أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عماد الطيب - وهم الثبات العاطفي وإخفاق استدعاء الماضي في العلاقات الإنسانية














المزيد.....

وهم الثبات العاطفي وإخفاق استدعاء الماضي في العلاقات الإنسانية


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 16:42
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


من الأخطاء الجوهرية التي يقع فيها الإنسان عند استعادة علاقة انقطعت لسنوات طويلة، افتراض أن الطرف الآخر ما يزال الشخص ذاته الذي غادره في لحظة زمنية سابقة. هذا الافتراض لا يعكس سذاجة عاطفية فحسب، بل يكشف خللًا في فهم طبيعة الإنسان بوصفه كائنًا متحوّلًا، يتأثر بالزمن والتجربة والخذلان والنجاح بقدر ما يتأثر بالعاطفة ذاتها.
الزمن ليس مجرد فاصل زمني محايد بين لحظتين، بل هو عامل فاعل يعيد تشكيل الأفراد من الداخل. خلال سنوات الغياب، تتغير منظومة القيم، تتبدل التوقعات، ويعاد تعريف الحب والالتزام والثقة. من يغيب عنك سنوات لا يعيشها في الفراغ، بل في سياقات جديدة، مع أشخاص جدد، وتحت ضغوط وتجارب قد تكون قاسية أو مُحرِّرة أو محبِطة. تجاهل هذا البعد الزمني هو إنكار للواقع لا يحمي العلاقة بل يدمّرها منذ لحظة اللقاء الأول.
تكمن الإشكالية الأكبر حين يُحمِّل أحد الطرفين الآخر كامل عاطفته فور العودة، ويطالبه ضمنيًا بأن يستجيب كما كان في السابق. هنا لا تعود العلاقة تواصلًا بين شخصين حاضرين، بل محاكمة غير معلنة، يُقاس فيها الإنسان الحالي بمعايير نسخة قديمة لم يعد مطالبًا بالالتزام بها. هذا النوع من التوقعات يخلق اختلالًا في ميزان العلاقة، إذ تتحول من مساحة تفاعل متكافئ إلى ساحة مطالب غير واقعية.
من الناحية النفسية، التمسك بصورة الآخر القديمة هو تعبير عن حنين غير مُعالَج، ورفض ضمني لفكرة الخسارة أو التغير. الإنسان غالبًا لا يشتاق إلى الأشخاص بقدر ما يشتاق إلى المرحلة التي كان فيها معهم، إلى ذاته القديمة أكثر من الآخر ذاته. وحين يعود الطرف الغائب مختلفًا، لا نشعر بخيبة منه فقط، بل بخيبة من الزمن الذي لم يحفظ لنا ما كنّا نظنه ثابتًا.
العاطفة، حين تُمنح دفعة واحدة بعد انقطاع طويل، تصبح عبئًا لا رابطًا. فهي تُربك الطرف الآخر وتضعه أمام مسؤوليات لم يخترها، وتكشف في الوقت ذاته هشاشة من يمنحها دون اختبار الواقع الجديد. العلاقات الناضجة لا تُستأنف بالعاطفة وحدها، بل بإعادة التعارف، بإعادة التفاوض على المسافات، وبفهم صريح لما تغيّر وما لم يتغير.
الخطأ الشائع أيضًا هو الاعتقاد بأن الوفاء يقتضي بقاء المشاعر على حالها، وكأن التغير خيانة للماضي. في الحقيقة، الوفاء الحقيقي هو احترام التحولات الطبيعية للإنسان، وعدم إرغامه على ارتداء نسخة لم تعد تناسبه. العلاقات التي تنجح بعد الفراق الطويل هي تلك التي تعترف بالتغيير وتتعامل معه بمرونة، لا تلك التي تحاول إنكار حدوثه.
إن مطالبة شخص غاب عنك سنوات بأن يكون كما كان، هي مطالبة غير أخلاقية بقدر ما هي غير واقعية. فهي تُحمِّله ذنب التغير، وتُبرّئ الذات من مسؤولية التعلّق بالماضي. وفي هذا السياق، تتحول العلاقة إلى صراع صامت بين ذاكرة تريد الاستمرار وواقع يفرض القطيعة.
النضج العاطفي يتجلى في القدرة على الفصل بين الذاكرة والراهن، بين ما كان وما هو كائن. أن نمنح العاطفة بقدر ما نرى ونختبر، لا بقدر ما نتذكر ونتخيل. وأن ندرك أن بعض العلاقات لا تفشل لأنها سيئة، بل لأنها استُهلكت في زمنها الصحيح، ولم تُخلق لتُستعاد خارج سياقها.
في المحصلة، ليس التغيير هو الخطر الحقيقي على العلاقات، بل الوهم. وهم أن الأشخاص ثابتون، وأن العاطفة يمكن تجميدها واستدعاؤها متى نشاء. من يتحرر من هذا الوهم، يتحرر من كثير من الخيبات، ويتعلم أن العلاقات الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالتحول، لا من الهروب منه.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية
- اختلال المعايير الوطنية في العراق
- تعالي… قبل أن أتعافى منك
- ليست أخطاء حكم… بل هندسة غضب وتهريب مسؤولية
- اصنامنا البشرية
- من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي
- اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد
- الوجع الجميل في الذاكرة
- ما تبقى بعد الحب
- خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى
- جمال الله
- اقتصاد يعاقب الفقراء
- المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة
- الهجر حين يفقد دهشته
- تدريب عنيف على الخسارة


المزيد.....




- هل ستعفو عن نتنياهو بشأن تهم الفساد؟ شاهد كيف رد الرئيس الإس ...
- أبو عبيدة: سلمنا ما لدينا من معلومات وتفاصيل عن مكان جثة آخر ...
- لأول مرة منذ 3 أعوام..انعقاد مجلس الوزراء السوداني في الخرطو ...
- جهاز ذكي يسرّع شفاء العضلات ويتحلل تلقائيا
- أولمرت يشكك في جدوى -مجلس السلام- وجدية نتنياهو في إنهاء الح ...
- -حياة أصعب من الموت-.. أطفال فلسطينيون صاروا وحيدين بفعل الح ...
- خروج أطفال سجن الأقطان يشعل موجة تعاطف وغضب في سوريا
- هكذا تكلمت وزارة الحرب الأمريكية
- يصيب العدو ويستثني الصديق؟.. سلاح واشنطن -الذكي- يثير تفاعل ...
- لماذا فعلها؟.. -بابلو إسكوبار- العصر الحديث يسلم نفسه للحكوم ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عماد الطيب - وهم الثبات العاطفي وإخفاق استدعاء الماضي في العلاقات الإنسانية