أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - رياض الشرايطي - الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة المجتمع.















المزيد.....



الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة المجتمع.


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 02:57
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


في قلب القرن الحادي والعشرين، يقف العالم أمام إعادة تشكيل جذري للعلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. لم تعد الرأسمالية وحدها قادرة على تفسير الواقع أو توجيه فهمنا للتغيرات المعاصرة؛ بل نحن أمام إقطاع حديث، متداخل البنى، متعدد الطبقات، ومعقد في أبعاده الزمنية والرمزية. هذا الإقطاع ليس مجرد نسخة معاصرة للإقطاع التقليدي، ولا مرحلة طبيعية للرأسمالية، بل هو نظام يحفر قبر نفسه بنفسه، معيدًا إنتاج الهيمنة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بينما يفقد المجتمع أدواته الرمزية والنفسية على الفعل والمقاومة.
تتبدّى سمات هذا النظام في تحولات عميقة في رأس المال، الدولة، الاقتصاد، العمل، والوعي الاجتماعي. رأس المال ينهك نفسه عبر الريع والاستحواذ، الدولة تفقد سيادتها وتصبح خادمة للأسياد الماليين، العمل يتحوّل من إنتاج إلى خدمة، والمجتمع يغرق في عزلة نفسية وغياب فضاء رمزي مشترك. في قلب هذه التحولات تظهر الطليعة الخدمية كقوة استراتيجية قادرة على تعطيل دورة إعادة الإنتاج الاجتماعي، بينما يصبح وعي الجماعة وفضاؤها الرمزي شرطا أساسيا لأي مشروع تحرري.
هذا النص يقدم قراءة للإقطاع الحديث، ليس فقط كظاهرة اقتصادية أو سياسية، بل كنسق شامل يشمل البنية النفسية–العاطفية، العلاقات الاجتماعية، القانون، الدولة، وأساليب الإنتاج، ويهدف إلى فهم التداخل بين الماضي والحاضر، بين الرأسمالية المتأخرة والديناميات الإقطاعية، وبين الهيمنة الرمزية والمعنى الجماعي. إنه دعوة للتأمل في التناقضات البنيوية القائمة، الإمكانات الثورية المحتملة، والخيارات الوجودية للمجتمع في مواجهة الإقطاع المعاصر.
فالإقطاع الحديث ليس ظاهرة طارئة ولا تشوّها عرضيا في مسار الرأسمالية، بل هو أحد أشكالها التاريخية الممكنة حين تبلغ حدودها البنيوية. إنّه ليس بقايا ماض لم يهضم بعد، بل نتيجة منطقية لمسار اقتصادي–اجتماعي يعجز عن الاستمرار عبر التوسّع والإدماج، فيلجأ إلى الانكماش والافتراس. بهذا المعنى، لا نعيش تناقضا بين الإقطاع والحداثة، بل تعايشا مشوّها بين تطوّر الأدوات وتقهقر العلاقات الاجتماعية.
الإقطاع، في جوهره، ليس نمط إنتاج مرتبطا حصريا بالأرض والزراعة، بل علاقة سيطرة: احتكار شروط العيش من قبل أقلية، وإجبار الأغلبية على العمل ضمن شروط لا تملك تغييرها. هذه العلاقة لم تلغ تاريخيا، بل أُعيد تشكيلها وفق حاجات الرأسمالية المتأخرة. فكما كان الفلاح الإقطاعي محرومًا من الأرض، يحرم العامل المعاصر من الاستقرار، ومن الأمان الاجتماعي، ومن السيطرة على زمنه وحياته.
ففي الإقطاع الكلاسيكي، كانت السيطرة مباشرة، مرئية، قائمة على العنف الصريح. أمّا في الإقطاع الحديث، فالسيطرة مداورة، قانونية، ومؤدلجة. العامل “حرّ” شكليا، لكنه مقيّد بسوق عمل هشّ، وبتهديد دائم بالبطالة، وبديون تحوّله إلى رهينة. لم يعد القِنّ مربوطا بالأرض، بل مربوطا بالحاجة، وهي قيد أشدّ إحكاما.
الرأسمالية المعاصرة، وقد انتقلت من مرحلة الإنتاج الواسع إلى مرحلة الاحتكار والريع، لم تعد تعتمد على خلق القيمة عبر العمل، بل على استخلاصها عبر الامتلاك. هنا تتكوّن البنية الإقطاعية الجديدة: أرباح بلا إنتاج حقيقي، ثروات تتراكم بفعل الموقع والاحتكار لا بفعل الجهد الاجتماعي. المال يولّد المال، بينما يترك العمل في الهامش، مفرغا من كرامته ومعناه.
تلعب الشركات العابرة للحدود دور الإقطاعي المعولم. فهي لا تسيطر فقط على سلاسل الإنتاج، بل تفرض شروطها على الدول نفسها. تفاوض الحكومات كما كان الإقطاعي يفاوض السلطة المركزية: امتيازات ضريبية، قوانين عمل مرنة، يد عاملة رخيصة، وبيئة سياسية “مستقرة” أي خالية من الاحتجاج. الدولة، في هذا السياق، لا تختفي، بل تتحوّل إلى جهاز تسيير في خدمة رأس المال، يضبط المجتمع بدل أن يمثّله.
أحد أخطر مظاهر الإقطاع الحديث هو نزع السياسة عن الاقتصاد. تقدّم الخيارات الاقتصادية كضرورات تقنية، لا كقرارات طبقية. يقال إن السوق يحكم، وإن الميزانية لا ترحم، وإن لا بديل عن “الإصلاحات”. هكذا تسحب القرارات المصيرية من المجال الديمقراطي، وتسلّم إلى خبراء ومؤسسات غير منتخبة، فتتحوّل الديمقراطية إلى شكل بلا مضمون.
الإقطاع الحديث لا يكتفي بالسيطرة المادية، بل يعمل على تفكيك الوعي الجماعي. يفرد الأفراد، يحوّلهم إلى منافسين، ويقنعهم بأن مصائرهم فردية لا اجتماعية. تختفي اللغة الطبقية، ويستبدل الصراع الاجتماعي بخطاب النجاح الشخصي والكفاءة. الفقر يصبح فشلا فرديا، لا نتيجة بنية، وبذلك يعفى النظام من أي مساءلة.
في الأطراف، يتخذ الإقطاع الحديث طابعا أكثر عنفا. الدول التابعة لا تواجه فقط استغلالا داخليا، بل إلحاقا خارجيا. الدين الخارجي، شروط “الإصلاح”، والاندماج القسري في السوق العالمية، كلّها أدوات لإعادة إنتاج التبعية. السيادة تفرغ من محتواها، والقرار الوطني يرهن، تماما كما كانت الضيعة مرهونة لإقطاعي أكبر.
بهذا المعنى، لا يمثّل الإقطاع الحديث عودة إلى الوراء زمنيا، بل نكوصا اجتماعيا داخل زمن متقدّم تقنيا. تطوّر في الوسائل، وتدهور في العلاقات. حداثة بلا تحرّر، وسوق بلا مجتمع. وهذه المفارقة هي ما يجعل الإقطاع الحديث أخطر من سابقه: لأنّه يتخفّى في لغة التقدّم، ويطلب من ضحاياه التصفيق له.
فهذا التشخيص ليس تمرينا نظريا، بل مدخلا سياسيا. فالإقطاع، قديما أو حديثا، لا يسقط تلقائيا. يسقط حين يفهم، حين يسمّى باسمه، وحين يواجه بمشروع مضادّ. ومن هنا تنبع ضرورة الربط بين هذا التحليل وبين نقد الحتميات التاريخية، وهو ما ستتولّاه الفقرة القادمة: تفكيك وهم التقدّم الخطي، وسقوط مذهب المراحل التاريخية، وفتح سؤال المستقبل بوصفه ساحة صراع لا وعدا مضمونا.
فالنص انطلق من تحليل الإقطاع الحديث بوصفه عودة تاريخية مقنّعة لعلاقات سيطرة قديمة داخل قشرة حداثية. لكن هذا التحليل يظلّ ناقصا إن لم يربط بسؤال أعمق: هل التاريخ يتقدّم حقا في خطّ مستقيم؟ وهل ما نعيشه اليوم هو مرحلة “أعلى” بالضرورة ممّا سبقها، لمجرّد أنّها أكثر تعقيدا تقنيا وأكثر تطوّرا شكليا؟
هنا بالضبط يسقط ما يمكن تسميته بـمذهب المراحل التاريخية الصّلبة، ذاك الفهم التبسيطي الذي حوّل الماركسية – ظلما – إلى سردية آلية تقول: إقطاع ← رأسمالية ← اشتراكية ← شيوعية، وكأنّ التاريخ سلّم كهربائي يصعد تلقائيا، وكأنّ التقدّم مضمون بحكم القوانين لا بفعل الصراع.
فالرأسمالية لم تلغ الإقطاع لأنها “أرقى أخلاقيا”، بل لأنها احتاجت إلى شكل جديد من الاستغلال أكثر كفاءة. وحين تبلغ الرأسمالية حدودها، فهي لا “تتجاوز نفسها” تلقائيا نحو الاشتراكية، بل قد تنكص، تعود إلى الوراء، وتستعيد أكثر العلاقات بدائية في التاريخ، ولكن بأدوات حديثة. هنا يصبح الإقطاع الحديث ليس استثناء، بل احتمالا تاريخيا كاملا داخل الرأسمالية نفسها.
إنّ ما يقدّم اليوم بوصفه تقدّما ، العولمة، الرقمنة، المرونة، اقتصاد المنصّات ، يخفي في جوهره تفكيكا ممنهجا لكل مكتسبات الحداثة الاجتماعية: الاستقرار الوظيفي، الحماية الاجتماعية، التنظيم النقابي، والسيادة الشعبية. نحن أمام حداثة تقنية تقترن بانحطاط اجتماعي، وأمام تطوّر في الأدوات يقابله تراجع في شروط العيش والكرامة. وهذا بالضبط هو تعريف الارتداد التاريخي.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن “تقدّم” فارغا من أي مضمون تحرّري. فالتقدّم لا يقاس بسرعة الإنترنت ولا بحجم الناتج الداخلي الخام، بل بمدى توسّع السيطرة الاجتماعية على شروط الحياة. وحين تسلب هذه السيطرة من الأغلبية وتركّز في يد أقلية مالية–تكنولوجية، نكون أمام حركة إلى الخلف، مهما بدت إلى الأمام.
سقوط مذهب المراحل التاريخية لا يعني إنكار التاريخ أو قوانينه، بل يعني فهمه بوصفه عملية مفتوحة، غير مضمونة النتائج، محكومة بالصراع لا بالحتمية. الرأسمالية لا تحمل في داخلها الشيوعية كجنين حتمي، بل تحمل في داخلها أزمتها. وهذه الأزمة قد تحلّ ثوريا، وقد تحلّ رجعيا. الإقطاع الحديث هو أحد أشكال هذا الحل الرجعي.
حين تعجز الرأسمالية عن الاستمرار عبر توسيع الإنتاج والدمج الاجتماعي، تلجأ إلى نزع الملكية، إلى العنف الاقتصادي، إلى تدمير الروابط الجماعية. لا تنهار فجأة، بل تتعفّن، وتعيد تدوير أنماط هيمنة قديمة: التبعية، الولاء، الريع، والامتياز. الفرق أنّ السيد لم يعد محليا، بل معولما؛ ولم يعد يحتاج إلى شرعية دينية أو تقليدية، بل إلى خطاب “الكفاءة” و”الضرورة الاقتصادية”.
من هنا، لا يمكن فهم الإقطاع الحديث بوصفه مرحلة انتقالية نحو الاشتراكية، بل بوصفه احتمالا تاريخيا مضادا للتحرّر. احتمالا يعني: إن لم يواجه، إن لم يكسر سياسيا، قد يستقرّ طويلا، وقد ينتج عالما أكثر قسوة من الرأسمالية الكلاسيكية نفسها. عالما تدار فيه المجتمعات كما تدار الشركات، ويختزل الإنسان إلى معطى قابل للاستبدال.
لكن، وفي قلب هذا التشخيص القاتم، تظهر المفارقة التاريخية: الرأسمالية لا تحفر قبرها لتفسح المجال للشيوعية بالضرورة، بل لتحفر فراغا تاريخيا. هذا الفراغ هو ساحة الصراع الحقيقي. إمّا أن يملأ بمشروع تحرّري جذري يعيد بناء المجتمع على أسس جديدة، أو يملأ بإقطاع معولم طويل الأمد.
النظام الاجتماعي–الاقتصادي الجديد الذي يلوح في الأفق ليس مكتوبا سلفا. ليس “الشيوعية” كما في الكلاسيكيات، ولا الرأسمالية كما عرفناها، بل إمكان مفتوح. إمكان يتحدّد بميزان القوى، بقدرة الفاعلين الاجتماعيين على التنظيم، وبإعادة اختراع السياسة خارج منطق السوق. هنا تحديدا تتجدّد راهنية اليسار الثوري: لا كحارس لعقيدة، بل كقوة تاريخية واعية بأن التاريخ يمكن أن ينتكس كما يمكن أن يتحرّر.
الإقطاع الحديث، إذن، ليس فقط تشخيصا اقتصاديا، بل تحذيرا فلسفيا–سياسيا:
ما يسمّى تقدّما قد يكون قناعا للنكوص،
وما يعرض كقدر تاريخي ليس إلا نتيجة ميزان قوى مؤقّت،
وما لم يُنتزع بالنضال،
لن يُمنح باسم التاريخ.
بهذا المعنى، لا نعيش “ما بعد الرأسمالية”،
بل نعيش لحظة مفصلية:
إمّا كسر الارتداد،
أو العيش طويلا في زمن يعود إلى الخلف…
بسرعة الضوء.
إذا كانت الفقرات السابقة قد كشفت البنية الإقطاعية المتخفّية داخل الرأسمالية المتأخرة، و تفكّك وهم التقدّم الخطي وسقوط مذهب المراحل التاريخية، فإنّ هذه الققرة تنزل إلى القلب اليومي لعلاقات الإنتاج: إلى التحوّل العميق في طبيعة العمل نفسه، حيث لم يعد العامل منتجا للقيمة بالمعنى الرأسمالي الكلاسيكي، بل تحوّل على نحو متزايد إلى خادم اجتماعي، يكرّس جهده ووقته وطاقته لضمان راحة طبقة ضيّقة تمتلك الأصول، وتحتكر الثروة، وتتحكّم في شروط العيش.
لقد قام التصوّر الرأسمالي الكلاسيكي للعمل على مركزية الإنتاج الصناعي: عامل يبيع قوة عمله، ينتج سلعة، تستخلص منها القيمة الزائدة. لكن الرأسمالية المعاصرة، وقد انكمش أفقها الإنتاجي واتّسعت نزعتها الريعية، أعادت ترتيب الأولويات. لم يعد الهدف توسيع الإنتاج الاجتماعي، بل إدارة الحياة اليومية للأثرياء: تنقّلهم، صحتهم، أمنهم، راحتهم، بياناتهم، أوقات فراغهم. هكذا يتمدّد ما يمكن تسميته بـاقتصاد الخدم، لا بوصفه قطاعا ثانويا، بل كعمود فقري للنظام الجديد.
في هذا الاقتصاد، لا يطلب من العامل أن ينتج عالما، بل أن يخدم عالما قائما. لا يقاس عمله بما يضيفه إلى المجتمع، بل بما يخفّف العبء عن من يملكون. تتبدّل العلاقة جذريا: لم يعد العامل طرفا في عملية إنتاج اجتماعي، بل ملحقا شخصيا بمنظومة الرفاه الطبقي. ورغم أنّ هذا التحوّل يلبس لغة الحداثة ، المرونة، الخدمة، الزبون أولا ، فإنّ جوهره يعيد إنتاج علاقات قديمة: علاقة السيّد بالخادم، لا علاقة الرأسمالي بالعامل فحسب.
الخطير في اقتصاد الخدم أنّه يفصل العمل عن أي أفق تحرّري. فالخدمة بطبيعتها غير قابلة للتراكم الاجتماعي؛ هي تستهلك فورا، وتعاد يوميا. العامل هنا محكوم بزمن الآخر، بإيقاع حاجاته، وبمزاجه. هذه علاقة تقارب العبودية القديمة، لا لأنّها تستنسخها حرفيا، بل لأنّها تعيد منطقها: إنسان يعيش ليسهّل حياة إنسان آخر، دون أفق لتغيير الموقع.
ومع توسّع هذا النمط، تتبدّل البنية الطبقية نفسها. لم تعد الطبقة العاملة محصورة في المصنع، بل امتدّت إلى قطاعات الرعاية، النقل، التوصيل، النظافة، التعليم، الصحة، الأمن الخاص، والمنصّات الرقمية. هؤلاء العمّال لا ينتجون سلعا قابلة للتخزين، لكنهم ينتجون شرط استمرار المجتمع. إنهم عمّال إعادة الإنتاج الاجتماعي: من دونهم تتوقّف الحياة اليومية، تنهار المدن، ويختنق النظام من الداخل.
هنا تتكشّف المفارقة التاريخية: النظام الذي يحوّل هؤلاء العمّال إلى خدم، هو نفسه الذي يجعلهم القوة الأكثر قدرة على تعطيله. فبينما كانت القوة الكلاسيكية للطبقة العاملة الصناعية تكمن في قدرتها على شلّ الإنتاج، تكمن قوة عمّال الخدمات اليوم في قدرتهم على شلّ الحياة ذاتها. تعطيل النقل، الرعاية، الصحة، الطاقة، الغذاء، والتعليم، لا يوقف مصنعا فقط، بل يوقف المجتمع بأكمله. وهذا ما يمنح هذه الفئات موقعا استراتيجيا جديدا في الصراع الطبقي.
من هنا، لا يعود السؤال: من هو العامل الثوري اليوم؟ بل: أيّ عمل يملك القدرة على تعطيل إعادة الإنتاج الاجتماعي؟ الإجابة تقودنا إلى طليعة جديدة، لا تعرّف بصلابتها الصناعية، بل بموقعها الحيوي. طليعة لا تنبع من مركز الإنتاج المادي فقط، بل من قلب الخدمات الأساسية التي لا يمكن للرأسمالية المتأخرة الاستغناء عنها، مهما ادّعت الأتمتة والرقمنة.
هذا التحوّل يفرض أيضا إعادة تعريف أفق النضال. لم تعد العدالة الاجتماعية مسألة أجور فقط، بل مسألة حق جماعي في الخدمات الأساسية: الصحة، التعليم، السكن، النقل، الطاقة، والماء. هنا تبرز فكرة الخدمات الأساسية الشاملة لا كبرنامج إصلاحي، بل كبديل حضاري. فهي تنزع الخدمات من منطق السوق، وتعيدها إلى منطق الحق، وتفكّك العلاقة الإقطاعية التي تجعل الحياة امتيازا لا استحقاقا.
في هذه النقطة، يقف العالم أمام خيار وجودي ثنائي لا لبس فيه. إمّا الاستسلام لمسار يقود إلى إقطاع جديد: ركود اقتصادي، تبعية اجتماعية، وتحوّل الأغلبية إلى خدم دائمين في نظام راكد لكنه عنيف. وإمّا فتح أفق نضالي جديد، تقوده طليعة خدمية واعية بموقعها، قادرة على التنظيم، وعلى تحويل هشاشتها إلى قوة، وعلى فرض إعادة هيكلة جذرية لأولويات المجتمع.
الصراع لم يعد بين مصنع ومصنع،
ولا بين رأسمالي وعامل فقط،
بل بين من يملكون الأصول
ومن يبقون العالم حيّا.
وفي هذا الصراع،
لا يملك المستقبل من يخدمون الأسياد،
بل من يقرّرون
متى تتوقّف الخدمة
ومتى يبدأ التاريخ من جديد.
فإذا كانت الرأسمالية قد قدّمت نفسها تاريخيا كنمط إنتاج تحكمه قوانين حركة “موضوعية” نسبيا ، المنافسة، تعظيم الربح عبر الإنتاج، إعادة استثمار الفوائض، ورفع إنتاجية العمل ، فإنّ ما نعاينه اليوم ليس استمرارا لتلك القوانين في شكل أكثر تطوّرا، بل تآكلا داخليا لها. نحن أمام لحظة لا تعمل فيها هذه القوانين في تناغم تناقضي كما كان الحال سابقا، بل تتصادم وتلغي بعضها بعضا، ما يفتح الباب أمام نمط سيطرة جديد يقترب، في جوهره، من الإقطاع: ريع بلا إنتاج، وسلطة بلا وساطة اجتماعية.
اوّلا : أول مظاهر هذا التفكّك يتمثّل في تحوّل المنافسة من آلية ابتكار إلى آلية إقصاء. تاريخيا، دفعت المنافسة الرأسمالية إلى تحسين التقنيات وتنظيم العمل وابتكار السلع. أمّا اليوم، فالمنافسة تدار بوصفها حرب سيطرة: اندماجات عملاقة، استحواذات قسرية، احتكار للمنصّات والمعايير، وإغلاق منهجي لمسارات الدخول إلى السوق. إنّها منافسة تنتج احتكارا، والاحتكار يفرغ المنافسة من مضمونها. بهذا المعنى، لا نكون أمام “سوق أكثر نجاعة”، بل أمام مجالات نفوذ تدار بمنطق السيادة لا بمنطق السعر.
ثانيا: يتجلّى الانزلاق البنيوي في انفصال الربح عن الإنتاج. لم يعد الربح ثمرة مباشرة لتنظيم العمل وخلق القيمة الاجتماعية، بل نتيجة امتلاك الأصول والتحكّم في المداخل: أرض، طاقة، بيانات، منصّات، حقوق ملكية فكرية. هكذا يحلّ الريع محلّ الربح، وتغدو الثروة وظيفة للموقع لا للمساهمة. هذا التحوّل ليس خيارا أخلاقيا سيئا فحسب، بل إشارة إلى مأزق تاريخي: حين تصبح المضاربة والاستحواذ أكثر ربحية من الاستثمار المنتج، فهذا يعني أنّ الرأسمالية فقدت محركها.
ثالثا : ومع تراجع جدوى الاستثمار الإنتاجي، يتحوّل الإكراه الفوق-اقتصادي إلى أداة مركزية. حيث يفترض منطق السوق أن العلاقات تدار عبر الأسعار والعقود، نرى اليوم تصاعدا لدور القانون القسري، والديْن، والتنظيمات المصمّمة خصيصا لحماية الاحتكار. الدولة لا “تنسحب” كما ادّعت الليبرالية الجديدة؛ بل تعود بقوة—عودة انتقائية—لتأمين الريع، وفرض الانضباط الاجتماعي، وتجريم المقاومة. هذه العودة ليست عودة الدولة الاجتماعية، بل عودة الدولة الإقطاعية المعاصرة: جهاز سيادة يحرس الامتياز.
لكن هذا الانزلاق لا يمكن فهمه كـ“تطوّر طبيعي” لمنطق رأسمالي داخلي. إنّه، على نحو حاسم، نتاج سياسي–اجتماعي لهزيمة تاريخية. أربعة عقود من الليبرالية الجديدة لم تكن مجرد وصفة اقتصادية، بل مشروعا لإعادة تشكيل ميزان القوى: تفكيك التنظيمات العمالية، ضرب النقابات، خصخصة الخدمات العامة، ونزع السياسة عن الاقتصاد. بانكسار هذه القوى، تحرّر رأس المال من قيوده الاجتماعية التي فرضت عليه في القرن العشرين، وتخلّى عن “عقده” غير المعلن مع المجتمع.
حين كانت الطبقة العاملة منظّمة وقادرة على فرض كلفة اجتماعية، اضطرّت الرأسمالية إلى الاستثمار، إلى التشغيل، وإلى تقاسم جزء من الفائض. أمّا بعد الهزيمة، فلم يعد ثمّة ما يلزمها بذلك. النتيجة ليست ازدهارا جديدا، بل تصالح مع الركود: إدارة الندرة بدل تجاوزها، توزيع الخسائر على الأسفل، وتكثيف الاستخراج من المجال العام. الخصخصة هنا ليست إصلاحا، بل نهبا مؤسّسا؛ تقليص الإنفاق الاجتماعي ليس تقشّفا تقنيا، بل إعادة توجيه للثروة صعودا.
في هذه اللحظة، تتبدّل وظيفة الاقتصاد ذاته. لم يعد نظاما لتنسيق الإنتاج الاجتماعي، بل نظاما لإدارة التفاوت. تدار الأزمات بدل حلّها، ويثبّت عدم الاستقرار كحالة دائمة. هكذا تلتقي الرأسمالية المتأخرة بالإقطاع: كلاهما لا يحتاج إلى نموّ شامل، بل إلى سلطة تضمن الامتياز. كلاهما يرى في العمل كلفة يجب ضغطها، وفي المجتمع حقلا للاستخراج.
ومع ذلك، فإنّ هذا النمط يحمل تناقضه القاتل. فبقدر ما يتحرّر رأس المال من قوانينه القديمة، بقدر ما يفقد شرعيته التاريخية. لم يعد قادرا على الادّعاء بأنّه محرّك للتقدّم أو مولّد للرفاه. ما يبقى هو خطاب تقني يبرّر كل شيء، وأجهزة قسر تدير السخط. في هذا الفراغ، يصبح السؤال سياسيا على نحو صريح: إمّا قبول إقطاع جديد طويل الأمد، أو إعادة تأسيس الاقتصاد على قاعدة اجتماعية أخرى.
إعادة التأسيس هذه لا تعني استعادة “قوانين الحركة” القديمة، بل فرض منطق بديل: إخضاع الأصول للسيطرة الاجتماعية، نزع الريع، إعادة توجيه الفوائض نحو إعادة الإنتاج الاجتماعي، وربط القرار الاقتصادي بالمحاسبة الديمقراطية. الصراع هنا ليس بين كفاءة ولا كفاءة، بل بين نمط سيادة ونمط حياة.
الإقطاع الجديد ليس مرحلة،
بل نتيجة ميزان قوى.
وقوانين الحركة التي تفكّكت
لا ترمّم بالحنين،
بل تستبدل بصراع
يعيد تعريف ما هو “اقتصادي”
بوصفه شأنا اجتماعيا عاما،
لا امتيازا محروسا بالسلطة.
و إذا كانت الفقرات السابقة قد رسمت خريطة تطور الإقطاع الحديث، بين تحوّل العمل إلى خدمة مركزية في اقتصاد الخدم، وانكسار القوانين التاريخية للرأسمالية، فإن هذه الفقرة تغوص في التحليل البنيوي العميق للرأسمالية المعاصرة، لتبيّن أنّ رأس المال ليس ميتا، لكنه بصدد حفر قبره بنفسه، ليس عبر الانتقال الطبيعي بين المراحل التاريخية، بل عبر ديناميات تراكم صادمة تعيد إنتاج منطق الإقطاع القديم بوسائل حديثة.
في قراءة دقيقة، ما يحدث اليوم ليس “تقدّما تاريخيا” ولا انتقالا محتوما نحو الاشتراكية، بل انكفاء رأس المال على ذاته. أربعة عقود من الليبرالية الجديدة، الخصخصة، وتفكيك التنظيمات النقابية، لم تكن مجرد سياسات اقتصادية، بل هزيمة اجتماعية–سياسية للطبقة العاملة. هذه الهزيمة حرّرت رأس المال من أي قيود اجتماعية، وفتحت المجال أمام تحوّل داخلي: التركيز على الريع والنهب، والاستحواذ على الأصول، وإعادة إنتاج سلطة فوق اقتصادية تحلّ محل السوق في إدارة التراكم.
الماركسية الكلاسيكية تقدّم هنا أداة تحليل جوهرية: التداخل الزمني بين أنماط الإنتاج. الماضي لا يختفي بمجرد ظهور نمط جديد، بل يتشابك معه، يعيد إنتاج نفسه في أشكال جديدة. الإقطاع الحديث ليس إعادة إنتاج حرفي للعلاقات القديمة، بل استمرارها مشبّعا بتقنيات جديدة، متكاملا مع أوجه الرأسمالية المتأخرة التي تضعف قوانينها الإنتاجية الكلاسيكية، وتحوّلها إلى أدوات خدمة للاستحواذ والهيمنة. بهذا المعنى، نحن أمام مرحلة زمنية معقدة، حيث تتراكب ديناميات قديمة وجديدة، ويصعب رسم خط مباشر بين الماضي والحاضر والمستقبل.
التحليل البنيوي يكشف ثلاث مفارقات أساسية:
1/انفصال الربح عن الإنتاج: لم يعد الربح يستمد أساسا من العمل المنتج، بل من الاحتكار والتحكّم في المداخل: الأصول العقارية، البنية التحتية، المنصّات الرقمية، الملكية الفكرية. الاستثمار الإنتاجي يستبدل بالاستحواذ الريعي، ويصبح المال أداة لا لإنتاج القيمة، بل لحماية الامتياز وإعادة توزيعه صعودا.
2/التحوّل البنيوي للعامل: العامل، الذي كان عنصرا منتجا للقيمة، تحوّل إلى خادم اجتماعي. في اقتصاد الخدمات المتنامي، يصبح دوره محصورا في ضمان راحة الأثرياء واستمرارية النظام الاجتماعي، بينما فقد السيطرة على شروط حياته نفسها. هذا ليس عبودية حرفية، بل إعادة إنتاج نفس منطق التبعية والإكراه الاجتماعي، لكنه مخفي تحت مسميات الحداثة والمرونة والاحترافية.
3/انهيار القدرة على الاستمرار: في سعيها المحموم للتراكم، تدمر الرأسمالية الأسواق والبنى التحتية الاجتماعية نفسها. تتراجع القدرة على توسيع الإنتاج، وتزداد هشاشة الطبقات العاملة، بينما تصبح الأزمات الاقتصادية متكررة ومستمرة. بدلا من أن تكون الأسواق أدوات لضبط الإنتاج والتنافس، تتحوّل إلى مجالات للصراع على الريع، محمية بالسياسة والإكراه القانوني.
كل هذه التحولات تظهر أنّ الرأسمالية، في هذه المرحلة، تحفر قبرها بنفسها. إنها لم تعد قادرة على تحقيق أي “سلم تاريخي” مضمون: التراكم الذاتي يقود إلى استنزاف أسس بقائها. لكنها، في الوقت نفسه، لم تنهار تلقائيا لصالح قوة تحريرية؛ الإمكان الثوري يعتمد على قدرة الفئات الاجتماعية الحيوية على تعطيل دورة التراكم وإعادة ربط الإنتاج بالحياة الاجتماعية. هنا، تظهر الطليعة الخدمية كقوة استراتيجية، لأن تعطيلها لا يوقف الإنتاج فقط، بل يوقف إعادة إنتاج المجتمع نفسه، ويكشف هشاشة الهيمنة المعولمة.
من منظور ماركسي معمّق، ما نعيشه ليس تناقضا ، بل حالة تراكمية متشابكة: قوانين الإنتاج التاريخية المتآكلة تتصادم مع ديناميات إقطاعية صاعدة، في ما يمكن تسميته “زمنا مركّبا” حيث الماضي يستمر في التشابك مع الحاضر، ولا يمكن الفصل بينهما. ومن هذا المنظور، الرأسمالية المعاصرة ليست قوة تاريخية تقدمية بحد ذاتها، بل آلة تراكم ذاتية مدمّرة، تعيد إنتاج هيمنة الأسياد في قلب المجتمعات، بينما تضعف كل قدرة على الاستقرار الاجتماعي.
الخلاصة الحاسمة: العالم اليوم أمام اختيار وجودي مزدوج. إمّا الاستسلام لمسار إقطاعي معاصر يكرّس الركود والتبعية، ويحوّل العمال إلى خدم دائمين داخل دورة استغلال مغلقة، أو خوض نضال اجتماعي عميق، بقيادة الطليعة الجديدة في قطاعات الخدمات الأساسية، لإعادة بناء الاقتصاد على قاعدة العدالة الاجتماعية، التحكم في الأصول، ودمج الإنتاج بالحياة المجتمعية.
هنا يكمن التحدي المركزي: الرأسمالية تحفر قبرها بنفسها، لكن المستقبل لا يمنح، بل ينتزع عبر الصراع والتحرير الاجتماعي البنيوي.
مع التقدّم في الفقرات السابقة، أصبح واضحا أنّ الرأسمالية المعاصرة ليست مجرد نظام اقتصادي متطور، بل شبكة متشابكة من علاقات الهيمنة الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية. الدفعة السادسة تتعمق في الدولة نفسها باعتبارها محورا استراتيجيا للصراع الطبقي المعاصر، لا بوصفها كيانا محايدا أو حارسا للتوازن الاجتماعي، بل كمسرح لتجسيد الإقطاع الحديث، حيث تتحوّل السيادة الوطنية إلى “تبعية سيادية” تحكمها أطر خارجية وعلاقات فوق-اقتصادية.
أول ما يجب ملاحظته هو تحوّل الدولة من كيان متماسك قادر على إدارة المصالح الاجتماعية إلى كيان متفكك وظيفيا. في الحقبة الفوردية، كانت الدولة بمثابة "الرأسمالي المجرّد"، حيث أدارت المجتمع كـ"مصنع اجتماعي"، توفّر الوظائف، الضمان الاجتماعي، التعليم، الصحة، وتنظيم السوق، مقابل قبول العمال لنظام الإنتاج. هذا التوازن لم يكن مثاليا، لكنه شكّل حاجزا أمام الانكفاء المطلق لرأس المال على ذاته. اليوم، ومع الهجمة النيوليبرالية، تم تفكيك هذا المصنع الاجتماعي، وأصبح التمويل يحكم مباشرة الأسواق، بينما الدولة تدار وفق مصلحة أسياد الأصول، متخليا عن دورها التنظيمي والتسوية الاجتماعية.
هذا التحول ليس سطحيا، بل تحوّل بنيوي في مفهوم السيادة والقانون. السيادة لم تعد قدرة الدولة على اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي المستقل، بل قدرة محدودة على التكيّف مع الشروط الدولية والهيمنة المالية. الدولة تظل شكلا: حكومات، حدود، مؤسسات، لكنها فاقدة للقدرة الفعلية على فرض إرادتها أو حماية مصالح السكان دون استيفاء شروط الأسياد المعولمين. وهذا ما يمكن تسميته “التبعية السيادية”: دولة موجودة لكنها مقيدة بالكامل، عاجزة عن الفعل المستقل، مدفوعة بمعاهدات دولية، تفضيلات المستثمرين، وابتزاز القروض والمؤسسات المالية الدولية.
ثانيا، يظهر التفكيك التحليلي أنّ الدولة لم تعد إطارا موحدا للقانون العام، بل أُعيد تصميمها بوصفها شبكة من الروابط التعاقدية الشخصية. القانون لم يعد مجرد إطار تجريدي يطبّق على الجميع بالتساوي، بل أصبح مرتبطا بالموقع الطبقي، بالوصول إلى الموارد، وبالقدرة على النفوذ المالي والسياسي. كل فرد، كل مؤسسة، كل منطقة جغرافية تخضع لشروط تبعية محددة، بحيث يختلف التطبيق القانوني بحسب موقعك في الشبكة. هذه الروابط التعاقدية الجديدة تجعل القانون أداة لإعادة إنتاج الامتياز، لا وسيلة لضمان العدالة.
ثالثا، هناك تحوّل جوهري في وظيفة الدولة تجاه المجتمع والاقتصاد. لم تعد الدولة وسيلة لضبط سوق العمل أو تنظيم الإنتاج، بل أصبحت خادمة مباشرة لمصالح النخبة المالكة للأصول. هذا التحوّل يتجلى في تفكيك المؤسسات العامة، تقليص الإنفاق الاجتماعي، خصخصة القطاعات الحيوية، وتحويل الخدمات الأساسية ، التعليم، الصحة، النقل، الطاقة ، إلى أدوات تسهيل تراكم النخبة المالية. الدولة اليوم تدير ما يمكن تسميته “الهيمنة الإقطاعية المعولمة”، حيث تتحوّل كل سياسات الحكم إلى خدمة مباشرة لإعادة توزيع الثروة صعودًا، بدل حماية المجتمع.
رابعا، من منظور تحليل النظام، هذا التحول يظهر إلغاء التوازن التاريخي بين رأس المال والمجتمع. في السابق، كان للطبقة العاملة وبعض القيود الاجتماعية قدرة على فرض التوازن: إجبار الدولة على حماية الحقوق الأساسية، تنظيم العمل، والمشاركة في القرارات الاقتصادية الكبرى. اليوم، ومع هشاشة الدولة وتفكك سيادتها، لم تعد هناك وساطة بين رأس المال والمجتمع. الهيمنة أصبحت مباشرة، معلنة، وقابلة للحماية بالقوة القانونية والدولية.
خامسا، هذا التحليل يكشف تراكب الزمني بين الماضي والحاضر. الإقطاع القديم لم يختف، بل أُعيد إنتاجه تحت مظلة الحداثة التقنية والمؤسساتية. الدولة الحالية، كما يظهر التحليل التفكيكي، تجمع بين أدوات السيطرة الإقطاعية التقليدية ، الحماية، الامتياز، التبعية المباشرة ، وأدوات الرأسمالية المعاصرة ، الأسواق، المنصات الرقمية، التمويل المعولم. النتيجة هي نظام معقد يصعب توصيفه: دولة ضعيفة في سيادتها، لكنها مركز محكم لإعادة إنتاج الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية.
أخيرا، يمكن النظر إلى هذا التحوّل في الدولة على أنه حجر زاوية للإقطاع الحديث. القوة الاقتصادية لم تعد كافية للحفاظ على النظام؛ الدولة، بوصفها وسيطا، فقدت استقلاليتها، وحوّلت إلى أداة تنفيذية للإكراه والريع. هذا الوضع يخلق شرطا تاريخيا مزدوجا: إمّا استمرار التبعية والركود الاجتماعي، أو استثمار هذا التفكك لإعادة بناء أدوات الدولة والمجتمع وفق منطق العدالة الاجتماعية، حيث تصبح الدولة منصة لإعادة توزيع السلطة والثروة بدل أن تكون مجرد خادم للأسياد.
من هذا المنظور، يتضح أنّ الدولة المعاصرة محور صراع وجودي لا يقل أهمية عن رأس المال أو الطليعة الخدمية: من يسيطر على الدولة، يحدد قواعد التراكم، التبعية، والقانون، ويعيد رسم حدود الإمكان التاريخي. الدولة ليست محايدة؛ إنها ساحة الصراع الكبرى بين الامتياز الاجتماعي والعدالة، بين الإقطاع الجديد والتحرر الاجتماعي البنيوي.
بعد أن كشفنا في الفقرات السابقة عن التحولات البنيوية في رأس المال، الاقتصاد، العمل، والدولة، يظهر الآن بعد لا يقل أهمية: البنية النفسية–العاطفية للإقطاع الحديث. هذا البعد يشير إلى أن الهيمنة المعاصرة ليست مجرد سيطرة اقتصادية أو سياسية، بل إعادة إنتاج للسيطرة على شعور الفرد والجماعة، وعلى الفضاء الرمزي الذي يعطي الأحداث معنى ويوجّه الفعل الاجتماعي.
النظام الحالي يخلق شعورا جماعيا بالفراغ الرمزي: غياب “الآخر الكبير”، أي الذات الجماعية القادرة على تحميل الأحداث معنى سياسيا أو أخلاقيا. في غياب هذا الآخر، يصبح كل فرد متروكا للعزلة الوجودية، في مواجهة قوى كارثية خارجية ، سواء كانت أزمات بيئية، حروبا، أو انهيارات اجتماعية–اقتصادية ، دون أن يجد إطارا جماعيا يوجّه تفسيره أو يحميه. هذا الفراغ لا ينتج شعورا باللامبالاة فقط، بل حالة تشتت معرفي وعاطفي مركّب، حيث يختلط الخوف باللاجدوى، والانشغال الفردي بالاستمتاع اللحظي، والعزلة الاجتماعية بالاعتماد على وسائل التواصل أو “فضاءات ذهنية” غير متماسكة.
تحليل هذا الوضع يكشف آليات إعادة إنتاج الإقطاع النفسي–الرمزي:
-تفكيك الفضاء الرمزي المشترك: عبر تحييد المؤسسات التي كانت توفر وسائط رمزية، مثل التعليم العام القادر على إنتاج معنى، الإعلام النقدي، والفضاء المدني الموحد، يفقد المجتمع القدرة على بناء قصة مشتركة تربط الفرد بالمجتمع وبالمستقبل. هذا التفكيك يجعل كل حدث أو أزمة ظاهرة منعزلة، بلا رابط تاريخي أو سياق سياسي، فيصبح المجتمع مصفوفة من المعزولين الذين يواجهون الكوارث منفردين، بدلا من أن يكونوا فاعلين جماعيين.
-تشكيل مناخ ذهاني مختل: في غياب الفضاءات الرمزية الثابتة، تتفشى "المناخات الذهنية" التي تتسم بالتضخم المفرط للمطالب، والانغماس في الانفعالات القصوى، والانشغال بالتجارب الفردية المتحررة من أي إطار اجتماعي أو معنوي. الفرد في هذا النظام ليس مواطنا منضبطا، بل ذات مشتّتة تائهة، محرومة من القدرة على التوجيه الرمزي الداخلي أو الجماعي.
-الإكراه الرمزي المعاصر: الإقطاع الحديث لا يكتفي بالسيطرة الاقتصادية، بل يمتد إلى النفوس والوعي. الهيمنة الاقتصادية والسياسية تترجم إلى هيمنة رمزية: الأفراد عاجزون عن تصور بدائل، عاجزون عن إنتاج سرديات جماعية مشتركة، ويصبح عملهم أو استهلاكهم وسيلة لإعادة إنتاج المنظومة بدل إعادة إنتاج الذات الاجتماعية. حتى الطليعة الخدمية، التي تمتلك القدرة على تعطيل دورة إعادة الإنتاج الاجتماعي، تواجه حواجز رمزية داخلية تمنعها من تحقيق تأثير كامل إلا إذا تجاوزت العزلة النفسية التي يفرضها النظام.
-إنتاج العزلة كأداة هيمنة: في هذا السياق، يصبح الشعور بأن لا أحد يهتم ليس مجرد حالة فردية، بل أداة اجتماعية–سياسية مقصودة. كل فرد يشعر بأن جهده غير مرئي، وكل مشاركة سياسية أو اجتماعية تبدو بلا صدى. هذا الشعور يعمّق التبعية، ويحدّ من قدرة المجتمع على تنظيم نفسه، ويحوّل كل نشاط إلى فعل فردي بلا أفق جماعي، تماما كما يحوّل الإقطاع القديم العمل إلى واجب تابع للأسياد.
-تلازم البنى النفسية والاقتصادية: ما يحدث نفسيا يعكس بدقة التحولات البنيوية: رأس المال ينكفئ على ذاته، الدولة فقدت سيادتها، السوق أصبح وسيلة للريع، والعمل تحول إلى خدمة. كل هذه العناصر تنتج مناخا اجتماعيا ونفسيا موحّدا: الفرد مشتّت، الجماعة غير قادرة على استعادة سيطرتها الرمزية، والهياكل الاجتماعية تتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج التبعية بدل تمكين الفعل الجماعي.
باختصار، الإقطاع الحديث يظهر أن السيطرة اليوم تتعدى الاقتصاد والسياسة لتصبح هيمنة على المعنى، الشعور، والوعي الاجتماعي. البنية النفسية–العاطفية لهذا النظام تجعل المجتمع مشتّتا، ضعيفا، ومعزولا، لكنه مهيأ لإعادة إنتاج المنظومة نفسها. في هذا السياق، يصبح الوعي الجماعي والتعبئة الرمزية الجديدة شرطا أساسيا لأي مشروع تحرري قادر على مواجهة الإقطاع الحديث، حيث إن أي مقاومة اقتصادية أو سياسية منفصلة عن إعادة بناء الفضاء الرمزي الجماعي ستظل محدودة التأثير.
فإذا كانت الفقرات السابقة قد تناولت كل عنصر من عناصر التحوّل البنيوي في الرأسمالية المعاصرة، فإن هذا النص يربطها في تحليل شامل يظهر الإقطاع الحديث كنسق مركّب، متعدد الطبقات، ومتداخل بين الاقتصاد والسياسة والوعي النفسي–الاجتماعي.
أولا، يكشف التحليل أن الرأسمالية لم تعد تعمل وفق قوانين الحركة التاريخية التي عرفها القرن العشرين. المنافسة لم تعد آلية للابتكار، بل أداة إقصاء واحتكار؛ الربح لم يعد نتيجة للإنتاج، بل للسيطرة على الأصول والريع؛ الاستثمار الإنتاجي أصبح أقل جاذبية مقارنة بالمضاربات والهيمنة المالية. هذه الانحرافات ليست عشوائية، بل نتاج سياسي–اجتماعي لهزيمة الطبقة العاملة عبر أربعة عقود من النيوليبرالية، والتي أفرغت الرأسمالية من أطرها الاجتماعية القسرية وأطلقتها على نفسها لتعيد إنتاج الامتياز بصورة مباشرة.
ثانيا، يظهر التحوّل العميق في بنية الاقتصاد نفسه: العمل أصبح خدمة، وليس إنتاجا للسلعة بمعناها الكلاسيكي. الطليعة الجديدة، التي تنشأ في قطاع الخدمات الأساسية، تمتلك قدرة استراتيجية على تعطيل دورة إعادة الإنتاج الاجتماعي، ليس عبر الاحتجاج فقط، بل عبر القدرة الفعلية على التحكم في الموارد والخدمات الحيوية. هذه الفئة تمثل مفتاح الصراع الثوري المعاصر، لأنها تستطيع، عند تنظيمها، تعطيل هيمنة رأس المال المعاصر وإعادة توجيه الفائض الاجتماعي نحو العدالة.
ثالثا، يكشف الانزلاق البنيوي للدولة عن تغيير في مفهوم السيادة. الدولة لم تعد كيانا قادرًا على ضبط السوق أو حماية الحقوق الأساسية، بل صارت خاضعة لعلاقات القوة الدولية، ومعاهدات المستثمرين، والهيمنة المالية العالمية. القانون العام تفكك إلى شبكة من الروابط التعاقدية الشخصية، حيث يختلف التطبيق حسب الموقع الاجتماعي والمادي. الدولة، بدلا من إدارة المجتمع، صارت خادمة للأسياد الماليين، بينما المجتمع في حالة ضعف وافتقار لأي إطار رمزي أو سياسي يحمي مصالحه.
رابعا، هذا النظام الجديد لا يعمل فقط عبر الاقتصاد والسياسة، بل يمتد إلى البنية النفسية–العاطفية للمجتمع. غياب “الآخر الكبير” وفضاء رمزي مشترك يجعل الأفراد يعيشون عزلة وجودية: لا معنى للأحداث الكبرى، ولا قدرة على الفعل الجماعي. المجتمع يغرق في مناخات ذهنية مشتتة، حيث تضخم المطالب الفردية، والانغماس في المتعة اللحظية، والانعزال النفسي. الهيمنة الاقتصادية تتحوّل هنا إلى هيمنة رمزية ونفسية، تضمن استمرار التبعية وعدم القدرة على المقاومة المنظمة.
خامسا، هذه التداخلات الزمنية بين الماضي والحاضر توضح أن الإقطاع الجديد ليس مجرد مرحلة عابرة للرأسمالية، بل تراكم لنمط اقتصادي–اجتماعي–رمزي معقد: قوانين الرأسمالية المتآكلة تتقاطع مع منطق الإقطاع القديم، فيما الطليعة الخدمية تبقى العنصر القادر على اختراق هذا النسق، لكن شرط نجاحها يتطلب وعيا مزدوجا: سياسي–اجتماعي ورمزي–نفسي.
سادسا، تحليل هذا النسق يظهر أن الرأسمالية تحفر قبرها بنفسها. التراكم المبني على الريع، الاستحواذ، والسيطرة المباشرة على الأصول يفرغ الاقتصاد من قدرته على الاستمرارية الإنتاجية، ويزيد هشاشة الدولة، ويعمّق عزلة المجتمع النفسي–الاجتماعية. ومع ذلك، يبقى الإمكان الثوري مفتوحا: الفضاء الرمزي الجماعي والطليعة الخدمية هما أدوات الصراع التي يمكنها أن تعيد إنتاج معنى العدالة الاجتماعية وإعادة ضبط دورة التراكم بما يخدم المجتمع ككل.
سابعا، الصراع الحاضر ليس مجرد مواجهة بين رأس المال والعمال، أو الدولة والمجتمع، بل صراع متعدد الطبقات:
•صراع اقتصادي بين تراكم الريع والإنتاج الفعلي.
•صراع سياسي بين الدولة والتبعية السيادية وبين إمكانية استعادة القرار الجماعي.
•صراع رمزي ونفسي بين عزلة الذات الفردية وفراغ الفضاء الرمزي، وبين بناء معنى جماعي ومشروع تحرري.
ثامنا، بناء على كل ما سبق، يمكن استخلاص خلاصة ثورية شاملة:
√إعادة تعريف الإنتاج: لا يقتصر على إنتاج السلع والخدمات، بل يشمل إعادة إنتاج المجتمع نفسه، قدراته الرمزية، والفضاءات المشتركة للحياة العامة.
√الطليعة الخدمية كمفتاح للتحرر: لأنها تتحكم بالموارد الأساسية، ويمكنها تعطيل الهيمنة المباشرة للأسياد.
√الدولة كأداة محتملة للتحرر أو الاستمرار في الهيمنة: إذا تم توجيهها وفق مشروع جماعي، يمكن أن تتحول من خادمة للأسياد إلى وسيط لإعادة توزيع القوة والثروة.
√الوعي الجماعي والفضاء الرمزي: شرط أساسي لاستعادة الفعل الاجتماعي، وتحويل العزلة النفسية إلى قدرة على المقاومة المنظمة، ولتجاوز منطق الفردية والتبعية.
في النهاية، الإقطاع الحديث ليس مجرد مرحلة اقتصادية أو سياسية، بل نسق شامل يتقاطع فيه الاقتصاد، السلطة، الرمزية، والنفسية الاجتماعية. التحدي اليوم هو ترجمة هذه المعرفة والتحليل إلى استراتيجية تحررية، تستند إلى الطليعة الخدمية، إعادة بناء الدولة، واستعادة الفضاء الرمزي الجماعي، من أجل تحويل هشاشة النظام الحالي إلى نقطة قوة للمجتمع، وإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية بمعناها السياسي والأخلاقي.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم ...
- من المصانع إلى الخوارزميات: الماركسية ترسم بياناتها
- الديموغرافيا بوصفها سياسة: الدولة، الجسد، والصراع الطبقي في ...
- مجلس السلام في غزّة الإمبريالية حين تدير الإبادة… والرأسمال ...
- الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي
- أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل
- اليسار بين الانكسار والتاريخ: إما الوحدة الثورية أو النهاية
- الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار ...
- دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....
- الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائم ...
- الثورة حقّ لا يتطلّب ترخيصا
- الفاشية الشعبية: حين يصنع الخوف وعيا زائفا، وتصنع الجماهير ط ...
- بين الثورات المغدورة منها، والمسروقة، والمستمرّة: صراع الوعي ...
- الثورة التونسية: ثورة مستمر بين الشرارة الشعبية والالتفافات ...
- الهيمنة الفرنسية، الفرنكفونية، وإصلاح التعليم العالي والمراك ...
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ...
- الانقلابات العسكرية في إفريقيا: بين الهيمنة والريع وفرصة الث ...
- الفعل الثوري والبيئة: حين يصبح الدفاع عن الأرض جزء من معركة ...
- القطاع والضفة بين معماريّة الخراب ومخطّطات الاقتلاع: جغرافيا ...
- الحرية والحريات في صراع الهيمنة: الشيوعية والنضال من أجل الإ ...


المزيد.....




- قضاء إيران يتوعد المتظاهرين وخسائر بملايين الدولارات جراء قط ...
- القضية الكردية والمسألة القومية، الدولة القومية أم دولة المو ...
- قضاء إيران يتوعد المتظاهرين وخسائر بملايين الدولارات جراء قط ...
- مؤتمر الكونفدرالية الديمقراطية للشغل السابع: حصيلة إجمالية
- حزب العمال البريطاني يمنع منافسا لستارمر من العودة للبرلمان ...
- The (Well-Earned) Downfall of the West
- How to Defeat MAGA Tyranny, Chapters 1 & 2: A History of Soc ...
- فلسطين، أي استراتيجية من أجل التحرير؟
- الديون في المغرب: كيف تحوّل الاقتراض إلى آلية دائمة لنهب الط ...
- إسرائيل تقدم لواشنطن دليلا قاطعا على إعدام إيران لمتظاهرين ...


المزيد.....

- الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو / غابرييل هيتلاند
- فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم ... / مايكل جون-هوبكنز
- نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و ... / شادي الشماوي
- روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية / إلين آغرسكوف
- بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي ... / رزكار عقراوي
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ... / رياض الشرايطي
- التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع ... / شادي الشماوي
- الإقتصاد في النفقات مبدأ هام في الإقتصاد الإشتراكيّ – الفصل ... / شادي الشماوي
- الاقتصاد الإشتراكي إقتصاد مخطّط – الفصل السادس من كتاب - الإ ... / شادي الشماوي
- في تطوير الإقتصاد الوطنيّ يجب أن نعوّل على الفلاحة كأساس و ا ... / شادي الشماوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - رياض الشرايطي - الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة المجتمع.