أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - عماد حسب الرسول الطيب - البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم الحربي 1. القطع مع قاموس الحرب السوداني














المزيد.....

البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم الحربي 1. القطع مع قاموس الحرب السوداني


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 15:48
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


كل خطاب مهيمن عن الحرب في السودان هو خطاب طبقي مقنَّع. تختفي خلف عبارات "الجيش الوطني" و"المليشيات المتمردة" و"الصراع القبلي" حقيقة مادية واحدة: صراع نخبة مسلحة على إعادة توزيع فائض القيمة المنتَجة خارج نطاق الحرب. يتحول الخطاب السياسي والإعلامي إلى جزء من البنية الفوقية التي تحجب علاقات الإنتاج الحقيقية، حيث تُحوَّل الجماهير الفقيرة إلى وقود لآلة تراكم لا تعرف سوى لغة السلاح. يتطلّب فهم الحرب القطع مع لغتها المهيمنة أولاً، لأن هذه اللغة ليست وصفاً محايداً للواقع بل أداة لإعادة إنتاج النظام الطبقي نفسه.

تفكيك هذا الخطاب ليس تمريناً أكاديمياً، بل شرط مسبق لأي فهم مادي للواقع. فمصطلح "الجيش الوطني" يخفي تحول المؤسسة العسكرية إلى شركة أمنية خاصة تقدم خدمات الحماية للنخبة التجارية-العسكرية المتحكمة في الدولة. لم يعد هذا الجيش أداة دفاع عن حدود مجردة، بل جهازاً لحراسة نظام تراكم يعتمد على نهب الموارد وقمع الطبقة العاملة والفلاحين. تحولت الرتب العسكرية إلى ألقاب وظيفية في شركة استغلال واسعة النطاق، حيث يُدار العنف كرأسمال متحرك يبحث عن أسواق جديدة.

تظهر "المليشيات المتمردة" كتعبير عن أزمة الوسيط التقليدي في سياق رأسمالية الريع المشوّهة. فالنخب المحلية والقبلية التي فقدت دورها في عصر تحولت فيه الولاءات إلى سلع، تتحول إلى وسطاء في سوق الحرب، تبيع الطاعة وتوفر المقاتلين كسلعة في صفقات التمرد والمصالحة. ليست هذه المليشيات انحرافاً عن نظام سياسي سوي، بل نتاجاً عضوياً لنظام ينتج العنف كوسيلة أساسية للتراكم والبقاء الطبقي. تعمل هذه التشكيلات كذراع مرن يؤدي وظائف لا يستطيع الجهاز "الرسمي" أداءها علنياً، ضمن تقسيم عمل داخل نظام تراكم واحد.

أسطورة "القوات النظامية" ككيان محايد طبقيًا تسقط عند أول مواجهة مع الواقع المادي. فالمؤسسة العسكرية في مجتمعات التخلف والتبعية، كما أوضح فرانز فانون، تتحول إلى طبقة مستقلة تعيد إنتاج التخلف كشرط لوجودها. الحياد الطبقي وهم أيديولوجي يخفي تحالف الجنرالات مع البرجوازية الكومبرادورية في استغلال الجماهير. النظامية هنا لا تعني الانضباط لصالح وطن مجرد، بل الانضباط لصالح آلية استغلال محددة تحددها علاقات الإنتاج السائدة.

يجب أن يؤسس التحليل الماركسي على مفهوم "البروليتاريا الرثة المسلحة" الذي يشرح الوحدة الطبقية الكامنة وراء التعددية المسلحة الظاهرية. فالمجند الفقير في الجيش النظامي والمقاتل الفقير في المليشيا ينتميان إلى نفس الطبقة، يجردان من وسائل إنتاجهما ويُحوَّلان إلى سلع في سوق الحرب. يختلف الشكل التنظيمي لكن الجوهر الاستغلالي واحد، حيث يتحول العنف الجسدي إلى المصدر الوحيد للدخل في اقتصاد مدمر. هذا المفهوم لا يساوي بين القادة أو الأهداف السياسية، بل يكشف التشابه البنيوي في موقع المستغلين عبر كل المعسكرات.

ينتج "نظام التراكم الحربي" العنف كسلعة أساسية في اقتصاد مشوه لم يعد قادراً على خلق قيمة خارج دائرة النهب. ليس الصراع في السودان حرباً أهلية تقليدية، بل آلية لإعادة توزيع الريع في إطار رأسمالية طفيلية تعتمد على إدارة الدمار. تتحول الحرب إلى نمط إنتاج قائم بذاته، يولد أرباحاً من خلال الخراب ويخلق طبقة مسلحة تعيش على استدامة الصراع. يصبح السلام هنا تهديداً للنظام، لأنه يكشف الطابع الطفيلي للسلطة وينهي تدفق الأرباح الناتجة عن العنف المنظم.

ينتج هذا النظام حالة "الاغتراب المسلح" حيث يُفصل المقاتل عن مصلحته الطبقية الحقيقية ويُحوَّل إلى أداة في صراع يخدم مصالح النخبة. تُستبدل الهوية الطبقية بهويات زائفة قومية أو قبلية أو إقليمية، ليصبح العامل والفلاح أعداءً في معركة يربحها فقط قادة الحرب والمستفيدون من اقتصادها. تعمل الأيديولوجيات هنا لا كتفسير للواقع بل كحجاب له، تحول الصراع الطبقي إلى اقتتال بين فقراء يحملون رايات متناقضة.

يتطلب التحليل الطبقي هنا القطع مع التحليل البرجوازي السطحي الذي يركز على الصراعات الظاهرية ويغفل التناقض الأساسي. يجب أن ينطلق التحليل من حركة الواقع المادي، من علاقات الإنتاج المشوهة التي تدفع بالجماهير إلى سوق الحرب كخيار وحيد للبقاء. ليست الأيديولوجيات الدينية أو القبلية محرك الصراع، بل هي أشكال وعي زائف تخفي المصلحة المادية للنخب المسيطرة التي تستفيد من تحويل التناقض الرئيسي إلى صراعات جانبية.

يجب الربط بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع في إطار جدلي واحد. فانهيار الزراعة التقليدية وتدمير الصناعة الوطنية ليسا خلفية للحرب، بل شرطين ماديين لإنتاج البروليتاريا الرثة. تحول الدولة من أداة لإدارة التناقضات الطبقية إلى طرف مباشر في الصراع يعكس تحولها إلى شركة أمنية تتنافس مع شركات أخرى في سوق العنف. يصبح الصراع المسلح هنا ليس تعبيراً عن فشل الدولة، بل عن أنجح أشكال عملها الطبقي في ظل أزمة التراكم.

الخطوة الأولى نحو تحرير الوعي الطبقي هي تحطيم قاموس الحرب المهيمن. فالكلمات ليست محايدة، بل تحمل في طياتها مشروعاً طبقياً يخفي العلاقات الحقيقية خلف ستار من المصطلحات الزائفة. إعادة تعريف المفاهيم هي بداية إعادة تشكيل الواقع، لأن تحرير اللغة من هيمنة النخبة المسلحة هو شرط لتحرير الممارسة من دكتاتورية السلاح. الحرب في السودان ليست لحظة استثنائية في تاريخ سوي، بل الوجه الأكثر وضوحاً لنظام تراكم يعيد إنتاج نفسه عبر الدمار.

كما كتب غرامشي: "إن نقد القديم، حتى في لحظة انهياره، لا يحدث تلقائياً. يجب أن يُنظَّم بشكل منهجي ودقيق". يبدأ هذا التنظيم بكسر اللغة التي تنتج الوعي بالحرب قبل أن تنتج فهمها، لأن تحرير الوعي من الأوهام الأيديولوجية هو الخطوة الأولى نحو تحرير المادة من قيود الاستغلال.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
- 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية
- 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل ...
- 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية ...
- 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1 ...
- حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي
- 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في ...
- 15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع ...
- 14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة ...
- 13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم ...
- 12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا ...
- 11. الإضراب النسوي: الهجوم الطبقي على عصب اقتصاد الحرب الخفي
- 10. لجان المقاومة النسوية – إعادة بناء السياسة من داخل المعس ...
- 9. شبكات المقاومة اليومية – من المطابخ الجماعية إلى المجالس ...
- 8. الإعلام الدولي والصور النمطية – تحويل المعاناة إلى سلعة إ ...


المزيد.....




- حفل مرتقب في الرياض وأغنية جديدة لراشد الماجد من كلمات تركي ...
- من الذي سيحكم إيران في حال سقوط النظام؟ روبيو: الأمر أكثر تع ...
- محو قرية فلسطينية كاملة بسبب هجمات المستوطنين.. CNN توثق لحظ ...
- على ضوء التوتر مع ترامب.. ستارمر يعرب عن -قلقه- لمقتل أليكس ...
- أخبار اليوم: ترامب يحذر إيران من نفاذ الوقت وطهران ترفض الته ...
- -الماكياج ممنوع-.. محافظة اللاذقية تثير انتقادات لمنع موظفات ...
- ترامب يهدد بمهاجمة إيران في حال رفضها التفاوض بشأن الملف الن ...
- مجلس الشيوخ يكشف ملامح الخطة الأمريكية لمستقبل فنزويلا
- هل يحمي تيك توك ترمب؟ مغردون يجيبون
- هل تشارك روسيا في إعادة تأهيل الجيش السوري؟


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - عماد حسب الرسول الطيب - البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم الحربي 1. القطع مع قاموس الحرب السوداني