق مؤيد فعلاً إلى هذا الاستنتاج السياسي الذي يتهمنا به؟ هل يمكنه أن يخبرنا ويقدّم لنا مثالاً واحداً؟ أم أن ذلك مجرد نتاج خياله؟ وهل إن هذا النوع من التعامل مع الانتخابات والبرلمان البرجوازي ليس هو نفسه التقليد اللينيني الذي التزمنا به، والذي يستند إليه الرفيق مؤيد نفسه لتعزيز حجته ضدنا حين يتحدث عن البرلمانية الثورية؟ لكنه ينقلب ضد نفسه!
فمؤيد، خلافاً للينين وللتقليد السياسي اللينيني الذي يقدّم نفسه وريثاً له ويقصينا عنه، يضع نفسه في الموقع السياسي ذاته الذي وقفت فيه الشيوعية اليسارية الأوروبية في مواجهة لينين! يقول الرفيق:
"إن الشيوعيين اليساريين في ألمانيا وهولندا وإيطاليا وبريطانيا لم يكونوا متفقين مع مقترحات لينين، بل إن بعضهم كان ينظر إليها كتكتيك “يميني” في ظروف بلدانهم الخاصة، وكانوا يصرّون على أن سياسة المشاركة في البرلمانات البرجوازية في أوروبا الغربية لا تخدم الثورة، ولا يوجد أي مبرر في هذه البلدان، حيث جلبت الأحزاب الاشتراكية البرلمانية الإصلاحية الكوارث على الحركة العمالية والشيوعية....."
يظهر الرفيق بدور المدافع عن سياسة لينين بشأن تكتيك المشاركة في برلمانات أوروبا آنذاك، في حين أن أحد قرارات المؤتمر الثاني للأممية الثالثة (الكومنترن) يتحدث عن برلمانات ذلك العصر على النحو التالي:
"في المرحلة السابقة، كان البرلمان يؤدي، إلى حد ما، دوراً تاريخياً تقدمياً كأداة لتطور الرأسمالية. لكن في ظروف الإمبريالية المتفشية اليوم، تحوّل البرلمان إلى أداة للكذب والخداع والعنف والألاعيب المقززة...".
فإذا كان البرلمان، في تلك المرحلة، قد تحوّل من ساحة لتحقيق بعض الإصلاحات إلى جهاز للكذب والخداع، ومع ذلك كانت المشاركة بالنسبة للينين والبلاشفة موقفاً شيوعياً، ويفاخر الرفيق بذلك، فلماذا وبأي معيار تصبح المشاركة بالنسبة لحزبين شيوعيين في انتخابات وبرلمان العراق – البرلمان الكاذب المخادع الميليشياوي – انحرافاً يمينياً وخيانة للبروليتاريا؟ وبأي معيار، ومن موقع الطبقة العاملة، اتخذ لينين موقف المشاركة في برلمانات أوروبا، برلمانات عصر الإمبريالية والنهب والعصابات والحروب والاحتلال، بينما نحن – من موقع طبقي مختلف، وفي مناخ السياسة البرجوازية – نتخذ هذا التكتيك؟ أليس في ذلك الوقت أيضاً كان هناك شيوعيون يساريون، وبالحجج نفسها التي يقدّمها الرفيق مؤيد ضدنا اليوم، يصفون موقف لينين باليمينية؟
يُوجّه مؤيَّد في مكان آخر إلينا تهمة مفادها أنّنا، بزعم أنّنا نعتقد أنّه لا توجد ثورة جارية الآن، قد تخلّينا عن الثورة، واتجهنا نحو البرلمان والبرلمانية، وجعلنا تكتيك المشاركة سياسةً أساسية في استراتيجيتنا السياسية في مسألة السلطة! ويكتب الرفيق، في نقده للرفيق ريبوار أحمد:
"إنّ ريبوار ينفي وجود علاقة بين الثورة والعملية الثورية داخل المجتمع من جهة، ومسألة تكتيك المقاطعة أو المشاركة في البرلمان من جهة أخرى. وهذا انعكاس لمنظومة أفكاره القائمة على أساس “التجريبية” لا على الماركسية والمادية الديالكتيكية. وبما أنّ ثورةً ملموسة لا تجري، فهو يرى أن الحديث عن الثورة وربطها بسياسة المقاطعة أو المشاركة في البرلمان ليس سوى محاولة ذهنية غير واقعية لـ“يسارٍ هامشي....".
وبالطبع، لم يتحدث الرفيق ريبوار أحمد في أي مكان مثل هذا الكلام، ولم يعبّر عن رأي من هذا القبيل! وآمل أن يقدّم مؤيَّد دليلاً مكتوباً لرفيقنا ريبوار. فمن الواضح جداً، سواء في كتابات ريبوار أو في وثائق وبيانات الحزبين الشيوعيين العمّاليين في العراق وكردستان، أنّ العلاقة بين الثورة والوضع الثوري والاستعدادات الثورية للطبقة العاملة وجماهير الكادحين، وحتى الفرصة الواقعية لمشاركة الشيوعيين والناشطين العمّاليين، قد أُخذت بعين الاعتبار بوصفها أساس موقفنا من المشاركة أو مقاطعة الانتخابات. لكننا لا نختار تكتيك المقاطعة على أساس تفسيرٍ أيديولوجي للبرلمان ودرجة رجعيته. وعلى عكس مؤيَّد الذي يعتقد أنّ مجتمع العراق وكردستان يعيش كل يوم في أتون الثورة وفي وضعٍ ثوري، ويختار وفقاً للتقليد اللينيني موقف المقاطعة، نعتقد نحن أنّ الوضع الثوري، والثورة، والانتفاضات، ونهوض الجماهير، هي لحظات محددة من الصراع الطبقي، وليس كل لحظة وكل يوم وضعاً ثورياً، وليس في كل وقت وساعة يمدّ العمال أيديهم للثورة والانتفاضة أو حتى للاحتجاج العام والشامل! لذلك، في مثل هذا الوضع، فإن تكتيك المشاركة في البرلمان، إذا توفرت إمكانية مشاركة الشيوعيين، هو تكتيك يستحق النظر فيه أكثر!
ومن جهةٍ أخرى، أليس وفقاً لرأي الكومنترن الذي يقول:
"... إن معاداة البرلمانية من حيث المبدأ، بوصفها رفضاً مطلقاً وغير مشروط للمشاركة في الانتخابات والعمل البرلماني الثوري، ليست سوى فكرة طفولية ظاهرية لا تصمد أمام النقد....".
ألا يناقض هذا رأي الرفيق مؤيَّد وتفسيره بشأن رفض ومقاطعة الانتخابات والعمل البرلماني؟ وحتى إن قال إنه ليس من حيث المبدأ وضدّ العمل البرلماني والمشاركة في الانتخابات لأغراض ثورية، فإن ذلك لا يمنحه براءة الذمة عندما يتهمنا، بالضبط للأسباب نفسها التي نتحدث بها عن المشاركة في الانتخابات وللهدف نفسه، باليمينية والتخلي عن الثورة والصراع الطبقي والارتماء في أحضان البرجوازية! ففي جميع وثائق الحزب وأحاديث وآراء الكوادر القيادية في الحزبين، تمّ التأكيد بوضوح على أننا ندخل هذه العملية من أجل استخدامها كمنبر للدعاية الشيوعية، ومن أجل تقويض البرلمان نفسه من داخل البرلمان. نحن، كما يقول لينين، نعتبر البرلمان حظيرة خنازير وندخلها لكي نُخرّبها من الداخل، وقد قلنا نحن أيضاً إن البرلمان مستنقع، وندخل إليه لكي نستخدمه ضد البرجوازية وسلطتها وأحزابها، وللدعاية لسلطة العمال والمجالس.
لقد تعامل لينين والبلاشفة بالطريقة نفسها مع مسألة البرلمان والمشاركة والمقاطعة. فقد تحدّث لينين بوضوح عن الظروف التي يجب فيها على الشيوعيين مقاطعة البرلمان وجميع المؤسسات التمثيلية البرجوازية، وهي وجود وضعٍ ثوري وتنامي الثورة والسخط العام وانهيار الوهم الدستوري… إلخ. ولم يختر لينين تكتيك مقاطعة الانتخابات والبرلمان انطلاقاً من مفهوم رجعية البرلمان أو حتى طابعه المعادي للثورة. ويتحدث لينين في كتابه "ضد المقاطعة":
"نحن البلاشفة شاركنا حتى في أكثر البرلمانات رجعية، وقد أثبتت التجربة أن هذا النوع من المشاركة لم يكن مفيداً فحسب، بل كان ضرورياً أيضاً للحزب البروليتاري الثوري...".
ويذكر أيضاً:
"قارنوا بين قرار مؤتمر ستوكهولم للمناشفة وقرار مؤتمر لندن للبلاشفة حول الدوما. سترون أن الأول مليء بالجمل والكلمات الرنانة حول الدوما ودورها وأهميتها. أما الثاني فهو بسيط وجاف وواضح وعادي. الأول مليء بالميول البرجوازية الصغيرة نحو تزويج الاشتراكية الديمقراطية بالاتجاه الدستوري (“سلطة جديدة منبثقة من حضن الشعب”… إلخ)، دوما على الذوق نفسه للنفاق الرسمي. أما مضمون القرار الثاني فيتحدث: بما أن الثورة المضادة قد رمتنا في هذه الحظيرة اللعينة، فعلينا أن نعمل هنا أيضاً، بلا تأفف، وفي الوقت نفسه بلا تفاخر، من أجل الثورة".
وهذا هو بالضبط ذلك النوع من التعامل الصحيح والسياسي الشيوعي الذي يسميه لينين ومؤتمر الأممية الثالثة الثاني (الكومنترن) «البرلمانية الثورية»! لكن الرفيق يفرغ هذا المضمون الحقيقي والواقعي وفقاً لمصلحته السياسية!
هل هناك ما هو أوضح من أن كل شيوعي، إذا كان فعلاً يعترف باتباعه للينين ومنهجه الفكري والسياسي، يجب أن يأخذ تلك الإرشادات الواضحة للينين بشأن المقاطعة والمشاركة في البرلمان كدليل سياسي، لا أن يقدّم نفسه من جهة وريثاً أصيلاً للينين واللينينية، ومن جهة أخرى، وبعكس تلك الإرشادات، ومن داخل خياله الأيديولوجي، وباسم لينين، يطرح آراءً غريبة عن لينين ومنهجه اللينيني في سوق السياسة ولا تمت بصلة لها، ويُلصق تهم الانتهازية واللاماركسية والانحراف نحو اليمين… إلخ، بأشخاص يتعاملون مع هذه المسألة المحددة، أي البرلمان ومسألة المشاركة والمقاطعة، على نهج لينين واللينينية ذاتهما.
وفي ختام هذا القسم، من المناسب الإشارة إلى نقطةٍ يذكرها الرفيق مؤيَّد ويجعلها فرصةً لا لتعريفنا باليمينية والانتهازية الإصلاحية فحسب، بل ليلصقنا أيضاً بالبرجوازية من أجل فرض دكتاتورية الطبقة البرجوازية على الطبقة العاملة وجميع الجماهير المحرومة والكادحة! وتتمثل هذه النقطة في أن الرفيق ريبوار أحمد يتحدث عن المنهج السياسي للرفيق منصور حكمت في إصراره على أن الشيوعية العمالية يجب أن تكون حركةً وحزباً سياسياً ذا تدخل سياسي–اجتماعي، وأن تستفيد من جميع الفرص، حتى لو طُلب منها المشاركة في حكومة الإقليم. ويجب على الحزب الشيوعي العمّالي أن يطرح شروطه لتلك المشاركة بوضوح.
ما أسهل أن تُصدر الأوامر والقرارات في خيالك تجاه الظواهر والأحداث والأشخاص الواقعيين! كم هو مرهق هذا الأسلوب: خذ اسماً أو ظاهرة، واصنع لها صورة وفق تفسيرك وفهمك، ثم ابدأ بالتحليل والتشريح! وهل لهذا أي صلة حقاً بالمنهج الماركسي والمادي التاريخي والديالكتيكي الذي يحب الرفيق مؤيَّد كثيراً استخدام هذه المصطلحات بشأنه!؟
المسألة واضحة جداً: يجري الحديث عن تكتيك سياسي لحزبٍ شيوعي عمّالي أعلن بوضوح وصراحة أنه يناضل من أجل إنجاز الثورة العمالية وإسقاط جميع أشكال السلطة البرجوازية في العراق وكردستان، ومن أجل إقامة حكومة عمالية، ويريد أن يستفيد من كل فرصة سياسية تبرز أمامه لتطوير سياسته واستراتيجيته داخل المجتمع بوصفه قوةً سياسية ثورية متدخلة. ولأن جوهر تفكيره وأيديولوجيته هو النقاء لا التدخل السياسي، فإن الرفيق مؤيد يخشى كل اقتراب من السياسة خشية أن يُلطّخ نقاء أيديولوجيته. والمثال الذي ورد في أقوال الرفيق ريبوار أحمد يتحدث عن الكفاءة السياسية والخصال القيادية لمنصور حكمت بوصفه قائداً شيوعياً عمّالياً، ينصبّ فكره وذهنه وكل انشغالاته على كيفية إيصال طبقته وحركته إلى النصر، وهو، مثل لينين، مستعد لأن يركب قطاراً مغلقاً وخاصاً ويعود عبر “أراضي العدو” من أجل قيادة الثورة، حتى لو اتهمه أعداء الشيوعية والبلاشفة أنفسهم بالتجسس لصالح ألمانيا!
إن كلام منصور حكمت موجود بشكل مدون. ففي عام 1999، وفي مقابلة مع نشرة «إنترناسيونال» حول اختطاف عبد الله أوجلان، يتحدث عن حكومة إقليم كردستان ويقول:
"بالتأكيد، هذا لا يعني أنه يجب النظر ببرود ولا مبالاة إلى مشروع الحكومة الذاتية في كردستان العراق، أو الوقوف ضده. وقد تشارك الشيوعية العمالية في العراق حتى في هذه العملية....".
وبالطبع، يتمنى الرفيق مؤيَّد لو كان منصور حكمت حياً حتى يشاكسه في هذا الموضوع، لكنه لا ينتظر المشاكسة مع ريبوار أحمد، بل يوجه إليه الاتهام مباشرة، لا باليمينية فقط، بل بالشراكة مع البرجوازية لقمع الطبقة العاملة:
"... من الواضح أننا هنا نتحدث عن المشاركة في الحكومة، لا عن البرلمان والانتخابات. وهذا تغيير جوهري في هذا المنهج والخط السياسي الذي يعتبره الرفيق ريبوار خطاً سياسياً شيوعياً فاعلاً… هناك فرق كبير بين المشاركة في البرلمان والمشاركة في الحكومات البرجوازية؛ فالأخيرة ليست مجرد سياسة يمينية، بل هي مشاركة في السلطة البرجوازية وتنفيذ دكتاتورية الطبقة البرجوازية ضد الطبقة العاملة وجميع الكادحين والمفقَرين".
ألم يكن من الأجدر بالرفيق، كما يُبدي لطفه ويُظهر استعداده للحوار مع منصور حكمت، أن يُبدي الاستعداد نفسه للحوار مع ريبوار أحمد أيضاً!؟ ولماذا كل تلك الأحكام القاسية التي يُصدرها بحق ريبوار أحمد!؟ وهل يمتلك الرفيق مؤيَّد الجرأة على أن يُنزِل الأحكام نفسها التي يُصدرها بحق ريبوار على منصور حكمت!؟ لا شكّ أن مؤيَّد قد انفصل منذ مدة عن الخط السياسي للشيوعية العمالية ومنصور حكمت، لكن للرفيق مصلحة سياسية في هذا النوع من المجاملة تجاه منصور حكمت! فبعض أولئك الذين يشنّون اليوم حملة هجومية مشتركة على الحزبين الشيوعيين العمّاليين في العراق وكردستان لا يزالون يستفيدون من السلطة والنفوذ السياسي للرفيق منصور. فما اسم هذا إن لم يكن مصلحة سياسية وانتهازية سياسية!؟ إن الكلام نفسه الذي قاله منصور حكمت لا يُعدّ يمينية ولا شراكة مع البرجوازية لقمع الطبقة العاملة، لكن ما دام ريبوار أحمد هو الذي يقوله، بوصفه أحد الشخصيات والقادة في الشيوعية العمالية في العراق وكردستان، فإنه يُعتبر ارتماءً في أحضان البرجوازية والمليرانية والبرنشيتينية!*
التعامل الأيديولوجي واليساري مع البرلمان والانتخابات!
في الوقت الذي يعتبر فيه الرفيق مؤيَّد عودتنا إلى لينين عودةً ميكانيكية ومحاولةً فاشلة، بزعم أن الوضع السياسي والصراع الطبقي وطبيعة البرلمان نفسها قد تغيّرت كثيراً مقارنة بزمن لينين، ولذلك لا يمكن استخدام حجج لينين بشأن البرلمان وتكتيك المقاطعة والمشاركة، نراه في الموضع نفسه، حيث يخدم ذلك مصلحة آرائه، لا يعود إلى لينين، بل يعود إلى المؤتمر الثاني للأممية الثالثة ويستشهد بمقاطع مطوّلة من وثائق ذلك المؤتمر. لكن وثائق الأممية الثالثة (الكومنترن) نفسها أيضاً لا تخدم تفسيره وآراءه، بل تؤكّد نقيضها.
وبالعودة إلى وثائق المؤتمر الثاني للأممية الثالثة (الكومنترن) وطرح مفهومَي «البرلمانية الثورية» و«البرلمانية القديمة»، يريد الرفيق أن يُلصق بنا تقليد «البرلمانية القديمة» ويعرّفنا بذلك بوصفنا اشتراكية–إصلاحية وبرنشيتينية، فإنه من هذه الزاوية أيضاً يتعامل مع المسألة بشكلٍ معاكس وانتهازي سياسياً، لا كما هي في الواقع. فكل من يعود إلى قرارات المؤتمر الثاني للكومنترن سيتبيّن له بوضوح أن مقصود الكومنترن من «البرلمانية القديمة» هو أن الاشتراكية الديمقراطية، في مرحلة كانت فيها البرجوازية «مستعدة لتقاسم مصالحها مع البروليتاريا» وتقديم تنازلات على شكل مجموعة من الإصلاحات لصالح الطبقة العاملة، قد استخدمت البرلمان كمنبر للتغيير، بل وحتى لتغيير السلطة. لكن عندما «رفضت البرجوازية بشكلٍ قاطع التوفيق بين مصالحها الخاصة ومصالح البروليتاريا عبر مجموعة من الإصلاحات البسيطة»، و«فرضت سلطتها على البروليتاريا بالنار والحديد»، فقد البرلمان دوره السابق في النضال من أجل الإصلاح بالنسبة للشيوعيين والطبقة العاملة. وعندها لم يعد البرلمان سوى منبر يمكن الاستفادة منه للدعاية الثورية ولمناهضة البرلمان نفسه وسلطة البرجوازية. وهذا ما أُطلق عليه اسم «البرلمانية الثورية»، في إشارة إلى ذلك الأسلوب في العمل البرلماني الذي طبّقه البلاشفة وكارل ليبكنخت في ألمانيا… إلخ. لكن الرفيق، بشكلٍ غير مشروع، يُلحق نفسه بتقليد «البرلمانية الثورية»، لأنه يعتبر أي مشاركة في البرلمان، حتى لو كانت بهدف فضح البرلمان ومناهضته والبرلمانية نفسها، وحتى لو كانت بهدف خوض الصراع داخل العملية الانتخابية نفسها وفي قاعة البرلمان ضد البرجوازية وسلطتها، خيانةً للطبقة العاملة، وانحرافاً نحو اليمينية، وتخلياً عن الثورة!
يخصّص الرفيق مؤيَّد جزءاً كبيراً من موضوعه لتعريف البرلمان ومكانته في الصراع الطبقي، وطبيعته البرجوازية، وخصائصه بوصفه مؤسسةً للدولة البرجوازية في عصر الإمبريالية، ودوره المعادي للثورة والمعادي للعمال… إلخ. ومن هناك يصل إلى نتيجة مفادها أن أي مشاركة في البرلمان تعني العودة إلى «البرلمانية القديمة» والإصلاحية وخيانة الطبقة العاملة وخدمة البرجوازية… إلخ. لكن أين، في كل تلك الاقتباسات التي أوردناها عن لينين وعن المؤتمر الثاني للكومنترن، يوجد أي إشارة إلى أن لينين والبلاشفة والكومنترن قد اتخذوا سياسة المشاركة أو مقاطعة الانتخابات والبرلمان على أساس طبيعة البرلمان نفسها بوصفه معادياً للثورة، رجعياً، إمبريالياً!؟ عندما يقول لينين إننا شاركنا في أكثر البرلمانات رجعية، وعندما يقول إن علينا أن نعمل داخل هذه الحظيرة اللعينة للخنازير، فهل يبقى أي مجال آخر لتحديد تكتيك المشاركة أو المقاطعة على أساس طبيعة البرلمان نفسها!؟
فلنصغِ قليلاً إلى حجج الرفيق مؤيَّد حول صواب تكتيك المقاطعة ويمينية وتحوّل تكتيك المشاركة إلى الارتماء في أحضان البرجوازية:
"....ان هذا البرلمان معادٍ للعمال ومعادٍ للنساء… وجميع قراراته وقوانينه بشأن “الورقة البيضاء” لتقوية أعمدة رأس المال عبر السياسات الاقتصادية النيوليبرالية....".
".... إن الشكل البرلماني للنظام القائم في العراق يحمل من جهة خصائص برلمانية عصر الإمبريالية، ومن جهة أخرى لم ينشأ كنتيجة لتطوّر الصراع السياسي والصراع الطبقي داخل المجتمع، بل جاء بعد الحرب الإمبريالية الأميركية على العراق، وكحصيلة لذلك الانقلاب والتأسيس....".
وبحسب هذا الرأي للرفيق مؤيَّد، فإن برلمانات البرجوازية في زمن لينين لم تكن معادية للنساء ولا معادية للعمال، ولم تكن قوانينها لتكريس السلطة الاقتصادية والسياسية للبرجوازية! وكذلك، في ذلك الوقت، لم تكن الإمبريالية قد وُلدت بعد! فهل هذا حقاً دليل منطقي يقدّمه الرفيق دعماً لآرائه!؟ ألم يكن زمن لينين والبلاشفة، حين شاركوا في الدوما القيصرية، هو زمن الإمبريالية!؟ ألم تكن الدولة القيصرية نفسها واحدة من المعسكرات الإمبريالية في ذلك العصر؟ وهل لم تكن برلمانات أوروبا، التي دعا لينين الشيوعيين إلى المشاركة فيها، برلمانات عصر الإمبريالية؟ وهل لم تكن دول أوروبا في ذلك الوقت، فرنسا وألمانيا وبريطانيا… إلخ، دولاً إمبريالية، ولم تكن برلماناتها أدوات للنفاق والكذب والعنف وقرارات الحرب والاحتلال والنهب!؟ يقول الرفيق إن خصائص البرلمان العراقي هي خصائص برلمانية عصر الإمبريالية، فلماذا إذن لا تجوز المشاركة فيه، إذا توفرت إمكانية المشاركة!؟ الفرق عند الرفيق مؤيَّد هو أن البرلمان العراقي ليس نتاج الصراع الطبقي داخل المجتمع العراقي، ولم ينشأ أصلاً، بل جاء وتأسس بفعل الولايات المتحدة ونتيجة للحرب! لكن هل يستطيع الرفيق مؤيَّد أن ينكر الدور الأساسي لهذا البرلمان العراقي بوصفه أداة للسيطرة على الطبقة العاملة ومؤسسةً للدولة البرجوازية وأداةً سياسية للعنف البرجوازي!؟ من منظور الطبقة العاملة والشيوعية، لا قيمة لبرلمان «أصيل» ولا «عادي»! فكلاهما يؤديان اليوم الدور نفسه، وهو فرض سلطة البرجوازية المعادية للثورة على الطبقة العاملة، وإقصاؤها عن لعب أي دور سياسي وإجهاض أي محاولة للطبقة العاملة من أجل إقامة سلطتها الطبقية الخاصة!
نقطةٌ أخرى يستند إليها الرفيق مؤيَّد لدعم أدلّته هي قوله:
"....بعد بروز المجالس العمالية في الثورة الروسية عام 1905 بوصفها شكلاً لتنظيم نضال الجماهير العمالية، وقبل ذلك بربع قرن تقريباً بروز كومونة باريس بوصفها ديكتاتورية الطبقة العاملة… فقد أسلوب النضال البرلماني قيمته التاريخية...."
في مواجهة رأي مشابه لهذا الرأي الذي يطرحه مؤيَّد، يوجّه لينين نقداً إلى الشيوعية اليسارية الأوروبية ويقول إن البرلمان من الناحية التاريخية قد انتهى دوره، لكنه من الناحية السياسية لم ينتهِ. ولذلك، حتى في انتخابات الجمعية التأسيسية في تشرين الثاني/نوفمبر 1917، بعد انتصار ثورة أكتوبر وبعد أن كانت السلطة السياسية بيد السوفييتات والبلاشفة، شارك لينين والبلاشفة في الانتخابات والجمعية من أجل إقناع الطبقة العاملة وجماهير الكادحين في روسيا عملياً بأن الدور السياسي للبرلمان البرجوازي قد انتهى. وكما يقول لينين، فإن هذا التكتيك بالذات سهّل عملية حلّ الجمعية التأسيسية بسهولة! إن لينين نفسه، بعد تجربة الكومونة، وبعد تجربة سوفييتات 1905، وبعد انتصار ثورة أكتوبر، لم يدافع عن المقاطعة بذلك العزم الذي يدافع عنه مؤيَّد، بل كان مؤيداً للمشاركة حتى في أكثر البرلمانات رجعية ومحافظة، وأدوات الإمبريالية! فهل يجوز لشخص أن يستحضر لينين دعماً لأقواله وآرائه وهو يقف عملياً وعلى نحوٍ صريح ضد آراء لينين ومواقفه!؟ هل كان لينين مخطئاً حين واصل الدفاع عن تكتيك المشاركة بعد كل تلك التجارب، أم أن مؤيَّد هو المخطئ حين يستند إلى الأدلة نفسها ليدافع عن المقاطعة ويصف المشاركة بالخيانة والانتهازية والاشتراكية–الإصلاحية والبرنشيتينية!؟ ووفق المعيار نفسه، ألا يُدرج لينين أيضاً ضمن حلقة الاشتراكيين–الإصلاحيين!؟
ثمة مسألة أخرى يُستند إليها لتبرير اختيار تكتيك المقاطعة هي أن نسبةً كبيرة من الناس تقاطع البرلمان. لكن في وضعٍ لا تتحوّل فيه مقاطعة الانتخابات والبرلمان وعدم رضا الجماهير عن السلطة إلى حركة جماهيرية ثورية وعدم رضا عام وشامل، أي ما يسميه لينين "نهضة ثورية"، فإن المقاطعة لا تكون سوى فكرة طفولية! بل إن المؤتمر الثاني للكومنترن يذهب أبعد من ذلك ويقول:
"إن الحزب الشيوعي، وهو يقبل، كقاعدة عامة، بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية والبلدية والعمل في البرلمانات والمجالس البلدية، يجب أن يحدّد المسألة مع مراعاة الظروف الخاصة والسمات المميِّزة للوضع القائم. إن مقاطعة الانتخابات والبرلمان، وكذلك الانسحاب من البرلمان، هي مسائل مقبولة، ولا سيما عندما تتوفر ظروف تتيح الانتقال مباشرة إلى نضال مسلّح من أجل الاستيلاء على السلطة".
ان شرطاً غريباً جداً التي يشير إليها الرفيق لتبرير المقاطعة قوله إن «انتخابات هذا العام هي امتداد لانتخابات قوى الثورة المضادة لعام 2021 التي قمعت انتفاضة تشرين وأغرقتها بالدم، وكانت تلك الانتخابات بمثابة استكمال لعملية خنق الانتفاضة. وبذلك فإن علاقة البرلمان العراقي الحالي بالصراع الطبقي والسياسي الجاري في المجتمع هي علاقة إفشال للنضال الثوري الجماهيري للكادحين والمضطهَدين والشباب». قارنوا هذا التحليل بمشاركة لينين والبلاشفة في الدوما الثالثة، التي جرت بعد أقل من عامين من قمع ثورة 1905 على يد القيصر. وبعد ما يقرب من ست سنوات على هبّة 2019 الجماهيرية التي لم تشمل العراق كله، وبعد ما يقرب من أربع سنوات على مرور الانتخابات المبكرة التي أعقبت هبّة 2019، يأتي الرفيق ليصدر الحكم نفسه الذي صدر في ذلك الوقت على الوضع السياسي الراهن في العراق، ويقول إن الانتخابات الحالية أيضاً تهدف إلى افشال النضال الثوري الجماهيري وافراغه من مضمونه! لا شك أن البرجوازية ومؤسساتها تحاول دائماً إفشال النضال الجماهيري، لكن المسألة ليست في محاولة الإفشال هذه، بل في ما إذا كان هذا النضال قد بلغ مستوى يمكن أن يتحول فيه إلى سخط عام وشامل ونهضة ثورية واستعداد جماهيري للعمل الثوري أم لا؟! إن إطلاق تعابير مبهمة وغير محددة لا يمكن أن يوضح أي سياسة!
إن الرفيق مؤيَّد عالق في دوامة سياسية؛ فمن جهة ينظر إلى المقاطعة والمشاركة بوصفهما تكتيكين سياسيين للحزب الشيوعي، ومن جهة أخرى يرفضهما بكل الأشكال، ويصل إلى استنتاجات غريبة لا يكاد هو نفسه يدرك مقصودها. فهو يقول:
"إن المقاطعة والمشاركة في ما يتعلق بالبرلمان هما تكتيكان سياسيان معتبران للحركة الشيوعية والعمالية، ومسألتان مهمتان يمكن اعتماد إحداهما في مرحلة وظرف محددين. وبالتأكيد فإن هذا لا ينفي ما قلناه سابقاً من أنهما مسألتان ثانويتان مقارنة بالنضال الجماهيري للعمال والكادحين والمضطهَدين خارج البرلمان....".
هنا يحدّد الرفيق بشكل صحيح موقع المقاطعة والمشاركة في الانتخابات والبرلمان بوصفهما تكتيكين سياسيين معتبرين، لكنه يعود فيطرح إشكالية حين يتحدث عن مكانة هذين التكتيكين إزاء النضال الجماهيري للعمال والكادحين خارج البرلمان بوصفهما دوراً ثانوياً ومن الدرجة الثانية.
وبالطبع، ليس التكتيك الثانوي في الصراع الطبقي العمالي والنضال الجماهيري للكادحين هو تكتيك المشاركة أو المقاطعة، بل هو النضال البرلماني نفسه. فحركة السخط العمالي والجماهيري، سواء كانت ضعيفة أم قوية، هي التي تحتل الموقع الأول والأساسي في الصراع الطبقي وفي أولويات نضال الشيوعيين والحزب الشيوعي. أما تبنّي تكتيك المشاركة أو المقاطعة فيتوقف على الوضع السياسي ومستوى السخط العام والأجواء الثورية وإمكانية مشاركة الشيوعيين والحزب الشيوعي في الانتخابات البرلمانية الجارية، وأيّهما يمكن أن يخدم تقوية حركة السخط العمالي والعام ويخدم الثورة والحركة الثورية الجماهيرية للعمال والكادحين!
لكن عندما يصل الأمر إلى الموقف من البرلمان والانتخابات في العراق، عندها تُقلب كل الأشياء، ولا يبقى للمشاركة، بوصفها تكتيكاً معتبراً، أي مكان فعلي في سياسة الشيوعيين!:
"إن مقاطعة البرلمان العراقي في هذه المرحلة ليست تكتيكاً سياسياً بقدر ما هي واقع سياسي طبقي قائم، وهو واقع يخصّ الطبقة العاملة والجماهير المُفقَرة والمضطهَدة والنضال الطبقي. إن شرط استخدام البرلمان لأغراض ثورية مرتبط بدرجة تطور النضال الجماهيري الثوري خارج البرلمان في هذه المرحلة من العراق".
في هذه المرحلة لم يعدّ الرفيق المقاطعة تكتيكاً سياسياً، بل ينظر إليها بوصفها مسألة اضطرارية! وسبب ذلك، حسب رأيه، هو وجود واقع طبقي! ما المقصود بذلك؟ برأيي، وكما يشير هو نفسه في موضع آخر، لأن قسماً ملحوظاً من شعب العراق يقاطع البرلمان! أليس هذا في الحقيقة انسياقاً وراء الجماهير وشعبوية؟! هل لمجرد أن قسماً من الجماهير يقاطع الانتخابات والبرلمان، يجب على الشيوعيين والحزب الشيوعي أن يقاطعوا البرلمان؟ هل هذا حقاً هو التقليد اللينيني!؟ وماذا عن القسم الآخر من جماهير العمال والكادحين الذين يشاركون، هل يُتركون للأحزاب البرجوازية الميليشياوية الرجعية؟! وكما أشرتُ أعلاه، هل تلك الجماهير التي تقاطع تفعل ذلك على أساس استعدادها للقيام بعمل ثوري، أم على أساس اليأس واللافعالية (باسفيزم) السياسية؟! بالطبع أنا لا أوجّه نقداً إلى الناس الذين يقاطعون الانتخابات والبرلمان بأي شكل كان، لكنهم يفعلون ذلك في وضع سياسي راكد، وفي غياب أي وضع ثوري وأي نهضة ثورية وأي أفق قريب لنهضة ثورية. وليس من المقرر أن يتبع حزب سياسي طليعي يأس الجماهير ولا مبالاتها السياسية. بل يجب أن يقودهم نحو رفع مستوى استعدادهم للقيام بعمل ثوري. وحتى لو كنتَ، كما تقول قرارات الكومنترن، داخل البرلمان، لكن عندما تبدأ الجماهير بالتحرك نحو العمل الثوري والسخط العام، يجب على النواب الشيوعيين أن ينزلوا إلى صفوف الجماهير وأن يكونوا مستعدين للقيادة والقيام بأعمال تتعارض مع قوانين البرلمان، وعند الضرورة يجب أن ينسحبوا من البرلمان! هذا هو التكتيك السياسي الصحيح، وليس ما يقوله الرفيق مؤيَّد، من أن المقاطعة أصبحت واقع الصراع الطبقي في العراق اليوم، وبذلك المصطلح يعفي نفسه من كل مسؤولية جدّية تجاه الطبقة العاملة والثورة العمالية!
وعلى عكس مما يقوله الرفيق:
"... إن منهج لينين نفسه، برأيي، يراعي سياسة المقاطعة في العراق ارتباطاً بمتطلبات دفع قوى الثورة البروليتارية إلى الأمام في العراق وتعزيز النضال السياسي الطبقي للبروليتاريا، لا المشاركة في برلمان برجوازي فاسد ومحتكر من قبل قوى ميليشياوية قومية وإسلامية تستند إلى تدخل قوى إقليمية ودولية، برلمان قوى الثورة المضادة الذي أغرق انتفاضة تشرين بالدم"، فإن الوضع الراهن في العراق، وفق التقليد السياسي اللينيني، يتطلب تكتيك المشاركة في الانتخابات. الحديث هنا عن الوضع الراهن، وقد يتغير الوضع السياسي بعد سنة أو حتى بعد عدة أشهر بطريقة يفقد تكتيك المشاركة أي معنى. لكن قارنوا الوصف الذي يقدمه للبرلمان العراقي بالبرلمانات في روسيا التي شارك فيها لينين والبلاشفة: هل كان القيصر ملاكاً بالمقارنة مع هذه السلطة الميليشياوية الحالية؟! وهل في عام 1905، أي قبل عامين فقط من الدوما الثالثة التي شارك فيها البلاشفة، لم يُقتل آلاف الأشخاص على يد القيصر عندما قاد القس غابون آلاف الناس إلى ساحة القصر مطالباً القيصر بأن يُظهر بعض الرحمة تجاه جماهير العمال والمضطهَدين في روسيا؟! أي تقاربٍ يوجد بين التقليد اللينيني وهذا الرأي الذي يطرحه الرفيق مؤيَّد!؟
إهانة أم نقد سياسي!؟
في الختام، نشير إلى مسألة أخرى، وهي أن الرفيق مؤيَّد لديه قلق وعدم ارتياح شخصي من انتقادات الرفيق ريبوار أحمد عندما يتناول موقف اليسار من مسألة المشاركة في الانتخابات والبرلمان ومسألة عدم التدخل السياسي في قضايا وأحداث ومسائل المجتمع السياسية، وينظر إليها بوصفها إساءة إليهم وإلى نضالهم وتضحياتهم، ولذلك يصفها بغير الماركسية وخدمة البرجوازية وحمل تقاليد التيارات السياسية البرجوازية القومية. إذ يتحدث مؤيد:
"....في سياق الرد على الماركسيين الثوريين والشيوعيين النقّاد للحزبين، يسيء إليهم مرات عديدة، وبأسلوب غير رفاقي يقلّل من شأن دورهم ونضالهم وتضحياتهم دون أن يحسب لها أي حساب..."
كما يذكر:
"بهذا الأسلوب وهذا النوع من الحوار، الذي تهيمن عليه بصمة تقاليد التيارات السياسية البرجوازية، لا يسجّل نقطة إيجابية في تاريخه النضالي، بل يقدّم خدمة مجانية للبرجوازية وأحزابها التي تواصل دعايتها المعادية للشيوعية... "و"ليس هذا فحسب، بل يتجاوز حدود الاحترام ويقول إن الشيوعيين "لايخرجون حتى بالقوة من مخابئهم» كي يستفيدوا من وضع الحريات السياسية القائم…"
أولاً، يجب أن أقول إن الرفيق ريبوار أحمد لا يوجّه خطابه إلى شخص محدد بعينه، بل إلى تقليد سياسي يهيمن على اليسار غير العمالي، وهو تقليد خنق حركتنا لسنوات بأساليبه وممارساته. إن النقد الصريح والجريء لهذا التقليد غير العمالي المتخفي داخل الحركة الشيوعية هو نقطة قوة وتقدم للشيوعية، لا إضعاف لها ولا خدمة للبرجوازية. ان هذا هو تقليد الماركسية: أن ننتقد أخطاءنا بجرأة من أجل استخلاص الدروس واتخاذ القرارات الصحيحة! وبحسب تعبير ماركس، فإن حركتنا عندما تضع قدمها على الأرض، إنما تفعل ذلك لتستعد للقفز! لكن الرفيق مؤيَّد، الذي يريد تقديس ذلك التقليد اليساري غير العمالي والإبقاء عليه، يعدّ انتقاداتنا إساءة إلى نضاله وتاريخه السياسي وإلى باقي من يسمَّون بالماركسيين الثوريين والشيوعيين!
أما أقوال الرفيق ريبوار أحمد التي يقلق منها الرفيق مؤيَّد إلى هذا الحد، ويصفها بتجاوز حدود الاحترام وخدمة البرجوازية وحمل تقاليد قومية، فهي على النحو الآتي:
"نحن في العراق نواجه فعلاً هذا الواقع؛ فاليسار، بدلاً من أن يستفيد من هذه الأجواء السياسية المفتوحة التي تشكّلت في خضم الأحداث والتحولات، وفي سياق صراعات هذه العقود التي أعقبت خروج البعث من كردستان ثم سقوط هذا النظام على مستوى العراق، يظهر دائماً وكأن أجواء من القمع قائمة، لا تستطيع فيه القوى اليسارية أن ترفع رأسها، وإلا واجهت الإرهاب وخطر الموت...."
ملاحظة: جميع المواضع التي وُضِع تحتها خط هي من عندنا.
• إدوارد برنشتاين كان سياسياً اشتراكياً ديمقراطياً ألمانياً، وقائداً في الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD). كان معارضاً لخط ماركس بشأن تحقيق الاشتراكية عبر الثورة، وكان يؤمن بالإصلاح والبرلمان طريقاً للوصول إلى الاشتراكية.



#محسن_كريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السودان ومستقبل ثورة اندلعت!
- ملاحظات نقدية حول مقال الرفيق مؤيد احمد:
- مرة اخرى: الاتحاد الوطني الكردستاني و قمع الحريات السياسية ف ...
- يجب وقف الارهاب ضد الجماهير في فلسطين وأسرائيل!


المزيد.....




- الجيش الأردني: التحاق الدفعة الأولى من مُكلّفي -خدمة العلم- ...
- معرض CES.. تطبيق لفحص صحة الأسنان واللثة عبر الهاتف
- مركز روسي: هل تراهن موسكو على دمشق الجديدة؟
- -أيام الله-.. فضل ليلة النصف من شهر شعبان
- استعداد إستراتيجي.. إيران تخصص مقابر للقتلى الأمريكيين المحت ...
- هدنة البرد تشعل تفاعلا واسعا حول تقارب ترمب وبوتين
- رغم الأدلة العلمية.. 7 خرافات لا تزال شائعة عن الأسبرين
- الاتحاد الأوروبي يؤجل ترحيل السوريين ويدعم العودة الطوعية
- إيران..انفجار يهز مبنى في بندر عباس ومسؤولان أمريكي وإسرائيل ...
- إيران.. علي خامنئي في ظهور جديد خلال زيارته لقبر الخميني وسط ...


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ... / رزكار عقراوي
- تساؤلات فلسفية حول عام 2024 / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - محسن كريم - ردّ على انتقادات الرفيق مؤيد أحمد للحزبين الشيوعيين العمّاليين في كردستان والعراق