أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علاء سامي - صرخة فوق هياكل الحروف














المزيد.....

صرخة فوق هياكل الحروف


علاء سامي

الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 04:23
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


«إعلم أنَّ الحقيقة لا يتم حصرها في القوالب؛ وإنما تتجلَّىٰ لتراها البصائر لا الأبصار، فكُن إبنًا لمصدر الكَلِمَة وأخ لتَجَسُّدها لا عبدًا لصورتها وكُن مُستقِرًّا في جوهر المعنى لا مُستوطِنًا في قشور اللَّفظ فما اغتراب المعنى إلا باستهلاك اللُّغة ووثنيتها.»

تتّضح المُعضلة الكُبرىٰ التي تكسر الوعي الكلامي لدى العامة وبمُفاجأة نَوعية -مألوفة!- تكشف عن أهداف تغذيها على الوعي الجمعي، فهي إطلاقًا لا تكمن في عجز استبيان البيان وتفصيله بل في زحام الزور حيث تحولت اللُّغة من جِسر للعرُوج إلى جدار للصمت، نحن لا نعيش أزمة تواصل بل نُعاصر حالة الوثنية اللِّسانية التي نضجت في أتون المادة.. فاستحالت الكلمات؛ صخورًا تسدّ منافذ النور ويحرسها سدنة المادية وفُقهاء الظاهر وسُفهاء الوضع وبهذا يُلقَّن اللِّسان لُغة صامتة لا تنبض بالحياة بينما الروح تئنّ خلف قُضبان هذا التجميد الوجودي ومن مقابر الحروف تصرخ اللُّغة ويكتم المعنى سِرّه.

بادئ ذي بدء (الكَلِمَة) صَدَىٰ لرغبة الإلٰه؛ ذلك النَّفس الإلٰهي الذي يُشكّل الكيان من العدم، كانت الحُرّية والعدل والحُب "حالات وجدٍ" عُليَا وفَيضًا نورانيًا يسبق تآلف الحروف ولكن العقل الأدواتي بأزمنته وبرغبته الغريزية في التملّك اجتثّ تلك المعاني من جذورها الغيبية ليسجنها في أقفاص المصطلحات، فصارت الحُرّية والعدل سِلع الأسواق السياسية وبات الحُب وحيدًا غريبًا وسط مشاعر مُعلّبة أو فِعلًا استهلاكيًا لتكون اللُّغة الدارجة عبارة عن -جُثث الكلمات- أو حتى أشباه كلمات ونظن واهمين أننا نملك الكَلِمَة! بينما الحقيقة أننا نعبد بألسنتنا أصنامًا لُغوية مُختلَقة فلم يعجبنا أن نتَّخِذ ألوهية الكلمة حِصنً ومن المعنى جوهرًا والنتيجة:- تمتلئ الأحاديث بأهواء الزمن والحالة والموقف والنفس، وتتشكَّل الكلمة المُعاصرة برنينها الاستهلاكي وليس الإلٰهي..، وسقط اللِّسان.
وهنا نستحضر عَظمَة القَدَر؛ فكما تَوهَّم طُغاة المادة يومًا أنهم بمساميرهم وخشبتين قد صلبوا الحقيقة.. يتوهَّم طُغاة البيان كل يوم أنهم بمُحاصرة الكلمات في قواميس المصالح الدُنيوية وتَسارُع الأحاسيس قد وأدوا المعنى، إنها السُخرية القَدَرية في أبهىٰ تجلّياتها إذ كلما أمعنوا في تشويه المعنى تَسَامت الحقيقة وكثر المُريدين والمُحبين، فالمعنى الذي يُصلَب ماديًا في لغو الخُطب والأحاديث هو ذاته الذي يُبعَث روحيًا في فضاء اليقين ليعلمه العارِف ويعرفه العالِم، لأنه حتى بتحريف المعنى لا تموت الحقيقة أو تُدفن بل تَغتَرِب وتَغِيب لتُصبح نِداءً خفيًا لا يسمعه إلا الصَّادقون ومن أراد الخلاص لقلبه وروحه من ضجيج المادة والعالم.

إنَّ صَلب المعنى ليس نهاية؛ بل قَدَرًا ضروريًا لانكشاف زيف المادة وانتصار الروح في مِعراجها نحو المُطلق لتسخر الحقيقة من صالبيها، وأما فقيه القشور الذي يقتات على ظاهر النص ولُغويّ الجُملة الذي يسجد للنحو فكلاهما حُرَّاس لمقبرة خاوية وقبر فارغ؛ ذلك بأن الاستعادة الحقيقية للوجود تقتضي هِجرة لِسَانية كُبرىٰ وأن نكفر بالمعاني الأرضية المُبتذلة ونُهاجِر بقلوبنا نحو الإشارة التي تومض خلف العبارة لأن نور الحق قام وانتصر، ونُدرك إلزام أنفسنا معرفة أنَّ الكلمة لن يحجبها حِجاب؛ فالركود اللُّغوي لا يطال المعنى والوعي هو الضامن.. وليس فقط تَشَتُّت المشاعر اللَّفظية يحجبنا عن التَحدُّث والتَفكُّر والكَلام بأعماقنا بل يحجبنا عن نور الكلمة ويضلّ أذهان من لا يُريدون ظلام الصَّمت والوِحدة وإنما هُم مُرغَمون أو أصبحوا بالتعايش مُغرمين؛ فإن لم تُزلزل الكلمة كينونة المرء وتُعيد ترتيب نبضاته فهي منه براء، نحن لا نحتاج لثقافة تقرأ النصوص وإنما وَعي يستنشق النَّفَس الذي سَكَن الفراغ قبل أن يُوجَد الحرف.. فهِجرة مَعرفية لكَسر وهم الفراق واستعادة حق القُرب من الكلمة.

بخاتمة الأزمان ستسقط الأقنعة اللُّغوية والفِقهية والاجتماعية وحتى الفلسفة وتتبَخَّر كل الديباجات ولن يبقىٰ إلا الرُوح السَّرمدي الذي انبثقت منه الحياة.. وليس كاتب الكلمة من يَحشد مُفرداتها بل هو العارِف الذي يستحضر اللَّحن السماوي ليداوي به جرح الزَّمن.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدلية اللوغوس وطواف العارفين
- قيامة الروح في ملكوت الباطن
- فردوس الاعتقاد وجحيم الإكراه


المزيد.....




- هل ستعفو عن نتنياهو بشأن تهم الفساد؟ شاهد كيف رد الرئيس الإس ...
- أبو عبيدة: سلمنا ما لدينا من معلومات وتفاصيل عن مكان جثة آخر ...
- لأول مرة منذ 3 أعوام..انعقاد مجلس الوزراء السوداني في الخرطو ...
- جهاز ذكي يسرّع شفاء العضلات ويتحلل تلقائيا
- أولمرت يشكك في جدوى -مجلس السلام- وجدية نتنياهو في إنهاء الح ...
- -حياة أصعب من الموت-.. أطفال فلسطينيون صاروا وحيدين بفعل الح ...
- خروج أطفال سجن الأقطان يشعل موجة تعاطف وغضب في سوريا
- هكذا تكلمت وزارة الحرب الأمريكية
- يصيب العدو ويستثني الصديق؟.. سلاح واشنطن -الذكي- يثير تفاعل ...
- لماذا فعلها؟.. -بابلو إسكوبار- العصر الحديث يسلم نفسه للحكوم ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علاء سامي - صرخة فوق هياكل الحروف