أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احسان طالب - تأصيل مفهوم الشعور كأساس ظاهراتي، نقد الشعور الوجودي عند هايدغر















المزيد.....

تأصيل مفهوم الشعور كأساس ظاهراتي، نقد الشعور الوجودي عند هايدغر


احسان طالب

الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 15:34
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لتفعيل المصطلح على المستوى الذي نريده (كحالة ذهنية، تفكير، حدس مطلق)، يجب أن نتبنى نموذجاً يضفي عليه قصدية كونية تتجاوز دلالته النفسانية، يمكننا تحقيق هذا من خلال تأسيس نموذج القصدي الكوني" أي استخدام الشعور كـ "وعي قصدي" بدلاً من استخدامه كمرادف لـ (العاطفة النفسية)، يمكننا استخدامه كمرادف لـ "الوعي" الذي هو دائماً وعي بشيء.
إعادة تأهيل المصطلح ينبغي ألا تفقده طابعه الذاتي الفردي (كوعيي أنا أو وعي زيد)، وإلا إنزاح المفهوم ليصبح مرادفًا فارغا لـ "الوعي المطلق" أو "الوعي الترنسندنتالي" ذاته.
حيث لا يوجد لدينا في الفلسفة "شعور مطلق أو مجرد " فهذا تناقض منطقي لأن ماهيته فردية في المقام الأول ولا توجد إمكانية لأخذه بنفس معنى "الوعي المطلق" يمكننا فهم ودراسة الشعور كـ "صنف" من "جنس" الوعي حيث يظل محدوداً وفردياً (صنفاً)، ولكنه في الوقت نفسه قصدي وغير نفساني. الشعور كـ "فعل قصدي محايث" هو طريقة معينة يتجلى بها هذا الوعي الفردي أو الخاص، في حين المطلق هو الهيكل الكلي والأفق الترنسندنتالي الذي تجري فيه كل العمليات. وهو كوني وغير فردي. نشير لـ "الشعور" للدلالة على الأفعال القصدية الوجدانية والتقييمية التي تقع في هذا الأفق أي إدراك وبيان القيمة بما هي قرار الذات، سواء أنا أو زيد حول قيمة شيء ما (جميل، جيد، عادل) كفردي يصدر عن مركز الذات الواعية لكنه في الوقت نفسه ليس مجردًا من القصدية. فهو تجربتي الوجدانية أنا.
توسيع نطاق الشعور؛
ليتجاوز مجرد "القرار" أو "الحكم التقييمي" البارد، ليشمل الحالات العقلية القوية مثل الغضب والكراهية، والتي تُنتِج سلوكًا وتؤثر بعمق على الجدوى الأخلاقية للفلسفة، هذا التوسع يأخذنا إلى الأبعاد الأعمق للظواهر الوجدانية عند هوسرل وما بعده.
فالشعور كـ "حالة عقلية تُنتِج سلوكًا" في الظاهراتية
لتوسيع النطاق يجب أن ندمج ثلاث طبقات من (القصد الوجداني)
1. "فعل تقييمي قصدي" وهو ليس حكما عقليا خالصا، بل تعبير قصدي عن القيمة.
مثال: الشعور بأن العمل "عادل" أو "جميل". هذا الشعور يُثبِّت قيمة الموضوع.
2. "انفعال قصدي" هنا نُدرج الحالات القوية مثل الغضب، الكراهية، والحقد، ونُحللها ظاهراتياً؛ السمة، الوصف الظاهراتي.
الانفعال (كالغضب) ليس مجرد تفريغ فسيولوجي أو نفسي، بل هو فعل قصدي موجه نحو موضوع (الغضب من الظلم، الكراهية لـ الشر بما أنه قصدي، يمكن إخضاعه لـ الـ Epoché وتحليل ماهية ما يُطلق الغضب (ماهية الظلم).
ذلك الانفعال ينتج سلوكاً، فالمشاعر تُعدِّل موقف الذات وتوجهها نحو فعل (الاحتجاج، التأييد، الانتقام، الثأر). السلوك هنا هو التجسيد الظاهر للقصدية الوجدانية. يربط الفلسفة بالواقع: هذا يثبت أن الوعي القصدي ليس مُعلقاً، بل هو محرك الفعل الأخلاقي (أو اللاأخلاقي).
وبالنظر إلى الشعور كـ "جدوى أخلاقية" (صلته بجدوى البحث الفلسفي) تكمن الأهمية الجوهرية التي تدفعنا لتوسيع مفهوم ومعاني المصطلح المستخدم.
شعور الغضب والكراهية كـ إخفاق أو فشل أو تعطيل: ُيظهر أو يتبنى فيلسوف ما موقفاً مبنياً على الكراهية أو الانحياز الأعمى (الغضب الطائفي)، فإن هذا يدل على فشله في إخضاع هذه المشاعر لـ التعليق الماهوي الكوني. بهذا التحليل نحاول إظهار قدرة وجدوى الفلسفة في مواجهة هذه المشاعر القوية أو العنيفة فتحديد ماهية "الظلم" التي تثير الغضب، حين يكون الغضب موجهاً قصدياً نحو الماهية الكونية للظلم وليس نحو فرد أو عرق معين.
بناء على هذا التحديد نوظف الشعور القصدي (كقناة) لضبط السلوك وجعله يتماشى مع الماهيات المطلقة للعدالة التي كشف عنها الوعي المتعالي. الفعل قصدي الوجداني (يشمل الغضب والكراهية، الرغبة الملحة في الثأر، التمتع بالاغتصاب ... إلخ ) يحدث في الوعي المحايث، وله القدرة على تأسيس سلوك، لكن هذا السلوك يجب أن يُنظَّم منهجياً عبر الحدس الماهوي للماهية الكونية، وإلا سقط في الفشل الأخلاقي.
عندما أُمارس التعليق (Epoché) على تلك الأفعال القصدية، فإنني لا ألغي الفعل، بل أُحلل ماهية ما هو "عادل". هذه الماهية المكتشفة بالحدس الماهوي هي كونية ومطلقة وتتجاوز فرديتي. هذا التخفيض يتيح لعلم النفس السلوكي معرفة ما يجب عزله وما ينبغي علاجه وبناء قواعد شمولية إلى حد ما قابلة للتفعيل على مستوى عالمي وليس فردي.
السؤال هل "الشعور" قناة أم جزء من وحدة الوعي المطلق؟ إذا نظرنا أو افترضنا وجود "تجربة متعالية"، لأنه حسب تقديري وباعتبار الوجود "وجود في الوعي" ينبغي للتجربة الفردية أن تكون جزءاً من تجربة مثالية متعالية افتراضياً، بمحاولة تسعى إلى أن يكون "الشعور" أكثر من مجرد وسيلة (قناة)، بل أن يكون جزءا من الماهية الكونية ذاتها. أي ليس صلة وصل (قناة)؛ العملية التي تعلق التجربة الفردية وتسمح برؤية الماهية الكونية. فحسب، بل جزء مؤسس أو مساهم من وحدة الوعي المطلق".
إذا كان الوعي المطلق هو الكلية الترنسندنتالية التي تُؤسس كل المعاني (بما في ذلك معرفة الماهيات الأخلاقية والجمالية)، فإن الفعل القصدي (ومن ضمنه الشعور القصدي) هو جزء هيكلي أساسي من هذا الوعي. الوعي المطلق ليس فراغًا؛ إنه مجموع كل الأفعال القصدية الممكنة. فإذا كان الوعي المطلق يشمل كلية المعاني، فإن القدرة على الشعور والتقييم هي جزء من بنيته الكلية.
لأن الوعي المطلق ليس كيانًا منفصلاً عن أفعاله؛ بل هو مجموع وتوحيد كل الأفعال القصدية الممكنة. وبما أن الشعور القصدي هو أحد هذه الأفعال، فهو جزء تكويني من البنية الكلية للوعي المطلق.
يأخذ الشعور القصدي المحايث، في الظاهراتية المتعالية، وضعاً مزدوجاً وحاسماً: فهو يمثل القناة المنهجية التي تمكن الأنا الترنسندنتالي من الحدس المباشر للماهيات المطلقة، وفي الوقت ذاته، هو جزء تكويني من وحدة الوعي المطلق ذاتها، مما يرفع الفعل الوجداني من مجرد حالة نفسية إلى ركيزة كونية لتأسيس المعنى.
إن الفعل القصدي المحايث، يمثل الصنف الوجداني والتقييمي ضمن جنس الوعي المطلق، ما يحافظ على طابعه كـ "وعي أنا" لكنه يُستخدم كأداة حدسية للوصول إلى الماهيات الكونية. بهذا الفهم نحافظ على فردية وتفعيل دوره المعرفي والحدسي في آن واحد. وتحول مفهوم "الشعور" من كونه مجرد فعل تقييمي (يُثبِت القيمة)، إلى كونه فعل سلوكي (يُنتِج أفعالاً)، مع الإبقاء على موقعه المنهجي كأداة حدسية للكونية. هذا التوافق يُعزز موقفنا النقدي القائل بأن الفشل الأخلاقي للفيلسوف ينبع من فشله في إخضاع حتى أقوى انفعالاته (الغضب، الكراهية) لـ الـ Epoché المنهجي الذي يفرضه الوعي المتعالي.
هكذا نحن نستخدم مصطلح "الشعور" للدلالة على "الوعي القصدي المُكثَّف" أو "التجربة الذهنية الكاشفة" للماهيات، مما يجعله مستوىً معرفياً (إدراكياً حدسياً) يتفوق على كونه مجرد حالة نفسية تجريبية.
نقد الشعور الوجودي عند هايدغر
بحسب البنية الوجودية ككيفية وضعية، يكون الشعور الوجودي إدراك مُسبَق للموقف الوجودي (للقلق و الإلقاء)، وهو حالة ذهنية كاشفة وليست عاطفة.
ماذا يكشف؟ (الحالة المزاجية الوجودية) تكشف للـ Dasein عن حقيقة وجوده ككل وعن حقيقة الإلقاء والفناء وهذه هي وظيفتها الأنطولوجية الأساسية. يكمن في ذلك الكشف نقص فهو حالة الدازاين وحده وحالته الوجدانية بالميل إلى التفرد والعزلة، لا يكشف عن "الغير" أو عن "الواجب الكوني" كبنية أساسية للوجود. يرفع الحجب عن الـ Dasein كـ "أنا" في وجودها المحدد. هذا التركيز الأنطولوجي يتجاهل الحاجة إلى تأسيس التفاعل المشترك بين الذوات كشرط مسبق للوجود الموضوعي والأخلاقي (وهو ما قام به هوسرل في التأمل الخامس الذي عرضناه أعلاه).
هذا القصور المنهجي هو ما يغذي الحياد الأخلاقي، المفهوم الهايدغري (الأصالة) حالة تنتمي في الأساس وبشكل حقيقي إلى شيء أو شخص ما؛ تُعرّف بأنها "القرار" الوجودي لقبول الموت، وهو قرار فردي لا يفرض واجبات تجاه الآخر. هايدغر يستخدم الأصالة (التي تعني حرفيًا "الانتماء الحقيقي" أو "الملكية الذاتية" لوصف كيفية وجود الـ Dasein في العالم. وهي كيفية أنطولوجية (وجودية). الـ Dasein الأصيل هو الذي "يملك" وجوده ويختاره بشكل كامل.
الوجود غير الأصيل هو حالة "السقوط" في عالم "الهموم اليومية" وفي "الهمّ" المشترك مع الجمهور غير المُميَّز؛ يُفقد Dasein نفسه وينصاع لقواعد المجتمع، وتتحقق الأصالة عندما يواجه الدازاين إمكانيته الأكثر جذرية وفردية: الوجود نحو الموت عبر هذا القرار يعتزم الدازاين أن يختار نفسه.
المصدر الأساسي لمفهوم الأصالة متوفر في القسم الثاني من الفصل الأول من كتاب الوجود والزمان:
"إن الأصالة هي طريقة الـ Dasein في امتلاك وجوده الخاص في اللحظة التي يدرك فيها وجوده كـ الوجود نحو الموت. الوجود الذي يختار نفسه ويختاره بالفعل في مواجهة إمكانيته الأكثر جذرية."
الأصالة الهايدغرية هي فردية أنطولوجية (كيفية الوجود). ليست كونية وأخلاقية، هي لا تتطلب التواصل مع الآخرين كشرط أساسي للأصالة، ما يفتح الكينونة على الحياد الأخلاقي الذي تعرضنا له أكثر من مرة.
الـ Dasein كوجود مُلقى يجد نفسه مُلقى في سياق تاريخي، وبالتالي يصبح التزامه بالـ Volk (الناس أو الشعب) أو الحزب السياسي خياراً وجودياً صادقاً (أصيلاً)، بدلاً من أن يكون خياراً خاضعاً لمبدأ أخلاقي كوني لذا فإن الاستعداد أو الإصرار على التهيؤ للفناء عند هايدغر لا توفر الأساس المنهجي الذي يمنع الـ Dasein من الانغماس في خيارات غير أخلاقية، لأنها تحصره في عالمه الفردي.
علاقة الموت بالشعور أم بالوعي أم بالأصالة؟
ترتبط فكرة "الوجود من أجل الموت" عند هايدغر بـ "كشف" الوجود من أجل الموت بشكل أساسي عبر الشعور الوجودي بالقلق كحالة مزاجية وجودية تُدرك الـ Dasein كوجود مُحدد نحو الفناء. فالموت يُصبح "محايثاً" للـ Dasein عبر القلق الغير كافٍ إذ لا بد للوعي أن يتفهم الإمكانية الكلية للوجود من أجل الموت. والـ Dasein يجب أن يختار هذه الإمكانية الفردية الأصيلة. هذا الفهم هو مكون أساسي للـ Dasein ويُعَد وعياً بالوجود، لكنَّه ليس الوعي المتعالي الهوسرلي. القلق يكشف الموت (الشعور الوجودي)، والفهم يُثبت الموت (الوعي الأنطولوجي).
العلاقة بين الموت والأصالة هي حجر الزاوية في فلسفة هايدغر الوجودية، وتحديداً في تحليل الـ Dasein في كتاب الوجود والزمان.
يمكن تلخيص هذه العلاقة بأن الموت هو الأساس الأنطولوجي الذي لا غنى عنه لتحقيق الأصالة. فالموت ليس مجرد حدث بيولوجي آتٍ (كالموت الذي يحصل للآخرين)، بل هو إمكانية وجودية خاصة بالـ Dasein، ويُعرّف كالآتي: "الوجود من أجل الموت" أي الإمكانية التي يجب على الـ Dasein أن "يكون بمواجهتها " في كل لحظة. وهو يمتلك (الدازاين) ثلاث خصائص حاسمة تجعله أساس الأصالة:
أ. الإمكانية القصوى (الموت) تنهي جميع الممكنات الأخرى للـ Dasein، إدراك هذه النهاية يحرره من الإنشغال بالتفاصيل اليومية الوضيعة.
ب. الإمكانية الفردية (الموت) هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن تفويضه أو مشاركته مع أي شخص آخر و "لا يمكن لأحد أن يموت موت الآخر". هذا يُجبر الـ Dasein على الانفراد بنفسه.
ج. الإمكانية غير القابلة للتجاوز، لا يمكن للـ Dasein تجاوز الموت وعليه فالوجود الأصيل لا يتحقق إلا بالقبول الجذري لهذه الحقيقة.
تتحقق الأصالة عبر الاستباق عندما يقوم الـ Dasein بـ "استباق" (التهيؤ) للموت بشكل واعٍ ومصمم، لأن الوجود غير الأصيل هو التنكر للموت، ويحاول الهروب من الموت عبر الانشغال بالهموم اليومية، عندما يتصور المرء أنه سيموت حالة كحال أي فرد آخر، جاعلاً الموت شيئاً عاماً يخص الآخرين، يقع الـ Dasein في قبضة الهمّ ويفقد وجوده الخاص.
الوجود الأصيل هو استباق المصير، يختار Dasein بـ بإصرار هذه الإمكانية الفردية القصوى لنفسه، ويواجه الفناء، بهذه الأصالة يمتلك ذاته ويُصبح سيداً لحريته، ويتحرر من قيود المجتمع (الهمّ).
إذن بالنسبة لهايدغر، الأصالة هي الاستجابة الأنطولوجية الشجاعة لنداء الموت؛ فهو القوة الوحيدة القادرة على فصل الـ Dasein عن الجموع وجعله يملك ذاته، وهو الهدف الأساسي للتحليل الهايدغري. المصدر الأساسي الذي يحدد مفهوم الأصالة هو: الكتاب: (الوجود والزمان) القسم الثاني، الفصل الأول يوضح فيها هايدغر العلاقة بين الموت والأصالة، ويُعرف الاستباق المصمم كـ كيفية وجودية للـ Dasein في امتلاك ذاته.
نقد لنظرية هايدغر: بما أن الأصالة مؤسسة على علاقة الـ Dasein بموته الفردي، فإنها لا تفرض أي واجب أخلاقي كوني تجاه حياة الآخرين، مما يرسخ الحياد الأخلاقي في هذا النسق.
هذا الشعور الواعي بالموت يظل محصوراً في فردية الـ Dasein، مما يجعله غير قادر على تأسيس الأخلاق الكونية القائمة على الغيرية، وبالتالي يعود إلى الحياد الذي أشرنا إليه.
يعيدنا الشرح الأخير انطلاقا من "قصدية وجودية للموت" عند هايدغر إلى أنه حاول تحرير الدازاين من التأطير التقني ومن الهم المعاشي اليومي، لكنه رسخ شعور عزله عن الآخر بانغماسه والانهمام بوجوده الذاتي (حالة موته الفردي ذات خصوصية وجودية) ونسيانه للغير. أشير هنا بوضوح للخطأ الفادح الذي وقعت فيه الترجمات العربية باعتبار الموت عند هايدغر "بداية" وكأنه موت لاستقبال حياة أخرى وهذا مفهوم لاهوتي لا علاقة لهايدغر به، المفهوم الخاص بموت الدازاين يلخص نقاط الخلاف بين هايدغر والتقليد الفلسفي بحدة ودقة ممتازتين. إن تحليل مفهوم الموت عند هايدغر، الوجود نحو الموت كإمكانية قصوى تحرره من غفلة الهم عند الانغماس بين الناس والمجتمع، يظهر معنى الإمكانية تجاوزا لمعنى النهاية، لكنها إمكانية حتمية (صيرورة) ما يمنح الإنسان خلاصاً من الخوف ويشغله بقلق وجودي، يدفعه للعيش بوعي، لكنه فردي وحصري وتداعياته الأخلاقية مفتوحة على تجنب الشعور بالمسؤولية عن خياراته، وهذا في الواقع هو جوهر النقد الفلسفي المعاصر له؛ إذ أن كثير من قراء هايدغر لم يتعمقوا في مفهوم الأصالة وارتداداته وهذا ما سنوضحه في الفقرات القادمة من أطروحتنا.
القصدية الوجودية للموت والعزلة عن الآخر
استنتاجنا بأن القصدية الوجودية للموت تخدم هدفين عند هايدغر، لكنها تؤدي إلى نتيجة خطيرة:
1. الهدف الإيجابي (التحرير الأنطولوجي): تحرير الـ Dasein من التقنية والهمّ اليومي: إن إدراك الـ Dasein لـ مصيره الفردي وكونه وجوداً نحو الموت يحرره من الانغماس في الوجود غير الأصيل، الهمّ اليومي، السفسطة الفارغة، الخضوع لقواعد المجتمع هذا هو الإنجاز الأنطولوجي لهايدغر.
2. النتيجة السلبية (العزلة الأخلاقية) نسيان الغيرية (Mitsein): بما أن الموت هو الإمكانية الفردية القصوى التي لا يمكن تقاسمها، فإن الـ Dasein يجد أصالته في الانفراد والاستباق والمواجهة الصارمة لـ فنائه الخاص. بهذا يركز على وجوده ويجعل الآخرين مجرد "أدوات" أو "كائنات موجودة" حاضرة هكذا بموجب الإلقاء أيضاً، ويتحولون لآلات بواسطة التأطير التقني، لكل منهم عالمه ووجوده الخاص، لا كشريك في الإمكانية القصوى، ومتذايت وأصيلاً في التأسيس الأخلاقي.
هذا العزل عن الآخر (-alter-Ego) والقلق الفردي هو النقص الذي يمنع النسق الهايدغري من تأسيس أي أخلاق كونية أو التزام غيري كشرط أساسي للوجود؛ الموت عند هايدغر: ليس بداية لحياة أخرى وهذا دقيق وصحيح تمام، إنه نهاية مستوعاة تدفعه للتفكير في الوجود والعالم.
إن ترجمة أو تفسير الموت عند هايدغر على أنه "بداية لحياة أخرى" أو "انتقال إلى وجود آخر" هو خطأ فادح وخلط لاهوتي ميتافيزيقي؛ الموت كـ "النهاية": هو الإمكانية التي تنهي جميع الإمكانيات. إنه "لا إمكانية" لا احتمال ليس هناك أي تجربة للموت يمكن وصفها.
هايدغر يبني فلسفته على أساس أنطولوجي ظواهري، رافضاً أي افتراضات ميتافيزيقية أو لاهوتية حول "الخلود" أو "الروح". الوجود والزمان هو تحليل للوجود الزمني المحدود.
والأصالة تتحقق في التناهي، قيمة الأصالة تكمن تحديداً في كونها تحقيقاً للوجود في إطار تناهيه، إذا كان الموت مجرد بداية، لكانت الأصالة مجرد استعداد لانتقال، وهو ما ينفي قوة التناهي الهايدغرية.
تفسير الموت عند هايدغر كـ "بداية" هو نقض تام لمنهجه ومحاولة لإعادته قسراً إلى أحضان اللاهوت والميتافيزيقا التي سعى للتحرر منها. هايدغر يرفض مفهوم الموت كـ "واقعة تجريبية" ويُصر على أنه "إمكانية"، فالموت ليس قابلاً للخبرة فلا يمكن للـ Dasein أن "يختبر" موته الخاص كحدث واقع أو يصف هذه الخبرة. اللحظة التي يقع فيها الموت فعلاً هي اللحظة التي يتوقف فيها الـ Dasein عن الوجود.
الموت هو النهاية التي لا تُجَرَّب، هو الإمكانية التي تجعل جميع الإمكانيات الأخرى مستحيلة. كونه نهاية الوجود يعني أنه ليس له وجود ظاهراتي يمكن وصفه أو تحليله؛ بل يتم فهمه فقط كـ "الإمكانية الأقصى والأكثر فردية".
تلخيص موقف هايدغر بعبارة مقتبسة: "إن نهاية الـ Dasein في الموت هي إمكانية عدم وجود الـ Dasein، ولا يمكن أبداً أن تُخْتبر من قبل الـ Dasein كـ حَدَثٍ واقع."
هذا الموقف هو الذي يسمح لهايدغر بالقول بأن الموت ليس مسألة بيولوجية أو لاهوتية، بل هو مسألة وجودية تُحدد الـ Dasein عبر استباقه المُصمم لهذا الفناء الذي لا يُختبر.



#احسان_طالب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانقسام الجوهري بين فينومينولوجيا هوسرل وأنطولوجيا هايدغر ا ...
- الترجمة والتأويل بنسق فلسفي ظاهراتي
- -فينومينولوجيا الاستيعاء: التمايز المنهجي بين الإدراك الحسي ...
- الظاهراتية بين الوجود كوعي والوجود ككينونة هوسرل مقابل هايدغ ...
- ماهية المسؤولية، من خلال استعراض لتاريخ الفلسفة الظاهراتية ( ...
- نظرية إحسان طالب في المسؤولية والوعي اليقين الماهوي والحدس ا ...
- الدولة ما بين هيوم وهيغل. مبحث فينومينولوجي
- نقد نظرية ميشال فوكو حول السياسة الروحية. نظرية الخميني ونظر ...
- الوعي بالشعور سُبل التفكير الايجابي
- في مفهوم الديموقراطية الالتباس والواقعية السياسية
- ثقافة التسامح بين الفكر الوصفي والفكر الغائي وفي ضوء علم الن ...
- الفرق بين النويما والنويزس في فلسفة أدموند هوسرل*
- ثنائية العقل والنقل تفكيك التعارض دراسة فلسفية*
- الاقتصاد الإسلامي التحديات والآفاق دراسة مقارنة
- الكَلِماتُ والْمَعاني ما يُعَوَّلُ عَلَيْه بَيْنَ الفَلْسَفَ ...
- القاموس التاريخي لفلسفة هوسرل جون جيه. دروموند
- التجديد الديني، في المعنى والتاريخ. مقاربات الأصوليين والإصل ...
- أصل المعرفة هل حقا المعرفة النهائية لا أدرية كما يدعي هربرت ...
- محاورة إحيانون، الاستدلال والقياس
- جدوى الفلسفة نظرية المعرفة


المزيد.....




- مسؤول ألماني: اقتحام مؤيدين للأكراد مقر حزبي -تجاوز لخط أحمر ...
- ماتت على الشاشة… وظهرت حيّة لتفضح الفبركة
- النقطة النظرية لحدوث الإبادة...علماء ذرة يقدمون -ساعة يوم ال ...
- خبير عسكري: أمريكا جاهزة برا وبحرا وجوا لكنّ الحرب ليست حتمي ...
- نفق بطول 30 كيلومترا يفضح شبكة -قسد- تحت الأرض في ريف عين ال ...
- ترمب: لن نقدم أي دعم للعراق إذا عاد نوري المالكي لرئاسة الوز ...
- “مجلس سلام غزّة”: سلام القبور وبزنس الإبادة
- إيران تحذر جيرانها من -السماح باستخدام أراضيهم ضدها في أي نز ...
- ماذا قالت السعودية عن اتصال رئيس إيران بمحمد بن سلمان؟
- العراق: إرجاء جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بعد خلاف بين الأكرا ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احسان طالب - تأصيل مفهوم الشعور كأساس ظاهراتي، نقد الشعور الوجودي عند هايدغر