أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سعيد مضيه - عذابات الشعب الفلسطيني نصيبه من تفشي الليبرالية الجديدة - الحلقة الثانية والأخيرة















المزيد.....

عذابات الشعب الفلسطيني نصيبه من تفشي الليبرالية الجديدة - الحلقة الثانية والأخيرة


سعيد مضيه

الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 14:01
المحور: القضية الفلسطينية
    


امببريالية الغرب ابتدعت مقولة الوطن التاريخي لليهود

لن يخرج نهج ترامب غزة من مستنقع حرب الإبادة والتهجير؛ تصور كوشنر أحد أركان إدارة ترمب غزة مليئة بالأبراج وناطحات السحاب، واهاب بالمستثمرين اغتنام الفرصة.
في القرن التاسع عشر تقرر مصير فلسطين بعيدا عن حدودها. اللورد البريطاني شافتسبري حظي بدعم رئيس الحكومة بالمرستون وتعاون الاثنان في إنشاء القنصلية البريطانية بالقدس عام 1838، كان يهيمن عليها مسيحيون صهاينة، حولوها مركزا لمشاريع بريطانيا الاستعمارية التي قادت الى سياسة بلفور في فلسطين. كان شافتسبري بروتستنتيا متحمسا يؤمن بمقولات سفر دانيال بالتوراة- اعتقدوا بحتمية تحقيقه"- عودة اليهود الى فلسطين. نشر فكرة هجرة اليهود من فلسطين والآن من حقهم العودة الى وطنهم بعد غياب الفي عام. اللورد هو صاحب مقولة "وطن بلا شعب لشعب بلا وطن"؛ لم يعن حرفيا ان فلسطين خالية تماما من البشر ‘إنما المقصود انهم بلا قيمة ولا يؤبه لهم، طبقا لعنصرية الرجل الأبيض وبالنظر لتقليد العداء للإسلام والمسلمين.
في أواخر القرن نشط الاستشراق ونشطت في إطاره البحوث التوراتية. جميع دول الغر ب أخذت حكايات التوراة وبالذات دولة داوود على محمل الجد. وراحت الدول ذات الأطماع الامبريالية تتنافس على الحلول محل الدولة العثمانية التي بدت عليها مظاهر الهزال السياسي والاقتصادي. شرعت تضخ ثقافة التوراة وخرافة "العودة"، عودة اليهود الى "وطنهم التاريخي". وجدت الدول الامبريالية من الضرورة ان تقتنع شعوبها بفلسطين، الوطن التاريخي لليهود وبحق اليهود في العودة وإقامة دولتهم القومية، جزءً من أوروبا في منطقة الشرق الأوسط التي تعيش التخلف. بهذا المصير حسم مستقبل فلسطين في السياسة الدولية في ذلك الحين.
يراد في الوقت الراهن ان يحسم الموضوع الفلسطيني بمنأى عن فلسطين والشرق الأوسط، وخارج حاجات الشعب الفلسطيني بقطاع غزة ومصلحته في الاستقلال الوطني والسيادة. ترمب يريد تعطيل دور مجلس الأمن والأطر الدولية القائمة ويحتكر لنفسه، باسم مجلس السلام، توسيع صلاحياته لتشمل مشكلات العالم. ترمب، إذ يسعى لأن ينصب إمبراطور العالم، والامبريالية الأميركية امبراطورية تعم سيطرتها على المعمورة طوال القرن الحالي. يريد ان يجسد بالواقع خطة القرن كما ابتدعها المحافظون الجدد إثر انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991.
يصعّد ترمب داخل الولايات المتحدة وفي الخارج سياسات فاشية الليبرالية الجديدة لتعم العالم؛ على سبيل المثال يتصدى لدول أوروبا الغربية بينما يدعم النظم المتطرفة، نظم الفاشية ، ويعلن بصراحة انه سيدعم العناصر المتطرفة للوصول الى الحكم. وفي الانتخابات البرلمانية في المانيا هنّأ الحزب اليميني المتطرف (النازية الجديدة) على زيادة عضويته في البلالمان الألماني ولم يهنئ الحزب الذي شكل الحكومة.
الدلائل تشير الى ان أعضاء مجلس السلام وأعضاء اللجنة الوطنية سوف لن يكون لهم أي دور، كما تنبئ تعيينات ترمب بمفرده مجلسا تنفيذيا ضم أعضاء بارزين في إدارته: روبيو ، ويتكوف وكوشنير، بالإضافة لقراره "تعيين أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين كبيرين لمجلس السلام، لتولي قيادة العمليات اليومية والاستراتيجية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية على أرض الواقع"!
حتى مجلس السلام سوف لن يكون له أي دور، تماما كما حصل مع اللجنة الرباعية، احتكرت الامبريالية الأميركية تقديم المقترحات وتعقيد المشاكل بدل حلها، فلم تسمح للاتحاد الأوروبي او لروسيا، ولا حتى للأمم المتحدة بالتدخل بما يسند القوانين والقرارات الدولية؛ انفردت الإدارات الأميركية بالتدخل تعقد المشاكل وتنأى عن الشرعية الدولة، فأسهمت بذلك في دفع التداعيات حتى التردي في حرب الإبادة.
وكذلك الوساطة الأميركية بعد أوسلو لم تردع الاستيطان المتغول للأراضي الفلسطينية وكانت "المفاوضات" المزعومة و"الوساطة" في الوقع تغطية على التوسع الاستيطاني وتهويد الضفة والقدس.
لم تقف أي إدارة أميركية على الحياد خلال مراحل العدوان الإسرائيلي المتواتر المتفوق تسليحا واستهدافات على المقاومة الفلسطينية. وحسب التقليد الصهيوني بادعاء دور الضحية، نتنياهو اشتكى من تشكيلة مجلس السلام، مع انه يقال ان نتنياهو لم يكن بعيدا عن وضع الترتيبات جميعها، مثلما انه واضع النقاط العشرين لخطة السلام الترمبية.
أدوار عديدة لعبتها الامبريالية الأميركية كانت منحازة كليا الى الاحتلال، لتصل الى اللجنة الخماسية للإشراف على السلام في لبنان. لم يصدر عن رئاسة اللجنة الخماسية تلك أبسط موقف ينتقد العدوان الإسرائيلي المتوصل على لبنان؛ بل إن الرئاسة الأميركية أيدت إضافات على قرار وقف إطلاق النار بررت العدوان المتواصل على لبنان.

فاشية النيوليبرالية

في عصر تصاعد الفاشية، نهج إدارة ترمب على الصعيدين المحلي والدولي، والتقديس العدمي للجشع والسلطة المطلقة، انحطت السياسة الأمريكية إلى مسرح عنف يتماشى مع سيل لا ينقطع من الاستعراضات المقطوعة عن التاريخ والمفرغة من أي معنى منهجي. ما يتلاشى في هذا الحقل المتلاطم من الأحاسيس هو الإقرار بأن هذه التصرفات ليست تجاوزات ولا انهيارات، ما يصدر عن ترمب من هذيان عنصري وتقلب في الطروحات نهج يخفي طابعه العدواني الإرهابي في الداخل والخارج. قاعدة مسيطرة لنظام نهب رأسمالي نيو ليبرالي-فاشي، قائم على العسكرة، وتفوق العرق الأبيض، ومحو التاريخ، والسلب، والعقاب، بات يُعامل كحقائق حتمية ولا يتعرض للإدانة.
تزدهر الفاشية النيوليبرالية تحديداً لأنها تُفرغ السياسة من معناها، بينما تُغرق الحياة اليومية بالترهيب والاستعراض. وهي تُعلّم من خلال المداهمات والتفجيرات، ومن خلال الرقابة والصمت، ومن خلال تجريم الاحتجاج وإضعاف المؤسسات المكلفة بحماية الديمقراطية. هكذا تندمج مأساة الشعب الفلسطيني بسياسات دولية تتمارس على بعد عشرات آلاف الكيلومترات. بدأت المأساة وحسمت توجهاتها خارج المجتمع الفلسطيني في القرن التاسع عشر، وها هي تتعقد وتنمدمج بحمى النزعات الفاشية لليبرالية الجديدة. ضد هذا التوجه في السياسات الدولية يتوجب على المقاومة الفلسطينية ان تدمج نضالاتها.
في مقابلته مع صحيفة نيويورك تايمز، ادعى ترمب أن قانون الحقوق المدنية لعام 1964، وهو تشريع يهدف إلى إنهاء الفصل العنصري وضمان تكافؤ الفرص للأمريكيين السود في التعليم والعمل، "حقق بعض الإنجازات الرائعة، ولكنه ألحق الضرر بالكثيرين أيضًا"، متجاهلًا هدفه الأساسي ووصفه بأنه "تمييز عكسي". هذه حجة نمطية كلاسيكية للعنصريين البيض، تزعم أن الرجال البيض هم الضحايا الحقيقيون في المجتمع الأمريكي.
بالمثل، نتنياهو يصرخ لن نقبل العدوان.. إذا اعتدت إيران علينا...، وهو المعتدي اولا وعلى الدوام. يحرض على الشعب الفلسطيني- النازيين الجدد- يهددون الإسرائيليين بهواوكوست جديدة، وهو يدرك ان تدبير المجازر ضد الجماهير الفلسطينية بدأ أوائل عشرينات القرن الماضي، وبالتحديد في مؤلف "الجدار الحديدي" الذي وضعه جابوتينسكي زعيم حركة المراجعة، والذي تحول الى حزب حيروت ثم الليكود. أكد مسيقا ان معارضة الفلسطينيين لقيام الدولة الصهيونية سوف تسحق بالقوة وبمراكمة إنجازات لا قبل للفلسطينيين بتحديها. طالب المستوطنين بالتدرب على حمل السلاح؛ فهو عامل الحسم لإجبار الشعب الفلسطيني على الاستسلام لمشيئة الصهيونيين. نهج وضعه جابوتينسكي وسار عليه سياسيو الليكود وبنيامين نتنياهو بالذات.
مثل هذه التصريحات تُقلب التاريخ رأسًا على عقب، مُصوِّرةً العدوان بانه دفاع عن النفس، ومظالم البيض على أنها اضطهاد، هذا المنطق العنصري والقومي الأبيض يمتد إلى السياسة الخارجية، ويتجلى في تحذيرات ترامب من "أزمة حضارية" أوروبية مزعومة، يُزعم أنها ناجمة عن الهجرة نفس، وبهذا تغدو العنصرية إطارًا حاكمًا بدلًا من كونها شذوذًا، مما يُضفي طابعًا طبيعيًا على الهيمنة بجعلها تبدو طبيعية بدلًا من كونها مفروضة.
ما يمنح القوة والمنعة لنظام قلب العلاقة بين الجلاد والضحية تجذره في أيديولوجيا اقتصادية نادرًا ما تُفصح عن هويتها، حتى وهي تُهيئ الظروف التي يصبح فيها قلب الوقائع أمرًا بدهيًا، يُعاد تصنيف النزعة العسكرية على أنها أمن، ويُعاد تأطير المعارضة على أنها تطرف، وتصبح الحركات والمؤسسات المدافعة عن المصالح الوطنية وعن الحياة الديمقراطية إإرهابا . لا يقدم نتنياهو تفسيرا لهجماته اليومية بلا انقطاع على المدنيين الفلسطينيين في غزة، فهي تصرف عادي وحق لا يناقش تكفله القدرات المتفوقة للدولة الصهيونية؛ تماما على غرار عسكرة المدن الأمريكية من خلال مداهمات إدارة الهجرة والجمارك، والتبني الصريح للعدوان الإمبريالي في الخارج، والاعتداء الوحشي على المهاجرين وذوي البشرة الملونة في الداخل، على أنها أزمات منفصلة. لكنها ليست كذلك. نقلت الفضائيات اعترافات شاب اميركي بانه مع جمهور من جهاز الهجرة والجمارك تلقوا تدريبات في إسرائيل وعادوا الى الولايات المتحدة كي يطبقوها في الهجمات اليومية بمدن الولايات المتحدة. ممارسات تكشف عن المنطق السائد، استراتيجية تفصل الأحداث عن سياقاتها التاريخية، والأسباب الهيكلية، والمعاناة الخاصة عن المسؤولية العامة، وتقوض اللغة التي يمكن من خلالها محاسبة السلطة وتحديد الديمقراطية والدفاع عنها والنضال من أجلها.
في غضون أيام من مقتل رينيه غود، انقلبت وسائل الإعلام الرئيسية رأسًا على عقب، لتغرق في سلسلة متواصلة من التضليلات المصممة لإخماد أي اهتمام حقيقي. زعم نائب الرئيس جيه دي فانس، دون أي دليل، أن رينيه غود كانت "جزءًا من شبكة يسارية أوسع نطاقًا "، وأنها "استخدمت أساليب الإرهاب الداخلي لاستهداف المسؤولين الفيدراليين". كما صرّح، بوقاحة ودون دليل، بأنها "خضعت لغسيل دماغ".
وأعاد مسؤولون فيدراليون إحياء أوهام معادية للشيوعية، مدعين زورًا أن المنظمات اليسارية تُشكل تهديدات إرهابية داخلية. في الوقت نفسه ثارت تكهنات متكررة حول فضائح مرتبطة بإبستين؛بيما تجدد الاهتمام بتهديدات ترامب التحريضية ضد المكسيك وكوبا وكولومبيا، إلى جانب "أوهامه" المشوهة بضم غرينلاند. ما نفتقده في هذا المزيج المتواصل ليس مجرد سرد أو فهم شامل لخيوط الفاشية النيوليبرالية المتعددة، بل القدرة نفسها على إدراك هذه الأفعال كجزء من مشروع سياسي متماسك، يهدف إلى تطبيع القمع، وتجريم المعارضة، وتفتيت المقاومة، وإفراغ الديمقراطية من جوهرها المتبقي.
في أعقاب عنف إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، ومقتل رينيه غود، وتزايد عسكرة الحياة العامة، التزمت العديد من الجامعات الصمت أو الحياد المراوغ. هذا الصمت ليس بريئًا سياسيًا، بل هو مؤشر على فشل مؤسسي عميق، وتراجع عن مسؤولية الجامعة في التعبير عن رأيها عندما تتعرض الحقوق الأساسية للهجوم.
مرة أخرى، تؤدي الصحافة الرئيسية دورها كجيش من المخبرين، مُضخمةً بصوت عالٍ قلق ترامب المُفتعل على المتظاهرين الإيرانيين، بينما تتجاهل عمدًا التناقض الجوهري الذي ترفض تسميته، ألا وهو قمعه الوحشي للمعارضة في الداخل، ولا سيما هجومه المُتصاعد على كل من يُعلن تضامنه مع تحرر الشعب الفلسطيني.
نفس الفوضى وخلط الأحداث والوقائع في ضجيج إعلامي يدير الرؤوس يعالج ترمب حل مشكلة غزة وبموجبها توزع تنفيذ إحلال السلام على مراحل، لم يصدر عن إدارة ترمب ما يوقف اعتداءات إسرائيل اليومية اثناء المرحلة الأولى، والتي ذهب ضحيتها المئات من الشهداء؛ ترك سكان غزة يتعذبون بالبرد القارص وتجريف الخيام ومنع إدخال مواد التدفئة في موسم الصقيع الشديد. كانت إدارة ترمب مرتاحة لسير الأمور حسب المخطط في الخطة العتيدة. ارتياح لا يبشر بأن هموم الشعب الفلسطيني واوجاعه ستلقى اهتمام الإدارة الأميركية، ربما نجد الموقف يتدحرج الى تشييد ريفيرا بالقطاع.
بهذا النموذج من العنف المبهم، يُدعى المواطنون إلى التسليم بالقدرية، وعدم الانخراط سياسيًا، بل إلى ردود فعل عاطفية. يحل الخوف محل النقد، والتفتيت محل التضامن، والاستعراض محل التفكير. تعمل سياسة التشتيت كأداة قوة، تضمن أن يعاني الناس من الظلم دون فهم أسبابه، وأن يشهدوا العنف دون إدراك قدرتهم الجماعية على مقاومته.
منطق رأسمالية العصابات التي يتبناه ترامب، يحيل من الضروري للغاية رفض إغراء التعامل مع تجلياتها كظواهر منفصلة أو غير مترابطة؛ يستمر التخيل المظلم عن مستقبل استبدادي دون معارضة جماهيرية كافية. يتعرض الطلاب والبيض ذوو الدخل المنخفض وشباب الأقليات الفقيرة لحرب منخفضة الحدة حيث يُحتجزون رهائن لمستقبل ذي توقعات منخفضة، وعنف الشرطة، وثقافة استهلاكية متفككة، وتنامي معاداة الفكر والأصولية الدينية في المجتمع الأمريكي، وأساليب المراقبة التي تمارسها الشركات والحكومة، وعبء الديون المفرطة.
التشتيت لا يعمل كمجرد تضليل، بل كأداة لنزع الطابع السياسي عن القضية. لم يعد يُنظر إلى الطلاب وأعضاء هيئة التدريس الذين يحتجون على عنف الدولة أو يتضامنون مع حرية الشعب الفلسطيني ومع ضحايا الظلم العنصري كمواطنين فاعلين، بل يُوصمون بالتطرف أو الراديكالية أو حتى الإرهاب المحلي. تُستهدف الجامعات تحديدًا لأنها توفر اللغة التي يتعلم الناس من خلالها رؤية ما وراء الأحداث المعزولة وإدراك الظلم الممنهج. ومن خلال تجريم الاحتجاج وتضييق نطاق الخطاب المسموح به، تسعى السلطة الاستبدادية إلى تجريد التفكير النقدي من بعده السياسي. يُدرَّب الطلاب على الخوف من العواقب بدلًا من ممارسة التفكير النقدي. ويُشجَّع أعضاء هيئة التدريس على فرض رقابة ذاتية بدلًا من الشهادة. والنتيجة هي جامعة جوفاء من الداخل، مُختزلة إلى مؤسسة إدارية تُعطي الأولوية للامتثال على الضمير.
هذا قمع تربوي. فهو يُعلِّم الانسحاب بدلًا من المشاركة، والصمت بدلًا من التضامن. عندما تتخلى الجامعات عن دورها كمواقع للنقد والشجاعة الأخلاقية، فإنها تُسهم في إنتاج مواطنين اعتادوا على الانفصال، إن لم يكن على الاستبداد.
في هذا المناخ، يصبح الاختلاف في الرأي جريمة. التعليم خطير على المستبدين تحديداً لأنه يُنمّي القدرات التي يخشونها أكثر من غيرها. في أفضل حالاته، يُقدّم التعليم العالي والعام للطلاب التاريخ والمعرفة والأطر الأخلاقية اللازمة للتفكير النقدي والتصرف بشجاعة والتعرف على الظلم عند ظهوره. تُنشئ هذه المؤسسات فاعلين نقديين، قادرين على محاسبة السلطة، وطرح الأسئلة التي يجب طرحها، والتحدث والكتابة والتصرف من مواقع المسؤولية الجماعية. هذا النوع من التربية التمكينية لا مكان له في أمريكا ترامب. الجامعات تتعرض بشكل متزايد لتهديدات بتقليص التمويل، والتحقيقات، والتشهير العلني إذا لم تمتثل للمطالب السلطوية. يُعاد تعريف الاحتجاج على أنه تعطيل، والتضامن على أنه تطرف، والنقد على أنه تلقين. يخضع أعضاء هيئة التدريس للمراقبة، ويُعاقب الطلاب، وتُصنف مجالات دراسية بأكملها، لا سيما تلك التي تتناول العرق والاستعمار والجندر والسلطة الإمبريالية، على أنها مشبوهة. العواقب واضحة للعيان. ففي جامعات محافظة مثل جامعة تكساس إيه آند إم، يُحذر الأساتذة من تدريس مواضيع تتعلق بالعرق والجندر، مما أدى في إحدى الحالات إلى حذف تدريس أفلاطون من مقرراتهم الدراسية.
.
إنّ ما نحتاج إليه بشكل عاجل كشرط أساسي لحركة مقاومة جماهيرية هو لغة ديمقراطية جديدة، قادرة على إعادة ربط ما يسعى الاستبداد جاهداً إلى تفتيته. تتحرر فلسطين مع التحرر من فاشية الليبرالية الجديدة؛ في خضم النضالات المناهضة لفاشية الليبرالية الجديدة تجري نضالات التضامن مع الشعب الفلسطيني. وفي خضم هذه النضالات يتوجب على المقاومة الفلسطينية ان تخضو نضالاتها. إن مقاومة الفاشية النيوليبرالية تعني رفض سياسات الانفصال وإعادة بناء النسيج الرابط للحياة الديمقراطية، وربط النضالات عبر الحدود والمؤسسات والمجتمعات. إن ذلك يعني إدراك أن المقاومة لا تبدأ فقط في الشوارع أو المحاكم، بل في القصص التي نرويها، والتاريخ الذي نحافظ عليه، وأشكال المعرفة التي تشكل كيف يتخيل الناس أنفسهم ومستقبلهم.
تُسمّي اللغة المناهضة للفاشية العسكرة خياراً سياسياً لا حتمية، والقمع أسلوباً للحكم لا شكلاً من أشكال الأمن، والتعليم ساحةً للنضال لا فضاءً محايداً. يجب أن تُصرّ على أن الديمقراطية ليست مجرد مجموعة من الإجراءات أو الطقوس، بل هي أسلوب حياة قائم على المسؤولية المشتركة، والوعي التاريخي، والشجاعة في محاسبة السلطة.
كما يجب أن تُعيد هذه اللغة إلى التربية نفسها مكانتها كساحة مركزية للمقاومة. فالتعليم، بمفهومه الواسع، لا يزال من القوى القليلة القادرة على تحويل الخوف إلى فهم، والغضب إلى تضامن، والمعاناة الفردية إلى عمل جماعي.
إن مهمة وتحدي المقاومة الجماهيرية التي تواجهنا ليست مجردة ولا اختيارية. فبدون لغة قادرة على فضح الآليات الاقتصادية والعنصرية والتربوية الاستبدادية التي تدعم أشكال الهيمنة المعاصرة، ستبقى المقاومة مجزأة وردود فعلية، ويسهل احتواؤها. كان مارتن لوثر كينغ جونيور محقًا في دعوته إلى ثورة في القيم، ثورة لا تنفصل عن خطاب التحليل المنهجي الذي يربط بين النزعة العسكرية والعنصرية والفقر كقوى مترابطة. إن وصف الفاشية النيو ليبرالية بأنها مشروع تربوي هو اعتراف بأن النضال من أجل الديمقراطية لا ينفصل عن النضال من أجل المعنى والذاكرة والتعليم نفسه. في هذا النضال، الصمت تواطؤ، والحياد استسلام، وإعادة ربط السياسة لا تصبح مجرد استراتيجية للمقاومة، بل الخطوة الأولى نحو التجديد الديمقراطي.


..



#سعيد_مضيه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عذابات شعب فلسطين نصيبه من تفسخ القانون الدولي
- حراجة الموقف لا تسمح يترف التشاؤم وإشاعة تمزيق الصفوف
- أساليب أخرى للعبرنة والتهويد
- استراتيجيات العبرنة والتهويد
- العبرنة لنزع العروبة عن فلسطين ومحو الذاكرة الثقافية العربية
- لعبرنة: تزييف المكان لإضفاء الشرعية على تاريخ زائف
- الوطنية الفلسطينية سبقت الغزوة الصهيونية
- الاستعمار الاستيطاني وتجريد الفلسطينيين
- مفهوم -الأرض المقدسة- توطئة لتواطؤ صهيو امبريالي
- حيوية الهوية الجيوسياسية لفلسطين في عهود التردي
- فلسطين العربية المسيحية- الإسلامية
- هوية فلسطين الاجتماعية والثقافية والدينية عميقة الجذور في ال ...
- غزة.. تعثرت مرارا لتنهض وتركت بصمتها على الحضارة
- فلسطين عبر التاريخ كانت وستبقى
- اضطرابات الشرق الأوسط ومأساة تقرير لجنة كينغ-كراين
- هل ثمة آمال معلقة على مصادقة مجلس الأمن على خطة ترمب؟
- جهود محمومة لتثبيت حدود إسرائيل التوراتية
- مغالطات عن الإسلام يسوّغ الغرب بها مغامراته العدوانية -2
- مغالطات عن الإسلام يسوّغ الغرب بها مغامراته العدوانية
- كاتبة اميركية تفضح خدع إسرائيل


المزيد.....




- مسؤولة أوروبية تتوقع إدراج الحرس الثوري الإيراني على لائحة ا ...
- الكاف يفرض عقوبات على السنغال والمغرب بعد فوضى نهائي كأس أمم ...
- -هل يمكن أن تجعلنا الحبوب الذكية أكثر صحة؟- - مقال في فاينان ...
- ماذا نعرف عن الحرس الثوري الإيراني بعد تحرك أوروبي من أجل تص ...
- تساقط ثلوج قياسي يسبب فوضى في أنحاء عدة من اليابان
- هل يكون بديلًا لتيك توك؟ تطبيق طوره فلسطيني يحقق أرقامًا قيا ...
- أخبار اليوم: الاتحاد الأوروبي يتفق على فرض عقوبات جديدة على ...
- عكس التيار الأوروبي.. إسبانيا تتجه لتسوية أوضاع نصف مليون مه ...
- إيطاليا: لحظات تحبس الأنفاس.. انهيارات أرضية في صقلية
- المستشار الألماني: أوروبا شريك لواشنطن وليست تابعا لها


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سعيد مضيه - عذابات الشعب الفلسطيني نصيبه من تفشي الليبرالية الجديدة - الحلقة الثانية والأخيرة