أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - بين العاطفة والعقل: تفكيك ظاهرة تمجيد الخطاب الهويّاتي المتعصب في المجال العربي















المزيد.....

بين العاطفة والعقل: تفكيك ظاهرة تمجيد الخطاب الهويّاتي المتعصب في المجال العربي


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 15:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


المقدمة : آليات الصعود وتشظي الهوية: تحليل ظاهرة تمجيد الخطاب الطائفي والقومي المتطرف / من الهامش الى المركز

تشهد الساحات السياسية العربية ظاهرة جديرة بالدراسة، تتمثل في صعود شخصيات تتبنى خطاباً يجمع بين الإسلام السني بقراءة طائفية والقومية العربية بوجه عنصري، مرفقاً بشعارات تكفيرية وإقصائية وعنصرية وطائفية ضيقة … ؛ و هذا الصعود لا يعكس تحولاً مجتمعياً جذرياً بقدر ما يكشف عن آليات سياسية ونفسية معقدة تستغل الهشاشة البنيوية في المجتمعات العربية المعاصرة.

نعم , تتجلّى في العديد من الدول العربية ظاهرة لافتة تتمثّل في صعود شخصيات سياسية وإعلامية تتوسّل الخطاب الهويّاتي الديني أو القومي، وتستثمر في الانتماء السني أو العروبي بوصفه رأسمالًا رمزيًا، لا بوصفه إطارًا حضاريًا جامعًا… ؛ وغالبًا ما يقترن هذا الخطاب بشعارات إقصائية وعنصرية وشوفينية، بل وتكفيرية أحيانًا، تُختزل فيها القضايا العامة في ثنائيات حادّة: نحن/هم، الإيمان/الضلال، الأصالة/الخيانة… ؛ في هذا المناخ، تُكافأ القدرة على إثارة العاطفة والتحريض أكثر مما تُكافأ الكفاءة والرؤية، فيرتقي المتاجرون بالشعارات إلى مواقع القرار، بينما يُهمَّش العقلاء والحكماء وأصحاب الاختصاص، ويغيب أثرهم في صياغة السياسات العامة للدول العربية والقواعد الشعبية فيها .

التحليل السياسي: آليات استغلال الهوية

من الناحية السياسية، تمثل هذه الظاهرة أداة فعالة في يد نخب تسعى للسلطة في بيئات تفتقر إلى الشرعية الشعبية أو الكفاءة الإدارية… ؛ فالخطاب الهوياتي المتطرف يقدم بديلاً سهلاً عن البرامج التنموية والسياسات المعقدة، حيث يحول الصراع من مستوى المطالب الاجتماعية والاقتصادية إلى مستوى العواطف الجماعية والانتماءات الأولية.

نعم، يوفّر هذا النمط من الخطاب أداة سهلة للحشد السريع وتعبئة الجماهير، خصوصًا في مجتمعات تعاني من أزمات اقتصادية وهشاشة مؤسسية وضعف الثقة بالدولة… ؛ فبدل تقديم برامج قابلة للقياس والمساءلة، يُستعاض عنها بخطاب تعبوي يُحمِّل “الآخر” مسؤولية الإخفاق، ويمنح الجمهور شعورًا زائفًا بالتماسك والقوة… ؛ و هكذا تتحوّل الهوية من إطار جامع للتنوّع إلى سلاح تعبئة، ويغدو الصراع على الرموز بديلاً عن التنافس على الحلول… ؛ وعلى المدى البعيد، يُنتج هذا المسار دولةً أسيرة الانقسام، عاجزة عن بناء سياسات عقلانية ومستدامة.

وتنجح هذه الشخصيات في “تسويق” ذاتها كحراس للهوية المهددة في ظل عالم متغير، مستفيدةً من:

1. ضعف الدولة الوطنية وفشلها في تقديم نموذج جاذب للانتماء.

2. الأزمات الإقليمية التي تغذي ثقافة الحصار والعداء الخارجي.

3. تراجع الخطابات التقدمية والعلمانية التي فشلت في تقديم إجابات مقنعة لتحديات العصر.

التحليل الاجتماعي: البحث عن اليقين في زمن اللايقين

مجتمعياً، يقدم هذا الخطاب إجابات بسيطة لأسئلة معقدة في ظل تحولات اجتماعية سريعة أضعفت البنى التقليدية دون أن تقدم بدائل مستقرة… ؛ إنه يعيد إنتاج “جماعات تخيلية” توهم الأفراد بالانتماء إلى كل متجانس في مواجهة عالم يزداد تعقيداً وتعدداً.

وتظهر الدراسات الاجتماعية أن المجتمعات العربية تمر بمرحلة انتقالية حادة حيث:

• تتصادم قيم العولمة مع الهويات المحلية.

• يفقد التعليم دوره التنويري لصالح تعليم تلقيني.

• تتفكك الروابط المجتمعية العضوية لصالح روابط افتراضية هشة.

في هذا الفراغ، يقدم الخطاب الطائفي والقومي المتطرف “حلولاً” نفسية تتمثل في إعادة بناء الحدود الواضحة بين “نحن” و”هم”، وتقديم سردية بطولية تبسط الصراعات التاريخية والمعاصرة.

نعم، يُعيد تمجيد الخطاب الشوفيني إنتاج الانقسام داخل النسيج المجتمعي، ويُطبع الإقصاء بوصفه “حماية للهوية”… ؛ اذ تتآكل قيم العيش المشترك، وتضعف القدرة على الحوار، ويُستبدل الاختلاف الطبيعي بمنطق التخوين… ؛ ومع الزمن، تُصاغ الذاكرة الجمعية على نحو انتقائي، يُضخّم المظلومية ويُقدّس الزعامة، فتتراجع قيمة القانون والمؤسسة لصالح الولاء الشخصي والاصطفاف الهويّاتي… ؛ في المقابل، تُظهر تجارب الدول المتقدمة أن التماسك الاجتماعي لا يُبنى على نفي الآخر، بل على إدارة التنوّع عبر العقل والمؤسسات والمعايير.

التحليل النفسي: عودة إلى الأحضان الأممية

نفسياً، يمثل التماهي مع هذه الخطابات بحثاً عن “الأمان الوجودي” في عالم يشعر الفرد فيه بالضياع والعجز… ؛ إنه شكل من أشكال الهروب من مسؤوليات الحرية الفردية وتعقيدات الحداثة، والعودة إلى “حضن” الجماعة التي تقدم هوية جاهزة ومعنى فورياً للحياة.

نعم , تستند هذه الظاهرة إلى آليات عميقة تتعلّق بالحاجة إلى اليقين والانتماء في أزمنة القلق… ؛ إذ يمنح الخطاب القطعي إجابات سهلة ومطمئنة، ويُعفي الفرد من عناء التفكير النقدي، ويُحوّل الغضب والإحباط إلى طاقة موجّهة ضد خصم مُتخيَّل… ؛ غير أن هذا الإشباع الآني يأتي على حساب النضج الجمعي، ويُكرّس الاعتماد على العاطفة في عالم يسير بمنطق العقل والتخطيط والمعرفة… ؛ ومن هنا، فإن التحدّي الحقيقي لا يكمن في نفي الهوية، بل في تحريرها من التوظيف التحريضي، وإعادة وصل السياسة بالعقل، والشرعية بالكفاءة، والاختلاف بالاحترام المتبادل.

فمن المنظور النفسي الاجتماعي، نلاحظ:

1. استبدال الفشل الفردي بإنجازات جماعية وهمية (المجد التاريخي، التفوق الحضاري).

2. تحويل الإحباط اليومي إلى كراهية موجهة نحو “الآخر” الداخلي أو الخارجي.

3. الاستعاضة عن تحقيق الذات الفعلية بانتماء إلى مجموعة تعتقد أنها مختارة أو متفوقة.

الخاتمة: نحو وعي نقدي جديد

إن معضلة المجتمعات العربية لا تكمن في العواطف بذاتها، بل في انفصالها عن العقلانية المؤسسية… ؛ فبينما تستغل الدول المتقدمة العواطف الوطنية ضمن أطر ديمقراطية ومؤسسية تضمن التعددية وتحافظ على الحقوق الفردية، تتحول العواطف في السياق العربي إلى قوة تدميرية لغياب هذه الأطر.

العلاج لا يكون برفض الهوية أو العواطف، بل ببناء هويات جامعة غير إقصائية، وعواطف منضبطة بعقل نقدي، ومؤسسات تضمن تداول السلطة بناء على الكفاءة لا الانتماءات الضيقة… ؛ إن تحدي العقلانية العربية اليوم هو تحويل الطاقة العاطفية الجمعية من طاقة صراع إلى طاقة إبداع، ومن هويات انغلاقية إلى هويات انفتاحية قادرة على التعامل مع تنوع العالم وتعقيداته.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحليل ظاهرة الاضطهاد الطائفي والعنصري في الدول العربية
- سُكَارَى بِالنِّفْطِ، عِطَاشَى بِالمَاءِ: رُؤْيَا سُرْيَالِي ...
- مقولة وتعليق / 64 / عبير الرسائل
- بين سيمفونية الوحدة وصمت العزلة و بين ضجيج الجماعة وضوضاء ال ...
- تمجيد المجرم صدام باسم فلسطين: مناظرة في الأخلاق قبل السياسة
- منطق القوة: تحليل التدخل الامريكي و الغربي في تقرير مصير الش ...
- مرايا الإسفلت
- مقولة وتعليق / 63 / الزمن حين يُروى لا حين يُعاش : في سيكولو ...
- اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو
- بين منطق القوة وواقعية المصالح: كيف تتعامل الدول الضعيفة مع ...
- قل لي كم تكسب .. أقل لك كيف تفكّر.. الاقتصاد الخفي وراء أفكا ...
- حين يأكل الفقرُ ملامحَ الروح
- كائنٌ زائدٌ عن الحاجة
- محنة الشرف في زمن المغريات: هل نحن صامدون أم أن الاغراءات لم ...
- سجين الزمن المنكسر
- العراق بين منطق الإمبراطورية ومنطق المجتمع: لماذا فشل إخضاعه ...
- من نهر الذاكرة إلى بحر الخلاف: تشظي الهوية الوطنية في العراق ...
- كلما عرفتُ أكثر سقطتُ أعمق ..!!
- حارس الذاكرة
- ظاهرة جريمة السحل في العراق : تشريح فلسفي - سياسي - اجتماعي ...


المزيد.....




- هل ستعفو عن نتنياهو بشأن تهم الفساد؟ شاهد كيف رد الرئيس الإس ...
- أبو عبيدة: سلمنا ما لدينا من معلومات وتفاصيل عن مكان جثة آخر ...
- لأول مرة منذ 3 أعوام..انعقاد مجلس الوزراء السوداني في الخرطو ...
- جهاز ذكي يسرّع شفاء العضلات ويتحلل تلقائيا
- أولمرت يشكك في جدوى -مجلس السلام- وجدية نتنياهو في إنهاء الح ...
- -حياة أصعب من الموت-.. أطفال فلسطينيون صاروا وحيدين بفعل الح ...
- خروج أطفال سجن الأقطان يشعل موجة تعاطف وغضب في سوريا
- هكذا تكلمت وزارة الحرب الأمريكية
- يصيب العدو ويستثني الصديق؟.. سلاح واشنطن -الذكي- يثير تفاعل ...
- لماذا فعلها؟.. -بابلو إسكوبار- العصر الحديث يسلم نفسه للحكوم ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - بين العاطفة والعقل: تفكيك ظاهرة تمجيد الخطاب الهويّاتي المتعصب في المجال العربي